إبراهيم قرصاص: في مفاهيم الحداثة الغربية وما بعد التقليدية العربية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


من المضحكات المبكيات في عصرنا الانسياق المختل للعقل العربي الفلسفي والأدبي وغيرهما و السقوط في أكذوبة الهروب من الواقع التاريخي للمدرسة العربية ، عندما اختارت لنفسها طريق الإنبهارو التبعية المغشوشة بدلا عن مواجهة سياق التاريخ في وضوحه وتجلى ذلك منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا ، عندما انساق العقل العربي إلى النمطية العقلية للغرب الأوروبي وأخذ ت نخبته في الخضوع إلى النظريات المدرسية الفلسفية والأدبية الأوروبية وأصبحت تجتر كل المفاهيم العقلية ولسنا في حاجة هنا لإعادة التذكير بتأثر المثقفين العرب في المهجر من ما قبل جماعة أبولو وغيرها أو التذكير بالمهللين للحداثة مع إهمال سياقاتها التاريخية الأوروبية عن سياقاتها التاريخية العربية، مما انعكس ذلك اليوم على كل شيء في المنظومة العربية.

أعترف أن فتح مثل هذه الموضوعة في الوقت الراهن يحتاج إلى الكثير من التفصيل والمكابدة والكثير من الحيثيات ولكن الأمور بخواتمها ، فما يعانيه العقل العربي من ذوبان في الماهيات الثقافية الغربية هوأكبر الزلات التي سببها انزياح من كنا نعتبرهم نخبة المثقفين العرب، خاصة منذ نهايات القرن الثامن عشر والذين لهم تبريرهم التاريخي والحضاري آنذاك ، لكن ليس لهم أبدا التبرير العقلي الدال على الكفاءة العربية العقلية ، مع استثناءات طبعا، حتى لانضع الجميع في سلة واحدة ، فما يتحدث ويعمل على الإقناع به العديد من المثقفين أدباء أو سياسيين أو غيرهما من أننا في الحداثة ، ليس صحيحا على الإطلاق في معناه الواقعي العربي على كل المستويات ، بل ما نحياه ما هو إلا مجرد – ما بعد التقليدية العربية – بمعناها الأكثر وضوحا وعلى كل المستويات أيضا .

هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل وأدلة كما يتطلب المنهج ولكن أترك ذلك إلى المختصين ، أما من أراد إبعاد هذه الحقيقة فما عليه إلا مراجعة الذات من الداخل وأيضا من الخارج وأكتفي بطرح أسئلتي الوجودية حول ما إذا بإمكاننا الاقتناع بأننا أكثر الأمم ضعفا بسبب اجترارنا لكل ما هو وافد من نظريات وسياقات أوروبية في شعرنا وشعيرنا ، في زيتنا وخميرنا ، أم أننا لا نحب أن نصارح أنفسنا بهذه المرارة خوفا من مرض عضال أصابنا منذ مئات السنين.
لا نحن في حداثة ولا هم يحزنون كما يقول اللسان العربي ، بل ما نحن فيه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، لا هو مرض بمعنى المرض الذي يستطيع الأطباء تشخيصه ولا هو خلل يستطيع الميكانيكي إصلاحه ، ما حدث لعقلنا العربي أوهام في أوهام، بسبب انسياقنا العقلي إلى الغرب وانسلاخنا عن سياقنا العربي وهي حالة مرضية سيئة يعرفها جيدا علماء النفس التاريخي.

سيكون من الإجحاف الغوص في هذه الذائقة العقلية العربية دون أن نشير إلى وقائع تأثير كل ما هو أوروبي على كل ما هو عربي ، بدءا بالسياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها ، الأزمة العربية فاقت كل تصورات عقلية مستقلة لأنها انزاحت منذ سقوط الأندلس في طامة الإستكانة والتبعية والتسليم بحجة المواكبة والتكيف مع الآخر وأهملت بذلك المرتكزات والأسس البنائية العربية ، بسبب عدة عوامل طالما أوضحها المؤرخون وفي صدارتها فقدان الثقة بالنفس التراثية العربية التي سلب منها الأوروبيون الكثير عن طريق الثقافة اليهودية التي هي ثقافة استلاب وثقافة سرقة ونكران واندساس ،خاصة وأنها ثقافة عدوان تعيش من خلال توليد الصراعات والمحافظة عليها لكسب المزيد من التفوق على العقل العربي ومحاصرته من كل الرواقات ، لأن هذا الأخير أوجد لثقافة الآخر الأرضية الهشة بتخليه عن المنابع الأصلية للثقافة العربية العلمية والفلسفية وقبوله بدور الأداة لتخريب وإفراغ هذه الروح من محتواها على حسابه وعلى حساب وجوده ، فخسر بذلك حداثته في سياقها التاريخي الصحيح وأصبح من الحيوانات المجترة ، إلى درجة أن أصبح هذا الاجترار مقنن ورسمي للأسف الشديد .

كيف السبيل للخروج من هذا المأزق العربي الغبي الذي تساهل لمدة عقود من الزمن مع نفسه أولا ومع الآخر ثانيا، سيما من الناحية العقلية الكاريزمية التي لم تتفوق على ذاتها من الداخل وانحصرت في قوقعة الهذيان والسقوط في فخ التآكل والتشرذم والانسلاخ ، مع بعض التحسينات البديعية الشكلية التي زادت في أزمة العقل العربي تعقيدا ، بغروره من ناحية وغفلته القابلة للذة الاستسلام والخلود إلى التبعية من ناحية أخرى، بدعوى الحداثة والتطور ومواكبة العصر وهي أكذوبة من يكذبون على أنفسهم وعلى أوطانهم وتلك هي أزمة الأزمات الراهنة ، التي تدفع الأجيال العربية فواتيرها القاسية على كل المستويات ، من غربة في الأوطان وهجرة من المكان وتصدع في البنيان.

إن إحدى الحلول العقلية الهامة والجادة للخروج من هذه الحالة العربية الرثة تتجلى في ضرورة تفجير منابع الأصالة وتأصيل العقل العربي لتمكينه من ممارسة حداثته المتمايزة عن حداثة الغرب و مراجعة منطلقات العقل العربي وتنقيتها من رواسب الحداثة الغربية الخادعة التي انبهر بها فريق من أصحاب مرض الهوية والانتماء دون قدرتهم على إنتاج منظومة عربية متجاوزة وقادرة على ممارسة الحياة الكريمة في عالم الصراعات والتكالب على كل من هو ضعيف .
إبراهيم قرصاص (الجزائر)
[email protected]

نشر في 22/08/2006 7:10:00

‫0 تعليق