“صحبة لصوص النار”: إصدار جديد لجمانة حداد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

صدر أخيراً للشاعرة والصحافية اللبنانية جمانة حداد كتابٌ جديد في عنوان “صحبة لصوص النار”، يضم باقة من حواراتها مع كتّاب عالميين، وتستهلّه مقدّمة بقلم الكاتبة. العمل صادر عن “دار النهار” في بيروت، ويقع في 250 صفحة، وهو يجمع الحوارات المطوّلة والشاملة التي أجرتها حداد مع بعض عمالقة الأدب العالمي من أمثال امبرتو ايكو وجوزيه ساراماغو وايف بونفوا وبول اوستر وباولو كويلو وبيتر هاندكه وماريو فارغاس يوسا والفريده يلينيك وريتا دوف وسواهم. ومما جاء في تعريف الناشر على الغلاف الخلفي للكتاب:

“لا يلخّص هذا النوع من الحوارات كتاباً، ولا يعرّف بكاتبه. فأسئلته، بما تنطوي عليه من ثقافة متمكنة، تضع القارىء أمام كاتبين إثنين بدل أن يكون أمام كاتب واحد، بسبب غنى المحاوِر والمحاوَر على السواء. إن الأسئلة المثارة، بمعلوماتها الشاملة والدقيقة عن مؤلفات الكاتب ومواقفه وآرائه، وبملاحظاتها النقدية المعمقة، وبمداخلاتها الثقافية الجدية، تستحضر أجوبة تشفي الغليل المعرفي وتكون على السوية الثقافية نفسها من الأسئلة، مما يجعل الحوار وثيقة أدبية مرجعية تضاف الى جملة الأعمال التي أصدرها المؤلف موضوع السؤال والجواب.
لماذا؟ لأنه ليس حواراً صحافياً بالمعنى الترويجي الذي يبتغي الحصول على أجوبة تعليمية أو توضيحية، وليس لتسويق مادة أدبية وإغواء القارىء بمضمونها. إنه حوار معرفي ينطلق من العلاقة الثقافية الندية بين السائل والمجيب، ليطرح أفكاراً، ويكشف خيوطاً وأوراقاً خفية، ويلقي الضوء على مكوّنات أدبية وفلسفية وإنسانية ما كان ممكناً استعراضها والاستفاضة في جعلها على مائدة النقاش لولا الجدية العلمية التي تطبع الأسئلة بالطابع الثقافي والمعرفي. هذا النوع من الأسئلة العارفة والمثابرة، ما ان يطرحها السائل على المؤلف حتى يمعن هذا الأخير في الانقياد لها انقياداً يتحوّل عبر الأجوبة، ومع تراكم الأسئلة وتكثّفها النوعي، الى ما يشبه دليل القارىء الى الكتب نفسها، وأحياناً الى أبعد من الكتب: الى الكاتب برمته، إنساناً عادياً وقارئاً وناقداً ومؤلفاً وناظراً في اللغة والأدب وفي الحياة الإنسانية مطلقاً”.
يذكر أن حداد حازت “جائزة الصحافة العربية” لسنة 2006 على حوارها مع الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا. يذكر أيضاً أن “صحبة لصوص النار” سوف يصدر كذلك قريباً عن دار “أزمنة” في عمّان، التي ستتولى توزيعه في معظم الأقطار العربية.
جمانة حداد شاعرة وصحافية ومترجمة لبنانية، مسؤولة عن الصفحات الثقافية في جريدة “النهار”، لها أربع مجموعات شعرية، آخرها “عودة ليليت”، وعدد من الترجمات في الشعر والرواية والمسرح، أبرزها أنطولوجيا الشعر اللبناني الحديث بالاسبانية، التي أعدّتها وترجمت فيها 38 شاعرا لبنانيا الى الاسبانية، ونُشرت في إسبانيا وفنزويلا على السواء. تُرجمت قصائد جمانة حداد الى عدد من اللغات، وأحدث ما صدر لها على هذا المستوى مختارات شعرية بالإسبانية عن دار “مونتي أفيلا” في كاراكاس، وهي تعمل الآن على وضع اللمسات الأخيرة على ديوانها الخامس الذي من المقرّر أن يصدر سنة 2007. لمزيد من المعلومات يمكن زيارة موقعها على شبكة الانترنت:
www.joumanahaddad.com


مقتطف من مقدّمة جمانة حداد لـ”صحبة لصوص النار”
فسألت الحيّة المرأة: “أحقاً قال الله لا تأكلا من كلّ شجر الجنة؟”.
إنه السؤال الأول في تاريخ الإنسانية. سبب ما يسمّى “خطيئة” الإنسان الأولى، أي رغبته في المعرفة. هو السؤال – الوسواس. الأصل الذي في كل شيء. والذي من أجل كل شيء. لكن، أليس كل سؤال وسواساً “ماكراً”؟ فكما كان سؤال الحيّة ينطوي على جوابه– مأربه، هكذا كل سؤال، عالمٌ متكامل يخزن في ذاته ماء جوابه و”زلّته”. ماء لا ينتظر سوى ضربة معول في صخر لكي ينفجر ويفور ويطلع الى الضوء. هي الحيّة، السائلة، الموسوِسة، صاحبة الدور الأبرز في صوغ مصير الإنسان وفي انطلاق لعبة المعرفة.
السؤال قائمٌ إذاً في الأصل. في متنه. جزءاً من المستتب. وتهديداً له. لا يتحقق إلاّ بـ”آخر”. إنه إذاً “حوار”. وهو موجودٌ منذ ذلك السؤال الذكي الأول، الذي شغف بالضرب على غريزة الفوز بالمجهول، محرِّضاً، مستدرجاً، وغيرَ مكتفٍ بالمعلوم. يسكن الطبع البشري، ويرافقه، ويقضّه، بما هو نقصانٌ وخلقٌ وتوقٌ الى اكتمال.
كل سؤال بداية لعاصفة. كل نقطة استفهام سهمٌ. سهمٌ مسنّن وشجاع يوجَّه الى رأس “الآخر” – الكاتب. سهمٌ ينبغي أن يعود الى السائل مثقلاً بخيانات البوح. وكم جميل أن يفاجئكَ المحاوَر بجوابه. والأجمل لكما أنتما الإثنان معاً، وأيضاً للقارىء: أن يفاجىء الكاتب نفسه بجوابه.
والحوار في ذلك خلقٌ.
والحوار طقسٌ أيضاً.
أو بالأحرى سلسلة طقوس وتكتيكات. مشروع استراتيجي مكتمل يبدأ مع بدء “المطاردة” فالـ”نعم” فالاستعداد، مرورا بلحظة التماسّ الأولى، لحظة “المواجهة” فالمصافحة والتقاء العين بالعين، وصولا الى الانسحاب ومرحلة التدوين والنشر. لكنك لا تكون وحيداً في أي محطة من محطات هذه الخطّة. أنت دائما إثنان. أنت، وهو. المحاوِر والمحاوَر، عقلاً بعقل، وخيالاً بخيال، وتواطوءاً بتواطؤ، واستفزازاً باستسلام.
زرع الثقة ضروري ليمشي تيار الكهرباء بينكما عند اللقاء. ومثله موهبة التعاطي مع كل شخصية أدبية من زاوية مختلفة تتلاءم مع بروفيلها. لقد كان كل كاتب سنحت لي الفرصة أن التقي به، فريداً من نوعه. أستطيع أن أتذكّر بدقّة ردود فعل كلٍّ منهم وأسلوب تجاوبه الخاص، وصوته ونبرته المميزة، وابتسامته اللطيفة أو المتحفظة، وملمس راحته عند السلام، وطريقة تحريكه الوجه والعينين واليدين خلال الحديث، وحذره في البدء، الحذر الذي يعقبه في كل مرة استسلام رائع. الأهم من ذلك كله: الجمر، ذلك الجمر اللاهب التي ينير عيون “لصوص النار” أولئك، كما وصف رامبو الشعراء مرّةً في رسالة الى صديقه بول دومونيه (15 أيار 1871)، وفق صفة بروميثيوس في الميثولوجيا اليونانية: أنا أراهم كلّهم لصوص نار، روائيين وشعراء، ناظمين وناثرين على السواء.
هناك أشياء يحب الكتّاب قولها، واشياء يقولونها رغماً عنهم: في المطرح الثاني يكمن عرينكَ. جوهريٌّ أن تجد الدفّة التي تدير الحوار في الاتجاه المناسب. أعني المناسب لكما معاً. أن تعرف من دون تشاوف، أن تفاجىء من دون تباهٍ، ان تشاكس من دون ادعاء، أن تستفز من دون حذلقة، أن “تحشر” من دون تذاكٍ، أن تُرغم من دون وقاحة، أن تعرّي من دون ابتذال. أتح لهم أن يبنوا لك الشخصية التي ابتدعوها واخترعوها عن انفسهم، ثم انسفها بتهذيب. إنها لعبة كرّ وفرّ، وتلمّس طريقٍ محفوفة بالمتاهات والهاويات والأشواك في العتمة الدامسة.
والحوار في ذلك قنصٌ.

نشر في 31/12/2006 8:00:00

‫0 تعليق