د. محمد جحاح: الإسلام والحداثة السياسية*

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تبرز الحداثة السياسية بالغرب إلا في وقت متأخر نسبيا، حيث ستعرف تقدما بطيئا، كما أنها ستعرف أحيانا بعض التراجعات، خاصة على إثر صعود بعض الأنظمة الكليانية (التوتاليتارية). ويمكن أن نتساءل اليوم، هل هي حاضرة بالعالم الإسلامي، أم أن الإسلام يشكل بالنسبة إليها عائقا لايمكن تخطيه. إن وضعية البلدان الإسلامية في هدا الصدد، قد تستحق معالجة خاصة لسببين اثنين: الأول يكمن في أهمية العامل الديني والثاني في تنامي الحركات الإسلامية. فمن جهة، يلعب الدين دورا حاسما في تحديد الهوية الوطنية بهذه البلدان، كما أنه يظل شديد الارتباط بالدولة:

(فالإسلام يشكل عنصرا أساسيا بالنسبة للأمة، علاوة على كونه قد يكتسي عادة صفة دين دولة). يجب أن نتساءل إذن، وفي ظل هذه الشروط، هل بالإمكان تحقيق الحداثة السياسية، مما يقودنا بالطبع إلى التحقق من غيابها الكلي بالعالم الإسلامي. ومن جهة ثانية، فنحن نشاهد، ومنذ عقدين من الزمن، صعودا للحركات الإسلامية, على الأقل في بعض البلدان. إن هذه الحركات تسعى كي يستعيد الإسلام دوره كاملا من داخل الحياة الاجتماعية والسياسية، كما تنشد عادة تثبيت أولوية القانون الإسلامي، بل وأيضا تأسيس دولة إسلامية. ولكي نفهم هذه الظاهرة المشوشة، يمكننا أن نتساءل حول علاقاتها بالحداثة السياسية، مما يسمح لنا بإبراز تعارضهما الجذري.

I- غياب الحداثة السياسية بالعالم الإسلامي.
لقد تطورت الحداثة السياسية بالغرب انطلاقا من نهاية القرن 18، في حين لم يشهد العالم الإسلامي أي ظهور لها، أو أنها ظلت غائبة بشكل تام. ويمكن تفسير هذه المفارقة بالرجوع إلى تاريخ كل منهما، وما يكرسه من اختلافات. فعلى امتداد القرنين الأخيرين، لم يشهد العالم الإسلامي تطورا شبيها بذلك الذي عرفه الغرب. وهذا ما يمكن أن نقرأه بشكل خاص في عدم بروز فكرة الفردانية، وكذا غياب أي فصل بين الدولة والمجتمع من داخل العالم الإسلامي.
ففي الماضي، كانت هذه الأشكال السياسية: (الممالك والإمبراطوريات)تتطابق مع الدول القديمة، أما اليوم فلا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتبار الجمهوريات الحالية كدول حديثة Etats modernes. علاوة على ذلك، فإن المجتمع المدني يبقى عادة أقل تطورا، ولا يتوفر على استقلالية حقيقية. إن العالم الإسلامي يجهل، إذن، وبشكل تام أي وجود لحداثة سياسية بالمعنى الذي نفهمه؛ ويمكن أن نبحث عن سبب هذه الوضعية من داخل الإسلام نفسه. في الواقع، إن هذا الدين يؤكد بشدة على البعد الجماعي(الإنتماء الجماعي): فباعتباره مؤمنا، يتحدد الفرد كانتماء إلى جماعة(أمة)تتجاوزه، وهي التي تحدد كل حياته، وعليه فإن انتماءه إلى هذه الجماعة يبقى أمرا حاسما، من حيث أن هذه الأخيرة هي التي تحدد قدره الشخصي وتوجهه، ومن دون أن تكون موضع اتهام أو شك. لهذا فإن المسلم لايمكن أن يتخلى عن إيمانه ولا أن ينتمي إلى ديانة أخرى.
إن الجهر بالدين مسألة تتوقف على إرادة وحرية المؤمن، لكن هذا الأخيرلايحق له تماما أن يتراجع عن التزامه هذا، لأن ذلك يعتبر معصية في حق الله وفي حق الجماعة(الردة)؛ كما هو معروف: فإن جزاء الردة في الإسلام هو القتل. نستنتج من ذلك أنه، وإذا كان الدخول في الإسلام يبقى بمثابة اختيار حر، فإن المسلمين لا يحق لهم تماما أن يتخلوا عن دينهم: من هذا المنظور، فهم ليست لديهم أية حرية شخصية، كما أنه يتم اختزالهم إلى مجرد أعضاء من داخل جماعة ليس بمقدورهم مغادرتها.
لقد طبع هذا المبدأ الأساسي العالم الإسلامي، وميزه على امتداد القرون السالفة. كما أن نفس المبدأ قد تم تفعيله إلى عهد قريب فيما يعرف بقضية(سلمان رشدي): فالقذف والشتم في حق المقدسات الدينية، والردة أيضا قد يحكم على صاحبهما بالموت. هذا الحكم، وإن كان غير مقبول بالبداهة، فهو مع ذلك يستجيب لمنطق عميق.
الحق يقال، إن هذه الوضعية ليست خاصة بالإسلام وحده، بل نجدها في كل الديانات الكبرى، التي تفرض بقوة خاصيتها (الجماعية)communautaire ، وتسعى إلى توجيه حياة اتباعها في كليتها. فهي توجد بشكل خاص في الديانة المسيحية، خاصة في العصر الوسيط، ولها نفس النتائج أيضا. ففي هذا العصر كان يتم الحكم على الملحدين والمرتدين من طرف محاكم التفتيش، ويطبق فيهم حكم الإعدام من طرف السلطات المدنية. هذه الممارسة التي زكاها القديس طوما الإكويني 1. في هذه الحالة إذن كما في حالة الإسلام، يبقى الفرد تابعا للجماعة الدينية، وعند الإقتضاء مضحيا من أجلها. لكن وبينما ظلت هذه الوضعية محدودة في الزمان والمكان بالنسبة للمسيحية، فإنها قد اتخدت أبعادا أكثر عمومية وشمولا بالنسبة للإسلام، حيث حافظت على استمراريتها على مر القرون. وهذا يؤكد على أن العالم الإسلامي، وعلى عكس الغرب المسيحي، لم يشهد عمليا أي تطور في هذا الصدد. والنتيجة هي تكريس أسبقية الجماعة وهيمنتها على الفرد، مما منع بالتالي ظهور الفردانية كشرط أساسي للحداثة السياسية.
علاوة على ذلك، فحتى على مستوى التمييز بين الروحي والزمني، نجد بان الإسلام لا يفصل تماما بين الديني والسياسي. فهو يقدم نفسه كدين يتضمن الإجتماعي والسياسي، حسب القاعدة الكلاسيكية: (الإسلام دين ودولة )، والنتيجة هي أن الجماعة الدينية تنزع إلى التطابق مع الجماعة السياسية، بحيث أن تبعية الفرد للأولى تولد بشكل طبيعي خضوعه للثانية. بعبارة أخرى، إن هيمنة المجموعة على الفرد تبرز في المجال السياسي كما في المجال الديني. وفي ظل هذه الشروط، فإن الفرد لا يمكنه أن يصبح مستقلا بالنسبة إلى الجماعة، مما يسد الطريق أمام إمكانية بروز الحداثة السياسية.
لكن، وإذا كان الإسلام قد ساهم في منع ظهور الحداثة السياسية، فإن دوره في هذا الصدد لم يكن محددا، مما يستدعي البحث وفي مكان آخر عن الأسباب العميقة لهذه الوضعية.
في الواقع، إن طبيعة العلاقة بين الجماعة والفرد لا تختلف كثيرا بين الإسلام والمسيحية، خاصة في شكلها الكاثوليكي. لكن تطور الدول الإسلامية لم يكن يشبه التطور الذي ستعرفه الدول ذات التقليد المسيحي. فالفرق لا يرجع طبعا إلى الدين نفسه، ولكن بالأحرى إلى المحيط السوسيو- سياسي وإلى علاقات الدين مع هذا المحيط. يجب أن نتساءل إذن، حول طبيعة الدولة بالعالم الإسلامي، وحول العلاقات التي تربطها بالإسلام ؛ وفي هذا الصدد فإن المقارنة مع الغرب المسيحي قد تفيد في تسليط الأضواء على المشكلة.
لقد تميزت الدول التي شهدت تطور الديانة المسيحية، بتنظيم مزدوج: الأول سياسي والثاني ديني. وكل تنظيم من هذين التنظيمين امتاز بكفاءته الخاصة، مؤسساته، سلطاته وقانونه الخاص به. هناك بالفعل تمييز وليس فصل بين هذين التنظيمين، الذين كانا يدخلان في علاقات بينهما، قد تتراوح ما بين التنسيق الوثيق والصراع المفتوح. ما يهم إذن هو وجود تنظيمين مختلفين، لكل منهما استقلاليته، على الرغم من أن المجال الزمني عادة ما يكون تابعا للسلطة الروحية. إن التنظيم السياسي إذن، يمكن أن يحتفظ بخصوصيته وأن يرسم مسافات بينه وبين الدين، ويمكنه أيضا أن يوجد نفسه بنفسه، من دون اللجوء إلى الدين ولا الحاجة إلى الحصول على دعم منه. ومن جانبه، فالدين هو الآخر له تنظيمه الخاص به ممثلا في (الكنيسة )، وهذه الأخيرة لها من القوة ما يؤهلها لكي تضمن للدين وجوده المستقل بالنسبة للبنيات السياسية.
فضلا عن ذلك، فإن هذا التنظيم المزدوج كان أكثر تجذرا بالغرب-(حيث الكنيسة أثبتت تفوقها على السلطات الزمنية لدرجة كانت تصل أحيانا إلى نوع من التيوقراطية )- منه في الشرق-(حيث الكنيسة كانت على الأصح، خاضعة للسلطة السياسية إلى درجة القبول أحيانا بنظام قيصري- بابوي فعلي)-.
والحال أن هذه الازدواجية على مستوى التنظيم، كانت غائبة بالعالم الإسلامي ؛ هذا الأخير الذي يمتاز- وعلى العكس من ذلك – بخاصية الواحدية (moniste ). فالنبي محمد لم يقف عند حدود مهمته الدينية، بل أعطى لجماعته (أمته )تنظيما اجتماعيا وسياسيا: فهو لم يكن فقط مؤسسا لديانة جديدة (الإسلام)، بل وأيضا قائدا سياسيا وعسكريا. وبالمثل، فالقرآن ليس فقط كتابا دينيا، بل هو أيضا مجموعة من القوانين التشريعية.
من جراء ذلك إذن، وأخذا بعين الاعتبار تمييز كل منهما عن الآخر، فإن التنظيمين الديني والسياسي ظلا مرتبطين بشكل وثيق. خاصة وأن الأول عرف تطورا بطيئا جدا بالمقارنة مع الثاني، كما انه ظل عادة تابعا له 2. في هذا الصدد، سيحصل- و بشكل مبكر (أواسط القرن 7 م/ 1هـ )– انشقاق حاسم بين السنة والشيعة؛ وقد حافظ فيما بعد على تأثيره الكبير. فوراء الصراع حول مسالة الخلافة 3، فإن ذلك الانشقاق يجد أساسه في السؤال حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به الخليفة؛ مما يعني طرح مسألة العلاقة بين السياسي والديني. والإستنتاج الذي يمكن أن نخرج به هنا هو: أن التمايز أو بالأحـرى التعارض بـين السنة والشيعة له دلالة سياسية أكثر منهـا دينية 4. فبالنسبة للسنة، تعتبر سلطة الخليفة في نفس الوقت سياسية ودينية، والواقع أنه- وعلى عهد الدولة الأموية- لم يتوانى السياسي في التغلب على الديني: ونتيجة ذلك أن أصبح التنظيم السياسي أكثر تطورا، مما مكنه من أن يصبح مهيمنا، فهو يحتوي ويراقب الديني، كما أنه يحميه، يوجهه ويسخره أيضا لأغراض السياسة. في ظل هذه الشروط إذن، لم يكن الإسلام في حاجة إلى تنظيم خاص (تنظيم ديني )، وظل تابعا للمجال السياسي الذي يضمن له وجوده وتطوره. ومن جراء ذلك، سينتشر هذا النموذج بشكل واسع، وسيميز الفكر السني على مر القرون. والأهم من ذلك، أنه سيستمر فعله في معظم البلدان الإسلامية الحالية، حيث الدولة تراقب الإسلام وتجعل منه ديانتها الرسمية وكذلك وسيلتها في الحكم.
عكس ذلك، يرى الشيعة بأن نشاط الخليفة يجب أن يقف عند حدود دوره الديني، من دون أن يمارس سلطة زمنية. فبتخليه عن أي طموح سياسي، يعطي الخليفة الأولوية للتنظيم الديني، كما يسعى إلى دعم استقلاليته بالنسبة للسلطة السياسية. وهذا ما يجد ترجمته في تشكيل تراتبية دينية وشكل من أشكال الإيكليروس يكون مسؤولا عن تدبير الحياة الدينية بشكل مستقل. لعل هذا النموذج لم يكن ليبتعد كثيرا عن وضعية الكنيسة في الغرب المسيحي، هناك حيث السلطة الروحية كانت متميزة عن السلطة الزمنية ومتفوقة عليها أيضا. لكن هذا النموذج لم يكتب له أن يتطور قط، وظل محصورا بشكل أساسي عند الفرس: وهذا ما تجسده التجربة الإيرانية منذ ثورة 1979، التي أرست دعائم نظام سياسي تيوقراطي، من سماته إخضاع السياسة للدين. وبالمثل فقد أضحت هذه التجربة- ولو جزئيا- مصدر إلهام بالنسبة للحركات الإسلامية الحالية، التي تنشد تأسيس دولة إسلامية خاضعة لأحكام الشريعة.
في الواقع، وعلى الرغم من اختلافهما، فإن السنة والشيعة يقودان عمليا- (بخصوص مسألة الحداثة السياسية)- إلى نفس النتيجة: ألا وهي غياب هذه الأخيرة. ففي البلدان التي يهيمن فيها المذهب السني، لم ينجح الإسلام في خلق تنظيم ديني مهيكل ومتراتب، كما هو الشأن بالنسبة للكنيسة المسيحية ؛ وعليه، فقد ظل ذلك التنظيم ضعيفا ومحدودا، مما استحال معه قيام أية مؤسسة أو سلطة دينية خاصة. ولعل هذا ما يفسر غياب أية محاولة من قبل هذا التنظيم (الديني )لمنافسة السلطة السياسية، وما بالك بالهيمنة عليها. وعلى العكس تماما، فقد تطور التنظيم السياسي بشكل حر، مبرزا إلى الوجود أشكالا سياسية:(ممالك وإمبراطوريات )، كما أنه استخدم الدين لأجل تدعيم وتقوية ذاته. وفي نفس الاتجاه أيضا سيعمل على فرض مراقبة شديدة عليه، جاعلا من الإسلام دين دولة. لقد أدى ضعف التنظيم الديني من جهة، وقوة التنظيم السياسي من جهة ثانية، إلى نظام واحد (moniste ) من أهم سماته احتواء السياسي للديني وهيمنته عليه، هذا في الوقت الذي استمرت فيه تلك الازدواجية التنظيمية في العالم المسيحي.
لقد كان من نتائج هذا الوضع- (بالعالم الإسلامي)- إذن، تطابق الجماعة الدينية مع الجماعة السياسية، كما أن وحدة الأولى تدعم وتقوي وحدة الثانية؛ والنتيجة أن تبعية الفرد للجمــاعة (communauté)تبدو، في نفس الآن، على الصعيدين الديني والسياسي. في مثل هذه الشروط إذن، تتأكد عمليا مسألة غياب الفرد الحديث(l individu moderne)، والمستقل بذاته إزاء الجماعة. وهذا ما يفسر غياب الحداثة السياسية بالعالم الإسلامي السني. فالدولة الإسلامية تستند على الدين وتجعله في خدمتها ؛ لكن هذا يمنعها من أن تصبح دولة حديثة: والخلاصة أن الوحدة الحاصلة بين الدولة والدين تقف كحاجز أمام قيام أي فصل بين الدولة والمجتمع، مما يشكل عائقا حقيقيا أمام ظهور الحداثة السياسية.
أما فيما يتعلق بالشيعة، فإن الوضعية تختلف، بل وتتعارض أيضا- على الأقل من حيث المبدأ-.فسعيهم إلى الحفاظ على استقلالية التنظيم الديني إزاء المجال السياسي، يترجم لديهم بذلك الاهتمام الكبير بتطوير هذا التنظيم، حتى يكتسي صفة سلطة قائمة بذاتها في إطار هيكل تراتبي (إيكليروس). و لعل هذا ما أدى بالفعل إلى بروز إزدواجية تنظيمية- (تنظيم ديني/ تنظيم سياسي)- كما هو الشأن بالنسبة للغرب المسيحي، مما قد يسمح نظريا بقيام حداثة سياسية. غير أن هذه الأخيرة لم تتحقق، وذلك لسببن: فمن جهة ليس هناك بالفعل فصل بين الدولة والدين، على اعتبار أن الإسلام الشيعي يسعى إلى تشكيل وصياغة الحياة الإجتماعية، وإلى توجيه السلطة السياسية. و من جهة ثانية، فالأمر هنا يتعلق بدولة قديمة حيث لا وجود فيها لأي فصل بين الحقل العام والمجال الخاص. هكذا إذن، وعلى اختلافه مع المذهب السني، فإن المذهب الشيعي لا يقود بالضرورة إلى الحداثة السياسية: هذه الخلاصة تؤكدها بالطبع الوضعية الحالية لإيران. ففي هذا البلد، ومنذ قيام ثورة 1979، والإسلام الشيعي يبذل قصارى جهده لتوجيه السلطة السياسية، وإخضاع الدولة للدين واستخدامها كأداة لإنعاشه. فالوحدة الحاصلة بين السياسة والدين، يتم تعزيزها لصالح هذا الأخير، مما يسد الطريق أمام الحداثة السياسية. وهكذا، فمهما اختلفت الطرق التي ينهجها كل منهما، فإن المذهبين السني والشيعي يقودان إلى نفس النتائج على مستوى سياسي: فإذا كان العالم الإسلامي، خلال القرون الماضية إذن، لم يعرف أي ظهور يذكر للحداثة السياسية، فالوضع نفسه ينسحب أيضا على الدول الإسلامية اليوم، أكانت محسوبة على التقليد السني أو الشيعي. بشكل عام، فإن هذه البلدان بحفاظها على استمرار تلك الوحدة بين الدولة والدين، تؤكد على أنها لم تفصل بعد- وبشكل تام- بين الدولة والمجتمع.
في الواقع، توجد هناك بعض الإستثناءات، فضلا عن كونها نادرة: ولعل المثال هنا تقدمه تركيا التي أقامت نظاما علمانيا سلطويا، وانخرطت بذلك في طريق الحداثة السياسية خلال عشرينيات القرن العشرين. لكن رغم ذلك فقد ظلت عملية الفصل بين الدولة والدين، في ظل هذه التجربة، غير كاملة؛ وقد وقفنا على عدد من العلامات- (في الفصل السابق )5 – تبين بأن هذا البلد لم يصل بعد إلى تحقيق الحداثة السياسية.
والوضع نفسه، بالأحرى، بالنسبة لباقي الدول الإسلامية التي لم تحقق علمنة مماثلة، على الرغم من بعض المحاولات الخجولة كما هو الحال بالنسبة لتونس. إن هذه الدول لا يمكنها الإنخراط في مسلسل الحداثة السياسية، إلا إذا أقامت فصلا بين الدولة والدين، أو على الأقل، ضمنت تحررها من تأثيره. هذه العملية لم تبدأ فعليا، وفي معظم الحالات تظل الدولة إسلامية، أي أنها مرتبطة بشكل وثيق بالإسلام، سواء عن طريق مراقبته وتوظيفه أوعن طريق الخضوع له وخدمته. في الواقع، إن ما ينتج عن ذلك هو وجود نوعين مختلفين جدا من الدول الإسلامية، ومتعارضين من حيث تنظيمهما واشتغالهما: تارة يتعلق الأمر بإسلام الدولة وطورا بدولة الإسلام.
ففي الحالة الأولى، والتي تبدو مألوفة جدا في معظم البلدان العربية، نجد الدولة تتحكم في الدين وتراقبه، مما يقود إلى نوع من إسلام الدولة: بحيث تشرف على تنظيمه، كما تدعمه وتوجهه لخدمة سياستها؛ وهي بذلك تستلهم منه قواعد عملها وقوانينها. فالشريعة هنا تصبح قاعدة للتشريع، فهي تعتبر مصدرا، إن لم يكن المصدر الأساسي لذلك-(كما هو الشأن في الجزائر ومصر )- أو قد تكون المصدر الوحيد (كما هو الحال بموريتانيا). وبشكل خاص فهي المرجع المحدد لمدونة الأحوال الشخصية المتعلقة بتنظيم شؤون الأسرة والإرث- (هكذا، نجدها في أصل صياغة قانون الأسرة بالجزائر )-. إن الإسلام هنا يصبح خاضعا إذن للدولة، ليصبح بذلك مجرد أداة في خدمة سياستها.
في الواقع، هذا ينم عن قصور سياسي وعن نقص على مستوى الدولة، فهذه الأخيرة لم تتأسس كما ينبغي كي توجد نفسها بنفسها، مستغنية في ذلك عن الدين وتاركة له كامل حريته؛ بالعكس، إنها تستفيد من دعمه وتخشى استقلاليته عنها. والحال هذه، أنه لا يمكن تحقيق الفصل المطلوب بين الدولة والدين، لأن الأولى تبقى في حاجة إلى الثاني. الأمر يتعلق إذن بمشكل سياسي يعني الدولة، وليس بمشكل ديني يرجع إلى الإسلام، والنتيجة أن غياب الحداثة السياسية بالعالم الإسلامي، يمكن أن نعزوه إلى النقص الحاصل على مستوى الدولة، وليس إلى الإسلام ذاته. وهذا يؤكد بالطبع، على أن الدولة ما تزال تفتقد إلى القوة اللازمة كي تؤسس لنفسها بشكل مستقل، ومن دون اللجوء إلى الدين. تبقى هذه الخلاصة من الأهمية بمكان لفهم الوضع الحالي للعديد من البلدان الإسلامية، والمشاكل التي تتخبط فيها.
لكن، وبالمقابل، يوجد نوع ثاني من البلدان الإسلامية أقل عددا لكن يختلف كلية: هناك حيث الدولة تكون تابعة للإسلام، الذي يوجهها ويراقبها وتصبح بذلك أداة في يد الدين. وهنا يمكننا الحديث عن دولة الإسلام، أو دولة إسلامية ؛ وهذه الوضعية نصادفها تحت أشكال مختلفة، لا سيما في أربع دول وهي: (العربية السعودية، إيران، السودان وباكستان ). ففي هذه الدول ذات النظام السياسي التيوقراطي، السلطة الدينية هي التي تتحكم في السلطة السياسية وتوجهها: (كما هو الشأن مثلا بالنسبة لإيران، في ظل عقيدة الإمام الخميني ). كما أن الشريعة تكتسي مرتبة أعلى من الدستور(كما هو الحال في السودان وباكستان)، وأحيانا تأخذ مكانه (كما نجد في العربية السعودية). إن الشريعة إذن، هي التي تحدد وتوجه التشريع، خاصة على مستوى القوانين المدنية والجنائية ؛ وذلك بالشكل الذي يسمح بحماية وإنعاش القيم الإسلامية: (مثلا بتثبيت قواعد مدونة الأحوال الشخصية، وباستخلاص نصوص الأحكام الصارمة في حق أية محاولة للإرتداد عن الدين أو الإساءة إلى قدسيته). في مثل هذه الشروط إذن، تكون الدولة تابعة بشكل تام للدين، مما يفقدها استقلاليتها الفعلية؛ والنتيجة أن القصور السياسي يكون أكثر حدة هنا، مقارنة مع الحالة الأولى (إسلام الدولة ). فالفصل بين الدولة والدين غير موجود بالمرة، إذن فالحداثة السياسية مستحيلة القيام. وهذه الوضعية تفسر، في نفس الوقت، بنفوذ الإسلام وسلطانه على الدولة وبضعف هذه الأخيرة ؛ وهذا يبين النقص المتجذر في بناء الدولة، وتبعيتها الكلية للدين. فالسياسة هنا يتم احتواءها من طرف الدين وتسخيرها لصالحه: هذه الخلاصة تسمح لنا بالفهم الصحيح، وبتسليط الأضواء على ظاهرة الحركات الإسلامية، كحركات بدأت تنشط بالعديد من البلدان الإسلامية منذ حوالي عشرين سنة.

II – التعارض بين الحركات الاسلامية و الحداثة السياسية.
إذا كانت الحداثة السياسية غائبة، بل و مستحيلة بالعالم الإسلامي، بسبب تلك الوحدة الوثيقة القائمة بين الدولة و الدين، فان هناك تعارضا عميقا و متأصلا بينها و بين الحركات الاسلامية، حيث ينفي كل منهما الآخر و يستبعده. إن الحركات الإسلامية، و بالمعنى الدقيق للكلمة – و الذي نفضله عن تسمية(الحركات الأصولية)أو (التطرف الإسلامي)– تسعى إلى تأكيد و تنمية الإسلام و قيمه، مستخدمة في ذلك السياسة و الدولة. وهذا النزوع يتطابق مع نموذج تيوقراطي: حيث الدين يهيمن على السياسة و يوجهها، جاعلا قوة الدولة تحت تصرفه. هكذا نجد لدى الحركات الاسلامية طموحات سياسية و اجتماعية، فهي تقدم نفسها على أنها الضامن لسيادة الدين و هيمنته، و الساهر الأمين على تطبيق القانون الإسلامي (الشرع)وبناء الدولة الاسلامية. وهي في ذلك تسعى إلى تحقيق طموح قديم و عميق للإسلام، ذلك المتجلي في تأكيد هيمنته و تأثيره على مجموع الحياة الاجتماعية و السياسية، كما تجسد ذلك بخاصة في التقليد الشيعي. إن الأمر يتعلق هنا بالعودة إلى أصول و مصادر الإسلام (إذن حركة أصولية)، ورد فعل ضد الاتجاه الذي يسعى إلى إخضاع الدين للدولة كما يمثله التيار السني. انه اتجاه يسعى إذن إلى إعادة السيادة للدين على حساب السياسة، و بالتالي إعادة تنظيم المجتمع و الدولة بشكل يتطابق مع المبادئ الدينية6
نفسر عادة الحركات الاسلامية بالعودة إلى مختلف الأسباب الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية أو الثقافية. فهي نتاج لفشل و نقص على مستوى التجارب المختلفة التي خاضتها البلدان الاسلامية منذ استقلالها، و التي لم تفلح في القضاء على التخلف الاقتصادي ولا إلغاء الفوارق الاجتماعية و أشكال الظلم المختلفة، علاوة على عجز الحكام و افتقادهم لأية نزاهة. كل هذا بالموازاة مع ما يمكن أن نعزوه إلى ذلك الإحساس بضياع الهوية التقليدية و التخلي عن نظام القيم و الأخلاق الدينية، و التي زادها حدة تأثير و هيمنة الغرب. هذه التفسيرات لها بالطبع قيمتها، و قد تم تطويرها بحق، لكنها لم تكن كافية ولم تساعد على الذهاب إلى عمق المشكل. لهذا يمكننا أن نقدم تأويلا آخر للظاهرة ونثبت وجود ذلك الارتباط بين الحركات الاسلامية و غياب الحداثة السياسية بالعالم الإسلامي، وهذا الارتباط يبدو بطريقتين مختلفتين: فمن جهة تعتبر الحركات الاسلامية كنتيجة لغياب الحداثة السياسية، و من جهة أخرى، فهي تقدم نفسها كرفض قاطع لهذه الأخيرة.

1- غياب الحداثة السياسية و الحركات الاسلامية.
إن غياب الحداثة السياسية بالبلدان الإسلامية، يمكن أن يكون عاملا مفسرا لظهور و تنامي الحركات الاسلامية. و بالفعل، فقد لاحظنا بأن هذه البلدان تجهل عادة أي فصل بين الدولة و المجتمع المدني، بين الحقل العام و المجال الخاص ؛ و نتيجة ذلك أن هناك غياب تام لأي فصل بين الدولة و الدين: فالدولة ذات طبيعة دينة و الإسلام يعتبر الدين الرسمي إذن، كما أن جماعة المواطنين تتطابق مع جماعة المؤمنين، و الإسلام يشكل جزءا مندمجا في تركيبة الدولة. لكن، في الغالب، تعني هذه الوضعية اختلالا حقيقيا: فالتنظيم السياسي يتمتع بالسيادة على حساب التنظيم الديني، كما أن الدولة تحتوي الدين، تراقبه و توظفه لحسابها. ومن جهته، فالدين تابع للدولة، تساعده ولا يتوانى هو الآخر في تقديم دعمه لها ؛ و قد لعب هذا الترابط الوثيق بينهما دورا حاسما في سبيل استقلال البلدان الإسلامية، الذي اعتبر في نقس الآن تحررا سياسيا من هيمنة المستعمر الغربي و تأكيدا لقوة الإسلام في مواجهة العالم المسيحي. لكن، فيما بعد، ستكشف الدولة المستقلة عن عيوبها و نواقصها، مما جعلها تبدو عاجزة عن تقديم حلول مناسبة لمختلف المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية. فالإسلام الذي يسعى إلى توجيه و قيادة المجتمع في كليته، مع تغليب قيمه و تأكيد تفوقها، قد وعى بهذه الوضعية و بحث لها عن حلول خاصة؛ هكذا إذن يمكن اعتبار ضعف الدولة و عجزها هما السبب في صحوة الإسلام وفي اتجاهه نحو التدخل في المجال السياسي7.
منذ اللحظة، سوف لن يقف الإسلام عند حدود دعم الدولة، بل أصبح يسعى إلى تعويضها كي يضمن لنفسه وجودا خاصا ويؤكد بذلك قيمه ؛ وهكذا سوف لن يكتفي تماما بأن يكون دين دولة، بل سيمتد طموحه أبعد، نحو تأسيس دولة دينية: حيث المطالبة بدولة إسلامية أو بإسلام سياسي.
بهذا الشكل يستعيد الإسلام إذن قدرته الأولية على تنظيم و توجيه جماعة المؤمنين، مادام في نفس الوقت يعتبر دينا و حكومة. لعل هذا الطموح هو الذي يحول الإسلام إلى حركة إسلامية، هذه الأخيرة التي تدخل في صراع مع الدولة، وتبحث عن الاستيلاء عليها بل و أيضا تدميرها.
في هذا الصدد، الوضعيات تختلف بشدة وتحتمل درجات مختلفة: فتارة نجد الحركات الاسلامية تؤسس دولة إسلامية و تمارس سلطة سياسية: (إيران و السودان)، وتارة تلجأ إلى العمل السياسي أو إلى أسلوب العنف كي تحقق هذا الهدف:(الجزائر،مصر و أفغانستان)، وتارة أيضا تشارك في السلطة السياسية عن طريق الانتخابات القانونية، التي تقودها إلى البرلمان ثم إلى الحكومة: (الأردن و تركيا)، وتارة قد تكتفي بنشاط محدود، لا يشكل أي تهديد حقيقي للدولة: (المغرب و تونس). وبالمقابل، فهي عمليا مغيبة عندما يتعلق الأمر بدولة دينية بالأساس: (العربية السعودية)، أوحين يتعلق الأمر بنظام سياسي شبه ديكتاتوري:(ليبيا، سوريا و العراق).
بصيغة أخرى، فإن الحركات الاسلامية تنتعش ولها من فرص النجاح ما يكفي، كلما كانت الدولة ضعيفة و عاجزة. والحال أن هذا ما ينطبق عادة، و بدرجات مختلفة، على البلدان الإسلامية؛ ومن جراء ذلك، فهي مهددة بشكل أو بآخر بخطر الإسلاميين، و الذي سبق و أن تمكن من بعضها، ولا يزال نفس الوضع قائما و يهدد بلدانا أخرى إن عاجلا أو آجلا. الحاصل أن غياب الحداثة السياسية هو الذي يفسر ظهور و تطور الحركات الإسلامية، فهذه الأخيرة تعتبر نتيجة لغياب الفصل بين السياسي و الديني، أو بشكل أوسع بين الدولة والمجتمع المدني. في ظل هذه الشروط إذن، وفي حالة عجز الدولة، يستعيد الإسلام استقلاليته و يؤكد سيادته و يوسع نشاطاته؛ وهذا يقوده إلى صياغة مشروع سياسي و إلى تشكيل دولة إسلامية تكون في خدمة الدين.
إذا كان الوضع على هذا النحو إذن، فان الطريقة الوحيدة و الأنجع لصد الحركات الاسلامية تكمن في إرساء الحداثة السياسية، أي في بناء دولة تأخذ على عاتقها المصلحة العامة، و مجتمع مدني يسمح للأفراد بأن يكونوا أحرارا. ما من شك في أن هذه المهمة المزدوجة تظل مهمة صعبة، بل وتحتاج إلى وقت أطول لتحقيقها. وبالموازاة مع ذلك أيضا، على هذه الدولة أن تنفصل عن الدين وأن تؤسس لوجودها الخاص بها، من دون الحاجة إلى أي دعم منه؛ ومن جهته على الإسلام أن يكف عن كونه دين دولة، ليحتفظ بوضعه كدين أفراد. إن الصراع ضد الحركات الاسلامية يستوجب إذن، أن تتخلص الدولة من الدين وتتعارض مع طموحاته السياسية؛ لكن الغريب أن بعض الدول في صراعها ضد الحركات الاسلامية، تسعى إلى التأكيد على أن الإسلام دين دولة، كما تبحث لها عن تسويات مبهمة و غامضة مع الإسلاميين الذين يصبحون مع الوقت أكثر تشددا.
إن الدولة الاسلامية إذن، وبلجوئها إلى الدين، تكشف عن ضعفها المتأصل و عجزها أن توجد نفسها بنفسها. وبالعكس من ذلك، فإن تأسيس دولة حديثة يستوجب أن يكف الإسلام عن كونه دين دولة، مع الحفاظ على مكانه الخاص من داخل المجتمع المدني. حقيقة، ينبغي التنويه هنا إلى أن تحقيق هذه الغاية أمر صعب بالطبع، ولا يمكن الوصول إليه على الفور أو بسرعة؛ فهو يتطلب بالضرورة وقتا أطول و خبرة أكثر. فالفصل الفعلي بين الدولة و الإسلام لايمكن أن يتم بمجرد قرار سياسي، أو بموجب نص قانوني (دستوري أو تشريعي)، بل يقتضي سيرورة طويلة و معقدة يتم ابتكارها عند كل حالة. من المحتمل إذن، وفي حالة العالم الإسلامي، أن يستمر ذلك الترابط بين الدولة و الإسلام لمدة أطول؛ لكن الهدف النهائي يظل هو الفصل التام بينهما، بالشكل الذي يسمح بتكوين دولة حديثة متحررة من الدين وليست لها به حاجة.
هذا الأفق يجب، ومنذ الآن، أن يشكل مصدر إلهام بالنسبة للدولة في تعاطيها مع الإسلام؛ تعاطي قد يتم عبر طريقتين متكاملتين: فمن جهة يتوجب عليها أن تتخلص من تأثيره و أن تتخلى عن أي دعم يمكن أن يقدمه لها، وذلك كي تؤكد وجودها بنفسها وتقود عملها؛ و من جهة أخرى يجب أن تبقي الإسلام في وضعية تبعية، و أن تستمر في مراقبته مهيأة إياه لكي تصبح له هو الآخر حياة خاصة و مستقلة.
خلال هذه الفترة الانتقالية، والتي قد تدوم لمدة أطول، يتم التأسيس بشكل تدريجي، لدولة مستقلة عن الدين، مما قد يعني اللجوء إلى الإكراه، بل القوة. وقد يبدو هذا الأسلوب ضروريا من أجل التصدي للحركات الإسلامية، التي تعارض أي تطور في هذا الاتجاه، معتمدة في ذلك على العنف.
في هذا الصدد، ما يشكل أولوية ملحة هو مشكل الدولة وليس الديموقراطية، على اعتبار أن هذه الأخيرة قد تستخدم كأداة من قبل الحركات الإسلامية للنيل منها وتدميرها:)الاستفادة من الديموقراطية لقتل الديموقراطية- التشديد من عندنا –(.
ينجم عن ذلك نتائج عملية مهمة: فتأسيس دولة حديثة يعني إحداث تحولات عميقة، بل نوعا من الثورة السياسية، فالمطلوب هو إجراء فصل بين الدولة والمجتمع. وهذه السيرورة قد تكون طويلة وصعبة بالضرورة)تقاس بعقود بل بقرون (، وتمتاز بطبيعة ثورية كما أنها لا تحتاج إلى أساليب وطرق ديموقراطية. يجب ألا نندهش إذن، إذا كانت هذه الأخيرة )الديموقراطية (غائبة أو متنكر لها، بل وأحيانا يتم خرقها وانتهاكها، بحيث لا يجب إطلاقا المطالبة باحترامها قبل أن تكون الدولة الحديثة قد تأسست؛ لأن هذه الأخيرة قد تعتبر شرطا أولا ومؤسسا للديمقراطية. بتعبير آخر، ليست الديمقراطية هي التي تقود إلى تأسيس الدولة الحديثة، بل بالعكس، هذه الأخيرة هي التي تسمح بمجيء الديموقراطية، إذ يستحيل عمليا إنجاز الحداثة السياسية وإقامة الديموقراطية في نفس الوقت؛ بحيث لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالتتابع: الأولى تهيء للثانية.

-2الحركات الإسلامية ورفض الحداثة السياسية.
إذا كانت ظاهرة الحركات الإسلامية تفسر بغياب الحداثة السياسية، فإنها تتميز أيضا برفضها لهذه الأخيرة. وهي بذلك تعبر عن تشبث عفوي وعميق بالدولة القديمة وتصارع من أجل بقائها، معلنة رفضها تأسيس دولة حديثة، منفصلة عن المجتمع المدني وبالتالي عن الدين. فضلا عن ذلك، فإن ظهورها قد ارتبط، بالأحرى، بالبلدان التي تسعى إلى الإنخراط في الحداثة السياسية:)إيران بالأمس (و)الجزائر، مصر وتركيا اليوم (؛ رغم كونها تتعارض بقوة مع هذه الصيرورة. وعلى عكس ذلك، فإنها تمتاز بحضور أقل من داخل البلدان الأقل تقدما على مستوى هذه التجربة: (المغرب، ليبيا، سوريا والعراق(.
في الواقع، يمكن تفسير هذه الوضعية بسهولة: فعلى امتداده التاريخي، ظل الإسلام مرتبطا بشكل وثيق بالدولة وتحت أشكال مختلفة. طبعا فهو عادة ما يكون تابعا للسلطة السياسية، التي تراقبه وتوظفه في نفس الآن، لكن بقاءه مرتهنا بدعم الدولة، التي تعتبر ضرورية لوجوده وتطوره، جعله يقف حاجزا أمام طموحها في أن تتخلص من سطوته، وتصبح علمانية. علاوة على ذلك، فالإسلام، وكغيره من الديانات، ينزع إلى توجيه الحياة في كافة مظاهرها الاجتماعية والسياسية؛ وطموحاته في هذا الإطار تقوده، بشكل طبيعي، إلى رفض الدولة الحديثة والمناداة بتأسيس دولة إسلامية.
كما هو معروف بالعالم الإسلامي، حيث الإسلام يشكل الدين الرسمي للبلاد، تتسم الدولة بطابع ديني واضح المعالم. لكن هذه الوضعية ليست مرضية دائما بالنسبة للإسلام، خاصة وأنها ما فتئت تتطور، مما قد يشكل خطرا عليه. لهذا فقد تطورت الحركات الإسلامية رافضة الحداثة السياسية بطريقتين مختلفتين: فمن جهة فهي توجه نقدا جذريا للدولة الحالية، التي تتجه نحو التنكر لقيم الإسلام ومقتضياته، ساعية إلى اختزاله إلى مجرد أداة بسيطة في خدمة السلطة. فهي تؤاخذ هذه الدولة بكونها تهمل المصالح الروحية والمادية لجماعة المسلمين، وتتجه نحو الحداثة السياسية متخلصة من أي تأثير ديني. وبهذا فهي تعمل جاهدة لمنع قيام دولة حديثة قد تصبح سريعا علمانية، ومجتمع مدني حيث الدين يصبح حرا. هكذا إذن، فهي ترفض الدولة العلمانية بمثل ما ترفض الحرية الدينية. ومن جهة أخرى، فإن الحركات الإسلامية تقترح بناء دولة إسلامية، تستلهم قيم الإسلام وتسعى إلى التطابق مع القانون الإسلامي؛ دولة يجب أن تحترم وتطبق تعاليم الشريعة )القران والسنة(، التي يجب أن توجه حياة الأفراد والمجتمع. الإسلام هنا لم يعد بالإمكان اختزاله إلى مجرد أداة في يد الدولة، بالعكس فالدولة هنا هي التي تصبح في خدمة الإسلام.
إن الدولة الإسلامية إذن، وبالمعنى الدقيق، هي نقيض للدولة الحديثة: وفي هذه الحالة، ليس فقط هناك غياب للفصل بين الدولة والدين، بل أيضا هناك تبعية للأولى تجاه الثاني. وعليه، فإن السياسي والديني يختلطان، ومن منظور اكثر عمقا فإنه لاوجود لأي فصل بين الدولة والمجتمع. فسعيا وراء تحقيق مشروع الدولة الإسلامية هذا إذن، تنخرط الحركات الإسلامية في حرب ضد الحداثة السياسية وتعمل على منع قيام دولة حديثة، بل وأيضا حدوث أي تطور سياسي؛ ولعل هذا ما توضحه بجلاء تجربة البلدان التي تمكنت فيها هذه الحركات من فرض سلطتها: خاصة إيران والسودان 8.
إن البلدان الإسلامية تظل، بشكل خاص، ضعيفة ولاحول لها ولاقوة أمام صعود الحركات الإسلامية، لكونها لم تتمكن بعد من ولوج الحداثة السياسية. فهي قد حاولت، في هذا الإطار، أن تتبنى موقفا معتدلا وان تقدم تنازلات لإرضاء بعض المطالب الأساسية للإسلاميين. ولهذا نجدها تسعى جاهدة للحفاظ على الإسلام كدين دولة، وتبذل قصارى جهدها للاستجابة لمتطلباته، وهذا ما يتجسد بالخصوص في دمجها إياه في نظمها التعليمية والسهر على تطبيق القانون الإسلامي فيما يتعلق بشؤون الأسرة، مع العمل على بناء وصيانة المساجد والمعاهد الإسلامية. لكن هذا الموقف بالطبع، لا يسمح لها بأن تصبح دولا حديثة وعلمانية. وبالمثل، فإن التقدم المستمر للحركات الإسلامية، ولجوءها إلى العنف، يشكلان تهديدا يمنع بحق هذه الدول من التوجه نحو الحداثة السياسية ويصد أمامها أيضا طريق التطور.
تأسيسا على ما سبق، فإن الحركات الإسلامية تتعارض بشكل مباشر مع الحداثة السياسية، حتى وإن كانت تستفيد من المكتسبات التقنية للعصر وتتمسك بمسايرة التقدم العلمي. لهذا، فإذا كان من الممكن تحديث الإسلام بشكل تدريجي، وذلك عن طريق سلسلة من الإصلاحات المناسبة، فإنه قد يبدو من الصعب جدا، بل من المستحيل أسلمة الحداثة، لأن ذلك يقود حتما إلى تدمير هذه الأخيرة. في الواقع، هناك تعارض كلي بين الحركات الإسلامية والحداثة السياسية، فالأولى تستثني كلية الثانية، ولايمكن أن تقود إليها البتة 9.
إن أكبر وهم إذن، هو أن نفكر في أنه بإمكان الحركات الإسلامية – لو وصلت إلى السلطة – أن تؤسس دولة حديثة، وتحل بذلك مختلف المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع. بالعكس من ذلك تماما، فإنها ستعمل على تسييد وتأبيد نموذج للدولة القديمة، مانعة بذلك كل إمكانية للتطور نحو الحداثة السياسية. من هذا المنظور إذن، قد يبدو من غير المستساغ تماما، البحث عن تسويات مع الحركات الإسلامية واقتسام السلطة مع مناصريها، وذلك لسببن: أولا من المحتمل ألا يكتفي هؤلاء بهذا الانتصار الجزئي، مما يدفعهم نحو البحث عن تعزيز وضعهم وفرض نفسهم أكثر فأكثر، وبالتالي يصبح حضورهم هذا ونشاطهم السياسي متعارضا بشدة مع تكوين دولة حديثة منفصلة عن المجتمع، وبالتالي عن الدين. وبناءا عليه، فالأجدر أن يتم إبعاد الحركات الإسلامية عن مجال الدولة والعمل على ألا يصلوا إلى السلطة، وذلك بحجة الديمقراطية. لامجال إذن للتفاوض مع الإسلاميين ولا لإشراكهم في الحكم، بل يجب بالأحرى التصدي لهم بقوة، ولو اقتضى الأمر باللجوء إلى الإكراه والعنف الشرعي.
على ضوء هذه الاعتبارات إذن، يمكن تقدير المواقف التي يتبناها بعض المختصين في دراسة الإسلام أو بالأحرى الحركات الإسلامية10؛ فهؤلاء لديهم معرفة دقيقة بالظاهرة الإسلاموية في تنوعها وتعقيدها. لقد قاموا بتحليلات صارمة وموضوعية، مقدمين تاويلات ثاقبة مصحوبة أحيانا بتعاطف حذر، بل وأيضا بنوع من المجاملة، وهم بذلك يقدمون الدليل على مدى انفتاحهم وتفهمهم. لكن، وإن كانوا قد أدركوا موضوع دراستهم بطريقة علمية، فعادة ما تنقصهم الأطر النظرية اللازمة لتقديم حكم مناسب حول ذلك الموضوع؛ فاستنتاجاتهم واقتراحاتهم العملية تعاني من الضعف الحاصل على مستوى مفاهيمهم السياسية. في الواقع، إنهم لا يتوفرون على نظريات سياسية ملائمة كي يدفعوا بأبحاثهم إلى نهايتها؛ فهم يتساءلون حول طبيعة العلاقات بين الحركات الإسلامية والحداثة، ويبحثون في طرق المصالحة بينهما. لكن، يبدو أن مفهوم الحداثة الذي يتم استخدامه أيضا من قبل الإسلاميين، يظل مفهوما فضفاضا وغير محدد. أما بخصوص مفهوم الحداثة السياسية فيظل غائبا ومجهولا أيضا، في حين أنه ضروري لمناقشة وإبداء الرأي حول ظاهرة الحركات الإسلامية كظاهرة سياسية بامتياز.
إن ثغرة كهذه هي التي تفسر سقوط هؤلاء في مثل تلك الأحكام المتسرعة، والتي قد تكون أحيانا ساذجة بل وخطيرة أيضا. وهكذا، فهم يعتبرون بأن الحركات الإسلامية تتوافق مع الحداثة ومع الديموقراطية 11، كما أنهم يشيرون أيضا إلى أنه بإمكانها أن تقود إلى الحداثة، وأن تعيد اكتشاف القيم الديموقراطية 12. وفي تقديرهم هذا، يصبح بالإمكان إدماج الإسلاميين في اللعبة الديموقراطية، كما أن الحركات الإسلامية تبقى أقل خطورة من النزعة العلمانية المحافظة 13. علاوة على ذلك، فهم يعتقدون أيضا بأن الحركات الإسلامية تلعب دورا إيجابيا في تجديد النخب الحاكمة، وأنه- ومن دون الحاجة إلى ضمانات- فإن مساهمتها في سيرورة البناء الديموقراطي ممكنة، بل حقيقية 14 ؛ كما يأملون أيضا في أن تتحول الحركات الإسلامية إلى قوة ديموقراطية فاعلة 15. حقيقة، تبقى هذه المواقف الكريمة والصادرة عن حسن نية بالطبع، مردودا عليها وساذجة، لأنها تتجاهل الطبيعة الفعلية للحركات الإسلامية ومنطقها العميق. ففي جوهرها، تظل هذه الأخيرة غريبة عن الحداثة السياسية ومتعارضة معها ومع كل ما تعنيه من قيم، بما في ذلك الديموقراطية الناتجة عنها. بهذا الشكل إذن، فإن الحركات الإسلامية لايمكنها أن تحضى بأية قيمة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة، كما أنها اقل ديموقراطية لأنها ترفض مبدأ استقلالية السياسي بمثل ما ترفض مبادىء الديموقراطية 16.
لكن، وبالمقابل، يمكن للحركات الإسلامية أن تؤدي – وبشكل غير مقصود – وظيفة هامة على مستوى التطور السياسي بالعالم الإسلامي، لأنها تقسم وبعمق هذا الأخير، مفسحة بذلك المجال للتعددية، تماما كما قسمت البروتستانتية أوروبا المسيحية وعمقت خلافاتها في القرن 16. كما أنها تساهم كذلك في إرساء ثنائية من داخل هذا العالم المعروف بواحديته التقليدية 17؛ هذه الثنائية في المجال الديني التي يمكن أن تقود، ومع الزمن، إلى فصل بين الدولة والدين ثم بين الدولة والمجتمع. بطبيعة الحال، قد تعني هذه الصيرورة اللجوء إلى الإكراه والعنف، مما قد يفتح الباب أمام حروب أهلية، إلى حدما، طويلة وعنيفة تماما كما في أوروبا التي شهدت حروبا دينية مرعبة في القرنين)16 و17 (18. وهكذا وبشكل غير مباشر إذن، وبطرق غير متوقعة أيضا، يمكن للحركات الإسلامية أن تؤدي عكسيا إلى ظهور الحداثة السياسية. فوراء المطالبة بدولة إسلامية، تنم هذه الحركات في الواقع عن ضرورة عميقة إلى الدولة، وعن مطلب للحداثة السياسية. هكذا إذن، فإن ما يخشاه الإسلام بشكل أكب،ر هو انقسام الجماعة الإسلامية و انشقاقها )الفتنة (؛ الأمر الذي يؤدي إلى تطور سياسي قطعي، ويقود بالتدريج نحو إقامة الدولة الحديثة والديمقراطية. ولهذا، فإن بلدا بمثل تجربة الجزائر- في هذا الصدد- يبقى، ومن دون شك، أكثر تقدما على هذا الطريق من غيره من البلدان التي ظلت في مأمن من الظاهرة الإسلاموية، أو أن تأثير هذه الأخيرة عليها ظل ضعيفا.
الحق يقال، لايمكن للحداثة السياسية بالعالم الإسلامي إلا أن تكون أفقا بعيدا؛ بحيث أن تحقيقها يطرح الكثير من الإشكاليات، وهذا ما تفسره الروابط القوية التي لا زالت قائمة بين الدين والدولة. هنا كما هناك، تبقى الحداثة السياسية نتاج تطور تدريجي بالطبع، وهذا يتطلب الكثير من الوقت والطاقة أيضا؛ ولعل معظم البلدان الإسلامية حديثة العهد بالاستقلال، لا تزال في بداية الطريق على خط هذا التطور، كما أن البعض منها لم ينخرط بعد في هذه السيرورة. قد يبدو إذن بأن غياب الحداثة السياسية، أو صعوبة تحققها، هو ما يفسر تنامي الحركات الإسلامية بهذه البلدان. وعلى العكس من ذلك أيضا، يبدو بأن هذه الحركات، في الأصل، هي التي تقف حاجزا أمام تطورها السياسي في أن تصبح دولا حديثة. وفي هذا الصدد، يبقى المثال الذي تقدمه فرنسا مفيدا، لأن هذا البلد قد عرف- وعلى امتداد قرن من الزمن- نظاما تصالحيا: حيث الدولة ظلت تحافظ على وشائج الارتباط بالدين، في الوقت الذي استمرت فيه في مراقبته والحد من تأثيره السياسي. فالكاثوليكية لم تكن أبدا دين الدولة- )ما عدا أثناء مرحلة الإصلاح (- لكنها ظلت تحت وصاية الدولة، التي توفر لها حاجاتها المادية وتستفيد بالمقابل من دعمها. إن الوضعية الحالية للبلدان الإسلامية، حيث الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، لا تختلف كثيرا عن مثيلتها بفرنسا التصالحية تلك. والحال هذه، أن فرنسا نجحت في رسم المسافة الفاصلة بين الدولة والدين، على إثر مرحلة طويلة من التطور استمرت قرنا من الزمن. ويمكن أن يحصل نفس الشيء بالنسبة للعالم الإسلامي، حيث مختلف الأوضاع ممكنة: الحياد الديني للدولة، روابط تعاقدية بين الدولة والإسلام، الفصل التام بينهما…الأمر يقتضي إذن ألا تكون الدولة مذهبية أو طائفية بالمرة، وبالتالي ألا يكون الإسلام أبدا دين دولة. هذا يعني أن على التشريع أن يفلت من تأثير الشريعة، وأن يكف القانون الإسلامي عن التطبيق على المستويين الجنائي والمدني:)خاصة فيما يتعلق بشؤون الأسرة(. وهذا لا يمنع بالطبع، من أن تستمر بعض الروابط بين الدولة والإسلام، وبخاصة كي يتلقى هذا الأخير دعما ماديا مناسبا من قبل الدولة، ويصبح كذلك موضوعا لتعليم اختياري، لكن شريطة أن يتم الاحترام التام لحرية التدين.
من دون أي شك، ستكون الحداثة السياسية بالعالم الإسلامي، وعلى غرار ما حدث بفرنسا، نتيجة لسيرورة طويلة وصعبة؛ ولعل هذه السيرورة قد بدأت فعلا في معظم بلدان المنطقة، وإن كانت ما تزال في مراحل بداياتها الأولى. فهي ترتكز على تحقيق فصل تدريجي بين الدولة والمجتمع، بالشكل الذي يسمح بإقامة تمييز واضح بين الفضاء العمومي والمجال الخاص، ويمكن بالتالي من بروز مواطنة حقيقية وحريات فردية فعلية. لكن، ولكي تكون الحداثة السياسية مكتملة، يجب بالمثل إحداث فصل بين الدولة والإسلام، أي إرساء نظام لائكي )علماني )؛ هذا الفصل بالطبع غير مستحيل، ولكن لايمكن إنجازه إلا بشكل تدريجي، فهو في نفس الوقت يعد نتيجة للحداثة السياسية وعلامة أيضا على تحققها.

د. محمد جحاح )أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة مكناس)

الهـــــــــوامش والإحـــــــــــالات:

  • هذا المقال، في الأصل، ترجمة كاملة للفصل السابع من كتاب- موريس باربي:)الحداثة السياسية).
    : Paris2000 Maurice Barbier. (La modernité politique)PUF, 1ére édition pp (213-230).
    1-الإحالة هنا على(الصفحة 38 )من الكتاب الذي قمنا بترجمة الفصل السابع منه.

2- برهان غليون يسجل أيضا غياب سلطة دينية فريدة في الإسلام، ويعتقد بأن ” هذا الغياب يفسر بكون أن السلطات السياسية، وعلى امتداد التاريخ، كانت منشغلة بتنظيم الحياة الدينية بالبلدان الإسلامية ”. وبناءا عليه، فهو يشير إلى(تأسيس سلطة مرجعية عالمية فيما يتعلق بالديانة الإسلامية (.
-Burhan Ghalioun. (Islam et politique, la modernité trahie)- Paris- la découverte 1997, p (218 et 250)
3- لقد كان أنصار علي ابن أبي طالب )صهر النبي (، يريدون أن يكون الخليفة من آل البيت، في حين رأى اتباع معاوية ابن أبي سفيان)حاكم سوريا ومؤسس الدولة الأموية (، بأن الشرط في الخلافة يقتضي فقط الإنتماء إلى قبيلة الرسول )قريش (وليس إلى عائلته بالضرورة. وقد دخل الفريقان في حرب عام 657 انتهت بانتصار أتباع معاوية، وهم من سيشكل أساس المذهب السني، في الوقت الذي سيكون المتشيعون لعلي من وراء تأسيس المذهب الشيعي. في الواقع يعني انتصار معاوية هيمنة السياسي على الديني، وفي هذا الصدد يمكن الرجوع إلى التأويل الملائم الذي اقترحه برهان غليون في مرجعه السابق )الإسلام والسياسة. …(ص.ص.38-43. فهو يقدم هذا الصراع كمواجهة بين منطقين مختلفين: ) منطق الدولة (كما جسده معاوية بتأكيده على أولوية السياسي، و )منطق الدين (الذي جسده علي مؤكدا على أولوية الروحي. وهكذا فإن انتصار معاوية على علي، كان انتصارا للدولة والسياسة على الخلافة وعلى الجماعة الدينية – ص.40. فهو(يشهد على الصعود القوي للدولة في مواجهة الدين، وعلى حسابه (. ص.43.
4- لقد شدد جون جاك روسو، وبصواب، على تلك الوحدة الحاصلة بين السياسي والديني في لإسلام إبان مراحله الأولى، وكذلك اتجاه كل منهما نحو الانفصال عن الآخر فيما بعد. وهو يكتب في هذا الصدد: )لقد كان للنبي محمد رؤية جد سليمة، بحيث وحد بشكل جيد نظامه السياسي، إذ بقدر ما استمر شكل حكومته مع الخلفاء الذين أعقبوه ظلت هذه الحكومة هي نفسها متحدة، وهنا تكمن حسناتها)، لكن فيما بعد )بدأت الانقسامات تتعمق بين القوتين (، وقد بدا ذلك )بشكل خاص في المذهب الشيعي- مذهب علي)، الذي وجد سبيله إلى التحقق في إطار تجربة الدولة الإيرانية التي لم تكف عن التعريف (.
-(Du contrat social. Liv. (4)chap (8)- œuvres completes. Paris Gallimard.1964.T3. P (462-463).
5- ا لإحالة على الصفحات )201-197(من الكتاب: )الحداثة السياسية(.
6- يقترح برهان غليون تأويلا مختلفا للحركات الإسلامية، فهو يرى فيها ليس حركات دينية، بل بالأساس حركات سياسية واجتماعية توظف الدين: فهو يذهب إلى أن )الحركات الإسلامية هي حركات سياسية واجتماعية تسعى، رغم خطاباتها المستوحات من الدين، إلى تحويل نظام سياسي و/ أو اجتماعي، وليس إلى نشر ديانة جديدة (- الإسلام والسياسة- م.س: ص.77. ويضيف: )بتشديدنا على أن الحركات الإسلامية هي بالأساس حركات سياسية، نريد أن نقول بأن الأمر يتعلق بحركة لا ترتبط بالمعتقد أو أي عقيدة دينية (- ص.78. وعليه فإن )فهم ظاهرة صعود الحركات الإسلامية، يعني التركيز على الجانب السياسي أكثر من الديني، على اعتبار أن السياسي هو دوما، وبامتياز، مجال للتأسيس والمواجهة بين الفاعلين السياسيين (- ص.81.
في الواقع، يبقى هذا التأويل قابلا للنقاش وغير صحيح أيضا: فالحركات الإسلامية ليست حركات سياسية توظف الدين لتحقيق أهدافها، بل بالأحرى هي حركات دينية تتدخل في المجال السياسي بقصد تحويله وتوظيفه. بعبارة أخرى، فالحركات الإسلامية، كما هي، لها هدف ديني، وهي تحتوي السياسي لتسخره كوسيلة في خدمة هذا الهدف. لكن، سوسيولوجيا، يمكن للحركات الإسلامية- التي تستقطب الفئات المحرومة والمقموعة- أن تقدم نفسها كحركات سياسية واجتماعية للإحتجاج على السلطة ولقلب النظام والمجتمع. فكلا الخاصيتين لا تتعارضان، لأن الحركات الإسلامية تحافظ على وحدة وثيقة بين الديني والسياسي، فالأول يتضمن الثاني ويوجهه. لكن يجب التمييز جيدا بين جوهره العميق وتجلياته السوسيولوجية.
7- يرى” برهان غليون”، وهو محق في ذلك، بأن الحركات الإسلامية هي ثمرة فشل الحداثة، إذ يقول في هذا الصدد: )الحركات الإسلامية تبدو اليوم، هي ثمرة إفلاس نموج محدد للحداثة(، إفلاس يلاحظه على مستوى الدولة، السياسة ونظام التعليم والتربية، )الإسلام والسياسة(- م.س.ص.109. وبناءا عليه يخلص هذا الباحث إلى أن: )الشر الحقيقي الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية، ليس مرده إلى الإسلام، بل إلى السياسات المتبعة بهذه البلدان (- ص.237. بالفعل، فإن صعود الحركات الإسلامية يرجع، في جزء كبير منه، إلى الإفلاس السياسي للبلدان الإسلامية، أو بالأحرى إلى غياب الحداثة السياسية بها.
8- هكذا يصرح ”حسن الترابي” كواحد من أشهر منظري الحركات الإسلامية المعاصرة، ورئيس المجلس الوطني للسودان بأن: )حكم بلد ما، هو فعل من صميم الدين نفسه، وهو مظهر من مظاهر انصهار مجموع مكونات حياة الإنسان في وحدة واحدة… فالمجال السياسي يعتبر جزءا لا يتجزأ من الديني (. حسن الترابي: )الإسلام مستقبل العالم- حوار مع آلان شوفاليرياس. باريس، جون كلود لاتيس. 1997. -ص.83 و216.
9- إذا كانت قاعدة )تحديث الإسلام (- أي تكييفه بتحويله – قد تكتسي معنى ما، فإن قاعدة )أسلمة الحداثة (ليس لها من معنى بالمرة، وهي أيضا متناقضة، لأن ذلك يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الحداثة التي تعني الفصل بين الديني والدنيوي، أي العلمانية.
10- أنظر بالخصوص كتاب” أوليفر روي”، الفريد والمقنع: )جينيالوجيا الحركات الإسلامية (.
-Oliver Roy. (Généalogie de l islamisme).Paris, Hachette- 1995 ,143 Pages.
وانظر أيضا: الكتاب البوليميكي والمثير للنقاش، الذي وضعه” فرانسوا بورجات” حول: )الحركات الإسلامية في الواجهة (.
-François Burgat. (L islamisme en face)- Paris, la découverte.1996-285Pages.
11- بطريقة تثير الاستغراب، يذهب أحد الباحثين إلى تقريب الحركات الإسلامية من حركة الإصلاح البروتستانتي، ولا يتردد في القول بأن:(الإيديولوجيا الإسلاموية تستعيد- في توجهاتها- بعض الموضوعات التي اقترنت في الغرب بتأسيس الحداثة (.
-Bertrand Badie.. les deux états, Pouvoir et société en occident et en terre
D islam)- Paris, fayard 1986, P. 284.
وفي اعتقادنا، يبقى هذا التأكيد المثير غير صحيح. فالإيديولوجيا الإسلاموية – في الواقع- تتعارض مع الحداثة ومع تأسيس دولة حديثة منفصلة عن المجتمع وعن الدين، فهي على العكس من ذلك، تسعى إلى الحفاظ على وحدة الجماعة وإلى تدعيم الارتباط بين الدولة والدين.
12- لكن ” أوليفر روي” يكتب، وبحذر، على أن: )الحركات الإسلامية لاتمثل… وفي ذاتها، طريق الدخول إلى الحداثة: إنما هي مجرد علامة أكثر من كونها عاملا للدخول نحو حداثة صادمة (- جينيالوجيا الحركات الإسلامية، م.س- ص.135. إن التعارض بين الحركات الإسلامية والحداثة إذن بديهي.
13- هكذا، يصرح ” أوليفر روي” بأن: )المشكل الأكبر في الشرق الأوسط وفي المغرب العربي، يكمن في النزعة العلمانية المحافظة، وليس في صعود الحركات الإسلامية (. صحيفة ” العالم” الفرنسية- 24 أبريل 1997 – ص.2. في الواقع، إن المشكل الأول يبقى مسؤولا إلى حد كبير عن المشكل الثاني؛ لكن لا ينبغي أن نتهم العلمانية في هذا الشأن، زد على ذلك أنها غير موجودة بهاتين المنطقتين. والأجدر، أن النزعة المحافظة – في مختلف أشكال حضورها – ثم غياب الحداثة السياسية، هما الأصل في ظهور الحركات الإسلامية.
14- هذه هي الأطروحة التي يدافع عنها فرونسوا بورجات بشكل حجاجي، لكن مع نوع من المجاملة المشبوهة، وهو في ذلك يبرئ كلا من القوى المحافظة والتسلطية والحركات الإسلامية. ويكتب في هذا الصدد بأنه: )لاوجود لأي تعارض أو تناقض بين عملية دمقرطة المجتمع، وعملية إعادة أسلمته، كما هما حاصلان اليوم بالعالم العربي… فهما في تقدم مضطرد، وعلى امتداد مسار مشترك إلى حد كبير بينهما… فالمشاركة السياسية للإسلاميين تبدو… كشرط لازم لانتقال ديموقراطي حقيقي (- الحركات الإسلامية في الواجهة، ص.208.209.
15- هكذا، وفي تقديم ” برهان غليون”، فإن الحركات الإسلامية يمكنها أن تتحول )إلى قوى لدعم الديموقراطية الإسلامية، أي إلى أحزاب تنشط في إطار الشرعية الديموقراطية، وعلى قاعدة احترام مبادئها (. وهو بهذا يعتقد- جازما- في إمكانية تحول الحركات الإسلامية نحو الديموقراطية: )إن الحركات الإسلامية اليوم، باعتبارها قوى لتفجير المجتمعات وتدميرها، يمكن أن تتحول إلى إطار لتوجيه وإنضاج أشكال السخط الشعبي (- الإسلام والسياسة، م.س.ص.250.249. في الواقع، يبقى هذا الأمل واهما بشكل كبير، رغم طبيعته الحذرة والقابلة للتأويل، لأن الحركات الإسلامية تتعارض مع الحداثة السياسية وبالتالي مع الديموقراطية.
16- في هذا الصدد، يبقى التحول الذي عرفه الفيلسوف الإيراني )عبد الكريم سوروش (ذا دلالة كبرى، ففي البداية كان منظرا للثورة الإسلامية بإيران، ثم أصبح معارضا ومنشقا، وتخلى بذلك عن مبدإ أولوية السلطة الدينية. ويسلم بأن حكومة ما، يمكن أن تكون إسلامية )بشكل عرضي لاجوهري(، وفي هذا المعنى بالذات يتوجب احترام القيم الإسلامية. كما نجده، وبالخصوص، يدافع عن حقوق الإنسان، ويولي أهمية قصوى للمواطنة على حساب الانتماء إلى جماعة دينية؛ ولعل السمتين الأخيرتين تقودان بشكل واضح نحو الحداثة السياسية. )صحيفة ” العالم” الفرنسية، 5غشت 1997- ص.4 (، أنظر أيضا-
)أ زاديه كيان تييبو (:
-Azadeh kian-Thiébaut. (Les stratégies des intellectuels religieux et clercs face à la modernité occidentale), in revue française des sciences politiques.47 (6). décembre 1997. (P.793-795).
17- يمكن أن نعتبر بأن الحركات الإسلامية المعاصرة، قد تسمح لذلك الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة، بأن ينتج كل تأثيراته السياسية من داخل مختلف البلدان الإسلامية.
18- لقد دامت هذه الحروب- بفرنسا- لمدة ست وثلاثين سنة، من )1562 إلى 1598 (. وبالمثل، فقد اعتبرت حرب الثلاثين سنة، في النصف الأول من القرن 17، حربا دينية على مستوى أوروبا.

نشر في 3/10/2006 3:20:00

‫0 تعليق