محمد صدوق: المدرسة والسلط المجتمعية في المغرب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


مدخل:
من بين السمات البارزة للمجتمعات المعاصرة: تبوء المؤسسات و المنظومات المجتمعية المختلفة( غير الأسرة) المكانة الريادية والحيوية في تشكيل وهندسة وتوجيه المجتمع، وتحديد نوع ونمط الفرد/ الإنسان/المواطن الذي يشكل النواة الأولية في تكون وبنية المجتمع وديناميته العامة.

و”ا لمنظومات(خصوصا المنظومة المدرسية) التي ينتجها المختصون(أو الحاكمون) بفضل/ ومن أجل
احتكارهم للإنتاج الإيديولوجي المشروع، بما هي أدوات سيطرة تعطي للعالم بنيته لأنها تنتظم في بنيات، فإنها تعيد إنتاج بنيات الطبقات الاجتماعية في صور لا يؤبه لها، وعن طريق التوافق بين مجمل الإنتاج الإيديولوجي ومجال الطبقات الاجتماعية.”(1)
والمدرسة، كمنظومة إيديو-معرفية، تبقى أخطر مؤسسة مجتمعية، لما لها من ادوار تأسيسية في تكوين وتنشئة الفرد/ المتعلم(منذ طفولته الأولى) ودمجه داخل البنية المجتمعية ليحتل موقعا معينا في تراتبيتها وليقوم بأدوار معينة كذلك فيها.
لذا، يبدو بديهيا أن تكون المدرسة كإحدى الأمكنة والجبهات المفضلة للصراع المجتمعي، من أجل تحقيق المشاريع والمنافع المستهدفة من بل القوى المجتمعية المتصارعة، ذات الأيديولوجيات والقيم والمواقع المختلفة؛ أي أن هذه القوى تحاول باستمرار استخدام المدرسة وتوظيفها كسلطة من أجل التحكم السياسي في المجتمع بشكل عام. حيث” ليست المدرسة كمؤسسة اجتماعية، فقط، مجرد وسيط (محايد) لنشر المعرفة و القيم…أو مكان يتم فيه الاتصال بين المعرفة والطلاب، بل هي فوق كل ذلك تعبير عن الايدولوجيا السائدة، وأحد الأدوات الهمة لنشرها والتبشير بها.”والإيديولوجيات غالبا ما تعبر عن حاجات ومصالح فئات من الفئات الاجتماعية ( طبقة، جماعة إثنية، نظام سياسي…). وحسب منطق منظومة الصراع السياسي (التقليدي) تبقى الايدولوجيا السائدة هي إيديولوجية السلطة المسيطرة أو المتحكمة؛ حيث تحتكر كل الأجهزة الإيديولوجية، ومنها المدرسة.لذا، فالصراع السياسي المجتمعي يكون بواسطة الأجهزة الإيديولوجية، ومن أجل تملكها والتحكم فيها من طرف مختلف السلط المجتمعية.
في مقاربتنا هذه، لعلاقة المدرسة بالسلط المجتمعية في المغرب، سنحاول الإجابة التحليلية والنقدية عن الأسئلة التالية:

  • ماهي السلط المتصارعة داخ المنظومة لسوسيو- ثقافية و السياسية؟
  • كيف يتجلى الصراع المجتمعي بين مختلف السلط داخل المدرسة؟
  • هل يجن إبعاد المدرسة عن الصراع الإيديو-سياسي، وجعله فقط مؤسسة للمعرفة العلمية ونشر قيمها الموضوعية والمحايدة د ون تحيز أو تمييز نخبوي طبقي أو إثني قيمي…؟
    للإجابة عن هذه الأسئلة، ومن المنهجية، سنتحرى مقاربة سوسيو-سياسية، تعتمد، أساسا، على التحليل و التأمل والاستنتاج والتركيبي، كمحاولة لرصد العلاقة بين المدرسة “كآلة تحكم”إيد يو-معرفية”وكمكان سياسي”ومختلف السلط المجتمعية.والمقاربة السياسية التي نستعملها، هنا، هي تلك التي تعتمد على مفهوم السلطة أساسا، حيث إن السياسي يمكن تحديده من خلال مقاربتين(3):
    · الأولى تحدد السياسي بالاستناد إلى الدولة بمفهومها الضيق.
    · والثانية تحدد السياسي بالاستناد إلى السلطة، حيث إن هذا التحديد يسمح بشكل عام بإدخال ظواهر السلطة المختلفة في الحق السياسي، إذ تبدو هذه الظواهر وكأنها مستقلة عن الدولة بمعناها الضيق.
    ونستعمل، أيضا مفهوم السلطة بالمعنى الذي يحدده ميشيل فوكو، حيث السلطة هي “… مجموع المؤسسات والأجهزة التي تمكن من إخضاع المواطنين داخل دولة معينة.[وهي]..تعني… علاقات القوى المتعددة التي تكون محايثة للمجال التي تعمل فيه تلك القوى، مكونة لتنظيم العلاقات”(4)
    إذن، لنرى ماهية القوى اوالسلط التي تدخل حلبة الصراع المجتمعي من اجل فرض أو ترسيخ سلطتها، وماهية علاقتها بالاختيارات الكبرى للسياسة التعليمية /المدرسة( وخصوصا في الميثاق الوطني للتربية و التكوين الأخير).

يمكننا، تجاوزا، وبشكل تركيبي إن نشخص القوى /السلط المجتمعية التي تدخل لعبة الصراع من أجل أو عبر السلطة في ست قوى أساسية: قوى سياسية(بالمعنى الضيق)، وقوى إتنو-ثقافية، وقوى قيمة ـ أخلاقية، وقوى تقو ـ اقتصادوية، وقوى أجنبية، وقوى معرفية ـ علمية.
ماهي تجليات كل قوة / سلطة على حدى ؟ وماهي علاقتها التفاعلية والتحكمية بالمنظومة المدرسية ؟

1- السلطة السياسية:
من خلال تتبعنا (المتواضع ) لد ينامية الحقل السياسي المغربي، نلاحظ بأن المغرب السياسي شهد على امتداد قرابة 40 سنة الأخيرة انتقالا بطيئا وعنيفا من منظومة سياسية كليا نية واستبدادية إلى منظومة منظومة سياسية حداثية و ديمقراطية ـ إلى حد ما ـ في إطار مسلسل التوافق بين الدولة وبعد الأحزاب الوطنية المعارضة. وهذا المشهد انعكس كذلك على السياسة التعليمية /المدرسة؛ فبعدما كانت الدولة هي الوحيدة التي تحتكر تحديد المنظومة المدرسية في أبعادها التنظيمية والإيديولوجية والمعرفة والقيمة، لصبحنا نشهد تفتحا ديمقراطيا للدولة، حيث لصبح التعليم –إلى حد ما- شانا عاما، وذلك بإشراك بعض القوى المجتمعية في هندسة ا لإ صلا ح التعليمي الأخير، المتمثل في” الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، حيث ضمت “اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين” ( المسؤولة عن صياغة الميثاق) 33 عضوا بالإضافة إلى رئيسها، حيث توزعت مرجعياتهم الإنتمائية كالتالي: المجلس العلمية مثلت بنسبة %6، والمركزيات النقابية%23، والأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان بنسبة%41، و%30 الباقية هي عبارة عن
أعضاء وشخصيات مختلفة المواقع والمسؤوليات(؟!) أهم ما يمكن تسجيله هنا هو هيمنة السياسي، حيث شكل %41 من مجموع أعضاء اللجنة الخاصة.
إذا كانت السياسة من بين ما تعنيه:” هي مجموعة الجهود المبذولة في سبيل المشاركة في السلطة، أو التأثير على توزيع السلط بين الدول أو بين المجموعات المختلفة داخل الدولة نفسها”(5) وأهم هذه الجهود المبذولة تعتمد، وبشكل كبير، على نشر وتكريس الاختيارات الإيديولوجية لكل قوة سياسية داخل المجتمع، وذلك إما من أجل المحافظة على السلطة أو الوصول إلى السلطة( بالمعنى الضيق).
ويمكننا تحديد عناصر المنظومة الإيديولوجية المتفاعلة/المتصارعة في الحقل السياسي المغربي في:
· التراثية- المحافظة.
· الرأسمالية- الليبرالية والتقني-اقتصادوية.
· الاشتراكية-العلمية-الديمقراطية التحررية- العلمانية…(اليسار).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن جل التشكيلات الحزبية المغربية غير متجانسة ومنسجمة من حيث حقيقة إيديولوجيتها والفئة/الطبقة التي تمثلها اجتماعيا، إذ يمكننا ملاحظة خليطا من الإيديولوجيات في الخطاب السياسي، وخليطا من الفئات المجتمعية المتباينة طبقيا ومصلحيا داخل نفس الحزب السياسي ! وهذا ما قد يفسر” صعوبة” التصنيف السياسي الكلا سيكي : يسار ،يمين، وسط !
وهذه نتيجة طبيعية لتفشي عدة ظواهر سياسية سلبية كالأمية السياسية لغالبية الشعب ( بل أحيانا نجدها حتى عند بعض الفاعلين السياسيين؟!)، تفشي الخطابات السياسية الديماغوجية المتسترة، والتناسل غير الطبيعي للأحزاب، وربما بشكل أكثر تفشي الوصولية السياسية والتوافقية البرغماتية الصرفة!
و الذي يهمنا هنا، هو كيف ينعكس و يفتعل هذا المشهد الإيديو-سياسي داخل المنظومة التعليمية / المدرسة (وبصفة خاصة في الميثاق الوطني والتكوين )*
إن المجال هنا لا يسمح لنا بالدخول في التدقيقات للإجابة على هذا التساؤل الكبير، ويكفي أن نقول بأنه يمكن للمتتبع أن يلاحظ هيمنة القوى الإيديولوجية و السياسية ذات النزوعات التراثية المحافظة، والرأسمالية ـالليبرالية ذات التوجه التقنوـ اقتصادي، على الاختيارات التعليمية للمدرسة المغربية (وسنرى ذلك بتفصيل لاحقا ).فإذا كانت القوى السياسية الثراتية المحافظة ، تجد تبريرها التاريخي في مطلب المحافظة على الهوية والقيم الدينية الإسلامية ، فإنها تعكس، كذلك، نوعا من المحافظة على واقع سوسيو-ثقافي و سياسي ما!يحاول تحقيق استمرار يته في الزمان والمكان المعاصرين عبر زواج استراتيجي وواقعي بالإيديولوجية الرأسمالية الليبرالية بحكم التبعية والقوة السياسيين والعلميين للآخر(الغرب أساسا).
والمنظومة المدرسية، هي الأخرى، لا تنفلت من قبضة هذه السلطة/السلط المهيمنة، حيث نجد هيمنة السلط التراثية المحافظة والرأسمالية(مع بعض الليبرالية)، ويمكننا أن نستدل على ذلك ببعض المقاطع من”الميثاق الوطني للتربية والتكوين” المؤسس للمشروع المدرسي الجديد:

  • “يلتحم النظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله وحب الوطن والتمسك بالملكية الدستورية”
  • “يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد…ويستهدف التراث وتجديده…”
  • “يندرج النظام التربوي في حيوية نهضة البلاد الشاملة القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاء للأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة…”

كم يهدف الميثاق إلى تكوين المواطن”…المطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع…”

*المملكة المغربية (اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين): الميثاق الوطني للتربية والتكوين…

هذه فقط بعض الأمثلة الدالة من الميثاق الذي لا نجد فيه عناء كبيرا في الكشف عن السلطة التراثية المحافظة، عكس سلطة التوجهات الرأسمالية والليبرالية، التي قد لا تبدو واضحة ومنتظمة بشكل نسقي ومباشر؛ جلها موزع على جغرافيا الميثاق بشكل إيحائي(وقد يكون متسترا) كتبوء المطلب الاقتصادي والمهني حيزا كبيرا في استراتيجيته النهائية، والدعوة إلى الاهتمام بالفرد والفردانية و”الحرية” وتقوية التنافسية، والجودة…
ورغم آليات ثقافة/سياسة التوافق بين قوى اليمين وبعض القوى المحسوبة على اليسار، فإن كفة السلطة/السلط المتحكمة في هندسة” المدرسة الجديدة” لازالت تميل لصالح قوى اليمين المدعمة بسلطة الهوية أو سلطة التبعية للدوائر الرأسمالية، مع بعض التفتح”الحداثي” على بعض مطالب اليسار، كالقبول بإدخال قيم الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان(بما فيها الحق الثقافي..) إلى المدرسة المغربية.

2 – السلطة الإثنو- ثقافية:
هذه السلطة تبدو لنا أساسا من خلال إشكالية/مبدأ الهوية، التي تتجلى في اللغة والانتماء الإثني والقومي.
و”مفهوم الهوية لغة يقال لوعي ذات شيء نفسها، فنقول هوية الوجود، أي ذاته، أي أن الشيء الموجود هو نفسه.وهذا التحديد اللغوي الأولي يحيلنا إلى التحديد المنطقي، أي التطابق:تطابق الشيء مع ماهيته، وهذا التطابق يشير إلى شيء آخر هو الوحدة…إذا انطلقنا إلى الميدان السيكولوجي فإن المفهوم يحمل نفس المعنى، لان هوية الشخصية تحدد باعتبارها خاصية فرد يحيا مطابقا لذاته ونفسه والقيم التي يحملها…”(6).
فهل النسق الإثنو-ثقافي المغربي يتحدد وفق آليات/مبادئ التطابق والوحدة بأبعدها السيكولوجية والسوسيو-ثقافية والوجودية بشكل عام؟ ذلك ما سنرى لاحقا.
يمكننا أن نشخص أهم التشكيلات/السلط الإثنو-ثقافية في المغرب في:
القومية العربية- الإسلامية، والأمازيغية، والثقافة الغربية(كثقافة”جذرت” مع الاستعمار الفرنسي أساسا، ثم بأشكال الهيمنة الجديدة)
وإن معطى الهوية بأبعادها المختلفة في المغرب، كان ولا زال، يطرح دائما وبحدة، وخصوصا إبان وبعيد الاستعمار الفرنسي، حيث كانت الهوية المتمثلة في الدين الإسلامي واللغة العربية تستعمل في التأطير والصراع الإيديو- سياسي ضد المستعمر، وضد ورثة ثقافة الاستعمار القدامى والجدد. وسنكتفي هنا بإعطاء مثال دال على ذلك من خلال”بيان من علماء ومثقفي المغرب حول سياسة التعليم والغزو اللغوي والاستعماري في للمغرب العربي”7 هذا البيان(وعلى ما يبدو لازال طريا ولم يفقد راهنيته) صدر في 23 مايو 1970، ومن بين ما ورد فيه:” يواجه المغرب منذ حصوله على الاستقلال سنة 1956…ضغطا استعماريا خفيا، يرمي لإقرار وتثبيت وتعميم الوجود اللغوي الفرنسي في المغرب المستقل، وإعطاء هذا الوجود…صفة الشرعية والاستمرار، لا في الإدارة المغربية والمصالح العمومية فقط، ولكن ميدان التعليم وتكوين الأطر المغربية أيضا.”
إن واقع الصراع الإثنو- ثقافي عبر سلطة اللغة، سواء كأداة تواصل أو كحامل لقيم إثنية وإيديولوجية ومعرفية، بقي دائما متأججا بحدة، وخصوصا داخل المنظومة المدرسية: في البدء كان الصراع بين الفرنسية والعربية، ثم بين العربية والامازيغية، ثم بين الفرنسية والإنجليزية(وربما الأسبانية) أو بينها كلها!
أن هذا الصراع الاتنو-ثقافي ذو الخلفيات الايديو-سياسية الواضحة ن وفي أيطار”مرجعية التوافق” وجد حلا توفيقيا، وذلك بإقرار العربية والفرنسية والإنجليزية والأمازيغية…دفعة واحدة في المدرسة المغربية!كما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين من خلال الدعامة التاسعة من الميثاق.
نعم، هذا الحل التوفيقي قد يرضي بعض الفاعلين السياسيين الذين يلعبون بورقة اللغة/الهوية لدعم سلطتهم المجتمعية ومصالحهم الاستراتيجية، ولكن بأي ثمن بيداغوجي تربوي ومجتمعي وإنساني؟؟ هل الطفل/المتعلم(خصوصا في التعليم الأساسي) قادر سيكولوجيا ومعرفيا واجتماعيا، على استيعاب وتمثل وتحمل هذه العوالم اللغوية بحمولاتها وطاقاتها الإيديولوجية والقيمية المختلفة والمتناقضة، دون أي فصام أو إعاقة نفسية وسوسيو- ثقافية، وربما”جسدية” أيضا؟!(اسألوا أهل علم النفس اللغوي والسياسي والاجتماعي وغيرهم). هل الرأس الصغيرة لطفلنا( وهو في الغالب طفل التعليم العمومي، أي طفل الفئات الشعبية العريضة، وليس طفل النخبة الكل يعرف أين يتعلم طفلها) قادرة على تحمل كل هذه الصراعات الإثنو- ثقافية لمجتمعه والمجتمع الدولي بأكمله؟!
هل، مثلا، دول فرنسا وإنجلترا وأمريكا، ولو من باب المزاح، قادرة على السماح بتدريس اللغة العربية أو الأمازيغية في مدارسها الابتدائية أو الأساسية؟ لو تم ذلك لقامت القيامة السياسية.
نعم للتفتح علة لغة الآخر، كلغات للتواصل البين-ثقافي بين الشعوب، وكلغة للعلم والمعرفة، لكن، على الأقل، ليس في المستويات البنائية الأولية( الابتدائي و الأساسي)، لألن ذلك يحدث شرخا في هوية الذات، وقد يكون من بين العوامل الأساسية التي تكرس آليات الفشل الدراسي والتمزق الثقافي و الاجتماعي لهوية الطفل/المواطن.وفي هذا الإطار هناك سؤال جوهري يطرح نفسه هنا: ما دامت الهوية بأشكالها الإتنو-ثقافية الإيديوسياسية معطى تاريخي ونسبي(وهذه حقيقة علمية وأنتروبولوجية)، لماذا لا نسعى إلى تأسيس- أو على الأقل تجديد- هويتنا وفق منطق ما يسميه الأستاذ الجابري” الاستقلال التاريخي للذات…” أو بعبارة أخرى، تحقيق استقلالية تاريخية ثقافية وسياسية للذات والمجتمع بالشكل الذي يجعلهما يعيشان وجودهما المستقل هنا والآن (بالمعنى الهايدغيري)، وذلك وفق تقدم ونضج الوعي النقدي العلمي والإنسي الذي حققته الإنسانية، وبذلك نتخلص من قدرية الماضي والآخر. فلماذا لا نؤسس ونكرس “هوية جديدة” انطلاقا من مبادئ وثقافة الوحدة المواطناتية والإنسية الشاملة؟
عن ثقافة الاختلاف والتعدد كما وصلتنا تاريخيا، كانت نتيجة منطق صرا عات-غالبا- لا إنسية ولا ديمقراطية ولا علمية. وإن غياب ثقافة الوحدة (وهوية موحدة) غلبا ما يجعلنا أمام واقع التمزق والتضاد والتناحر بين مختلف التشكيلات اللإثنوثقافية داخل المجتمع، وما وجود بعض الصراعات والانفجارات والحروب المجتمعية والدولية التي نشاهدها( صراع الحضارات، التناحر الإثني…) سوى دليل بسيط على غياب ثقافة محلية أو دولية موحدة.وغياب ثقافة الوحدة آو الوحدة الثقافية باسم الحق في الاختلاف والتعدد، غالبا ما يكون ما يكون حقا يراد به باطل !نعم للإخلاف الذي يقوي الوحدة الثقافية والسياسية للبلاد، وذلك دون استغلال وتوظيف التعددية الثقافية بشكل سياسي انتهازي ضيق، يعمل كسلطة كبت وعنف ضد ثقافة الوحدة، وذلك من أجل ضبط المجال السياسي ثقافيا.إن غياب وحدة إثنوثقافية-أو على الأقل ثقافة ديمقراطية وإنسية ومواطنة- تجعل المجتمع، أبدا، سجين قدرية صراعية مغلقة، ولا تنتهي داخل حلقة عبثية مفرغة من أي معنى إنساني ومواطنتي علمي.
وبهذا الصدد يقول عبد الكبير ألخطيبي:”لنأخذ مثلا الكانسان المغربي، فإننا نلا حظ بأنه يحمل في أعماقه كل ماضيه ما قبل الإسلامي والإسلامي العربي التي تكون هذا الكائن، ومن ناحية أخرى يجب أن نفكر في الوحدة الممكنة بين هذه العناصر جميعا لأنها وحدة غير لا هوتية…”
إن بناء قيم الوحدة الثقافية والمواطناتية والإنسية يجب أن يبدأ من المدرسة كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية، عوض أن نغرق المدرسة في مستنقع الصراعات الضيقة والأنانية المجانية من اجل التحكم والسلطة الوحشيين ودون الرجوع إلى/والاهتداء بالقيم والأخلاق المواطناتية والإنسية الشاملة و الموحدة.ويجب أن نقر بأن مدرستنا، ورغم ظلمات الأطماع الإيديولوجية الضيقة، تعرف ومضات نور في سماء إصلاحاتها المرتقبة.
*السلطة القيمية والأخلاقية:
السلطة القيمية والأخلاقية يمكن اعتبارها كسلطة رمزية و معنوية داخل المجتمع، تعمل على تكوين وضبط الأنا-الأعلى والانا المثالي(حسب أدبيات التحليل النفسي)للفرد، وذلك من خلال التحكم في السلوك الوجداني والمعرفي للأفراد والجماعات، وتوجيه هذا السلوك، تمثلا وفعلا، عبر نماذج مثالية معينة.والحدود بين القيم/الأخلاق و الإيديواوجيا تبقى غالبا وهمية ومتداخلة، من أجل صناعة ما يسمى ب”المواطن الصالح”على مقاس السلطة المهيمنة في المجتمع.
ويمكننا أن نستنتج بأن جل القيم والأخلاقيات المكرسة، أو التي يراد تكريسها، في المدرسة المغربية، تنطلق من مرجعيات دينية وتقليدية محافظة أو غربية وحداثية، رأسمالية ليبرالية أساسا؛ وأحيانا تنطلق من تزاوج خفي أو علني بين المرجعية التقليدية المحافظة والمرجعية الرأسمالية-الليبرالية”الحداثية”.
وإن كنا نسجل ما هو إيجابي في هاتين المرجعيتين، فإننا ننبه، كذلك، إلى ما هو استلابي سياسي فيهما.ويمكننا أن نتلمس بعض السلط القيمية والأخلاقية التي يراد تأسيسها/تكريسها في المنظومة المدرسية من خلال قراءتنا للميثاق الوطني للتربية والتكوين، بحيث نجد: “يهتدي نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح، الشغوف بطلب العلم والمعرفة…والمتوقد للإطلاع والإبداع والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع.”
ويمكننا كذلك أن نلخص، وبشكل مكثف، بعض عنصر المنظومة القيمية والأخلاقية التي يتوخاها النظام التعليمي/ المدرسة فيما يلي:الإيمان، حب الوطن، التمسك بالملكية الدستورية، المسؤولية، الاستقلالية الفردية، التفتح على الآخر، الاختلاف، التسامح، الديمقراطية، حقوق الإنسان، المعرفة والعلم، المبادرة، الإنتاجية، الجودة، الوفاء للأصالة، التطلع للمعاصرة…
إن هذه المنظومة القيمية- الأخلاقية التي يراد تطبيع وتنشئة المتعلم بها داخل المدرسة المغربية تتحدد أغلب أطرها المرجعية، وكما رأينا، حسب ثقافة التوفيق بين الحداثة والتقليد، وبين الإيديولوجيا والعلم، وبين المحلية والعالمية.
*السلطة التقنو-إقتصادوية:
تاريخيا، “إذا كانت المدرسة الرأسمالية هي التي نقلت المجتمع الغربي من وضعه الفيودالي إلى الرأسمالي، فإن المدرسة الاستعمارية هي التي سيسند لها نقل المجتمعات الماقبل-رأسمالية غير الأوربية إلى مجتمعات رأسمالية تابعة”9.
ولقد كانت من نتائج السياسة الاستعمارية التعليمية في المغرب خلق برولتارية مثقفة صالحة للإنتاج ألفلاحي والصناعي، وذلك بهدف تراكم الإنتاج الرأسمالي، وبالمقابل خلق طبقة أرستقراطية تشارك في السلطة وتعلن الولاء للأجنبي لمواجهة كل مقاومة محتملة10.وعلى ما يبدو فإن التاريخ،في بعض الأحيان،لا يعيد نفسه فقط،بل يعيد نفسه بأشكال جديدة وبأقنعة مختلفة! وها نحن أمام هيمنة النظام العالمي ذي القطب الواحد(رأسمالي- ليبرالي)، حيث وأمام الأشكال الإمبريالية التقليدية والجديدة، لم يعد خفيا واقع التبعية الاقتصادية والبنيوية لدول ما يسمى بالعالم الثالث للمركز الغربي المهيمن، وذلك حسب ثنائية القوة والاستقطاب السياسي. والمغرب يعلن في عدة مناسبات رسمية تبنيه للإ ختيارات الرأسمالية- الليبرالية.
والملاحظ في السنوات القليلة الماضية، تكاثف التصاعد الاستراتيجي لهيمنة الاقتصادي على السياسي بشكل مباشر، من خلال”لوبي اقتصادي” المكون أساسا من رأسماليين-باترونا-(مغاربة وأجانب) والمدعم بشبكة التقنوقراط.هذا اللوبي/التيار يحاول باستمرار إقناع الجميع بان الحل الحسم لمشاكل المغرب(البطالة، الفقر، التخلف…) يكمن في الحل الاقتصادي وحده! وهذا إلى حد ما صحيح، ولكن بعد أن نقر ببعض الأسباب المسؤولة عن الأزمة العامة، كالرأسمالية المتوحشة، واقتصاد الريع، وتفاحش الفوارق الطبقية، وغياب ديمقراطية اقتصادية… وبتقديم الحل الاقتصادي كحل سحري تجد السلطة(اللوبي) التقنو- اقتصادية تبريرا دوغمائيا للاستفادة أكتر من التسهيلات والامتيازات الضرورية لتحقيق”أرباح أكثر بأقل الخسائر”( خوصصة القطاع العام والمربح أساسا، إلغاء أو تخفيض الضرائب، شراء مؤسسات بدراهم رمزية، السلم الاجتماعي، ليونة قانون الشغل…).
ومن بين الأهداف الاستراتيجية للسلطة التقنو- اقتصادية خوصصة القطاعات الاقتصادية العمومية، بل وحتى الاجتماعي بما فيها المدرسة، نظرا لما تشكله من سوق مغرية حيث تتوفر على عدد كبير من” الزبناء”(تناسل التعليم ألخصوصي وتشجيعه، ضرب مجانية التعليم العمومي…).وهكذا نجد أنفسنا أمام واقع”ديكتاتورية الرأسمال” الذي ينتظم كقوة تشكل سلطة حقيقية، من أجل التحكم في المجتمع وجعله”مقاولة خاصة” ومشروع استثمار منتج ومربح، لا فرق فيه بين التجاري والاجتماعي والإنساني(الخدمة العمومية)…!
ونجد السلطة الاقتصادية للرأسمال مدعمة أكثر من طرف التقنوقراط(وقد نجد تقنوقراطيا هو نفسه مستثمرا اقتصاديا)، حيث إن” مجموعة التقنوقراطيين…تدعم بشكل أفضل المسار الاقتصادي أكثر من البيروقراطية السياسية التقليدية، وهي تظهر في البداية على صعيد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية(والإدارية)، وهذه المجموعة التي تبدو بفعل وظائفها الملك الحقيقي لآلو الإنتاج…هي طبقة اجتماعية حقيقية، وهي نوع جديد من البيروقراطية في طريق التكوين”(11). وربما هذا ما يفسر لنا الهيمنة المتصاعدة( والمتكررة في بعض الظروف السياسية) للتقنوقراطي على مواقع ووظائف السياسي، مما يجعلنا أمام سلطة التقنو-اقتصادي ذات المرجعية والأهداف الرأسمالية أساسا.
هذه السلطة نجدها حاضرو كذلك، وبقوة، في المنظومة المدرسية/التعليمية(خصوصا في الميثاق)، إذ يبدو أن”إصلاح التعليم يعتمد بشكل واضح على المقاربة التقنية، وعلى نموذج المصلح التقنوقراطي، الذي يعتقد بان إصلاح التعليم رهين بحلول تقنية…[و] يتعلق الأمر في إرساء نمط جديد من العقلنة والواقعية كذلك، أساسها النزعة السلوكية والنزعة الاقتصادية. (12)
إن هذه السلطة التقنو-اقتصادوية تحاول أن تجعل المدرسة”مقاولة وسيطة” لخدمة مشروعها المجتمعي. وربما خدمة المجتمع بشكل ما!؟ وذلك بالانتقال بالمدرسة من النظام” التقليدي” الذي يقوم على المجانية ومحاربة الأمية والتراثية وتزويد المجتمع، فقط، بالأطر الدينية والإدارية…إلى “مدرسة معاصرة” تقوم على الأداء و”الحداثة” لخدمة الرأسمال أساسا، أي اعتماد نموذج ” المدرسة الرأسمالية” التي تهدف إلى أن” توفر للنظام الرأسمالي القوى العاملة المتخصصة والمؤهلة والمنوعة…لكي تكون قادرة على القيام بوظيفتها في المجتمع الرأسمالي بنجاح، وذلك حسب متطلبات تقسيم العمل التقني-الاجتماعي في كافة مراكزه ووظائفه[و]إن العمال المهرة ومتوسطي المهارة والفنيين والخبراء هي متطلبات العمل التربوي…”(13).ونورد هنا بعض المقتطفات من الميثاق الوطني للتربية والتكوين التي قد تعبر عن حضور السلطة التقنو-اقتصادية في المنظومة التعليمية/ المدرسية وتنسجم مع مشروعها المجتمعي، ومنها:
· “تزويد المجتمع بالكفايات من المؤهلين والعاملين الصالحين…كما ينتظر المجتمع من النظام التربوي بأن يزوده بصفوة من العلماء وأطر التدبير، ذات المقدرة على ريادة نهضة البلاد عبر مدا رج التقدم العلمي والتقني والاقتصادي والثقافي…”
وحسب الدعامة الثالثة من الميثاق التي تهدف إلى: السعي إلى تلاؤم أكبر بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي، نجد الجزم بأنه” تتسم كل السيرورات التربوية، ومن ثم كل المؤسسات التربوية والتكوين، إلى جانب بعدها المدرسي والأكاديمي أو النظري، بجانب عملي معزز وسيطبق هذا المبدأ وفق منهج تدرجي تتحدد سبله كالتالي:
· تدعيم الأشغال اليدوية والأنشطة التطبيقية في جميع مستويات التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي.
· إقامة تعاون يرتكز على اقتسام المسؤولية وممارستها المنسقة بين بنيات التعليم العام(بما فيه الجامعي) والتعليم التقني والتكوين المهني…
· تشجيع التعاون على أوسع نطاق بين المؤسسات التعليمية والتكوينية والمقاولات…”
هذا وغيره يجعلنا نخرج بانطباع مفاده أن جل الأهداف التعليمية للمدرسة الجديدة تكاد تختزل في البعد/الهاجس الاقتصادي أساسا، هذا الاقتصادي الذي يوظف في خدمة سلطة الرأسمال، الشيء الذي ينسجم مع التوجهات الأيديولوجية للنيو- رأسمالية، التي تريد أن تختزل الكائن الإنساني إلى” حيوان اقتصادي”فقط، حيوان منتج(الغرب)، وحيوان مستهلك/عامل(الجنوب)!
نعم، أمام واقع البطالة والتخلف والفقر…نحن في أمس الحاجة إلى التقنو- اقتصادي، ولكن نحن في حاجة حقيقية إلى نهضة اقتصادية وطنية، وذلك بتملك اقتصاد وطني(أقول وطني ومواطن) عصري قوي ومنتج، وليس إلى اقتصاد استهلاكي تبعي، أو إلى تربية اقتصادية تنتج أياد عاملة، فقط، رخيصة وضعيفة التأهيل والتكوين، وذلك من أجل إنتاج الخيرات والثروات والأدمغة الاقتصادية العالية التكوين والمبدعة إنتاجيا لخدمة تقدم ورفاهية بلدها أولا، وليس لخدمة الرأسمال الأجنبي، الذي يعمل على مراكمة الرأسمال وتمركزه في الغرب الغني(وخصوصا عبر الشركات العابرة للقارات أو الشركات الفروع)، وبالتالي تكريس سلطة القوة للغرب وسلطة التبعية له.
ومن بين الحقائق التاريخية التي يجب التذكير بها هنا، وهي أن نهضة وتقدم الغرب لم يصنعا فقط برؤوس الأموال، بل أيضا برؤوس الأفكار (عصر النهضة..)، أي بالإنسان كمحور وغاية ، وعليه نجد أنفسنا أمام بعض الأسئلة :
ـ هل يجب أن نجعل مدرستنا، فقط، ” مصنعا تربويا “تنتج الأيادي العاملة، دون أن نتساءل حول
سلبيات وخطورة هذا التوجه الأحادي، الذي سيجعل المتعلم / المواطن مجرد حيوان اقتصادي، وتهميش

وتخريب الأبعاد الإنسانية الأخرى في الشخصية الإنسانية، والتي لها علاقة حيوية بالتوازن و الدينامية
التقدمية النمائية لكل فرد من الفرد والمجتمع ؟
ـ ألسنا في حاجة، كمجتمع متخلف وجاهل ( والعبرة بالأغلبية ) بالإضافة إلى العلوم الاقتصادية والتقنية،
إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية و الطبيعية…. والنقدية أساسا ؟ ألا نعيش إشكالية التخلف و النهضة على كل المستويات المجتمعية ؟
إن النخب و السلط المتحكمة، هنا والآن (وهناك أيضا ) في هندسة حاضر ومستقبل النظام التعليمي للمدرسة المغربية، عليها أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية ( ورغم الكثير من الإيجابيات التي حققت والتي يجب الإقرار بها بكل موضوعية )، وكذلك باقي النخب والأفراد المتنورين والمواطناتيين، الموجودين خارج لعبة السلطة.
5- السلطة الأجنبية:
بحكم واقع التخلف والتبعية( الإرادي أو المفروض) ومخلفات الصراع الدولي، وبحكم تفوق وقوة الآخر(الغرب أساسا)، لم يعد خفيا تدخل السلطة الأجنبية في هندسة وتوجيه المنظومات والمؤسسات المجتمعية للدول التابعة أو الخاضعة، بطريقة مباشرو أو غير مباشرة، وذلك من خلال عدة أشكال وميكانيزمات للتدخل والتحكم، ساء كانت مؤسساتية(سياسية أو اقتصادية أو علمية…)أو من خلال الخبراء والاتفاقيات الدولية و الثنائية، التكوين والمساعدات… ومن خلال أشكال التدخل/التحكم هذه، فإن وضعنا ألعلائقي، فيها، غالبا يبقى ضعيفا واتكاليا وتبعيا(كعلاقة الطفل المعاق بالأب القوي).
وكما رأينا ذلك، سابقا، فإن السلطة/السلط الأجنبية تتسلل دائما وباستمرار إلى مختلف منظوماتنا ومؤسساتنا المجتمعية:السياسية والاقتصادية والاتنو-ثقافية والتربوية؛ ويمكننا أن نتلمس وجود السلطة الأجنبية في المدرسة(وقد لمسنا ذلك سابقا) في:

  • العمل على الانتقال بالمدرسة، وظيفيا وبنيويا، من المنظومة التقليدية إلى أخرى عصرية/حداثية حسب النموذج الغربي الرأسمالي والليبرالي أساسا.
  • اعتماد المرجعيات البيداغوجية والتربوية الغربية(معرفة وتنظيما)، مثل استيراد بيداغوجيا الأهداف، ثم بيداغوجيا الكفايات، بل أغلب مرجعياتنا المعرفية التربوية واللغوية هي غربية الأصل.
  • تنفيذ توجيهات وتوصيات بعض المؤسسات الدولية(اليونسكو، صندوق النقد الدولي…)
    وإن كنا، مبدئيا، لسنا ضد عمليات النثاقف البين-إنساني، وتبادل الخبرات المعرفية والعلمية بين الشعوب، وذلك باعتماد ما هو إيجابي في التراث الثقافي والمعرفي الإنساني، إلا أنه وجب التحلي باليقظة الإيديو- معرفية والسياسية، وذلك بإعمال الفكر النقدي والمصلحة الوطنية أولا وقيل ككل شيء؛ خصوصا عندما يكون الآمر يتعلق بالمنظومة المدرسية/التعليمية.وذلك من أجل مدرسة مواطنةومستقلةوعلمية وإنسية.وهذا الهدف/المشروع لن يتحقق غلا إذا جعلنا المدرسة تبتعد عن الأطماع والصراعات الإيديولوجية الضيقة(الطيقيةأو الفئوية أو الإمبريالية)ن وأن تصبح المدرسة كسلطة معرفية-علمية ومكان اجتماعي لثقافة الوحدة المواطناتية والإنسية(وسنحاول توضيح هذا لاحقا).
    6- السلطة المعرفية والعلمية:
    إن مختلف السلط السالفة التي رأيناها، وإن كانت تطغى عليها التوجهات الإيديولوجية والقيمية بشكل عام، فهي كذلك تقدم نفسها عبر أشكال معرفية وخلفيات فكرية معينة، والتي نجدها حاضرة وموظفة في المدرسة كحمولات تربوية وتبيداغوجية.وبما أن المعرفي يمكن إدخاله في باب الإنتاجات الرمزية للمجتمع فإن”المنظومات الرمزية، بما هي أدوات تواصل ومعرفة تشكل بنيات تخضع العالم لبنيات، تؤدي وظيفتها السياسية من حيث هي أدوات لفرض السياسة إعطائها صفة المشروعية التي تساهم في هيمنة طبقة على طبقة…”(14) هذا معطى يجب الانتباه إليه.
    نعم، الكل يقر بأن المدرسة هي مؤسسة للمعرفة والعلم، ولكن كيف؟ إلى أي حد هذا صحيح؟
    عند تحديد وهندسة الغايات الكبرى للسياسة التعليمية، نلاحظ بسهولة تحكم السياسي(أو غيره من السلط) في ذلك، وتبقى السلطة المعرفية-العلمية(الفاعلون المعرفيون والعلميون) آخر من يعلم! حيث العلمي- المعرفي(البيداغوجي)يأتي غالبا بعد السياسي للاستشارة أو التطبيق ليس إلا! أي تهميش الفاعل العلمي عند صناعة القرار البيداغوجي؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نجد غالبا نوع المعارف وطبيعة العلم الموظف من طرف السلطة/السلط المتحكمة سياسيا في المجتمع، تبقى في خدمة السياسي أساسا، حيث” المعرفة في علاقتها بالسلطة ملحقة وتابعة، ويبدو الخطاب العلمي( وخصوصا داخل المدرسة) ملحقا بالخطاب السياسي، يستخدم كوسيلة تبريرية لأهداف تقع خارج العلم، أهداف إيديولوجية تتجه مباشرة نحو السلطة.”(15)
    ونلاحظ، كذلك، تاريخيا بأن أغلب العوامل والأسباب التي كانت تقف وراء الإصلاحات التعليمية للمدرسة المغربية كانت تأتي من خارج المدرسة( استعمارية، سياسية، اقتصادية…)، أي أن هذه الإصلاحات التي تحدد وظيفة وبنية المدرسة لا تأتي حسب ضرورات بيداغوجية وعلمية داخلية.
    وأخيرا، نريد نثير سؤالا يمكن اعتباره كمؤطر لإصلاح مدرسي حقيقي، وهو:
    ألا يمكن إبعاد المدرسة عن الصراعات الإيديو-سياسية وجعلها، فقط، مؤسسة للمعرفة العلمية والتربية عليها، مؤسسة وظيفتها الأساسية إشاعة وتكريس القيم العلمية والمعارف الموضوعية حول الذات والمجتمع والعالم( أي إبعاد المعرفة الذاتية المتحيزة والتبريرية الضيقة) وذلك لصالح المجمع ككل واحد، دون تحيز نخبوي أو طبقي أو إثني…؟ وذلك بالعمل على تكريس الاستقلالية البيداغوجية العلمية للمدرسة، بعيدا عن كل الأشكال الإيديولوجية الإستلابية، حيث إن”العلم…موضوعي لأنه حيادي وبعيد عن العاطفة، بينما تبقى الإيديولوجيا لتحزبها وطابعها الطبقي ذاتية ومشوه للعلم الحقيقي حول الواقع.” (16)
    ونفترض إن حققت المدرسة استقلاليتها العلمية(وطابعها الديمقراطي)ستكون من أهم الرافعات الأساسية لتحقيق الوحدة المجتمعية(والإنسانية)، التي تقطع مع كل أشكال الصراع التقليدية ذات الإيديولوجيات اللاإنسانية واللاديمقراطية واللاعلمية( واللامواطناتية في غالب الأحيان)، ذلك لأن ” التراث العلمي المشترك يؤكد على الاتجاه نحو نبذ الخلافات الموروثة…” (17) وان كان لابد للمدرسة أن تلعب دورا إيديولوجيا(وقيميا)، فيجب أن تكون هذه الإيديولوجيا عامة وليست خاصة، حسب تحديد ألتو سر الذي يقسم الإيديولوجيا”…إلى إيديولوجيا عامة وثانية خاصة، ويرى أن لها دورين في المجتمع، الدور الأول، والذي تقوم به الإيديولوجياالعامة، وهو تحقيق وضمان تماسك المجتمع…أما الدور الثاني فهو خاص بالإيديولوجيا ضمن إطار المجتمع الطبقي(الإيديولوجيا الخاصة)…وهو التعبير عن الانقسام الطبقي والعمل على استمرار الطبقة السائدة…” (18) وبالتالي استمرار قدرية وعبثية الصراع المجتمعي.
    إن الدور الوظيفي و الاستراتيجي الذي نريده للمدرسة، هو أن تصبح سلطة حقيقية(بالمعنى الإيجابي) تؤسس لثقافة مواطنة علمية وإنسية موحدة، لتجاوز مختلف الأشكال الصراعية اللاعلمية واللاديمقراطية واللامواطناتية واللاإنسانية التي تخترق مختلف السلط المجتمعية، وذلك من أجل توازن ومساواة مجتمعيتين حقيقيتين، ومن أجل نمط حياتي يستحق أن يعاش بمتعة وجودية بعيدة عن أنطولوجيا الصراع الوحشي، الذي يعيد إحياء “ثقافة الغاب” الماقبل-تاريخية.
    *محمد ألصدوقي
[email protected]

**المراجع:
1- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال، الطبعة الثانية 1990، ص58.
2- جورج لاباساد وريتييه ورد، مقدمة في علم الاجتماع، ترجمة هادي ربيع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1982، ص135.
3- شوميليه جاندرو وكورفوازييه، مدخل إلى علم الاجتماع السياسي، ترجمة د.إسماعيل الغزال، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر، الطبعة الأولى1988، ص24.
4- ميشيل فوكو، جينيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي و عبد السلام بن عبد العالين دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 1988، ص78.
5- ماكس فيبر، Le savant et le politique(ورد في المرجع3، ص ص25-26)
6- عبد المجيد الانتصار، من الهوية إلى الإنية، مقال ورد في” الهوية الثقافية المغربية: جدلية الخاص والعام” سلسلة ملتقى الفكر المغربي، منشورات الشعلة، الطبعة الأولى 1998.
7- تعريب التعليم و المحيط في انتظار القرار، سلسلة عالم التربية، العدد4، خريف 1996، ص161.
8- عبد الكبير ألخطيبي، النقد المزدوج، ص 32.
9- الخمار العلمي، المعرفة والسلطة: دراسات في التربية والطفولة والجنس، مطبعة دار النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1995، ص 16.
10- المرجع9، ص27.
11- المرجع3، مدخل إلى علم الاجتماع السياسي، ص120.
12- عزيز لزرق، حدود وممكنات إصلاح العليم، منشورات اختلاف، الطبعة الاولى2001،ص10.
13- د.شبل بدران، التربية و الإيديولوجيا، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى1991،ص56.
14- المرجع رقم1، الرمز والسلطة، ص 55.
15- Bachelar.G, La philosophie du non, Ed. PUF, 1973.
16- المرجع13، التربية والإيديولوجيا، ص 42.
17- المرجع 13، التربية والإيديولوجيا، ص 47.
18- المرجع 13، التربية والإيديولوجيا، ص40-

نشر في 4/01/2007 2:20:00

‫0 تعليق