شمعون ليفي: تأملات وتشخيصات لصورة العربي على المسرح الإسرائيلي واستنتاجات مسرحية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


“بيوت للعب جميلة إلى حد الإدهاش” (مسرحية الله كريم، ص،36)
بنظرة إلى الوراء، إذا استعرضنا ما كتب وعرض خلال مئة عام من المسرح العبري والإسرائيلي المحلي، يتضح لنا بأن موضوع الصراع العربي-الإسرائيلي هو الموضوع السائد.

وهذا يتوافق مع ما يدعيه دان أوريان في كتابه “صورة العربي في المسرح الإسرائيلي” يدعي أوريان “في الماضي كان موضوع الصراع العربي –اليهودي مكبوتا، ولكن مع بدايات الثمانينات أصبح موضوعا مركزيا في جميع الفنون” .
حسب رأيي، أوريان يشير وهو محق في ذلك، إلى عدم التلاؤم ما بين عرض صورة العربي على خشبه المسرح الإسرائيلي وما بين صورة العربي الموجودة في واقع المجتمع الإسرائيلي. في مقالي “أسرى مبتدعون” ادعيت بأنه حتى الآونة الأخيرة شكلت معظم الشخصيات العربية (بما فيهم الفلسطينيون) أداة مسرحية ودرامية وظفت بيد اليهود لكي يعرضوا، يمثلوا، يفحصوا ويقدموا بواسطتها ومن خلالها هويتهم هم. إذن العربي هو أسير في “الابتداع” المسرحي كما لو كان مسجونا في قفص أخلاقي وفني.
وفي العلاقة الجدلية المركبة الجارية بين المسرح وجمهوره، يمكننا تمييز ثلاثة أنواع من الحوار(الديالوج): الأول استكشافي في جوهره، ويجري بين الشخصيات المعروضة على المسرح وبين الجمهور، الثاني حوار (ديالوج) بالإمكان اعتباره “مباشرا”، ويجري بمستويات مختلفة من المعاني والتفسير. هذا النوع من الحوار يدور بين المسرح والجمهور (أنظر بورديا فيشر، ليخطة وآخرون). أما الديالوج الثالث، فهو يدعو ويتيح الفرصة لحوار بين ما يجري على المسرح من أحداث وما يجري في العالم الذي يحيط به (العالم الخارج- مسرحي). وهنا أنوي التطرق إلى النوع الثالث من الديالوج، خاصة أن البحث في صورة العربي -حسب رأيي- قد استنفذته الأبحاث المسرحية الإسرائيلية في المرحلة الحالية. وفي هذه الجدلية اخترت أن أتعامل مع ما يرتبط بالدائرة الثالثة للحوار، أي بالعلاقة القائمة ما بين المسرحيات التي تعرض حول موضوع الصراع العربي – اليهودي على خشبة المسرح الإسرائيلي وما بين العالم “الخارج-مسرحي” الذي يحيطها. إن البحث يضيء عددا من الزوايا الأساسية للمبنى الاجتماعي – المسرحي في موضوع صورة العربي المعروضة على خشبة المسرح الإسرائيلي.
أظن أن الظروف الاجتماعية والإدارية للمسرح التي تعرض تحت تأثيرها صورة العربي (وفي الواقع تشكل أداة لعرض الصراع العربي اليهودي) تؤدي إلى عرض نصوص مهمشة، مقحمة، تعمل كنوع من الموازنة ضد الشخصية المهادنة والمستعدة للمساومة. هذه النوعية من النصوص (المسرحية) ظهرت في حوالي 200 مسرحية، بينما هناك مسرحيات أخرى تعرض تصويرا إيجابيا، محبا للإنسان، متحررا مما يجعله قابلا للتفسير بأنه “يساري” بكل ما يحمله المصطلح من غموض في ظل السياسة الإسرائيلية. إلا أن ظروف العرض المسرحي للأعمال المسرحية التي تناولت موضوع العربي- اليهودي، تشير إلى نهج مزدوج واستغلالي وبالطبع غير عادل في الموضوع ذاته. وفي نظرة وصياغة متزنة بالإمكان وصف الفارق والفجوة بين الصورة العامة والإيجابية لصورة العربي على المسرح الإسرائيلي وبين الظروف المتعلقة بصعوبة تجنيد الجمهور والتمويل للأعمال المسرحية. حتى في أحسن الظروف-والتي تعتبر كمراحل مساعدة في انطلاق شخصية العربي على المسرح العبري. بصياغة متطرفة أكثر فإن الهوة تشهد على الاحتلال الثقافي المنفذ ضد العرب حتى في هذا المجال الذي يفترض بأنه يقترح مساواة أكثر بكثير مما هو الحال في المجتمع والثقافة الإسرائيليين.
إذا تمعنا في مختارات من مجموعة المسرحيات التي تناولت موضوع الصراع – اليهودي، يتبين لنا أن صورة العربي وتصويره على المسرح مرا بتغييرات هامة؛ في البداية كان الخط السائد في أساسه رومانسيا، كولونياليا مشوبا بالإثارة. في الرسم وفي الأدب وعلى المسرح، ظهرت صورة العرب معتمري الكوفيات ذوي الوجوه المسفوعة بأشعة شمس الصحراء ، الذين امتطوا الخيول، والريح تنثر شعورهم السوداء، وبما يتناقض مع الوجوه البيضاء للقادمين الجدد من شرق أوروبا ووسطها، الذين صوروا ووضعوا في خانة “الآخر”. وبالمقابل، ظهر وصف الشعور بعدم أصالة اليهود القادمين إلى بلاد الآباء والتي يسكنها أبناء شعب آخر. ومع ذلك كان بالإمكان تملك ذلك “الآخر” الأصلي ومحاولة التعامل معه كمن حافظ على البلاد من أجلنا وحضرها لأجلنا، كما جاء في أعمال كل من حورجين، ستوي، رئوبيني وحتى أ. أ. أورولف.
في مسرحية (الله كريم) تطلب نعمي في مزيج من السذاجة والقسوة المضحكة من الله الكريم “رجاء، لا تنسى أن تحضر لي سلسلة العمود الفقري للبدوي، فأنا سأعمل منها بيوتا جميلة مثيرة للدهشة” (الله كريم، 39). أما راحيل يانيت فتروي في نفس المسرحية “عندما حدقت في لبدوي ذكرني بإخوتنا اليمنيين، شيء ما قريب وأصلي…” .
لقد كان العربي هو القياس الذي شكل أداة تحدد مستقبل اليهود في هذه البلاد، أداة تساعد في بناء العمود الفقري للشعب اليهودي وتساعد في تأسيس هويته في البلاد.
بين سنوات 1949-1959 كتبت عدة أعمال، وقسم من هذه الأعمال أخرج مسرحيا وتناول موضوع الأسرى العرب الذين وقعوا في أيدي الإسرائيليين؛ ففي مسرحية “سيصلوا غدا” التي تدور حول أسيرين عربيين استغلا ككاشفي ألغام، يقول جونا اليهودي أحد شخصيات المسرحية: “لو أن الأول أيضا أزال اللغم لكان على الأقل استمتع بموته”. بهذه المقولة يشير شاحام كاتب المسرحية إلى شيئية العربي. وفي نهاية المسرحية يتضح أن اللغم السابع لم ينفجر، عدم انفجار اللغم السابع ليس إلا رمزا لعلاقتنا مع العربي حتى اليوم. في مسرحية “سباق السباحة” لبنيامين تموز، عبد الكريم صاحب الراوي مات عبثا. وفي مسرحية “حدة الرصاصة” ينقذ الأسير آسره من لسعة أفعى، ولكنه أيضا يقتل عبثا. وجاء على لسان إحدى الشخصيات في المسرحية، “هناك، في السيارة التي سارت أمامنا كان شبان يغنون “جبنا السلام عليكم”، بينما كنت أنظر إلى قبر صديقي إبراهيم”، وفي قصة “الأسير” للكاتب س. يزهار والتي عرضت في مهرجان عكا، تبقى النهاية مفتوحة حيث سيبقى القرار الأخلاقي غامضا بالنسبة للعلاقة ما بين الأسير وآسره بينما يتضح أن الأسرى الحقيقيين ليسوا العرب وإنما آسريهم (اليهود).
في بداية السبعينات يكتب يهوشوع سوبول “ليلة العشرين” التي تنتهي بنظرة عميقة نسبيا، إلا أنها تشبه في رسالتها المسرحيات التي سبقتها، حيث تتطرق إلى ضرورة وراثة الأرض من لدن أناس آخرين “ينزفون مثلنا”.
بعد عشرين سنة يكتب حنان بيلد “صداقة” عن قتل “غريزي” آخر لعربي. وفي النص يرد ما يلي: “وقد مشى خطوة أخرى واحتضنني بقوة.. شعرت بدمائه الحارة تنزف على صدري..” (من مسرحية صداقة)
إن شعور “الآخرية” (المتأصلة داخل اليهودي) بالعلاقة مع العربي تجد هنا تعبيرا حادا ومركزا، ولكن في نهاية المسرحية يجلس جميع الأصدقاء (ال-نحن) معا ويغنون “يسافر القارب، ويشق طريقه بين الصخور البحرية، وإذا لم يتيقظ جميع ملاحيه، فكيف سيصل إلى الشاطئ”.
هذه النماذج المعدودة تظهر لنا أن صورة العربي هي غرضية غير منجزة كشخصية دراماتيكية، مليئة، متطورة، مستقلة وثلاثية الأبعاد. فقط في مسرحية “قتل” لكاتبها حانوخ ليفين، من إخراج عمري نيتسان، تعرض مساواة معينة بالنسبة للعلاقة مع العربي، بما يختلف وتصويره في “أنا والحرب القادمة” التي يظهر بها النشيد الأصلي “أبي الغالي عندما تقف على قبري”.
حتى سنوات الستين لم يظهر العرب كممثلين على المسرح العبري، وكان الحكم العسكري قائما حتى سنة 1966، آنذاك لم تلاحق صورة العربي المسرح العبري ما عدا في إشارات ساخرة للعربي كما يبدو في “ليالي المساء” و “قنبلة الزمن”، هذه الأعمال عرضت كذلك دون إشراك ممثلين عرباً. بعد حرب 67 مباشرة، كان حانوخ ليفين من الأوائل الذين أتاحوا فرصة ظهور الممثل العربي على خشبة المسرح العبري في مسرحيته المعروفة “سمطوخا”، وفي أكثر من مشهد في “مملكة الحمام” وفي “أنت وأنا والحرب القادمة”.
في سنوات السبعينيات عرضت نولا تشيلطون مسرحية “تعايش” بالاشتراك مع محمد وتد. وهو عمل يكتب بلسان العربي ويعطي لمحة حول الصعوبة بأن تكون عربيا في دولة يهودية، ورغم ذلك فإن من أدى الأدوار ممثلون يهود فقط. على ذلك تعلق نولا شيلطون بقولها “لا يوجد أي عربي يستطيع أن يردد الأشياء التي قيلت في النص على أنها حقيقته الخاصة، نحن من يتحدث باسمهم ومن أجلهم وحتى بمادتهم المكتوبة، وربما هذا يكون مقنعا أكثر” في مسرحية “العودة” من تأليف مريم كيني (عرضت في مسرح الكاميري 1973) اشترك فيها مكرم خوري إلا أن المسرحية فشلت، وأعيد عرضها بعد ذلك بسنين في المسرح البلدي في بئر السبع بنجاح كبير، وأخرجها توم ليفي، ولكن مكرم خوري لم يشارك في هذه العروض.
بدأ ظهور الممثلين العرب على خشبة المسرح العبري في البداية بمنودرامات أو بمسرحيات جماعية هامشية متواضعة مثلما ظهر في مسرحية “حفرة في الحائط” أو “مقنعة” (مترجمة أو معربة من الأدب الغربي وموظفة بما يتلاءم والواقع المحلي – المترجمة) مثلما يبدو في مسرحية “رابطة دم” لإيتول فوجارد والتي تتطرق للعلاقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والتي أخرجها عميت جازيت في حيفا 1979.
إن إعداد وإخراج نص يعتمد على مسرحيات مترجمة من المسرحيات الغربية، بشكل عميق، يحتاج إلى استراتيجية أبعاد التسميات العينية للطوائف أو للشخصيات. وهذا ما يوضحه إيلان رونين بما يتعلق بترجمة أنطوان شماس لـ “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت للعبرية، والتي عرضت في المسرح البلدي في حيفا عام 1984. وقام بأداء دوري ديدي وغوغو في النص الأصلي كل من مكرم خوري ويوسف أبو وردة بينما أدى دور لاكي (في النص الأصلي) دورون تابوري في اللغة العربية الفصحى، وإيلان تورن قام بدور فوتسو الذي لم يكن إلا مقاولا كولونياليا مستغل ويعتمر قبعة قش نموذجية. إن شخصية غودو الغائب الحاضر تنطبق على شخصية العربي الذي هُجِّر من البلاد، دلت بشكل واضح على الثورة الفلسطينية التي كان ياسر عرفات نبيها. وفي النص يرد “هل كنت نائما في الوقت الذي عانى فيه الآخرون؟ هل أنا نائم الآن؟ غدا، عندما أستيقظ، أو أحسب بأني مستيقظ ماذا سأقول لهم؟ بأنني أنا واستروجون صديقي مكثنا في هذا المكان حتى المساء في انتظار غودو؟.. هو لا يعرف شيئا، هو سيروي لي عن الضربات التي تلقاها وأنا سأعطيه جزرة (وقفة). وفي وقفة على قبر وولادة جديدة، هناك في القبر ينتظر الحانوتي يلوح بالكلابات، لدينا وقت لنشيخ، الهواء مليء بصراخنا (يصغي)، ولكن العادة هي قاتل كبير، أحد ما ينظر إلي وثمة شخص يقول عني، هو نائم، هو لا يعرف شيئا، دعوه يستمر بالنوم” (CDW,83). من الجدير بالإشارة أنه في المبنى الهرمي للإخراج المسرحي الإسرائيلي، يكون اليهودي دائما هو المبادر والذي يملي تعليماته والمتحكم في مبنى الإخراج، حتى الأعمال المتسمة بمواقف مؤيدة للفلسطينيين. وعلى هذا الأساس، بالإمكان اقتراح تفسير أن شخصية ديدي وغوغو هما عربي ويهودي يلاقيان صعوبة في العيش معا إلا أنهما لا يستطيعان الانفصال، ومع ذلك يتضح فيما بعد بأن رونين عرض الموقف الفلسطيني بشكل تام نسبيا.
مثال آخر يدعم فرضية البناء الهرمي للمسرح العبري فيما يتعلق بموضوع الصراع العربي-اليهودي، ظهر في مسرحية “رجال في الشمس” للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني والتي عرضت في جامعة تل-أبيب 1981 وأخرجها في حينه فؤاد عوض الذي كان يدرس في قسم الإخراج في الجامعة والذي عمل بعد ذلك مخرجا وأصبح من رجال المسرح الرئيسيين في المسرح العربي في البلاد. لاقى المخرج صعوبة مع طلاب المسرح الذين زعموا، في ما أذكر، أن المخرج ليس جيدا، وبسبب موضوع المسرحية والضجة التافهة التي أثيرت حول تمرد الممثلين. على مستوى الجمهور لاقت المسرحية نجاحا واهتماما معينا، واتضح فيما بعد أن المسرحية كانت جيدة وأعيد عرضها. أرى أن كانت هذه المسرحية هي الأولى في البلاد التي قام بإخراجها مخرج عربي ومثلها ممثلون يهود. وهكذا قلبت الموازين السائدة. وفي سنة 1989 أخرج فؤاد عوض “راس المملوك جابر” بالعربية ولاقت نجاحا كبيرا.
في سنة 1983 كتبت مريم كيني ورياض مصاروة مسرحية “هم” التي أخرجها جوزيف تشايكن، وفي أثناء العرض غنوا الأغنية المؤثرة لنعمي شيمر “لا تقتلعوا غرسة” في فترة اقتلعت فيها أشجار عربية كثيرة. رغم كون المخرج يهوديا غربيا لكنه حمل مقولة تدعو إلى مساواة في مقولته التصريحية الاجتماعية-الفنية في هذه المسرحية.
كتلخيص لما سبق، بالإمكان القول إن أغلب الأعمال التي أخرجت للمسرح وتمحورت حول صورة العربي كانت عروضا هامشية من حيث انتشارها جماهيريا. وإذا صدف وكانت هناك مسرحيات هامة فقد حملت رسالة مموهة وذات أبعاد متعددة قابلة لأكثر من تفسير، مما يؤدي بالتالي إلى تفسيرها سياسيا وإنسانيا بشكل معاكس لما هو مقصود في المسرحية.
مثال جيد على هذا (عدم استيعاب الهدف المقصود، ثلاثة أعمال مسرحية ظهرت في وقت حرب لبنان في إعدادات ونصوص مسرحية مختلفة معتمدة على النص المسرحي “نساء طروادة لأؤروبيدس، ومن إخراج ناجح لمسرح هبيما (المنصة) ولم يشترك فيها ممثلون عرب. وأيضا في “نساء طروادة التائهات” لحانوخ ليفين في مسرح الكاميري، وفي “حرب طروادة لن تنفجر” من إعداد جيرودو، والتي عرضت على مسرح حيفا بمشاركة ممثلين عربا ولم تنجح كثيرا(كوزينا). في تلك السنوات عرض مسرح حيفا “الفلسطينية” ليهوشوع سوبول وقد لجأ المخرج وكاتب المسرحية إلى حيل مسرحية (وهنا استعمل عرض مصور على الشاشة في الخلفية) داخل المسرح لكي يخفف على الجمهور. وأنا أفترض بأن استيعاب الرسالة المؤيدة للفلسطيني في غلاف ناعم نسبيا للشكل الماوراء – مسرحي metatheatrical ))، قد تشوش على هوية الشخصيات بالتناوب.
في نفس السنة كتبت مسرحية “إفرايم يعود لجيش” لكاتبها يتسحاق لاؤور، وهي تعد إحدى المسرحيات الأكثر حدة في المسرح الإسرائيلي وبالإمكان مقارنتها مع “المستورون” أو (المحجوبون) لإيلان حتصور التي تعرض على المسرح ثلاثة إخوة فلسطينيين في حين يجعل حتصور أبطاله يتكلمون من منطلق رؤيا إسرائيلية، يجعل لاؤور الفلسطيني أخرس على خشبة المسرح. وفي هذا الاختيار الدرامي، تكمن خلاصة الفرق بين تعاملين ونهجين متبعين في المسرح الإسرائيلي مع الفلسطيني. وبالتأكيد فإن حتصور يكتب مسرحية “فلسطيني” من منطلق موقفه المؤيد للقضية الفلسطينية، وقد حازت على الاعتراف والتقدير على المستوى النقدي، وعرضت خارج البلاد وأحاطت الممثلين بهالة مبررة جزئيا من الليبرالية.
حسب رأيي، إن لاؤور المخلص لمبادئ العدل والمساواة الحقيقية في الحياة أيضا وليس فقط على خشبة المسرح، امتنع وبتعمد من وضع كلماته في فم الفلسطيني، وجعله أخرس، وهذا نبع من إرادة المؤلف الامتناع المبدئي عن التملك والكولونيالية الثقافية اللغوية والقيمية، وعلى ما يبدو فهو كمن قصد أن يقول “ليعرضوا هم أقوالهم ومواضيعهم بأنفسهم”.
في كتاب صغير ولكن مهم، أجرى داني هروفيتتش مقابلة مع خمسة من الممثلين العرب، ومن بينهم محمد بكري الذي يقول في هذا الشأن (مقتبس من الكتاب): “في كل مرة تحاول ككاتب يهودي أن تتعامل مع قضيتنا، هناك دائما أساس للتعالي والغطرسة” (شمعون ليفي، المصدر بالإنكليزية). إن محمد بكري هو الذي قام بإعداد رواية “المتشائل” للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي كمونودراما. مسرحية حظيت بنجاح كبير على مستوى التسويق والنقد. المونودراما تشكل تصورا صائبا للظروف الإخراجية فيما يتعلق بالتعامل مع موضوع صورة العربي. لقد قام ممثلون من كلا الجانبين عربا ويهودا، بمونودرامات كثيرة أغلبها من إخراج يهودي وبتمثيل عربي وقليل منها ما أخرجه عرب (المقصود بالنسبة للمسرحيات العبرية فقط). وحسب علمي، لم تعرض مسرحيات (مونودرامات وكذلك مسرحيات جماعية ) من إنتاج وإخراج عرب وتمثيل يهود (هنا لم ينتبه الكاتب إلى أنه أشار إلى أن فؤاد عوض أخرج مسرحية رجال في الشمس ومثلها يهود- ولكنه قصد في هذا الجانب الإنتاج والإخراج معا- المترجمة).
وإذا ركزنا على أمثلة محدودة، وبالذات في مثال خاص كالمتشائل التي لاقت نجاحا تجاريا ونقديا، فسيتضح أن محمد بكري استطاع أن يغير ولو بقليل الآراءَ المسبقة لدى الجمهور الإسرائيلي – اليهودي حول صورة العربي وهذا يعود للنص الساخر الحاد لإميل حبيبي وبفضل قدرة الممثل ومهارته.
عرضت المسرحية في البداية في جامعة تل-أبيب. وبعد ذلك عرضت مسرحيتان في نفس الوقت: الأولى “كمين 82” (عبرية) للكاتب روي رشكص، والثانية “ذاكرة للنسيان” لمحمود درويش (عربية)-( قام بإعدادها عماد جبارين وأخرجها عندما كان يدرس التمثيل في جامعة تل-أبيب في ذلك الوقت – المترجمة)، وشكل عرض المسرحيتين ما يشبه “عزلة مضاعفة” في التعامل المتبادل لموضوع واحد.
تظهر أغلب مسرحيات المونودراما في البلاد على خشبة المسرح وسرعان ما تتوقف عن العرض ولا تستمر طويلا. ولهذا فلا يراها قطاع واسع من الجمهور. زد على ذلك، يمكن أن نفترض أن الجمهور الذي يأتي لهذه المسرحيات ذات المستوى العالي، الهامشية من حيث الانتشار الجماهيري، غالبا ما يعرف موضوعها مسبقا (الصراع اليهودي –العربي)، وعلى هذا الأساس تجتذب جمهورا عادة ما يكون مقتنعا أصلا بالرسالة التي تنقلها مثل هذه المسرحيات. وباعتبار المونودراما نوعا مسرحيا خاصا، فهي تحدد المجال الذي تحتل فيه صورة العربي مكانها في الإطار الاجتماعي- المسرحي في إسرائيل. وعندما تكون الرسالة حادة وواضحة، فإن المبدع والمتلقي يكونا وحيدين والجمهور قليلا.
من خلال التعاون اليهودي – العربي المسرحي، بالإمكان الإشارة إلى “روميو وجولييت” التي قام بإخراجها معا عران بنيال وفؤاد عوض سنة 1994، لمسرح في القدس في قالب ومعنى سياسي متوقع مسبقا وغير مفاجئ. روميو عربي وجولييت يهودية، وما عدا الحجارة التي قذفت على خشبة المسرح، فإذا ربطنا ذلك بالحوار الذي يجري بين المشهد المعروض على المسرح وبين العالم الذي يحيطه، فإن الحجارة التي سبق أن قذفت على المارة، لم توظف بالشكل الذي يخدم الهدف. وحسب رأيي فإنها قوت الآراء المسبقة ولم تحاول أن تتحداها. زد على ذلك، فلو اجتهد القائمون على المسرحية وقلبوا روميو ليهودي وجولييت لعربية. ربما كانت النتيجة أفضل فيما يتعلق بالآراء المسبقة \ الجنسية، إن لم تكن السياسية. بالمقابل عرض روعي رشكص “الحلم العربي” (1996-1997) مع فرقة المسرح في عكا. في المسرحية سمع لأول مرة الشعار “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين”. ضمت المسرحية مجموعة غبر بسيطة من الآراء المسبقة اللغوية والقيميه التي يملكها اليهود عن العرب. المسرحية تدور حول شاب عربي يحب يهودية- أمريكية جاءت إلى إسرائيل، ومستعدة لإعطائه حمالة صدرها وملابسها الداخلية ولكن غير مستعدة لإعطائه قبعة المظليين التي تملكها. في النهاية من شدة اليأس يخون الشاب العربي شعبه وينضم للشاباك ويعتاد تلقي الضربات من شعبه في القصبة في نابلس. في هذه المسرحية الكاتب المسرحي رشكس والمخرج موتي يوسف يهوديان ومعظم الممثلين عرب. وقد اقتصر عرض المسرحية على منطقة عكا.
في فرقة المسرح في عكا تعمل مجموعة من الممثلين العرب واليهود معا. في هذه الفرقة عرض خالد أبو علي نموذجا من أكثر النماذج حدة في تناول موضوع الصراع العربي اليهودي، حيث عرض مشهدا عن مخيم الإبادة في طرابلانكا في مسرحية بعنوان [1]ARBEIT MACHT FREI IN TEUTLAND EUROPA (العمل يحرر في أرض الموت أوروبا) وقد قام بإدارة العمل دودي معيان، وفي هذا العرض تظهر الأعراض المرضية للصراع العربي اليهودي على شاكلة “لا تمس بالكارثة”. هذه الأعراض ظهرت بوضوح قوي، بالذات لأن من فسر كيف عمل مخيم الإبادة كان عربيا، وهكذا أجبر الجمهور على أن ينظر ليس فقط في الكارثة وحدها وإنما في إفرازاتها النفسية الاجتماعية والمسرحية. هذا الإنتاج المسرحي الذي اتضح فيما بعد بأنه أسطوري، عرض مرات كثيرة وترك أثرا وانطباعا عميقا على الجمهور، ولكن المسرحية لم تعرض على قطاعات واسعة من الجمهور بسبب شكلها ومضمونها الخاص. ومن هنا يتضح أن ادعائي بالنسبة للظروف الإدارية المسرحية فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني ليس ادعاءا متعلقا بجوهر أو بقوة الرسالة الاجتماعية الفنية، بل على العكس يتعلق بمدى تأثيرها وانتشارها بين الجمهور الإسرائيلي الواسع.
في محاولة المعالجة والتطرق لبعض الفوارق والفجوات ما بين الرسالة والفحوى التي تظهر صورة العربي وبين أنواع المسرحيات وظروف عرضها، بالإمكان أن نصنف جيدا مبنى العلاقة ما بين الجمهور وما يجري على خشبة المسرح، بين العرض المسرحي ككل وبين العالم الذي يحيطه (العالم الخارج-مسرحي-أي الواقع) بالنقاط التالية:
· نحن (اليهود) نعرضهم (العرب) على المسرح في غيابهم (هم مغيبون)
· نحن (اليهود) نعرضهم على المسرح في شكل ما وراء-مسرحي غامض من حيث القصد والرسالة.
· هم (العرب) يعرضون صورة اليهودي على مسارحهم (لم أثر الموضوع هنا) مثلما يبدو في “رأس المملوك جابر” أو “الموجة التاسعة”
· نحن نعرض صورة العربي في المسرحيات المستوردة (المترجمة من مسرحيات أجنبية) والتي تستوعب تفسيرا محليا مثل “رابطة دم” أو “في انتظار جودو” كمن يشكل مشكلة بالنسبة لنا.
· “نحن وهم” في المواضيع السياسية الواضحة- نظهر في مونودرامات مثل “اللهم أنقذني من وطني”، “كمين” “نعمي”، “الحجر الأول” الخ.
· إن التطلع إلى مسرح إسرائيلي يساري وضد الاحتلال هو أمنية وهدف رجال المسرح الجيدين من كلا الجانبين، ولكن أحيانا وفي نظرة ثاقبة أكثر، لمن يهم بظروف عرض هذه الأعمال ، يتضح أن في صناديق مسارحهم الليبرالية هناك شخصيات وصور فلسطينية مسجونة وصور لا تظهر إلا للقلة القليلة من الجمهور المقتنع مسبقا بالفحوى، سواء كان ذلك في المونودرامات أو في المهرجانات القصيرة الأمد أو في المسارح الهامشية قليلة الجمهور.
شمعون ليفي

ترجمة عائدة نصر الله

[1] العنوان بلغة الإيدش – عبرية قديمة- ومعناه في أرض الموت أوروبا العمل يحرر.

نشر في 29/07/2006 9:40:00

‫0 تعليق