حسن قرفال: التقليد المسرحي في ليبيا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تمهيــــــــد:
يعرف سوريو المسرح على النحو التالي:
«هو الفن الذي يقوم على جمع الناس لطرح مصائرهم أمام أعينهم وما تتضمنه من مشاكل، وذلك بواسطة عُوَيلم مركزي يكوِّن حالة انفعال تجري في ثناياه الأزمة الحيوية لأشخاص معدودين، تلك الأزمة التي تجعل مصير العالم الإنساني متقمصا حاضرا في العقل والحواس تقوم بدور الممثلة المؤقتة لديه»[1].

يتطلب اكتمال هذا النوع من المسرح خشبة وجمهورا مسرحيا داخل قاعة للعرض، وممثلين يتواصلون ويتداخلون عبر حوارات مختلفة محاطين بمجموعة من الديكورات والأكسسوارات، يجمعهم نصٌّ متكامل، وتصاحبهم إضاءة مسرحية تحدد الزمان والمكان والحالة النفسية التي تعيشها الشخوص الممسرحة. هذا النوع لم يكن معروفا في القطر الليبي ولا في باقي أرجاء الوطن العربي قبل نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدا قبل سنة 1847، وهي السنة التي أدخله فيها مارون النقاش.

إذا، فالمسرح بشكله الأوروبي، ذو العلبة الإيطالية تحديدا، كان فنا مستوردا أدخله إلى الوطن العربي الموارنة اللبنانيين بتقديمهم لعرض مسرحية «البخيل» المقتَبَسة عن مسرحية الكاتب الفرنسي موليير وتحمل العنوانَ نفسه.

ورغم الاختلاف الكبير بين المؤرخين العرب في قضية وجود فن المسرح – أو عدمه – في التاريخ العربي القديم والوسيط، فإن المعطيات المتوفرة عبر مسيرة المجتمع العربي، تدفعنا إلى ترجيح الفرضية التالية: لقد كان «فن المسرح» فنا وافدا على العالم العربي، قدم إلينا عبر البحر، مع طلائع الموجات الأولى من المستوطنين الأوروبيين أو أتى به من تأثر من العرب بالأوروبيين عبر دراسته وإقامته بأراضيهم. ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى عدد من الظواهر المسرحية ذات الأشكال الفرجوية التي عرفتها الذاكرة الشعبية في ليبيا، والتي كانت تبعث السرور في القلوب، وتحث على الاستمتاع. لقد كانت هذه الأشكال الفرجوية تقدَّم في مناسبات عديدة، سواء كانت دينية أو اجتماعية. وربما كانت أيضا بمثابة الإرهاصات الأولى لولادة المسرح في ليبيا من بعد. وكما يقول أوسكار بروكت OSCAR BROCKETT في كتابه «تاريخ المسرح»، فإن «الجذور أو الملامح الأساسية للمسرح والدراما كانت قد وجدت في كل المجتمعات البشرية، سواء كانت متحضرة أو بدائية. ولربما شوهِدَت في رقصات البدائيين. كما يمكن مشاهدتها اليوم في عدة أنشطة في المجتمعات المتقدمة، كالقدّاس الديني أو الحملات الانتخابية السياسية، أو المواكب الشعبية. غير أن معظم هذه الأنشطة لم تكن قصدا مسرحا، بالرغم من استعمالها للعناصر الأساسية للمسرح، كالفرجة والحوار والصِّراع»[2].

أما باتريس بافيس (Patris PAVIS)، فيرى أن المسرح في الأصل كان عبارة عن «حفل ديني تقيمه مجموعة إنسانية لتحتفي بشعيرة زراعية – الإخصاب مثلا – تقوم على مشاهد نرى فيها إلها يحتضر ليحقق حياة أفضل أو سجينا يواجه الموت أو استعراضا دينيا أو حفلا تهتكيا (orgiaque) أو كرنفالا منظما»[3].

لقد عرف الليبيون عدة تظاهرات شعبية عبر عصورهـم التاريخيـة المتعاقبـة، اتخذت أشكالا فرجوية دينية واجتماعية يمكن تسميتها بـالـ «ما قبل المسرح». وقد كانت هذه التظاهرات «تكتسي شكلا مسرحيا نظرا لما تروم إليه من توسيع للفضاء وتوظيف لمجموعة من اللغات السمعية البصرية. وبما أم غريزة المسرح أو الفعل المسرحي تشع كتعبير أولي لدى الإنسان منذ العصر الحجري. فطقوس الرقص والغناء والمواكب والأعياد والمراسم والألعاب الفولكلورية وقصص الدعابة والحكايات السردية وغير ذلك من الفنون الشعبية تعد أشكالا مسرحية مجهضة رافقت الإنسان منذ أن درج على الأرض لأنها تنبني على الحوار والشخوص والديكور والملابس والموسيقى والزمان والمكان، ولأنها تفترض وجود معدين ومؤطرين»[4]. وكباقي الشعوب، عرف الليبيون هذه الأشكال المسرحية المُجْهَضة، ورافقتهُم عبر مسيرتهم التاريخية. فهذا المؤرخ التونسي عثمان الكعاك يرى أن الليبيين قد عرفوا الموسيقى في القرن العشرين قبل الميلاد على سبيل التقريب، وهو العصر الذي سادت فيه الحضارة الحجرية، كما عرفوا الرَّقص الغنائي الديني عند هجرة البربر من اليمن وانتشارهم في القارة الإفريقية.

ويستطرد الكعاك في محاضرته التي ألقاها بكلية الآداب بجامعة بنغازي عام 1968 قائلا: «لقد دخلت الأصوات القطر الليبي في أواخر القرن الأول الهجري، والأصوات هي أناشيد تنشدها القيان والمغنون باصطحاب العود كما ورد ذكره في كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، فكانت قصور الولاة والكبراء بطرابلس لا تخلو من ستارة القيان. ومن جهة أخرى، نشأت الرقائق، وهي مدائح شعرية ينشدها المداحون في أضرحة الأولياء وأرابطة المرابطين والساحات العامة»[5].

أما مدام “رتشـارد تولـي” صاحبـة كتـاب «عشـر سنـوات فـي بـلاط طـرابلـس» فتحدثنا عن هذه التظاهرات بقولها: «في اليوم الثاني من الشهر السابع من العام ألف وسبعمائة وسبعة وثمانين. شاهدت احتفالا في بيت سفير بطرابلس كان وسط البيت عدد من النساء الراقصات وأخريات يعزفن على الآلات الموسيقية البربرية، يغنين وينشدن الشعر ارتجالا يحيين به عودة السفير»[6].

وفي كتاب «أسرار طرابلس»، نجدُ “مابل لومس تود” تستشهد بما رأته في مدينة طرابلس من مظاهر الاحتفالية قائلة: «إن الزنجيات يقمن بضرب الدفوف في الأعراس ويرافقن العروس في تنقلاتها، وإن موسيقى طرابلس المحلية تتميز بالآلات المختلفة البسيطة. فالقرب في أيدي السودانيين، والشبابات والصنوج والآلات الوترية التي تستخدم في غناء الشوراع وروايات القصص، والأغانى السحرية؛ تستعملها الزنجيات في حفلات الأعراس العربية»[7].

لقد عرف الليبيون هذه التظاهرات الفرجوية التي اتخذت منحيين اثنين:

المنحى الأول: منحى صوفي يتمثل في الحلقات الصوفية، أو كما تسمى في ليبيا بـ «الحضارى»، والتي كانت تقام داخل الزوايا الصوفية وخارجها احتفالا بالمولد النبوي الشريف، أو تلبية لنذر نذره أحد الأشخاص. ومثال ذلك الحضرة العيساوية والحضرة العروسية.
أما المنحى الثاني، فهو اجتماعي كالحكواتي – الراوي – والبوسعدية، والشيشباني، والطبيبلة، وامك طنبو، ثم خيال الظل أو ما يسمى في ليبيا بالقره قوز – العين السوداء – الذي كان يقدم عروضه طيلة ليالي رمضان المبارك.

وهناك ألعاب وعروض شعبية كانـت – ولا تـزال – تقام في الأعراس كلعبة السلطان والوزير وغيرها.

إن كل هـذه التظـاهـرات الشعبيـة قـد عرفتهـا الذاكـرة الشعبيـة فـي ليبيـا عبـر تاريخها الطويل، وصولا إلى يومنا هذا. غير أن التغير الاجتماعي الذي طرأ علـى بنية المجتمع في سنواته الأخيرة حاول نسيان أو تناسي بعض هذه التظاهرات التي ظلت، وإلى وقت قريب، تمارس في أغلب المدن الليبية الساحلية، يجد فيها المتلقي والمرسل معا متعة وأصالة وغوصا في الذات العربية الليبية، ويعتبرها جزءا فاعلا من ثقافته وتراثه رغم ما طرأ على هذا المجتمع من تغيرات وتبدلات اجتماعية وسياسية وإيديولوجية، سيما بعد اكتشاف النفط، وموجة الهجرة من الريف إلى المدن، وانتشار التعليم باختلاف مراحله، والتطور الذي عرفه الإعلام، ودخول المرأة معترك الحياة، ثم الغزو الثقافي الوافد من الشمال.

ومع ذلك، لا تزال التظاهرات الشعبية تأخذ الإنسان الليبي بكثير من الحنين إلى ماضيه، لأنه يجد فيها صورة محركة لعواطفه عبر فضاءات وتشكيلات، مستوحاة من بيئته تبعده قليلا عن معاناة الحياة اليومية المليئة بالصخب والألم والمنافسة من أجل الحياة.

إن هذه التظاهرات تشكل الصورة الفنية المثلى لمجتمع ما قبل المسرح، وهي: «تتوافق في جملتها مع طبيعة الفن المسرحي، لأنها تختزن في طياتها عناصر التمسرح (Téâtralité) ومواصفات الفرجة الشعبية التي لا تنقرض أبدا، بحكم وجود رؤساء أو معلمين يلقنون للجيل الجديد الصاعد مهنة قرض الشعر، وفنون الأداء الموسيقي، وأساليب الرقص والمتوارث»[8].

1- التظاهرات الفنية ذات الطابع الاجتماعي:
أ – الـــراوي:
عرفت معظم البلدان العربية وبعض دول آسيا الوسطى الراوي وإن اختلفت الأسماء من قطر لآخر. فالليبيون أطلقوا عليه اسم الراوي، والجزائريون اسم القوَّال. أما المشارقة، فكانوا ينادونه الحكواتي، باستثناء العراقيين الذين يدعونه المحدِّث. ففي العصر العباسي كان يعرف الراوي باسم السماجة، وهو كما تقول تمارا الكسندرنوفا في كتابها «ألف عام وعام على المسرح العربي» اسم الممثل الذي أوجد هذا النوع من الفن الشعبي»[9].

والمغاربة بدورهم عرفوا هذه الشخصية، فأطلقوا عليها اسم الراوي. ويبقى الدور الأساسي الذي كانت تعتمد عليه شخصية الراوي، رغم اختلاف تسميته من جهة إلى أخرى، هو التمثيل.

لقد لعب الراوي دورا أساسيا في تشكيل عناصر الفرجة لدى المتلقي العربي عبر التاريخ؛ وهو من النماذج القديمة نسبيا التي ربما جاءت مع الفتح الإسلامي لأقطار الشمال الإفريقي وباقي البلدان الأخرى. لهذا، ورد ذكر الحكواتي في الكتب القديمة، فظهر «في أكثر من شكل من أشكال المأثورات والمنظومات ومنها منظوم بالكان كان سمي بذلك لأنهم أول ما اخترعوه لم ينظموا فيه سوى الحكايات والخرافات، فكان قائله يحكي ما كان وكان ولفظه قالب لذلك وقابل له»[10].

ويرى توفيق الحكيم أن هذا الفن، أو هذا الشكل من الفن العربي، يعتبـر مـن أول الأشكال الفنية التي عرفتها مصر العربية، فيقول: «إنه العهد الذي ما كنا نعرف فيه غير الحكواتي والمداحين والقلادين. فنون بدائية من غير شك، ولكن الناس وقتئذ، كانوا يجدون فيها أخصب المتعة… كانوا يجدون في حكاية الحكواتي للسير والملاحم ما أمدهم بمتعة فنية عوضتهم عن المسرح. فالتأثير الذي يحدثه في أنفسهم من هذه العروض كان عميقا»[11]. أما الدكتور المنيعي، فيرى أن «الراوي الذي عرفناه جميعا كان يقدم الملاحم والسير، ويفرض نفسه كفنان مبدع في مجال السَّرد والإيماء»[12].

إن أول مرة يرد فيها ذكر اسم الراوي في ليبيا، كانت في كتاب «أسرار طرابلس» لمؤلفته «مابل لومس تود» التي زارت طرابلس عام 1900، حيث تقول: «كان رجلا أسودا بهي الطلعة، جذابا، محاطا بجماعة مختلطة من الفزانيين. وقد أبقاهم في دهشة بحكاياته حتى استرخت قبضاتهم وسقطت مشترياتهم في الرمال، وهم متعلقون بكلماته كلمة كلمة في توتر غير منقطع»[13].

لقد عرف الليبيون الراوي منذ زمن بعيد؛ ومن المرجح أنه جاء مع الفاتحين ومع القبائل العربية المهاجرة كبني سليم وبني هلال؛ عرفوه ممثلا متمكنا ساردا حكاياته على اختلافها مخترقا حاجزي الزمان والمكان، محلقا في أجواء أسطورية تارة، وواقعية تارة أخرى، مجتذبا إليه النظارة المسترخين من عناء القيلولة، متخذا الأسواق مسرحا له كسوق الجديد الذي أنشأه أحمد باشا القره مانلي (1723-1742م)، أو سـوق التـرك الـذي أنشـأه الـوالي التـركي محمـد باشـا شايـب العيـــن (1687-1701م)، أو سوق المشير الذي أسسه الوالي المشير رجب باشا (1906-1908م)، أو تلـك الأسـواق التـي وجـدت قبـل ذلـك، والتـي كانـت تسمـى بأسماء الأيام كسوق الثلاثاء، وغيره. لقد كان هذا الممثل يتخطى عتبة الزمان ويحلق بمتلقيه في أرجاء بعيدة، يسافر عبر صوت جميل وحركات إيمائية رائعة، يسافر إلى اليمن ليقابل سيف بن ذي يزن، ثم يعرج إلى الحجاز ليرى عنترة بن شداد العبسي شاهرا سيفه، متقدما نوقه البيض، وتارة محلقا فوق مدينة تونس ليشاهد، عبر مخيلته، أبا زيد الهلالي ودياب وجازية. وقد كان صاحب قدرة كبيرة في مجال التخيل والسرد، ينقل الأحداث وتنقله في تناغم وحرفية بديعين. ومن ثم، فالرواة الذين عرفتهم الأرض العربية، ومنها ليبيا، كانوا «يتوفرون على خيال فوضوي، يطلقون العنان لمخيلتهم، فيبتكرون الأحداث في الحين، ويغوصون في مغالق من الآراء يفكونها بكل سهولة، ويجعلون أبطالهم يقومون بأي شيء كان ولو أنه شيء لا منتظر»[14].

إن هذا الممثل الفرد «الأحادي التركيب» الذي يصل في إبداعاته إلى حد الاستغناء عن المكملات الأخرى لعالم الفرجة، كالفضاء المسرحي والديكور والموسيقى والإضاءة، تكمن أدواته في ذاته وفي حرفية غاية في الدقة، يستطيع من خلالها إيصال معاني كلماته مختلطة بخيال خصب، مقدما إياها بطريقة تأخذ الألباب، ومستخدما أصواتا متباينة وشخوصا يحركها صراع مرير. فهذا عنترة بن شداد، وذاك عمارة بن زياد في ملحمة البطولة والشهامة؛ وهذا الزير سالم وذاك جسَّاس الغريمين الأبديين. إنه الراوي رمز من رموز الفن السمعي / البصري، وتركيبة عميقة التعبير مليئة بالأبعاد الإنسانية. فهو روح وجسدٌ يمثل فضاء سينوغرافيا، ووجه يجسد أبعادا إنسانية تمر بأحوال عديدة في زمن اللازمن، كما يجسـد أبطالا وصـراعا، وحَكايـا وتاريخـا طويـلا، وأمكنة متعددة وأزمنة متداخلـة، وخيرا وشرا.

لقد استطاع هذا الراوي بفضل روعته وإتقانه وحنكته أن يخلق علاقة إيجابية حية بين عرضه ومشاهديه متمثلة في ردود أفعال المتلقين، الذين كانوا لا يبارحون المكان إلا إذا أتمَّ عرضه، وعادل في الحكم بين أبطال حكاياته. ثم إن قدرته جَعَلته يقسم المتفرجين إلى فريقين أو فئتين، كل منهما تنحاز إلى شخصية من شخوص أعماله. فمنهم من ينحاز إلى أبي زيد الهلالي، ومنهم من يتعاطف مع الزناتي خليفة. ولا بد للراوي أن يجد حلا كي يرضي الطرفين أو الفئتين معا.؛ إذا جار على الزناتي في تلك الليلة، فإن مؤيديه وعشاق سيرته لا يبرحون المكان حتى يطلق سراحه.

يقول توفيق الحكيم: «كان الحضور يتخاصمون من شدة الانفعال، فريقٌ معجب بأبي زيد وفريق معجب بالزناتي خليفة. وكان الراوي إذا وقف بحكايته عند انتصار أحد البطلين، وهمَّ بالانصراف، صاح به الفريق الآخر حتى يروي انتصار بطله هو الآخر»[15].هذا هو الراوي أو الحكواتي الذي طالما أدخل البهجة والمسرة على نفوس متلقيه، صانعا فرجة يمتزج فيها الواقع بالإيهام؛ فرجة قد لا نجدها في بعض عروض المسرح الأوروبي، ولكنها لا تقل أهمية عن الفرجة المسرحية بمفهومها الحديث، بل تقترب منها وتلتحم بها وتكوِّن معها عملا إبداعيا مؤثرا خصوصا وأن «الفرجة المسرحية هي في الحقيقة عالم إيهامي تؤدي فيه الرابطة بين الباث والمتلقي إلى تماهي البث والتلقي ليأخذ أحدهما بناصية الآخر، في رقصة فالس محمومة وفي لحظة الجذبة المسرحية يختلط الـوهـم بالحقيقة فيمتزج المرئي باللامرئي ويصدق الوهم»[16].

لقد شهد الراوي نقلة نوعية في العشرينية الأولى من القرن الحالي بعد أن كانت الساحات العامة نافذته التي يطل منها على عشاقه ومريديه. لكن كلاًّ من الظروف القسرية التي أوجدتها سلطات الاستعمار الإيطالي (بعد أن تسنى لها احتلال مدينة طرابلس في أكتوبر 1911، وفرض الأحكام العرفية على المواطنين، وما واكب ذلك من منع للتجمعات)؛ كل ذلك اضطره إلى أن ينقل عمليته الإبداعية إلى الفضاءات المغلقة التي لم تكن سوى بيوتٍ بالمدينة القديمة تتكون من عدة حجرات، أو غرف تكون مكانا للسمر، وقضاء السهرات الجميلة على مدار السنة، والتي تبلغ ذروتها خلال شهر رمضان المبارك. ومن أشهر تلك الفنادق التي لازالت شاهدة على نزوح الراوي إليها فندق الطبجية، وفندق الزهر، وفندق الهنشيري، وفندق الخوجة، وفندق أبو دلغوسة، وفندق حواص، وفندق سوق الصياغة. إذ «كان أغلب رواد السهريات من الشباب البالغين، وكان أكثرهم يميل إلى السهرية التي يكون فيها الراوي قارئا جيدا، وتكون الرواية إحدى الروايات البطولية كالعنترية، والأميرة ذات الهمة، وراس الغول، وأولاد هلال، وغيرها»[17].

لهذا، كان انتقال الراوي من الساحات العامة والأسواق الشعبية إلى الأماكن المغلقة، كالفنادق والبيوت، يحمل عدَّة دلالات سياسية واجتماعية. وبالرغم من حالات الطوارئ التي أوجدها المستعمر إبان احتلاله للأراضي الليبية، ومحاولة طمس كل أثـر ثقافـي، فقد ظـل الراوي محافظـا على هذا التراث. لهذا، انتقل بعيدا ليقوم بترسيخه بين فئات الشباب، باعتباره عنصرا من عناصر الثقافة الموروثة، وشكلا من أشكال الفرجة الشعبية المتوارثة عبر الأجيال، والتي كانت تمثل جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية في المجتمع العربي الليبي.

لقـد ظهـر جيـل جديـد من الرواة، كان على دراية بالقراءة والكتابـة، يستعمـل كتب السيرة باعتبارها مادة أساسية لعروضه، وذلك خلافا للرواة الذين كانوا يستعملون ذاكرتهم في السرد مرتجلين ارتجالا مباشرا الكثيرَ من الأحداث والوقائع الآنية التي تتولد في مخيلتهم دون الاعتماد على أي مصدر مقروء.

وكان من أهم ما ميز ذلك الجيل الجديد قدرته على القراءة الجيدة والصحيحة لمخارج الحروف، الأمر الذي مكنه من الإقناع والتوصيل. ويخبرنا الحاج رجب قرفال، وهو من مواليد مدينة طرابلس سنة 1914، وأحد رواد تلك السهريات، بأن «عبد السلام الحسومي والفيتوري عريبي كانا على قدر كبير من الإقناع عند قراءتهما لتلك الكتب، إضافة إلى ما كانا يتمتعان به من رخامة صوت، وجمال في نطق الحروف… كان الراوي يجلس أمامنا على كرسي، وذلك بعد صلاة العشاء، ممتشقا كتابه يتملكنا الشوق لسماع حكاياه العربية الأصول والفروع ويستمر الراوي في سرد حكاياه، بل وتمثيلها حتى موعد الإمساك، عندها نحس بأن الوقت قد مرَّ بسرعة لم نلحظها… لقد كان الراوي وتمثيله وجلسته قمَّة في الروعة والنشوة والإمتاع»[18]. من هنا يتأكد لنا أن «السيرة الشعبية قدَّمت صورا متعددة للتمثيل والممثل، وإن لم يكن ميدانه المسرَح، بل هو الحياة نفسها»[19]. لقد خطا هذا الفن الفرجوي الذي طالما ارتبط به المشاهدون خطوة جديدة مع بداية الثلاثينيات من هذا القرن، لكن هذه الخطوة لم تعمِّر. فبعد أن انتقل من الفنادق إلى المقاهي، مثل مقهى الشيخ بسوق الترك بمدينة طرابلس، ومقهى سوق الحشيش بمدينة بنغازي، بدأ يجد منافسة قوية من غريم جديد أتاه من وراء البحار، ألا وهو المذياع الذي أخذ يتربع على عرشه، وأخذت تتلاقفه الأيادي وتشرئب إليه الأعناق، ليمثل وسيلة جديدة للمتعة. وبذلك لم يجد الراوي بدا من الانسحاب كلية، والتواري في الظلام، ثم الخلود إلى الراحة التي أدَّت به في النهاية إلى النسيان.

ب – القره قـــوز (خيـــــال الظــل)

هذا الفضـاء الـذي نسيــر حكــــــى *** فانـوس سحر خيالنا لـذا النظـــــــر
مصباحه الشمس والفانوس عالمنا *** ونحن نبدو حيارى فيه كالصــــور

هذه الأبيات مقتطفة من قصيدة الرباعيات للشاعر الفارسي عمر الخيام، يتحدث فيها عن خيال الظل الذي يبدو أنه كان شكلا أو عنصرا من عناصر الفرجة في المجتمع الفارسي.

لكن السؤال الذي يراودنا هو: متى عرف العرب هذا الشكل الفرجوي؟ وهل هو شكل عربي صرف أم أنه لا يعدو مجرد دخيل على الثقافة العربية، نتيجة تأثرها وتلاقحها مع ثقافات أخرى؟ هل هذا الشكل هو ابن مخيلة المبدع العربي، يصور من خلاله أحلام وطموحات ومعاناة المواطن العربي، أم أنه يقدم نماذج بعيدة عما يحسه هذا المواطن؟ نماذج لمعاناة شعوب أخرى استقدمتها معها عبر غزوها للأرض العربية لمئات السنين، لتتسلى في غربتها عن أرضها الأم، فتسلل هذا الفن إلى ذوق المواطن العربي، مثلما تسللت إليه أشياء أخرى عديدة.

ترى “تمارا الكسندرا نوفا أنه «من غير المعروف بالدقة متى دخل مسرح خيال الظل إلى المغرب، لكنه وجد هناـك بشكـل متطـور فـي القـرن السابـع عشـر، ويغلب الظن بأن ظهوره في هذه المنطقة يرتبط بالسيطرة التركية»[20].

أما محمد عزيزة، فيرى أن أتراك آسيا الوسطى قد عرفوا مسرح الظل منذ أمد بعيد، و«لكي يقيم جذوره في الشرق، فإن هذا المسرح قد اتبع نفس الطريق التي اتبعها الأتراك فـي غزوهـم للبـلاد الشرقيـة، الوسطـى منهـا والقريبـة ولبعـض مناطق افريقيا الشمالية»[21].

إننا نميل إلى تأكيد الرأي القائل بأن هذا الفن قد وفد على الشمال الإفريقي صحبة الاحتلال العثماني لهذه الديار، وخاصة لليبيا سنة 1551م. فكلمة «قره قوزة» المستعملة في اللهجة الليبية ليست عربية، وإنما هي كلمة تركية تعني «العين السوداء». في هذا الصدد، يؤكد مندور ما يلي: «يقول البعض إنها كلمة تركية مركبة من لفظتين أولهما “قره” ومعناها الأسود، وتليهما لفظة “جوز” ومعناها العين… وعلى هذا يكون معنى القره قوز هو العين السوداء»[22]. وفي السياق نفسه، يرى أحد الدارسين أن «كلمة أو مصطلح أو تسمية قره قوز معناها بالتركية أبو العين السوداء، وهو اسم أحد أبطال قصص الظلال»[23].

إضافة إلى ما سبق، فإن بطلي العملين الرئيسيين في خيال الظل في ليبيا يحملان اسمي بطلي العمل في تركيا؛ فهما في تركيا القره قوزة والهجيفاد، وفي ليبيا هما القره قوزة والحجيوان.

إن أقدم إشارة لوجود هذا الفن في ليبيا، ترد في مذكرات الرحالة الألماني «هنريش فون فالتش» H. V. VOLTSN في رحلة له قام بها إلى ولايتي طرابلس وتونس، حيث يخبرنا بأنه: «قد شاهد عروضا لهذا الفن القرقوز، سنة 1870»[24]

كما يورد صاحب «كتاب مرتفع آلهات الجمال» ما شاهدَه في مدينة طرابلس، وخاصة في ليالي رمضان، من أماكن خاصة بهذا الشكل الفرجـوي، والمتمثلـة فـي المقاهي القريبة من برج الساعة، إذ يقول: «في طرف القلعة من شارع فندق الريح توجد مقهى صغيرة يتفرج فيه الناس على القره قوز»[25].

بعد هذا السرد التاريخي لأصل ومنشأ هذا الفن القادم إلينا عبر الأساطيل العثمانية، عابرة البحار، والذي امتزج بثقافتنا واستقر في مجتمعنا إلى أن أضحى الكثيرون يعتبرونه جزءا منا، يتعين علينا الآن أن نعرف به وبطريقة تقديمه للمتلقي والأعمال التي كان يقدمها وما تركته من أثر جميل لدى الكبار والصغار.

إن القره قوز عرضٌ فني هزلي ساخر مسلي، يقام في بعض المحلات بمدينتي طرابلس وبنغازي. ولعل أشهرها محل الأسطى أو كما يدعى باللهجة الدارجة «قره قوز الوسطي» الكائن بمنطقة سوق الترك بالمدينة القديمة بطرابلس. وقد وَرَث براعة العرض وتقنياته عن أبيه وقبله جدّه الذي أخذ هذا الفن عن أحد الأتراك الذين كانوا يقطنون مدينة طرابلس، كما تقول رواية بعض الذين عاصروه.

كانت سويعات العرض تُقامُ أثناء ليالي شهر رمضان المبارك الذي يعتبر موسما كبيرا للاحتفالات والتجمعات والتظاهرات؛ وكان أغلب رواد هذا الفن من الأطفال. أما العرض الفني، فقد كان يعتمد على قطعة من القماش الأبيض تُثبتُ من أطرافها على عرض المكان المعد للعرض، حيث يجلس الأطفال المشاهدون أمام هذه القطعة في مجموعات على قطع من الحصائر؛ ثم تطـوَّر الحـال، فأخـذوا يجلسون على كراسي كبيرة كل واحد منها يسع خمسة أطفال أو ستة.

وبعد أن تطفأ الأضواء، توقد شمعة وراء الستارة البيضاء الشَّفافة، ثم يلعب العارض – أو الممثل الأساسي في هذا العرض – بأجسام شخوص تكون مصنوعة من الورق المقوى، وراء ضوء شمعة، فتظهره الصورة جميلة ومحددة معكوسة على الشاشة لتجسيد إحدى القصص المعروفة آنذاك صوتا وحركة وحوارا وصراعا، عبر صوت العارض أو الممثل الذي يقوم بتغيير صوته ليلائم كل شخصية على حدة. وهكذا نجده يخترع حوارات ويبدع حوارات متباينة وفق المواقف التمثيلية التي يتطلبها العرض، مجسدا كل شخصية على حدة. فهذه يملؤها الشر والحقد والخبث، وتلك مفعمة بالحب والعطاء والخير. ولقد كانت العروض تستمر لثلاثين ليلة، كل ليلة يختار الممثل عرض القصص التي يريد روايتها وتمثيلها، وأحيانا يفرض عليه النضارة عرضا لما يريدون، وفق ما هو معروف. ومن أشهر هذه العروض التي عرفت في ليبيا. عرض سفينة الصياد (فلوكة الحوات)

عرض الكاتب
عرض الجرة (الخابية)
عرض الزنجي ذي القدم المكسورة (الوصيف المكسورة رجله)
عرض الغول.
ولتوضيح مواصفات عروض القره قوز، سنورد نموذجا من هذه النماذج، كما سنحاول التعرض إليه بالتحليل وذلك لنتبين الوقع الذي خلفه في مشاهديه الذين كانوا يتزاحمون ويتنافسون للفوز بكرسي لمشاهدة هذا العرض المحبب للنفوس.

عرض الخابيـــة (الجــرة)
في عدد من أعداد مجلة «التراث» ورد وصف هذا العرض كما يلي:

«الحاجيوان يكتشف مكان جرة مليئة بالذهب مردومة في الأرض، ولكنه لم يتبين موقعها بدقة. لذا، قرر أن يستعين بالعفاريت والجان، لتدله على هذه الخابية. وحتى يتسنى له ذلك، يتعين عليه أن يجد رفيقا يعينه في إعداد طقوس “التعزيم” وإحضار العفاريت، وليس أمامه غير قره قوز الذي يرفض الأمر رفضا كاملا، بسبب خوفه الشديد من العفاريت. ولكن الحاجيوان يجبره على مشاركته بالتهديد والوعيد تارة، وبالترغيب تارة أخرى. وحين يقبل، تبدأ طقوس التعزيم على الخابية المدفونة، فيرتبك قره قوز في ترديد الألفاظ الصحيحة، من فرط الخوف. وشيئا فشيئا تستقيم لهما الأمور. وبعد قليل، عوض أن تخرج الخابية، يخرج العفريت صاحب الخابية، وبكلمات طلسمية سحرية يتحول الحاجيوان إلى خروف سمين. يستغل قره قوز هذا الوضع، فيعرضه للبيع لجزار. وعندما يتعذر الاتفاق على السعر، يعود العفريت من جديد، ويعيد الحاجيوان إلى حالته الطبيعية. غير أن مفعول السحر هذه المرة يطال القره قوز، فيتحول على التو إلى حمارٍ يعتلي ظهره الحاج وان، وهو يغني، كأنه يتشفى في قرة قوز جزاء تصرفاته وخوفه من العفاريت. هذا التصرف يُغضِبُ الحمار (قره قوز)، فيسقِطُ الحاجيوان عن ظهره، ويرفسه برجليه. وللمرة الثالثة، يظهر العفريت، ليطل السحر عن قره قوز. وبإصرار قوي، يعود الحاجيوان، فيكرر محاولات التعزيم مهددا العفريت بالقتل إذا لم يستجب لرغبته في استخراج الخابية ملأى بذهب أصفرَ لماعا كخيوط الشمس. والآن كيف تتمُّ القسمة بين الطرفين؟

يقترح الحاجيوان أن يخلدا للنوم والراحة بعد هذا العناء أوَّلا، وخابية الذهب بينما. فطن قره قوز ما يهدف إليه الحاجيوان، فقام ومدَّ يده خلسة إلى فوهة الخابية، ثم التقط القطع الذهبية قطعة قطعة. وعندما أغراه بريق الذهب، فضَّل أن يأخذ الخابية بأكملها، فخبأها في مكان ما. بعد ذلك، عاد إلى مكانه بالقرب من الحاجيوان. استيقظ الحاجيوان، فلم يجد الخابية ولاشيء من الذهب، فدخل في مشادات مع قره قوز ليخرج منها خاسرا بطبيعة الحال. وهكذا، فالذي انتصر على العفاريت فشل أمام قره قوز[26].

من هذا النص الذي أوردناه وبعض النصوص الأخرى التي استمعنا إليها من أولئك الذي يحفظونها – وكانوا قد عايشوها أثناء عرضها – يتضح لنا ما يلي:

أولا: إن هذه النصوص كانت على قدر كبير من البساطة سواء في بنائها أو حبكتها. أما حواراتها، فكانت مغرقة في العامية. ويرجع سبب ذلك إلى أن القائمين عليها الذين وإن كانوا يتوفرون على الموهبة، فقد كانوا يفتقرون إلى التعليم والثقافة. لهذا جاءت نتاجاتهم المتوارثة ضعيفة إن لم نقل مسطحة.

ثانيـا: شخصية القره قوز والحاجيوان هما الشخصيتان المحوريتان الرئيسيتان في كل العروض، حيث يتكرران في كل عرض رغم اختلاف القصة. ولربما يعني هذا أن هاتين الشخصيتين تعدان رمزا للصراع بين الخير المتمثل في قره قوز، والشر المتمثل في الحاجيوان. وهو صراع كان ولا يزال قائما وسط التجمعات البشرية؛ فالقره قوز هي الشخصية السوية الطيبة القلب، التي تحمل بين ثناياها كل الخير. أما الحاجيوان، فيمثل الشر والخداع والأعمال السيئة.

ثالثــا: يتضح أن هذه العروض لم تكن نصوصها مدونة، بل توارثها الممثلون والعارضون أبا عن جد أما عن طريق السمع ومن ثم الحفظ، أو المشاهدة المتكررة ثم الحفظ، مما جعلها نصوصا مرتجلة لا يحكمها حوار مكتوب، أي أن كل ممثل كان يضيف عليها من مخيلته وما تمليه الظروف السياسية والاجتماعية إبان العرض. فالإطار الخارجي كان معروفا ومتوارثا كما أسلفنا، غير أن الحوارات قد تتغير بتغير المعطيات المتوفرة حينها، كالظروف الاجتماعيـة العامـة، وكذلك نوع المشاهدين وسنهم، مما يحملنا على الاعتقاد بأن هناك ملامح مشتركة بين الممثل في القره قوز والممثل في فرقة الكوميديا دي اللارتي الإيطالية مع فارق واحد: كلاهما يعتمد على سيناريو معد مسبقا، ولكن العرض قد يأتي بالكثير من المفاجآت نتيجة لتداعيات فنية يخلقها الظرف الذي قدِّم فيه العرض، ونوع المشاهدين بالإضافة إلى عوامل أخرى.

رابعـا: كانت العروض في أغلبها تحتوي على كثير من الألفاظ السوقية والمشاهد الإباحية التي تخدش الذوق العام والحياء في المجتمع الليبي العربي المسلم، مما حدا بالكثير من الآباء إلى منع أبنائهم من مشاهدة تلك العروض.

إلا أن الأسلوب الذي اعتمده القره قوز في طرح قضاياه عبر عروضه لم يكن – حسب اعتقادنا – بالعمل الاعتباطي بقدر ما كان مُحَمَّلا بدلالات رمزية وأهداف مقصودة. فالقره قوز، بحسه المرهف وشخصيته الهزلية، عينٌ راصدة لكل ما يدور ويجري على الساحة. فكان طبيعيا – من موقع دوره الريادي في النقد الساخر – أن يتعرض لمعاناة الشعب مما يعيشه من تردي الأوضاع تحت الحكم العثماني أوَّلا، ثم تحت الاستعمار الإيطالي بعد ذلك. فهذا الأسلوب الاستفزازي كان أسلوبا تحريضيا أكثر مما كان تهكميا.

مع نهاية العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن الحالي، نجد شموع قره قوز الاسطى في مدينة طرابلس قد بدأت تخبو، وستارة قرة قوز بازاما في بنغازي تترهل، ومقاعد المشاهدين قد أمست خاوية مما حدا بشخوصه إلى الهروب والاختفاء نتيجة عدم الإقبال على تلك العروض والعزوف عن مشاهدتها. وبذلك صارت في «خبر كان»؛ ونرجح أسباب ذلك إلى عوامل عدة، لعل أهمها:

1 – بقيت تلك العروض مراوحة مكانها، ولم تستطع مواكبة التغيير الاجتماعـي الـذي طـرأ علـى البيئـة الاجتماعيـة في ليبيـا أواخـر الخمسينيـات وأوائل الستينيات بعـد اكتشاف النفط، واتساع رقعة التعليم، وانتشار أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة. وقد استمرت العروض متمسكة بالقصص البسيطة والحوارات المسطحة، مما جعل الكثيرين من رواد هذه العروض يبتعدون عنها شيئا فشيئا إما بإرادتهم أو بواعز من أهاليهم.
2 – انتشار قاعات عرض الخيالة والأشرطة السينمائية في مدينة طرابلس، مما أوجد تنافسا كبيرا لم يستطع معه القره قوز الاستمرار، سيما – وكما سبق وأسلفنا – أنه لم يستطع تطوير محتواه ومواكبة التطور الاجتماعي الذي عرفته ليبيا، فبقي متخلفا عما حوله.
3 – كان للتوسع الأفقي لمدينتي طرابلس وبغازي أثر كبير في إسكات صوت القره قوز خاصة بعد ظهور النفط، حيث رحل أغلب سكان المدينتين القديمتين في طرابلس وبنغازي إلى أحياء الأندلس والفويهات وابن عاشور والانجس. وهي مناطق بعيدة عن مركز المدينة، الشيء الذي جعل من الصعب على أصحاب القره قوز الاستمرار في أداء عروضهم، لأن متفرجيهم المعتادين غادروا منطقتهم، وحل محلهم إما ليبيون بدوٌ ليس لهم علاقة بهذا الفن، أو غرباء كالعمال الأفارقة السود والآسيويين.

إن هذا القره قوز الذي كان يقوم على الشكوى من الحياة ومفاجآتها وتقلباتها ونقد أحوالها، لم يستطع أن يصمد طويلا أمام التغيرات الاجتماعية، فأخذ يتوارى فاسحا الطريق أمام أشكال أخرى من الفرجة بعد أن عاش سنين طويلة داخل المجتمع الليبي، مخاطبا وناقدا وساخرا من الظواهر الاجتماعية والقضايا السياسية، حيث كان يعد شكلا من أشكال الفرجة وابن عصره وظروفه وتاريخه، يحس بأحاسيس الناس ويعيش معاناتهم ويضحك أحيانا من يأسهم ويدفعهم إلى التفاؤل.

ج – الشيشبانـــي:

شيشبـانـي يا بانـــــي *** هذا حـال الشيبانـي[27]

هذا حاله وأحوالــــــه *** ربي يقـوي مزالــه[28]

يبدأ موكب الشيشباني الاحتفالي بهذه الكلمات المغناة بأصوات الشباب وهم يتجهون من زقاق لآخر ومن بيت إلى البيت الذي يليه عبر رقعة المدينة القديمة بطرابلس، وذلك أيام عاشوراء من كل سنة، مشكلين مجموعات متناسقة ومتجانسة، بل ومتنافسة في أغلب الأحيان. ولكن ما هو الشيشباني؟ وكيف وُجِد؟

الشيشباني هو أحد شباب الحي الذين يجيدون الرقص والحركات الرشيقة المتناغمة. يقوم هذا الراقص بلف جسمه كاملا بألياف شجرة النخيل المتكاثرة بمدينة طرابلس، ويتم تزيينه بالقواقع البحرية والبرية وبعض التمور الخضراء والعقود المعدنية والورقية والنباتية مثبتة بخيوط تجعلها تتدلى، كما يرتدي عمامة وقناعا من الألياف نفسها.

وينطلق الشيشباني تصاحب رقصاته أنغام وإيقاعات الطبلة، وشباب يردد الأغنية التي بدأنا بها هذا الشكل، متجهين من منزل لآخر، ومحتفلين بيوم عاشوراء.

تذكر الرواية أن هذا النوع من الفرجة قد استقي من حادثة وقعت أيام حكم العثمانيين. فقد «دفعت المجاعة الوالي إلى إطلاق سراح المساجين، وكان من بينهم جمع غفيرٌ من الإيطاليين المأسورين في المعارك الحربية، ولما كانوا عراة، فقد استتروا بليف النخيل وأخذوا يطوفون الشوارع يسألون الناس بالإيطالية Chi Chi pani (تشي تشي باني)، ومعناها هل لديكم خبزٌ؟ هل لديكم خبز؟»[29].

إننا لا نميل إلى تصديق هذه الرواية التي ربما تكون من صنع خيال خصب أراد أن يوجد مبررا لهذا الشكل الفرجوي، وذلك للأسباب التالية:

أولا: إن ليبيا الدولة المسلمة لا يسمح لها دينها ولا الأعراف والمواثيق الدولية أن تقوم بإطلاق سراح أسراها وتركهم يهيمون على وجوههم في الشوارع، عراة حفاة، يلتحفون ألياف النخيل؛ سيما وأن رقعة المدينة القديمة التي يقع بها السجن صغيرة الحجم، وبيوتها ملتصقة في نمط معماري قديم، مما لا يمنح هؤلاء فرصة التواري والاختباء عن عيون الآخرين، وحالتهم تلك تخدش الحياء العام.
ثانيـا: كان أحرى بالوالي وحكومته تسليم أولئك المساجين إلى قناصلهم، وإلحاقهم بقنصلياتهم التي كانت تمثلهم في طرابلس (وهي قنصليات معتمدة في هذا البلد) بدل تركهم هائمين في الشوارع باحثين عن اللباس والطعام.
ثالثـا: لماذا وردت في الرواية السابقة لفظة : «هل لديكم خبز» باللغة الإيطالية دون لغات أخرى، علما أن الرواية تذكر أنهم خليط من الأسرى من جنسيات مختلفة؟

لهذه الأسباب كلها، لا نميل إلى ترجيح حقيقة هذه الرواية. وبالمقابل، فإننا نظن أنها من بنات أفكار راويها، أراد أن يحملها بعدا اجتماعيا وسياسيا وتاريخيا أيضا، لا سيما وأنها لم ترد في كتب المهتمين بدراسة التاريخ الليبي في العهد العثماني فضلا عن أن رواتها لم يرجعوها إلى مصدر موثوق.

لقد استهوت هذه التظاهرة الفرجوية الشعبية جل شباب الأحياء القديمة الذين كانوا يشكلون فرقا متعددة يوم عاشوراء، للاحتفال والرقص والغناء والتنافس. كل فريق يبدل قصارى جهده في إظهار الشيشباني الخاص به، الأكثر أناقة وجمالا، متحديا الفرق الأخرى بجمال «شيشبانيها» ورشاقته وخفته ومدى قدرة الفرقة المصاحبة على الرقص والغناء ولفت انتباه المشاهدين، وجعلهم يتبعونه من مكان إلى آخر، طالبين مزيدا من العروض الشيقة، ومتجهين من بيت لآخر، هاتفين صادحين بأغانيهم، مستمتعين برقصاتهم، مرددين «شيشباني يا باني»، فيتجه المشاهدون من أمام أبواب منازلهم إلى الداخل لجلب بعض النقود، (أو الحمص أو الفول[30] اللذين يعدان رمزين من رموز الاحتفال بيوم عاشوراء. وعندما يحس الشيشباني بدخول صاحبة البيت لجلب بعض الهدايا، يصيح وهو ممدد على الأرض قائلا: «مشت تجيب اعطيها الصحة». أما إذا لم تخرج صاحبة البيت أو تلكأت في تقديم العطايا، فإنه يصيح قائلا: «مشت تجيب كلاها الذيب».

لازالـت هـذه الفـرجـة الشبابيـة منتشـرة في أحيــاء المدينـة القديمـة وأزقتهــا بطرابلس؛ بل لقد انتلقت إلى بعض الأماكن الأخرى من المدينة نفسها، حيث تشع البهجة والسرور وتعلن عن قدوم يوم عاشوراء الذي يحتفل به الليبيون بطريقتهم: وهي إشاعة البهجة والسعادة والفرح (عكس بعض الأقطار الأخرى ذات المذاهب الشيعية) .

لقد كان نجاح فرقة ما من فرق الشيشباني يتوقف على كمية ما تحصل عليـه من العطايا، الأمر الذي كان يذكي التنافس بين الفرق. وهكذا فالفرقة التي تحصل على أكبر قدر من المال والفول والحمص هي الفرقة التي استحوذت على الجمهور ونالت إعجابه. ومن ثم، فقد كان الشيشباني – ولا يزال – شكلا من أشكال الفرجة الشعبية الموسمية داخل المجتمع الليبي. وبالرغم من عدم إيماننا بصدق رواية ارتباطه في الأصل بحكاية الأسرى الأجانب في عهد الوالي التركي العثماني، فما يهمنا في هذه الأطروحة هو هذا الشكل الفرجوي الجميل الذي كون عبر فترات التاريخ الليبي عادة حميدة تستحدث كل عام لإشاعة المرح والفرح بين سكان المدينة، معلنا عن قدوم يوم عاشوراء الذي لم يعرف فيه الليبيون المواكب والأحزان والتظاهرات الممسرحة التي عرفتها بعض بلدان المشرق العربي، وذلك لاعتناقهم المذهب المالكي السني. وهذا يعني أن «الشيشباني لا يتوخى أي هدف باستثناء التسلية المجردة، وإبراز شكل من أشكال الفرجة»[31].

لقد عاش معنا مئات السنين، يخرج كل سنة معلنا إقامة الاحتفالات، مذكرا بضرورة طهي الفول والحمص والكسكس بالبيض (الرياشة) وطلاء الجير على واجهة البيوت لاستقدام سنة بيضاء. ولربما كان فرصة سانحة للفقراء والمعوزين كي يحصلـوا علـى بعض الهدايـا والمال، وكذا المأكولات التي لم تكن في متناولهـم في الأيام العادية.

د – البوسعديــــــة:
عرفت ليبيا عبر فتراتها التاريخية المتعاقبة علاقة متميزة مع الدول الإفريقية المتاخمة للصحراء الكبرى، وهي: تشاد، ومالي، والنيجر، ونيجيريا. وكانت هذه العلاقة متمثلة في التبادل الاقتصادي عن طريق تجارة القوافل التي كانت، إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر، تمثل جسرا بين هذه الدول والأقطار الأوروبية. فالليبيون يعتبرون الوسطاء الأوائل بين إفريقيا وأوروبا، إذ كانوا يستجلبون المنتجات الأفريقية، كريش النعام والصيد والعاج، ويقومون بتصديرها إلى الدول الأوروبية. هذا النوع من التجارة خلق مراكز للتبادل الاقتصادي ومُدُنا لعبت دورا رئيسيا في تنشيط وترويج هذه البضائع. ومن أهم هذه المدن، كما هو معروف تاريخيا، مدن طرابلس ومرزق وغات وغدامس.

لقد أفرزت هذه العلاقة التجارية التي تجمع بين المدن الليبية والمدن الإفريقية نوعا من التمازج الثقافي والفني الإفريقي العربي سرعان ما انعكس جليا على بعض التظاهرات الشعبية الفرجوية، كالبوسعدية وسيدي مكاري. ورغم اختلافهما في الشكل والمضمون، فكلاهما يعتبر فنا إفريقيا أسود، تسرب إلى داخل المجتمع الليبي نتيجة تلاقح الثقافة العربية الليبية بالثقافة والعادات الإفريقية السوداء. وهكذا، تكونت عناصر فرجوية حققت وجودها واستمراريتها ضمن العادات الفرجوية الليبية إلى أن بدأت تأخذ شكلا من أشكالها أو عنصرا من عناصرها، لأن كل حضارة لابد أن تتأثر وتؤثر في الحضارات المحيطة بها، مكونة تمازجا وتناسقا يفضي في نهاية المطاف إلى عملية إبداعية خلاَّقة.

إن البوسعدية هو الشخصية التي دأبت على الظهور عبر أزقة مدينة طرابلس القديمة، إذ كان يحمل على كتفيه «الدنقة»[32]،، ينقرها بعصاه الصغيرة فتصدر إيقاعات إفريقية بدائية، ويتوشح العديد من القواقع والأصداف محدثة خشخشة تكميلية لنغماته بفعل شطحاته التي تصاحبها قرقعة العظام التي يربطها بخيوط متدلية من خصره لتشكل نموذجا غريبا مختلطا ببعض الخرق متعددة الألوان، واضعا قرن غزال على جبينه، وقطعا من الزجاج مختلفة الألوان موزعة بين رأسه وباقي جسده، محدثة انعكاسات لضوء الشمس، وملفتة انتباه المشاهدين. وتقول الأسطورة بأن هذه الشخصية الفريدة ذات الشكل الغريب – بقناعها وحزامها الطويل الذي يكمله ذنب يشبه ذنب الذئب، بصناجتها وقبعتها المخروطية – هو ملكٌ في إفريقيا ثارت عليه قبيلته. ويقول محمود داوس بأن أبا سعدية: «كان ملكا معزولا من إمبراطورية مالي القديمة الأسطورية، وأنه يدور من مدينة لأخرى فريسة لهزأ الأطفال»[33].

إضافة إلى ذلك تقول بعض الروايات الشفوية المتداولة على ألسنة الشيوخ في ليبيا: إن البوسعدية كان ملكا لإحدى الدول الإفريقية المتاخمة للصحراء، جارَ عليه الزمن، فهام على وجهه في الأرض، باحثا عن مؤيدين له عساه يفلح في أن يكوِّن بهم جيشا يحارب به من خلعوه. لكن الأيام والظروف خذلتاه، فصار طموحه في استرداد عرشه حلما بعيد المنال، مما أثر على قدراته العقلية وأفقده الصواب، فهام في الأرض كالمجنون، تلاحقه سخرية الناس أينما حل وارتحل.

ومهما يكن أمر الجذور التاريخية لهذه الشخصية، فإنها كانت حالة معبرة عن الفرح والحزن معـا، تبني تركيبتهـا الإيقاعـات الغريبـة والرقـص الإفريقـي الأسـود المسكون بالأرواح والملابس المهلهلة ذات الأشكال والتركيب الغريبين.

لم يكن البوسعدية يقدم عروضه في زمان أو موسم محددين. فهو تارة يطلع علينا في فصل الشتاء، وتارة يظهر في فصل الصيف، أو بينهما، أو في غيرهما. بمعنى أن ظهوره ظرفي لا يعتمد الموسمية كما هو الشأن في الكثير من التظاهرات الفرجوية الشعبية المعروفة، وهذا ما يضفي على هذه الشخصية الغريبة الكثير من الغموض والألغاز، ويظهرها في حالة تيهٍ ابدي، وبحث عن ماض لن يعود أبدا، وأحلام وآمال مستقبل ملفوف بتغيراتٍ كتغير الفصول التي يظهر فيها.

وفي اعتقادنا أن هذا الشكل الفرجوي الإفريقي كان خاليا من أي نوع من أنواع الموعظة أو التعليم أو الإرشاد، اللهم من الفرجة المجانية وإدخال البهجة. ولربما كان وسيلة من وسائل الاستجداء؛ فاستغلال الليبيين لهذا الشكل كان لقضاء حاجة، كالحصول على بعض المال من المشاهدين على نحو ما نرى بعض العارضين المتواجدين في أنفاق الميترو بباريس أو لندن أو نيويورك. إلا أن وجود البوسعدية في مكانين مختلفتين، كتونس وطرابلس، يحملنا على ترجيح القول الذي يرى أن البوسعدية عنصر من عناصر الفرجة الإفريقية السوداء أصلا، تمَّ استغلاله فيما بعد لمآرب أخرى.

وفي هذا الصدد، حاول بعض المهتمين بالتراث الشعبي إضفاء صبغة وطنية جِهادية على هذه الشخصية، إذ يقول مختار الأسود في حوار أجريناه معه: «إن البوسعدية أو شخصية البوسعدية قد استغلت استغلالا جيدا إبان الاحتلال الإيطالي للأراضي الليبية سنة 1911، حيث إنه كان يرسلُ من قِبل المجاهدين المتواجدين خارج سور المدينة كل صباح لرصد تحركات الجنود الإيطاليين الذين كانوا يعدون العدة لمباغتة المجاهدين. فكان البوسعدية يخترق أسوار المدينة كل صباح، قارعا طبله الصغير، عارضا رقصاته أمام الجنود الإيطاليين، مسترقا السمع، راصدا التحركات والاستعدادات التي يقومون بها، ثم يعود في المساء إلى معسكرات المجاهديـن حاملا معـه الأخبار الجديدة، ورسائـل المواطنين لإخوانهـم المجاهديـن، كاشفا تحركات الغزاة ومخططاتهم الهجومية، وأماكن تجمعاتهم»[34].

انطلاقا من رأي مختار الأسود، نستنتج أن البوسعدية قد لعب دورا مهما في حرب التحرير الليبية، أهَّله ليكون عينا من عيون المجاهدين الذين يوفرون المعلومات العسكرية الهامة. لكن مع ذلك، يبقى سؤال مهم وهو: هل يمكننا اعتماد هذه الرواية باعتبارها حقيقة تاريخية؟

بالرجوع إلى ما كتبه المؤرخون لحركة الجهاد الليبي، لم نصادف نصا ولا إشارة واحدة إلى البوسعدية ودوره في حركة الجهاد الليبي. وهذا قد لا يكون سببا رئيسيا في رفض رواية مختار الأسود؛ إذ يحتمل أن يكون إغفال ذكر دور البوسعدية في حركة الجهاد الليبي راجعا إلى عدم اهتمام الباحثين بسيرة هذه الشخصية الهزلية. إلا أن جميع الاحتمالات تبقى واردة.

هـ – أمــك طنبــــو
عرفت المجتمعات البدائية أنواعا من الطقوس التي تعتبر فرجوية في شكلها، ولكنها كانت دينية في محتواها ومضامينها. لقد كانت هذه الجماعات تقدم الرقص والتعاويذ والقداس إلى المجهول، «الآلهة»، إما طمعا في رضاها أو خوفا من بطشها. فالفراعنة كانت لهم طقوسهم التي يتقربون بها إلى آلهتهم، والإغريقيون كانت لهم مواسمهم التي يسكبون فيها الخمر تقربا من الآلهة أو تزلفا إليها.

إذا، فقد كان الإنسان منذ القدم يخشى دائما المجهول المتمثل، حسب تفكيره، في الآلهة التي كانت – في اعتقاده – قادرة على تسخير الصواعق والفيضانات والعواصف أثناء غضبها، وقادرة على إكساء الأرض بلون الخضرة وجلب السعادة والنماء إذا ما رضيتْ. فـ «أقدم المسرحيات التي في حوزتنا تطورت بصورة تدريجية عن الأغاني والرقصات التي كانت تؤدى إجلالا للإله اليوناني ديونيزوس. إنها تحمل آثارا قوية للعبادات ذات الشعائر والطقوس الدينية»[35]، و«مع تعميق الوعي الديني الذي اتخذ أول الأمر قالبا أسطوريا، ازداد الطابع المسرحي المصاحب لأداء الشعائر الطقسية»[36].

إن أمك طنبو – التي عُرفت بهذا الإسم في ليبيا وعرفها الجزائريون باسم “أماتـا لنجـا” والتـونسيـون باسـم “الأم تانقـوا” – تمثـل تظاهـرة فرجوية شعبية ارتبطـت بطقوس دينية موغلة في القدم ورثها الليبيون عن أجدادهم القدامى. وبالرغم من تحول الليبين إلى اعتناق الدين الإسلامي الحنيف بعد الفتح الإسلامي، فإن هذه التظاهرة الشعبية ذات البعد الطقوسي ظلت عالقة في ذاكرة العامة إلى وقتٍ قريب، يمارسونها ويستمتعون بها؛ بل إن بعضهم يؤمن بقدراتها الخارقة في تغيير الطقس وجلب الأمطار والوديان. ولهذا كانت أمك طنبو قبل الإسلام شكلا من أشكال التقرب إلى الآلهة، ثم تطورت إلى شكل من أشكال التقرب إلى الله حتى يرزقنا الغيثَ الوفير ليكون عامنا كما يقولون بالعامية «عام صابة».

من هنا، فإن أمك طنبو هي عبارة عن عمود خشبي طويل يعلق في طرفه الأعلى رأس دمية غير محددة المعالم، ثم يثبت مباشرة تحت الرأس قطعة خشبية تشكل اليدين لهذا الشيء الغريب (يكون التقاطع على شكل صليب)، وتكسى هذه المخلوقة بقطع من القماش. وغالبا ما يكون رداء إحدى النساء (وهذا الشكل قريب من خيال المآته المعروف في مصر) تحمله الفتيات وهن تطفن به من زقاق لآخر،

ترقصن وتهتفن متضرعات إلى الله لإغاثة البلاد والعباد بكلمات تقول:

أمك طنبو يا نســـــى *** طلبت ربي في الشتى

ولا يقام هذا الموكب إلا في أوائل فصل الخريف وأوائل الشتاء، عندما لا تغاث الأرض بالماء والمطر.

ومع مرور هذا الموكب الاحتفالي، تسرع النسوة وهن خلف أبواب بيوتهن مرددات تلك الأغنية، معتقدات أن الله سيستجيب لدعائهن واحتفالاتهن.

لقد اختفت هذه التظاهرة كليا في العقود الأخيرة من هذا القرن بعد أن حاربها الكثير من علماء الدين، وبعد أن اتسعت رقعة التعليم بين قطاع النساء؛ فانتهى الأمر إلى أن صار يُنظَرُ إليها باعتبارها شكلا من أشكال الفرجة الشعبية التي تقام في الاحتفالات العامة والتي يراد بها إحياء التراث الشعبي.

إنها شكل فرجوي جميل طالما أمتع الفتيات وأعطاهن فرصة الرقص والفرح والمرح. ولربما كانت شكلا من الأشكال الممسرحة التي اجتذبت إليها الأنظار. من هنا، يميل معظم الباحثين إلى أن «المسرحية قد نشأت وتطورت عن أصل ديني، وأنها في أصولها الأولى لم تكن أكثر من وسيلة يستعان بها علـى مزاولة الشعـائر والطقوس الدينية في مناسبات معينة»[37].

و – الرقــــص
عرف أرسطو الرقص بأنه «محاكاة لأعمال وشخصيات وعواطف بواسطة وقفات وحركات إيقاعية»[38]. والرقص من الوسائل الأولى التي عرفها الإنسان البدائي للتعبير عن انفعالاته وأحاسيسه، وذلك نظرا لافتقاره لأدوات التعبير الأخرى كاللغة المنطوقة، حيث اتجه إلى محاكاة الطبيعة في حركاتها وإيقاعاتها التي شاهدها متمثلة في حركة الأغصان والأشجار التي تداعبها الرياح، ورقصات أمواج البحر بين حركات المد والجزر، وتعاقب الليل والنهار في تناسق مستمر، وانتقال الشمس من المشرق إلى المغرب في حركة وإيقاع رتيبين، إضافة إلى دقات قلبه التي تعلو أحيانا وتنخفض أحيانا أخرى، تسرع تارة وتبطئ تارة أخرى.

ولقد كان من الطبيعي أن يخلق هذا العالم المتحرك لدى الإنسان، عبر إيقاعات وأزان مختلفة، إحساسا بالحركة الإيقاعية التي أصبحت فيما بعد أداة من أدواته المبكرة التي عبر بها – ومن خلالها – عما يحسه من فرح وبهجة، وعما يعتريه من ألم وخوف، ثم استثمرها باعتبارها طقوسا تقربه من آلهته التي كانت تمثل هاجسه الأول. ذلك أن الإنسان البدائي «كان يرقص بدافع المسرة، ولكون الرقص طقسا دينيا فهو يتحدث إلى آلهته بلغة الرقص، ويصلي لها بلغة الرقص، ويشكو لها بلغة الرقص، ويثني عليها بحركاته الراقصة. ولم تكن هذه الحركات قط شيئا مسـرحيـا مؤثـرا أو شيئـا تمثيليـا، إلا أن حركتـه المرسـومـة ذات خطـة كانـت تنطوي على نواة المسرحية وبذرة المسرح»[39].

يعتبر الرقص من الفنون التي عرفها الليبيون ومارسوها في أعراسهم واحتفالاتهم ولقاءاتهم العائلية؛ بعضه ينم عن نواة المسرحية من خلال الشكل الجمالي الذي يرسمه الراقصون بواسطة حركاتهم التعبيرية المتناسقة، والإيقاعات والأوزان المتعاقبة، التي تعطي في مجملها صورة جميلة وشكلا فرجويا، طالما شارك فيه الجميع. وهذا اللون من الفن شكلٌ اجتماعي خال من أي دلالة دينية، ينطبق عليه قول شلدون تشيني: «إنه لا يقصد به إلا عرض الرقص نفسه، إنه رقص يمارسونه من أجل التذاذهم بتلك الذكرى القديمة، وهو مجرد تنفيس عن عاطفة مكبوتة»[40].

وكباقي الشعوب، فإن الليبين لا يمارسون شعائر دينية قد تكون حبيسة اللاشعور ومتوارثة منذ القدم؛ وإنما يعد رقصهم تظاهرات ليس لها محتوى إيديولوجي أو ديني. ذلك أنه حينما يرقص الشعب أو بعض أفراده، فهو «يفعل ذلك لحاجته الملحة للمناجاة وبحثا عن راحته النفسية فينفق جزءا كبيرا من طاقته وحيويته ليعبر عما يختلج في نفسه من تفاعلات»[41].

بعد مشاهدتنا للعديد من الرقصات التي سنورد بعضها في الصفحات التالية، نرى أن الرقص في ليبيا يعتبر جسرا يربط الماضي بالحاضر، عبر تقديم بعض اللوحات التي تصور المجتمع القديم بعاداته وتقاليده. وهو يسهم في الارتقاء بمستوى التذوق الفني، باعتباره صورة متكاملة للحكمة المتوارثة عبر الأجيـال تصـاحبهـا نشـوة روحيـة بفعـل الأنغـام المصاحبـة والقصـص المتوارثـة

المصورة بالحركة والإيماءة. ومن أشهر الرقصات المعروفة في ليبيا:

1 – رقصة الكاسكـا

2 – رقصـة الغـزال

3 – رقصة الرمـح

4 – رقصـة السيـف

5 – رقصـة الدفـوف

ولإبراز أصول بعض الرقصات ودلالاتها، سنتعرض بالتحليل لنموذجين من هاته الرقصات؛ وهما رقصة الكاسكا ورقصة الغزال. والسبب في اختيارنا لهذين النموذجين هو أنهما يعتبران أقرب الرقصات إلى الشكل الممسرح. كما أنهما تحتويان على قصتين ترويان عن طريق الحركة والإيماءة والعرض الراقص المتكامل العناصر. وهذا ما سنراه في الصفحات التالية.

1 – رقصـة الكاسكـــــا

موطنها الأصلي مدينةٌ زوارة الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والتي تبعد عن مدينة طرابلس بمسافة مائة وعشرين كيلومترا إلى الغرب. يرى بعض الباحثين أن رقصة الكاسكا هي مزيج بين الفنون الليبية الأصيلة، والفنون الأفريقية الوافدة من وراء الصحراء الكبرى. ومن أصحاب هذا الرأي عبد الحميد المجراب في كتابه «المسرح الليبي في نصف قرن»، والصيد العباني في مقالته «رقصاتنا الشعبية بين الشكل والمضمون»؛ إلا أن الباحثين لـم يـوضحـا الأسبـاب التي بنيا عليها رأيهما هذا.

يرى الباحثان أن الذين يقومون بأداء هذه الرقصة في مدينة زوارة هم من السود الذين استجلب أجدادهم من أفريقيا السوداء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وإذا كان هذا هو مرجعهم، فهو غير مقنع في رأينا، لأن الرقصة تحكي قصة خلاف بين عشيرتين من أجل الاستئثار بحق الاستفادة من الماء. وهذا سلوك يحدث دائما بين العائلات في الريف الليبي، ناهيك عن أن اللباس الذي يرتديه الراقصون هو لباسٌ ليبي تقليدي. أما الإيقاعات، فهي بعيدة كل البعد عن الإيقاعات الأفريقية. إنها إيقاعات مستمدة من الموروث الشعبي الموسيقي الليبي.

تحكي هذه اللوحة الراقصة أن إحدى الفتيات خرجتْ ذات صباح لتملأ جرتها بالماء من أحد الآبار، فاعترض سبيلها شاب من عشيرة غير عشيرتها، مانعا إياها من أن ترد الماء، متذرعا بأن البئر ملك لعشيرته وحدها، وبذلك ليس لها ولا لعشيرتها الحق في استغلاله. تعود الفتاة إلى عشيرتها وهي تجر وراءها ذيول الخيبة، باكية متحسرة، ثم تخبر أخاها وأبناء عمومتها بالإهانة والإذلال اللذين تعرضت إليهما. فتركب النخوة أقاربها، وتثور ثائرتهم لما اعتبروه انتقاصا من كبريائهم وامتهانا لكرامتهم، فيجمعون عصيهم، ويتوجهون بحثا عن ذاك الشاب الذي تحسب لحسابهم، فاستنجد بأهله وإخوته، ثم تنشب بينهم معركة حامية الوطيس يستخدمون فيها الأيدي والعصي. يتلاحمون، فترتفع العصي وتهوى على أصوات الإيقاعات مشكلة لوحة جميلة، مجسدة الصراع والقتال بين العشيرتين: كر وفر، إقبال وإدبار، هزيمة ونصر. وفجأة يحضر شيخ القبيلة ذو الحكمة والروية ليوقف تلك المعركة الخاسرة بالنسبة للطرفين، وليظهر استياءه مما يجري واعتراضه عليه، مستنكرا تلك الفعلة الشنيعة بين أفراد القبيلة الواحدة، متوعدا المتسببين فيها (كل ذلك يعبر عنه بالحركة الإيمائية)، مذكرا الجميع بالوحدة التي يحثنا عليها ديننا الحنيف وعاداتنا وأعرافنا الاجتماعية، وهكذا يتمكن الشيخ بحنكته وخبرته من إيقاف تلك المعركة، وجمع العصي وإجبار الشاب على ملء جرة الفتاة بالماء، وتقديم الاعتذار لها أمام الجميع. وبمثابة تعبير عن الحب والإخاء والوئام، يقوم الشيخ بأداء رقصة منفردة. بعدها يبتعد كل أفراد العشيرتين، وتستمر رقصة العناق والتسامح والصَّفح على إيقاعات الفرح والسعادة والتلاحم.

إن هذه الرقصة بسيطة في شكلها، لكنها ذات مضمون وأبعاد اجتماعية ونفسية، كما أنها تعتبر قريبة جدا من المسرح. إنها تصور تصاعدا لحدث يتطور منذ بداية الرقصة إلى أن يصل الذروة، مجسدا عبر حركة مرسومة وإيماءات تعبر عن حالات مختلفة ومتطورة، تصاحبها إيقاعات تختلف حدتها وسرعتها من حالة لأخرى.

لقد عرفت هذه الرقصة انتشارا واسعا في أغلب المدن الليبية، حيث نراها تقدم في الأعراس والموالد والاحتفالات بمختلف أنواعها.

2 – رقصـة الغـزال:

ظهرت هذه الرقصة أولا في المناطق الجنوبية من ليبيا عند قبائل الطوارق الذين يقطنون الصحراء، وبالتحديد في المنطقة المتاخمة للحدود الجزائرية والحدود النيجرية. وتعتبر لوحة تمثيلية إيمائية راقصة، تحكي عن حالة نفسية، يتصارع فيها الخوف والحذر والترقب والتصميم ثم النجاح؛ حالة يمر بها الغزال ابن هذه المنطقة المُطَارد دوما إما من لدن الإنسان أو الوحوش البرية الضارية.

يخرج صياد الغزلان متجها إلى الكثبان الرملية المترامية الأطراف باحثا عن طريدته، حاملا بين يديه أدوات الموت المتمثلة في الفخاخ الحديدية. ثم يلتفت يمينا وشمالا في حركات راقصة معبرا عن أمله في اقتناص صيد ثمين[42]. بعد ذلك يقوم بدفن الفخاخ في التراب والأمل يحدوه دوما في أن يفوز بغزال يعوضه عن تعب يوم طويل شديد الحرارة، ثم ينسحب بحذر بعد دفن الفخ الأخير، متجها إلى أحد أقواس الرمل محاولا الاختباء والانتظار.

تنطلق أصوات موسيقى الزكرة والإيقاعات المصاحبة معلنة عن قدوم غزال رشيق يتبختر ويمشي الهوينا، كما يمشي الوجيّ الوحل. وعادة ما يؤدي دور الغزال شاب يجيد الرقص والحركات الرياضية،ويملك من اللياقة البدنية ما يجعله مقبولا من قبل المشاهدين، يضع الشاب على وجهه قناع غزال. ثم يتقدم نحو الفخ بحركات راقصة رشيقة؛ لكنه يوجس خيفة عندما يفطن أن هذا الشيء (الفخ) إنما هو خدعة من خدع الصيادين الذين استخدموه للإيقاع به والقضاء عليه. وهكذا يقوم بمحاولات عديدة تجسدها رقصات متنوعة الحركة والإيقاع لفك هذا الفخ، مستعينا بـ «حدسه» وتجاربه السابقة مع الفخاخ الكثيرة التي يزرعها الصيادون في طريقه. وبإصرار قوي، يحاول فك الفخ إلى أن يتأتى له ذلك، فيأكل الطعم دون أذى.

هذه صورة جميلة ورائعة للمثابرة والصبر والعزم على تخطي الصعاب، صورة للمعاناة والأمل والتصميم على تحقيق الهدف. ومن خلال هذه الرقصة نستشف حالة الراقص الغزال النفسية المتوترة وهو «يحاول غلبة عدوه (المنداف) والإيقاع يشتد ويخفت والمشاعر تفيض بين الخوف والحزن والفرح والانتشاء… كل ذلك والراقص يظهـر براعتـه في التعبير بالحركة والإيماء، والملامح الأصليـة الفياضة، وهي لوحة رائعة من لواحات فن التمثيل البنتومايم»[43].

2 – التظاهـرات الفنيـة ذات الطابع الدينــي
تعرضنا في ما سلف إلى بعض التظاهرات الفنية الفرجوية ذات الطابع الاجتماعي، والتي عرفها ومارسها المجتمع الليبي عبر مراحله التاريخية المختلفة. ففي الصفحات القادمة من هذا الفصل، سنقوم بدراسة هذه التظاهرات الفنية ذات الطابع الأقرب إلى الديني منه إلى الاجتماعي، وإن امتزجت التظاهرتان لتكوين شكل فرجوي يشبع الرغبتين معا: الرغبة الدينية المتمثلة في التقرب إلى الله بذكــر أسمائه الحسنى والتضرع إليه، ومدح النبي الأعظم e وذكر أولياء الله الصالحين وبركاتهم، والرغبة الاجتماعية التي توفر المتعة والتنفيس والترويح عن النفس، والالتقاء بالأصحاب وأفراد العائلة والجيران في هذه التظاهرات التي تستعد لها المدينة أكبر الاستعداد. إن هذا الشكل الفني التراثي طالما لبَّى حاجة مريدي الطرق الصوفية إلى الترفيه والترويح عن النفس، كما أسهم في ترسيخ المعتقدات الدينية المتأصلة داخل أعماقهم. ومن ثم، فإن هذه التظاهرات الفنية تعد إحدى العروض التي تقدمها الزوايا حيث يمتزج فيها المتلقي بالعرض في وحدة ينصهر فيها الشكل الجمالي بالأبعاد الاجتماعية والدينية والتراثية. وبالإضافة إلى ما للزوايا من دور روحي، فقد كان لها بالمقابل دور كبيرٌ في المحافظة على التراث التقليدي، وحمايته من التشتت والتفسخ اللذين ألما بالحياة الاجتماعية والثقافية والفنية الليبية العربية الإسلامية في فترات زمنية تمتد من القرن السابع عشر الميلادي وحتَّى القرن العشرين: وهي فترة تاريخية حاول فيها المستعمرون من إسبان وفرسان مالطيين – و عثمانيين وإيطاليين – طمس الفنون والآداب العربية، فكانت هذه الزوايا معقلا من معاقل العلم والأدب والفن، واستطاعت بفضل جهود رجالها أن تحمي هذه الموروثات من الضياع والتلاشي، حينما قامت «بدور فعال في تنمية وسريان مقاطع التواشيح أقول تنميتها – لا بمعنى التجديد – بل حفظها في إطارها وتقليدها حفظت وحافظت وبقيت لم تندثر مع طغيان عهد العثمانيين، وتغلب العجم ولغة الدواوين والإدارة الأعجمية وعصور التردي اللغوي»[44].

ومن أشهر الطرق والزوايا الصوفية التي عرفها الليبيون، والتي أوجدت بدورها نوعا من التظاهرات الفرجوية المحببة إلى النفس:

1 – الطريقة العيساوية
2 – الطريقة العروسيـة.
3 – الطريقة القادرية.
4 – الطريقة الأسمرية.
5 – الطريقة المدنية.

وبما أن هذه الطرق جميعها تتفق في جوانبها الفرجوية، وإن اختلفت وظائفها من طريقة لأخرى، فإننا نرى أنها تهدف إلى شيئين رئيسيين، ألا وهما: الجانب الفرجوي والجانب الديني. وبما أن هذا الفصل يرتكز أساسا على الجوانب الفرجوية في الموروثات الثقافية والدينية، فإننا سنقتصر على دراسة طريقة واحدة باعتبارها نموذجا لباقي الطرق الأخرى، وكي نتفادى التكرار.

  • الطريقـة العيساويــة أو حضرة ابن عيسـى
    يرجع تاريخ الطريقة العيساوية إلى مؤسسها الشيخ الهادي الكامل بن عيسى الذي عاش وتوفي بمدينة مكناس بالمغرب ما بين 1477 – 1536م، هذه المدينة التي تضم رفاته الآن، والتي أصبحت مقرا لهذه الطريقة، حيث يحـج إليهـا مريـدوه من كل الأقطار العربية.

ومن المرجح أن تكون هذه الطريقة قد وصلت إلى ليبيا عن طريق الحجاج المغاربة الذين كانوا يستقرون بالأراضي الليبية لفترة من الزمن، رغبة في الراحة من عناء السفر، قبل متابعتهم السفر لأرض الحجاز لأداء مناسك الحج. وقد تبنى الليبيون هذه الطريقة العيساوية احتراما للمغاربة، فبنوا الزوايا ليمارسوا فيها شعائر هذه الطريقة التي استهوتهم، وتوارثها أبناؤهم من بعدهم إلى يومنا هذا، حيث لا زالت تلقى الاستحسان والإعجاب من جيل لآخر. ففي مقالة للأستاذ عبد الله السباعي بعنوان «تراث الغناء التقليدي في ليبيا»، يقول: «يشتمل التراث التقليدي للطريقة العيساوية على كثير من الأعمال الشعرية والنثرية المنغمة الموقعة، أي المصاحبة بآلات الإيقاع والغير مصاحبة مجهولة الملحن ومعروفة المؤلف أحيانا»[45].

يتم عرض هذا الشكل الفرجوي التراثي في مناسبات عديدة؛ وهي: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وشهر رمضان المبارك، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، والزيارات، ومزارات الأولياء الصالحين، واستقبال الحجيج، والنجاة من الحوادث، والشفاء من الأمراض، وزفة العريس، وليلة الزفاف، ثم السكن في بيت جديد.

من خلال استعراضنا للمناسبات التي تقدم فيها الحضرة العيساوية، يتضح أن أغلب هذه المناسبات إما دينية أو يرادُ بها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، والشكر له على نجاة من موت أو شفاء من مرض، أو رجوع إلى الوطن بعد مشقة سفر إلى الأراضي المقدسة. موازاة مع شكل الحضرة العيساوية الفرجوي، بقيت هذه الظاهرة غارقة في طابعها الديني التبريكي والتيمني. ومن أشهر الزوايا العيساوية التي عرفتها مدينة طرابلس: الزاوية الصغيرة، زاوية سيدي يعقوب بمنطقة باب البحر بالمدينة القديمة، والزاوية الكبيرة بمنطقة زنقة الدباغ، ثم زاوية الشيخة راضية، فزاوية الشعاب.

إن الزاوية هي المقر الذي تقام فيه هذه التظاهرات الفنية التي هي في حقيقتها الشعائر العيساوية، أو ما يسميه الليبيون بالحضرة. والزاوية هي عبارة عن مبنى واسع وفسيح ألحق به مسجد، كما أنه يحتوي على قاعة كبيرة لممارسة شعائر الطريقة (الحضرة)، تتسع للعديد من الممارسين والمشاهدين[46]. وهي شبيهة بمسرح دائري (AREANA STAGE) يوجد فيه مخزن للدفوف والصاجات والطبلات ومعدات العرض. وبالزاوية ساحة خارجية فسيحة تستعمل لأغراض عديدة، منها حفلات عقد القران، والمآتم، والمناسبات الاجتماعية الأخرى. وتتم الشعائر أو التظاهرات الاحتفالية داخل الزاوية بمراحل ثلاث:

أ – الحزب
ب – الذكر
ج – الفـن

أ – الحـــزب:
هو عبارة عن مجموعة من الأدعية المتوارثة عن الشيخ الكامـل بـن عيسـى. ويعتبر هذا الركن المدخل الأساسي، حيث يقرأه المريدون وهم جالسون يتوسطهم شيخ الطريقة. ويقرأ هذا الحزب جماعيا على منوال الكورال أو الكورس، إذ تختلف طبقات الأصوات بين قرار وجواب، كما تختلف النغمات من دعاء لآخر. وتستمر هذه الأدعية لمدة قد تتعدى الساعة. بعد ذلك، تقرأ الفاتحة، وينفض المجلس لمدة قصيرة من الزمن، تهيأ بعدها القاعة لممارسة المرحلة الثانية من الحضرة، التي تكون عادة أكثر إثارة واهتماما من لدن المشاركين والمتلقين معا، ألا وهي مرحلة الذكر.

ب – الذكــر:
تختلف هذه المرحلة في شكلها عن المرحلة الأولى (الحزب)، إذ أن الذكر يتميز بتشكيلات حركية جميلة توفر إطارا بصريا، وذلك من خلال تقسيم المشاركين إلى مجموعتين أساسيتين: المجموعة الأولى، وهي التي يتوسطها شيخ الطريقة، بعد أن تقف في صفوف متلاصقة تردد اسم الجلالة في تناغم وانسجام. ويأخذ الإيقاع في التصاعد والإسراع والبطء وفق الصيغة المقدمة. ويمر الذكر عادة بثلاث مراحل إيقاعية.

أما المجموعة الثانية، فهي عبارة عن حلقة من المنشدين الجالسين على الأرض؛ وهم عادة ممن يحفظون الأذكار والمدائح النبوية والتواشيح والموشحات. وتتكون هذه المجموعة من ذوي الأصوات الجميلة تصاحبهم آلات وترية كالعود والقانون.

تبدأ هذه المجموعة الإنشاد متنقلة من مقام لآخر، ومستهلة الجلسة بإنشاد في مقام البياتي، يقودها أحد حفاظ التراث الفني التقليدي. وحينها يعطي شيخ الذكر الإيعاز للمجموعة الواقفة بالبدء في ذكر الله، يستمر هذا الشكل الاحتفالي الفرجوي الديني لمدة قد تناهز التسعين دقيقة ينتقل فيه المشاركون من إنشاد لآخر، ذاكرين الله سبحانه وتعالى في تناغم وتناسق بين المجموعتين (مجموعة الذكر ومجموعة الإنشاد)، مارين بمراحل إيقاعية ثلاث: إيقاع بطيء واضح الملامح، يحرك الشعور والعواطف عبر ألحان هادئة وموزونة، ثم تميل الإيقاعات شيئا فشيئا إلى السرعة التدريجية حتَّى تصل إلى القمة بإيقاعات سريعة وقوية ونشيطة جدا.

هنا يكوِّن الذاكرون المتمايلون وحدة متناسقة عبر حركاتهم الجسدية الموحَّدة، يقودهم في ذلك شيخ الذكر، وهم يحافظون على وحدة طبقاتهم الصوتية. وبتأثير من الأنغام المنبعثة من حلقة الإنشاد والممزوجة بالأصوات الذاكرة لله، تأخذ الأجسام في التمايل من اليمين إلى اليسار، يحركها الوجد وصوت إيقاع الزل[47] والباز[48] جاعلة النفوس ترتقي إلى قمة النشوة الروحية التي تفعل فعلها في البعض منهم، حتى تخرجهم عن هذا التناسق والتناغم، فينتقلون إلى حالة جديدة ينعزلون بفعلها عن المؤثرات الخارجية كعاملي الزمان والمكان، ثم يهيمون بفعل الأذكار المرفقة بإيقاعات حادة سريعة إلى أن يحلق أحدهم في فضاء لا مرئي ينقلب بتأثيره إلى شيء آخر مغاير أساسا لطبيعته، فيحس أنه قد أمسى أسدا أو نمرا أو قطا أو ما شابه ذلك.

وقد سنحت لنا الفرصة أن نتردد على هذه الزوايا في المناسبات الدينية العديدة، لأن مركزها قريب من مكان إقامتنا الذي ولدنا وتربينا وترعرعنا فيه، حيث كنا نشاهد الكثير من المريدين الذين تبلغ بهم درجة الوجد – أو درجة التقمص، كما تسمى فنيا – إلى أقصى الحدود، فيتقمصون أدوار الحيوانات الشرسة لدرجة أن الرجل، بالرغم من كبر سنه بحث يتجاوز الستين من العمر، يجسد حركات الحيوانات التي لا يستطيع أن يجسدها شاب فـي مقتبـل العمـر، وأن خطوات الأسد أو رشاقة القط أو شراسة النمر تصبح ممثلة في شخص ذاك المريد. لقد كنا قريبين من أحد هؤلاء في إحدى التظاهرات عندما وصل إلى قمة نشوته وتقمصه، فانقلب إلى نمر متوحش ذي نظرات شرسة، وحركات وحشية. وحتى حركة الرأس، كانت فيها قوة وعظمة وشموخ نمر يبحث عن فريسته: نظرات حادة، تناسق عضلي، صورة نمر وليس إنسان. بقي ذاك المريد مجسدا لتلك الحالة مدة من الزمن ناهزت العشرين دقيقة. وعندها جيء بشخص آخر تمدد أمام هذا النمر وكأنه فريسة أراد أن يلتهمها. وبعد ذلك تدخل أحد الشيوخ وقرأ عليه بعض الآيات القرآنية، ثم مدَّده ليستريح.

لن نخوض هنا في تفاصيل قد تكون أقرب إلى مناهج الصوفية وطرقهم، لأن ما يهمنا هو حالة التقمص هذه. وهي حالة متقدمة جدا طالما تمَّ البحث عنها في الكثير من المعامل والورشات الفنية العالمية. لقد أصبحت هذه الحالة القصوى من التقمص مثار البحث والتدريس والتدريب. وأشهر من حاول التوصل بممثليه إلى هذه الحالة – التي يلقى فيها الممثل شعوره بالتمثيل ليدخل عالم الشخصية الممثلة لاغيا كل المؤثرات الخارجية – هو المخرج البولوني غروتوفسكي الذي يقول عنه بيتر بروك المخرج المسرحي والباحث البريطاني ما يلي: «في اصطلاحات غروتوفسكي، يفسح الممثل المجال لدوره كي يتغلغل فيه ويكون الممثل في البداية هو الحاضر الذي يقف بينه وبين الدور، إلا أنه وبالتمرين المتواصل، وبعد أن يسيطر تقنيا على وسائطه الجسمانية والنفسية يتمكن من إسقاط تلك الحواجز… إن التغلغل الذاتي بواسطة الدور له علاقة بالكشف. فالممثل يجب ألا يتردد في الكشف عن نفسه كما هي خاصة بعد أن يدرك أن سر الدور يتطلب فتح مغالق نفسه، والكشف عن أسرارهـا الخاصة، وهكذا تصبح مهمة العرض المسرحي نوعا من أنواع التضحية»[49].

إن هذه الحالة التي يجسدها المريد داخل العمل الاحتفالي هي التي يحاول غوتوفسكي نفسه الوصول إليها مع ممثليه عبر مسرحه الفقير، إذ يقول في مقابلة مع مجلة الدراما ريفيو الأمريكية: «يجب أن يهب الممثل نفسه ولا يمثل لنفسه أو للمشاهد، كما يجب أن يوجه بحثه في أعماق ذاته للخارج وليس لأي شيء في الخارج»[50].

إذن، فالسؤال الذي يطرح نفسه جليا هو كالتالي: أليس العمل الإبداعي الكبير الذي يقوم به المريد- مهما كان محركه أو سببه – تقمصا وتشخيصا؟ وهذا الفضاء الذي يؤدي فيه عمله الإبداعي، الخالي من الديكورات والإضاءة والماكياج والنص أيضا، أليس هو المسرح الفقير؟ (Poor theatre) الذي ظهر في شرق أوروبا في الستينيات من هذا القرن؟

قد لا نغالي إذا قلنا إن الحضرة هي الأصل والمنبع لهذا الفن أو المسرح الذي ربما شاهده غروتوفسكي، أو سمع عنه فتأثر به وحاول أن يستمد من خلاله منهجه في التمثيل أو أنه مجرد خواطر.

الفـــــــن:
إن المرحلة الثالثة من الحضرة العيساوية، التي تشكل نهاية هذا العرض الاحتفالي أو التظاهرة الفنية الدينية، هي ما يسمى بالفن.

بعد إتمام ما يسمى بالذكر، يجلس المشاركون بعد فترة استراحة قصيرة في حلقات متعددة؛ الحلقة الأولى تتكون من ضاربي الدفوف يتوسطهم المنقل، وهو عبارة عن كانون كبير من الحديد به فهم مشتعل لتسخين الدفوف كلما بردت. وهذه الحلقة هي الحلقة الرئيسية التي تتوسط حلقات أخرى، وهي حلقات الجوقة (الرَّدَّادة) المكونة من «الردادين» الذين يرددون مقاطع المألوف بعد الشيخ. أما شيخ الفن، فيكون مواجها حلقة الدفوف والنقرة[51]،ماسكا بيده طبلة صغيرة قارعا عليها بكفه كي يحافظ على الأوزان خشية السقوط. وعادة مـا تكـون بجانـب الشيـخ مجموعة من حفظة “المألوف” يعينونه على التذكر أثناء قيادته الوصلة (النوبة) التي تفتح بإنشاد يكون في نفس مقام النوبة المراد غناؤها، وتصاحب الإنشاد آلة الغيطة[52]. حين تنتهي المجموعة من الإنشاد، يبدأ الشيخ في الغناء تصاحبه الدفوف، وترد عليه جوقة الردادة بنفس ما غناه. ويستمر الفن إلى الساعات الأولى من الصباح، تقدم خلاله نوبتان أو ثلاث نوبات من المألوف.

والغريب في الأمر أن أغلب المألوف الذي يتكون من أشعار أندلسية ملحنة يحتـوي علـى أبيـات في التشبيـب والحـب والعشـق. وأثنــاء الإنشـاد يحـدث لبعـض المريدين ما قد حدث لزملائهم أثناء مرحلة الذكر، فيهيمون وجدا، ويبتعدون بأفكارهم عن العالم المحيط بهم، متقمصين صورا وشخصيات أخرى بعيدة عن محيطهم وواقعهم. وقد سألنا بعضا من هؤلاء عما كانوا يحسونه أثناء عملية التجلي، كما يقولون، وهي التي يرفضون تسميتها بالتمثيل أو التشخيص، فكانوا يجيبون بأنهم لا يتذكرون شيئا، ولا يحسون بشيء سوى النشوة والتجلي. إن أغلب هؤلاء يقولون إنهم أخذوا الورد (نوع من التسبيح) عن شيوخهم الذين أعطوهم الإذن بعد تدريب طويل شاق أهلهم للقيام بهذه المهمة.

ولكن، مهما يكن الأمر، فإننا نورد هنا فعلهم هذا من وجهة نظر فنية صرفة، وليس من وجهة نظر صوفية: أي باعتبارها عنصرا من عناصر الفرجة الشعبية ذات الطابع الاجتماعي والديني التي تقام في الزوايا، والتي يقول عنها علي عقلة عرسان: «أجدني أمام ظاهرة مسرحية في حلقات الذكر ومجالس السماع الصوفية، ضمن إطار الطقس الديني وبعض المظاهر الدنيوية الأخرى… أجدني أمام ظاهرة مدهشة التتام والتأثير والفاعلية والدلالة، ترقى إلى التكامل، ظاهرة ما زالت تفعل فعلها في الناس، وتركت في خلفية التكوين الفكري والاجتماعي والروحي لفئات غير قليلة من شعبنا العربي بصمات واضح، وهي تعرف كيف تربي أطرها البشرية، وكيف تحافظ على وجودها وتطورها، ولكن ضمن الطقس الديني في معظم الأحوال، وتحت ستاره وظلاله عندما تكون أقرب إلى الاتصال بما هو ديني»[53].

لقد شكلت هذه التظاهرات الفنية الشعبية، بمختلف مضامينها الاجتماعية والدينية، منبعا مهما لمصادر غنية بالتراث المستمد من عمق التاريخ العربي الليبي، والتي صنعت في أغلبها أشكالا لمسرح شعبي، وفرجة شعبية ضاربة عروقها في أغوار الزمن المتأصل في الذاكرة. إن هذه الأشكال – التي لم تخضع لتقطيع في الفصول، ولم تحترم القواعد المسرحية المتداولة – كانت بمثابة الإرهاصات الأولى لعملية إبداع فرجوي عاشها الإنسان الليبي في واقع حياته من مختلف زواياها وأبعادها.

لقد مارس الإنسان منذ غابر العصور أشكالا فرجوية احتفالية ارتبطت كلها بما يعيشه من أفراح وأتراح داخل محيطه. وهذه الأشكال الفرجوية كانت متنفسه الوحيد حين تقسو عليه الطبيعة أو لا يطاوعه القدر في بلوغ مبتغاه. فسعــى هـذا الإنســان يتلمـس خـلاصـه في تأليـه تلك الظـواهـر الطبيعيـة، وتقـديس بعـض المخلوقات، ناسجا من خياله، وفي حمأة معاناته أشكالا مؤلهة. ولإحياء كل شعيرة من الشعائر التي ابتدعها، سَنَّ لكل منها طقوسا خاصة بها أو مشتركة مع غيرها. وهذه الطقوس الاحتفالية تكون إما موسمية أو ظرفية، وتؤدى إما بشكل فردي أو جماعي وكلها مقولبة حسب الظرف الزمكاني والمناسباتي الذي تؤدى فيه.

وبديهي أن يعـرف سكـان الأراضي الليبية الأقدمون، كغيرهم مـن ساكنة هـذه الأرض، مثل هذه الأشكال الفرجوية الاحتفالية لإحياء طقوسهم الدينية والدنيوية. وفي اعتقادنا أن سكان ليبيا قد عرفوا مثل هذه النماذج والأشكال من الاحتفاليات، وعاشت معهم أفراحهم وأحزانهم، وتطورت بتطورهم عبر الأحقاب والأزمان، انطلاقا من موقع ليبيا الجغرافي وقربها من الشواطئ الشمالية للمتوسطي، وما عرفته تلك الضفة من تطور لتلك الاحتفاليات لتصير منبع ما نسميه اليوم بالمسرح.

وهناك دليل مادي يمكننا من مقارئة وتحليل تلك النماذج وتفاعلها مع التحولات التي عرفتها الأراضي الليبية، بفعل الحضارة الإغريقية، وبسط سيطرتها على أراضي الضفة الجنوبية للمتوسطي، ومن ثم نقل كل أشكال ثقافتها، وكذا الحضارات التي سبقتها والتي أعقبتها. وأعني بالدليل المادي النص المكتوب أو النقوش وما سواها أو العمارة باعتبارها أحد الشواهد الثابتة لاستجلاء بعض خصوصيات الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، في هذا المضمار، والاستدلال عليها. إذ لم يستطع المؤرخون ولا الأثريون الوقوف عنده حتى الآن، رغم وجود آثار ضاربة في القدم تنتمي لحضارات قديمة جدا ممن تطورت عندهم هذه الأشكال الفرجوية الاحتفالية، أسسوا منها قواعد أفضت إلى ما نسميه اليوم بالمسرح.

إلا أن الذاكرة الشعبية الليبية بقيت حبلى ببعض الرسوبات المتبقية من تلك الأشكال الاحتفالية الفرجوية التي امتزجت وتصاهرت مع بعضها بمرور الزمن واختلاف المكان، لتفرز لنا أشكالا سجلتها الذاكرة الشعبية الحديثة، والتي نعتبرها الإرهاصات الأولية لميلاد المسرح العربي الليبي بالمفهوم الجديد.

فمن بين هذه الأشكال الترفيهية التي استهوت الليبيين، نجد شخصية الراوي أو الحكواتي، التي عرفتها كل الأقطار العربية الإسلامية، وتعدَّدتْ وتنوعت الأسماء التي أطلقت عليها. لقد كان فضاؤها الأسواقُ والأماكنُ العامة. ومن مميزات هذه الشخصية الطلاقة في السَّرد، والخيال الخصب في ابتداع صراعات شخوصها وحالات الإيهام التي تخلقها لدى المتلقي.

ومع مطلع القرن الحالي، ونتيجة للاستعمار الإيطالي الذي خلق جوا من الاضطراب وعدم الاستقرار، تم تطبيق القوانين العرفية التي شددت الخناق عليه وقلصت فضاءه. وهكذا شد الرحال من الأماكن العمومية والأسواق الفسيحة إلى فضاءات الفنادق والدور الخاصة والمقاهي. وحتى في هذه الأخيرة، لم يهنأ بها رغم محدوديتها. فها هو المذياع يتسرب إليها لينافسه وينتصر عليه بعدما خلق عشاقا له ومريدين كثر، ليلقي به في غياهب النسيان.

وهناك شكل آخر أمتع المشاهدين لفترة طويلة، وهو القره قوز الـذي كانـت تطـرح مواضيعه الصراع الأبدي بين الخير والشَّر مع شيء من الإثارة والمفاجأة اللتين يفرضهما المكان والزمان ونوع المشاهدين.

وتبقى لبعض الأعياد والمناسبات خصوصيات. فمثلا في عيد عاشوراء، هناك احتفال خاص يجسده الشيشباني، تلك الشخصية التي تجوب الأزقة والحارات، مغنيـة راقصـة، ومتنافسـة مـع «شيشبـانيـات» أخرى كـل منها يمثل حيا أو حـارة. والغلبة في النهاية لمن استطاع أن يحصل على أكبر عدد من المال والصدقات.

وإذا كنا قد أشرنا إلى أن الاحتفالية عند الليبيين هي مزيج من الثقافات، فهي تظهر جلية في البوسعدية، تلك الشخصية ذات الملامح السوداء التي تجوب الأزقة بأسمالها الملونة وأشرطتها التي تتدلى فيها القواقع والأصداف والعظام وبعض القطع المعدنية. إن هذه الشخصية الغريبة الآتية من أعماق أفريقيا السوداء، والمحملة بإيقاعاتها البدائية، تحكي عن الحزن والفرح والتشبث بالأمل لاسترداد ما ضاع. ولكون البوسعدية ليس له مكان أو زمان قار، فهو يظهر ويختفي، ليبقى – بخلاف الاحتفاليات السابقة – حفلا لا يعتمد الموعظة والإرشاد.

أما أمك طنبو، فهو أحد الأشكال الضاربة في القدم، له ارتباط وثيق بالفعل الديني الوثني. فقد مارسه الليبيون القدامى، وجعلوه وسيلة للتقرب إلى الآلهة طلبا للغيث. وحتى بعد اعتناقهم الدين الإسلامي الحنيف، لازموا هذه الاحتفالية، بل آمنوا بقدراتها على تغيير الطقس، وظلوا يمارسونها إلى وقت قريب.

أما الرقص الذي يعتبر أحد أشكال الحكي، فقد عرفه الليبيون، وعبروا من خلاله عن أفراحهم في الأعراس واللقاءات العائلية، وبعد موسم الحصاد وجني الثمار والصيد. ومن أشهر هذه الرقصات رقصةُ الدفوف. ولكل منها حكاية خاصة بهـا.


[1] – نقلا عن كتاب: د. حسن المنيعي، أبحـاث في المسـرح المغربي، مكناس، مطبعة صوت مكناس، الطبعة الأولى، 1974، ص. 14.
[2] – Oscar C. BROCKETT, History of Theatre, New York, Allyand Bacon, Firth Print, 1971, p. 1.
[3] – د. حسن المنيعي، المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة، فاس، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية (ظهر المهراز)، الطبعة الأولى، 1994، ص. 29.
[4] – المرجـع السـابق، ص. 30-31.
[5] – بشير محمد عربي، الفن والمسرح في ليبيا، الدار العربية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 1981، ص. 37-38.
[6] – مدام رتشارد تولي، عشر سنوات في بلاط طرابلس، ترجمة عبد الجليل الطاهر، بنغازي، منشورات الجامعة الليبيبة، 1967، ص. 41.
[7] – مابل لومـس تود، أسـرار طرابلس، طرابلس، دار الفرجاني، 1968، طبعة أولى، ص. 23.
[8] – د. حسن المنيعي، المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة، مرجـع سابـق، ص. 33.
[9] – ثمارا ألكسندروفا، ألف عام وعام على المسرح العربي، ترجمة توفيق المؤذن، بيروت، دار الفارابي، 1990، الطبعة الثانية، ص. 60.
[10] – صفي الدين الحلي، العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق د. حسين نصار، القاهرة، 1981، الطبعة الأولى، ص. 115.
[11] – توفيق الحكيم، قالبنا المسرحي، القاهرة، المطبعة النموذجية، د. ت.، ص. 12.
[12] – د. حسن المنيعي، المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة، مرجع سابق، ص. 12.
[13] – مابل لويمس تـود، أسرار طرابلـس، طرابلس، دار الفرجاني، 1968، ص. 148.
[14] – ديكر هنري، أنطولوجية الأدب المغربي، ص. 14، نقلا عن: د. حسن المنيعي، أبحاث في المسرح المغربي، مرجع سابق، ص. 10.
[15] – توفيق الحكيم، قالبنا المسرحي، مرجـع سابق، ص. 13.
[16] – بيتر بروك، النقطة المتحولة، أربعون عاما غي استكشاف المسرح، ترجمة فاروق عبد القادر، فليوب – القاهرة، مطابع الأهرام، سلسلة عالم المعرفة، 1991، الطبعة الأولى، ص. 56.
[17] – بشير عربـي، الفـن والمسـرح في ليبيــا، مرجـع سابق، ص. 225.
[18] – رجب قرفال، حوارٌ أجريناه معه بطرابس، يوم 5 / 6 / 1994. وللإشارة فإن رجب قرفال هو والدنا.
[19] – فاروق خورشيـد، الجذور الشعبية للمسـرح العربي، القاهرة، الهيأة العامة للكتاب، السنة 199، ص. 130.
[20] – تمارا الكسندرا نوفا، ألف عام وعام على المسرح العربي، مرجـع سـابق، ص. 84.
[21] – محمـد عـزيزة، الإسـلام والمسـرح، ترجمة د. رفيق الصبان، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1990، ص. 68.
[22] – د. محمد مندور، المسـرح، القاهرة، نهضة مصـر للطباعة والنشـر، 1989، ص. 29.
[23] – فؤاد الكعبازي، «عروض أبي العين السوداء»، مجلـة تـراث الشعـب، العدد الرابع، السنة الحادية عشر، طرابلس، 1991، ص. 85.
[24] – هنريش فون فالتش، رحلة إلى ولايتي طرابلس وتونس، ص. 92، نقلا عن: يعقوب م. لانداو، المسـرح والسينما عند العرب، ترجمة أحمد المغازي، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1972، الطبعة الأولى، ص. 92.
[25] – هـ. س. كاوير، مرتفع آلهات الجمال، ترجمة أنيس زكي حسن، طرابلس، مكتبة الفرجاني، د. ت.، ص. 3.
[26] – البوصيري عبد الله، «قره قوز التركي ورحلته إلى ليبيا»، مجلة تراث الشعب، طرابلس، أمانة اللجنة الشعبية للإعلام، العدد 4، 1991، ص. 102.
[27] – الشيباني: تعني بالعامية الليبية الشيخ العجـوز أو الكهل الطاعن في السن.
[28] – مزالـه: تعني بالعامية الليبية قَدَره.
[29] – فؤاد الكعبازي، «عوائد كانت وتلاشت»، مجلة تراث الشعب، طرابلس، اللجنة الشعبية للإعلام، السنة الحادية عشر، العدد 2، 1991، ص. 99.
[30] – يحتفل الليبيون يوم عاشوراء بطهي الفول والحمص وتقديمه باعتباره وجبة رئيسية في ذلك اليوم، وذلك بمثابة نوع من الاحتفال.
[31] – أحمد بشير عزيـز، «ألعاب شعبية يحركها ويتحول بها الناس»، مجلة تراث الشعب، طرابلس، اللجنة الشعبية للإعلام، العدد: 2، السنة العاشرة، 1990، ص. 121.
[32] – الدنقة: نوع من الطبول صغيرة الحجم.
[33] – محمد داوس أبو سعدية، نقلا عن: محمد عزيزة، الإسلام والمسرح، مرجع سابق، ص. 62.
[34] – مختار الأسود، حـوار أجريناه معه يوم 25 / 12 / 1994، بمدينة طرابلس.
[35] – Louis VARGAS, Guid to DRAMA, London, PINGUIN Book, 1967, p. 14.
[36] – د. جميل ناصف التكريتي، قراءة وتأملات في المسرح الإغريقي، بغداد، وزارة الإعلام والثقافة، ص. 7.
[37] – المرجـع نفسه، ص. 75.
[38] – FRED MILT & Gerard PENTLY, Art of Drama, New Yoork, Franklin Publisher, 1974, p. 51.
[39] – شلدون تشيني، تاريخ المسـرح في ثلاثة آلاف سنة، ترجمة: د

حسن قرفال باحث ومخرج مسرحي / ليبيا

نُشر في الإصدار الأول للمجلة في 28/09/2003 7:40:00 (304 القراء)

‫0 تعليق