سيلفانا الخوري: “صحبة لصوص النار” لجمانة حداد: ثلاثة عشر كتاباً في كتاب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

امبرتو ايكو، جوزيه ساراماغو، ايف بونفوا، بول اوستر، باولو كويلو، بيتر هاندكه، ماريو فارغاس يوسا، الفريده يلينيك، انطونيو تابوكي، الطاهر بن جلون، مانويل فاسكيث مونتالبان، نديم غورسيل، ريتا دوف: ثلاثة عشر كاتباً وكاتبة، “لصوص نار” رائعون تأخذنا الشاعرة والصحافية جمانة حداد في رحلة استكشافية شغوفة الى عوالمهم الأدبية والثقافية والانسانية في كتاب دسم يجمع الحوارات المطوّلة التي أجرتها معهم خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ونُشر معظمها سابقاً في “الملحق” الثقافي لجريدة “النهار”.

تحت عنوان “صحبة لصوص النار”، في إشارة الى التعبير الذي استخدمه رامبو يوماً لوصف الشعراء (استنادا الى صفة بروميثيوس في الميثولوجيا اليونانية)، نعثر في هذا الكتاب، الصادر أخيراً لدى “دار النهار”، بيروت (وبالتزامن لدى “دار أزمنة”، عمّان)، على ما هو أبعد من الحوار في معناه “التقليدي”، أي من حيث هو اجتهاد مهني وصحافي فقط. نحن هنا أشبه ما نكون ازاء عمل ذي ابعاد أدبية، البحث فيه والنبش والتقصي وثقافة المحاوِرة الخاصة، جزء من خصوصية الحوار وفنيته وابتكاريته. النتيجة: نصوص خلاقة بين البحث النقدي والقصة القصيرة، يختصر كل واحد منها مغامرة وتوقاً الى معرفة الآخر والعبور به ومعه الى عوالم أدبية وثقافية وإنسانية غنية ومتنوعة: هي متنوّعة تنوّع القارات والبلدان والثقافات والرؤى الادبية التي تنطوي عليها كل تجربة من هذه التجارب، حتى ليرتسم لنا عن كل منها، بعد القراءة، ما يشبه البورتريه الشامل والمكثّف، الذي يحاول أن يقتنص، تحايلاً أو مناورة أو مباشرة، النواحي المختلفة من التجربة الخلاقة لكل من هذه الشخصيات، مضيئا عليهم كأدباء اولاً، لكنه وفي المستوى نفسه يضيء على “الانسان” في كل منهم، بعيداً من الهالة التي يرسمها الادب حولهم.
منذ اللحظة الأولى لمقاربة الكتاب، يشعر القارئ أنه ازاء عمل لا شيء فيه متروكاً للصدفة، وان التخطيط والتصميم والتحضير تطاول حتى أصغر التفاصيل. بدءاً من الغلاف (تصميم عبر حامد) الذي يمزج بحس فني جميل بين صور هؤلاء الادباء وتواقيعهم ضمن إطار خفرٍ وأنيق، وصولاً الى الحوارات في حد ذاتها. لكن قبل ذلك، تفتتح جمانة حداد الكتاب بمقدمة نظرية ذات هيكلية مدروسة، وبنية مدركة وجهتها، ممنهجة وأكاديمية، لكنْ لا تخلو من نبرة شعرية، تحاول فيها صوغ تجربتها الحوارية على أكثر من مستوى: ثمة اولاً البعد التقني الصرف، ثم البعد المعرفي الثقافي، واخيراً البعد الشخصي، في حوارات تقول حداد انها لطالما كانت هاجساً شخصياً وحميمياً بامتياز بالنسبة إليها.
في البداية، تعود جمانة حداد الى الجذور الاولى للسؤال من خلال ذاك السؤال – الغواية الذي حدّد مصير البشرية ورسم قدرها: “أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟”، وتكتب شارحة: “انه السؤال الاول في تاريخ الانسانية. سبب ما يسمّى “خطيئة” الانسان الاولى، اي رغبته في المعرفة. هو السؤال – الوسواس. الاصل الذي في كل شيء. والذي من اجل كل شيء”.
انطلاقاً من هذه النقطة، تضع حداد بين أيدي القراء، وربما خصوصا المهتمين منهم بإجراء هذا النوع من الحوارات قبل سواهم، المفاتيح الاساسية للحوار، في وصفه خلقاً وسفراً وكدّاً وغريزة وإضافة وقنصاً واصغاء وتعلّماً وما الى ذلك من تعريفات ترفدها بالشرح والتعليق استناداً الى تجربتها، وذلك منذ القرار الاول بإجراء الحوار وصولاً الى عمليتَي التفريغ والكتابة، او ما تسميه “المطبخ”. في مكان ما من المقدمة تكتب: “جوهري أن تجد الدفة التي تدير الحوار في الاتجاه المناسب. أعني المناسب لكما معاً. أن تعرف من دون تشاوف، أن تفاجئ من دون تباهٍ، أن تشاكس من دون ادعاء، ان تستفز من دون حذلقة، أن “تحشر” من دون تذاكٍ، ان ترغم من دون وقاحة، ان تعرّي من دون ابتذال. أتح لهم ان يبنوا لك الشخصية التي ابتدعوها واخترعوها عن أنفسهم، ثم انسفها بتهذيب”.
على هذا الصراع المستتر بين الطرفين، المحاوِر والمحاوَر، الصراع ذي البعد الغريزي الذي يدفع الانسان من ناحية الى فهم الاخر واستكشافه، ومن ناحية ثانية الى الانكماش على ذاته وحمايتها من تلصصه، تبني جمانة حداد مقدمتها من دون ان تنسى وصية أخيرة: “والحوار صنعةٌ أخيراً. عندما تجلس لتكتب، اكتبْ “قصة الحوار”، فكل حوار مغامرة ورحلة وحكاية”.
عبر هذه المغامرات والرحلات والحكايات، سنكتشف عوالم هؤلاء الكتّاب جميعاً، في حوارات تسبقها مقدمات تمزج النَفَس القصصي الذي يكشف عن ملابسات الحوار وظروفه، الى نبذة بيوغرافية تعريفية تسطّر أهمّ المحطات في مسار الكاتب الادبي والحياتي، فضلاً عن اضاءة بانورامية على خصوصية تجربته الخلاّقة ومميزاتها، الى جانب لمحة عن محتوى الحوار، لمحة لا تختصر بقدر ما تضطلع بدور “الطعم” الذي سيحثّ القارئ على متابعة القراءة طمعاً بقنص المزيد.
على مستوى الاسئلة المطروحة، نلاحظ نوعين أساسيين منها: ينتمي الاول الى القضايا والشؤون التي تهجس بها صاحبة الحوارات شخصياً وسنعثر عليها في أكثر من حوار، على غرار طقوس الكتابة والشرارة الخلاقة الاولى والعلاقة مع اللغة ودور الأدب والحدود بين الثقافتين النخبوية والشعبية ومسألة الترجمة وقضايا العالم المعاصر والاشكاليات التي تطرحها الطفرة التكنولوجية… وسواها من الاسئلة والمَحاور، بينما النوع الثاني هو الذي تفرضه شخصية الكاتب ومساره ويمس كل تجربة دون سواها في خصوصياتها ومميزاتها.
يصعب أن نختصر بأمانة كل حوار من الحوارات الثلاثة عشر وأن ننقل نبضه ونبرته و”لمعاته” المختلفة، لذا سوف نكتفي في ما يأتي بالاشارة الى بعض المحطات البارزة في كل منها، مع ادراكنا التام لاعتباطية هذه المقاربة واختزاليتها وعدم قدرتها على رصد المحتوى المكثّف لكل حوار و”اللقطات” التي تشكل فرادته. نبدأ بالحوار مع الايطالي أمبرتو إيكو الذي يطاول موضوعات متنوعة ومتشعبة على غرار تنوع مجالات اهتمام هذا الكاتب الذي لم يكف منذ “اسم الوردة” عن الاستكشاف والغوص في بحور اللغة وتاريخ الجمالية وعلم الرموز والشعر الطليعي والرواية وأدوات التواصل وسواها من القضايا المعرفية المرتبطة بالعالم المعاصر واشكال تطوره وكيفيتها. رداً على سؤال حول ما اذا كان يتوقع حجم نجاح “اسم الوردة” يجيب: “اذا لم يكن الكاتب يظن انه سيتجاوز جميع الذين سبقوه و”يقتلهم”، يستحسن به الا يحاول الكتابة أصلاً. التواضع ليس صديقاً جيداً للخلق”.
من ناحيته، يتميز الحوار مع البرتغالي جوزيه ساراماغو بالكم الكبير من الثراء المعرفي الذي تعكسه شخصية هذا الروائي المشغول دائماً وأبداً بهمّ المصير الذي يتجه اليه العالم. واذ يتحدث عن الانسان الذي هو اليوم في صدد خسارته “حقيقته” يعلن: “غالباً ما اقول ان الفجور لا يكمن في الافلام الاباحية، بل في ان ثمة اناساً يموتون في قرننا هذا بسبب الجوع وبسبب الحروب العبثية”.
لم يكن الشاعر الفرنسي إيف بونفوا بدوره بعيداً عن هذا الهجس بمصير العالم والبؤس المسيطر على الارض، معتبراً ان دور الشعر اليوم يكمن في “اعادة فتح سؤال الكيان في مجتمع عاد لا يدرك سوى “الشيء”، الشيء الذي يمكن شراؤه او بيعه، اي القابل للاقتناء: وذلك هو العدم في ذاته”.
أما الاميركي بول أوستر، فيتحدث عن تأثره بالأدب الفرنسي وتحديداً بالشعراء السورياليين وبقدرتهم على تثوير الشعر والحياة على السواء. ويصف رحلته صوب الرواية المحفوفة بشتى انواع القلق والارتباك، لتصل به الحال الى حد القول: “ليس العالم ما نكتبه بل ما لا نكتبه”.
لا يخلو الحوار مع الروائي البرازيلي باولو كويلو من محطات استفزازية تحاول فيها حداد “مباغتة” الكاتب من زوايا لم يكن ليتوقعها، لاسيما في مسائل على غرار مدى طوباوية مقارباته للحياة ولبعض نواحيها مثل موضوع الجنس او فكرة التناغم بين الجسد والروح. الجواب: “مثالية؟ لا اعتقد. المطلوب فقط ان نحاول دائماً اعطاء افضل ما عندنا، ان نحارب لكي نصل الى الحب الحقيقي، من دون ان نتوهم طبعاً انه الفردوس”.
مع النمسوي بيتر هاندكه، نكتشف الكائن الذي تقول عنه حداد ان “فيه الطفل المذعور بقدر ما فيه الثعلب الحذر”. يكشف هاندكه ان الرغبة وحدها لا تكفي لكي نكتب، ويجدر ان يضاف اليها الاسى وشعورنا المأسوي بمشكلات العالم. كما ينتقد من “ينتقدون اولئك الذين يجرون تجارب على اللغة نتيجة شغفهم بها، فيتهمونهم بأنهم شكلانيون وجماليون. هذا هراء. لمَ يكون الادب فقط معادلاً للاقتراب الاقصى من اليومي؟”.
يبدأ الحوار مع البيروفي ماريو فارغاس يوسا من حيث الرغبة الاولى بالكتابة ومن الكتّاب الذي ولّدوا فيه الشرارة الاولى، فيتوقف عند تجربة فلوبير في “مدام بوفاري” وعلاقته بالكتابة ويعتبر ان “الدافع الى الكتابة يأتي من الداخل، من القاع المعتم والغامض”. أما مع الفائزة بجائزة نوبل للأدب في 2005 النمسوية الفريده يلينيك، فترصد الاسئلة التغيير الذي أدخله هذا الفوز في حياة الروائية المثيرة للجدال وتعيش بعيدة عن الاضواء. ثم يتجه الحديث نحو مفهوم الكتابة لديها كنوع من الغريزة الفيزيكية المهيمنة، فتصف ما تقوم به بأنه عملية انتزاع الاقنعة عن الكليشيهات الاجتماعية القائمة بواسطة اللغة: “اذا ضربنا اللغة بالقدر اللازم من العنف، لا بد ان تخون ايديولوجياتها وطبيعتها الكاذبة ووعيها المزيّف”.
اللقاء مع الكاتب الايطالي أنطونيو تابوكي كان للقدر والمصادفات دور أساسي فيه، وذلك في قصة غريبة ترويها حداد في مقدمة الحوار الذي يبدأ من كتابه الاخير “تريستانو يموت” وكيفية ولادة هذه الرواية والنفحة المسرحية التي تنطوي عليها. يعتبر تابوكي ان “الادب شكل من اشكال المعرفة ما قبل المنطقية” ويتحدّث عن النزعة الاستعرائية الموجودة في كل كاتب.
المغربي الطاهر بن جلون، يتحدث من ناحيته عن الرواية كمرآة للعصر وكوسيلة التعبير الادبي “الاكثر قدرة على تحمّل بشاعة” هذا العالم المحكوم “بالبراغماتية والفردانية والعنف”، معبّراً عن أسفه لأننا نعيش في عالم بلا شعر. اما الاسباني مانويل فاسكيث مونتالبان الذي توفي في 2003 قبل ان يتمكن من قتل الشخصية التي اخترعها وصنعت شهرته ورافقته على مدى 22 رواية، فيبدأ الحوار معه من هذه النقطة بالذات، وتحديداً حول التشابه بين التحري الخاص بيبي كارفالو وشخصية دون كيشوت، معتبراً ان “لكارفالو من دون شك جينات دونكيشوتية”.
الروائي التركي نديم غورسيل يتحدث عن علاقته بباريس، المدينة التي يعيش فيها منذ 1980، وعن تركيا الحاضرة بقوة في اعماله، وعن اللغة التركية التي هي وطنه الحقيقي كما يقول: “لا اشعر بأني فرنسي رغم حصولي على الجنسية، لكني اشعر بأني باريسي. باريس بالنسبة اليّ ليست فرنسا. شيئاً فشيئاً لم تعد اسطنبول مدينة أرجع اليها، بل غدت مدينة اذهب اليها. أحس بأني فقدت تركيا الى الابد كاحتمال عودة نهائية”.
الحوار الأخير في الكتاب هو مع الشاعرة الاميركية ريتا دوف (غير منشور سابقا)، التي تعتبر ان على الشعر ان يعود الى “عرين الشعب وحديثه وخطابه وحياته اليومية”، وانه يجدر به ان يكون أداة لتفعيل الوعي الاجتماعي لدى الشعوب. كما تتحدث عن الكتابة كحرفة، شرطها الاول الاحساس باللغة او وعي اللغة، وعن كيفية كتابة القصيدة وتطورها وورشة العمل والمراحل المختلفة التي تسبق ولادتها. وتتطرق كذلك الى علاقتها بالرقص وكيف ان “الشعر هو احد انواع الرقص”.
في القسم الاخير من مقدمتها، تكتب حداد ما يشبه الخلاصة المعرفية التي يمكن ان تكون لسان حال كل قارئ سيخرج من هذا الكتاب مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل تجربة، فتقول: “من بول اوستر تعلّمت كيف تكون الكتابة هوية، ومن امبرتو ايكو النهم واتساع الافق، ومن بيتر هاندكه فضائل الانسحاب من الحياة العامة، ومن باولو كويلو الاصرار على الحلم حتى عندما لا نصدّقه، ومن ماريو فارغاس يوسا فطرة الثقافة، ومن جوزيه ساراماغو قاعدة الجلوس المقدسة، ومن إيف بونفوا التواضع والبساطة والحنان، ومن انطونيو تابوكي الايمان العنيد بالمصادفات، ومن نديم غورسيل دفء الاحساس الانساني، ومن الفريده يلينيك شراسة الصدق، ومن مانويل فاسكيث مونتالبان عشق الحياة الابيقوري، ومن ريتا دوف معنى بناء الذات لبنةً فوق لبنة، ومن الطاهر بن جلون الشفافية والتقشف”… ازاء هذه “الدروس”، لا يبقى ان نقول أخيراً سوى ان هذه هي أيضا حالنا، نحن قراء هذا الكتاب.
(عن “النهار”)

نشر في 13/01/2007 9:50:00

‫0 تعليق