هل رحل القاسمي؟ / مقابلة بين زهرة زيراوي والراحل محمد القاسمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

القاسمي فنان تشكيلي مبدع لأحداث فنية، رحالة في جوهره، رسام ما ليس قابلا للتشكيل، متسائل ومستنطق لوسائل جديدة، قصد تعميق الفعل الإبداعي وعدم الوقوف به على باب مغلق، بدعوى التراث، هو يفهم التراث فهما آخر، فيحيك من رموز التراث الثقافية المتعددة أدوات للإبحار نحو المستقبلي.

لقد مارس الفنان القاسمي خارج محترفه في أراض بعيدة، ودول مختلفة مداخلات فنية عمومية (انسطالسيون) تقترح علينا هذه المداخلات تيمات توحي برغبة إنسانيتنا العميقة في فهم الكون، وبهذا المعنى يقيم تظاهراته الفنية في فضاءات كبرى تأتي لتستقلب الكتابة التاريخية للفن الحديث، ولتؤسس نظرة تتعامد بشكل قوي مع ما أسس آخرون، إنها تضع المستقبل في بؤرة الكان … الماضي / المستقبل، على حدي متتالية جبرية يتباعد عبرهما الزمانان أحقابا وقرونا.
ففي تظاهرة كهف الأزمنة التي أقامها بالمركز الثقافي الفرنسي بالرباط رأينا كيف يضع زمنا ضد زمن، أو زمنا يتعامد مع زمن، زمن يرى زمنا، زمن يؤرخ لزمن.
من العالم البراني يقودنا إلى الجواني فنواجه بالسؤال :
من أنت ؟
ما هويتك ؟
الجواب على السؤال يحيل على استنهاض المكبوتات في الذاكرة. لقد جاء موضوع هذه التظاهرة التي أقامها القاسمي ركضا في ربع المخيلة للقبض على ما سيؤول إليه هذا الماضي المدعو من عمق المستقبل، نحن الآن أمام “4000” عام قادمة، مدعوون للقبض على راهنية مفككة، هلامية، عبر خط معادلة انعكاسية: الآتي / الماضي. علينا أن نمتطي في الآن صهوتي الذاكرة والمخيلة، علينا أن نسترجع أحقاب تاريخ الإنسان في عصر التكنولوجيا ثم أن نشد الرحال إلى “4000” عام قادمة، ولنسجل بمرارة كيف كان حضور الإنسان على الأرض، لنقف على الحروب، على القتل اليومي، لنرى ما ستؤول إليه الحياة.
عن هذا التقابل بين زمانين الماضي الحاضر، الحاضر الذي يستمد عناصره بشكل من الأشكال من الماضي والذي يشكل ضغطا على الخيال، الزمن المتخيل القادم كيف هو، وهل هذا القادم بإمكانه أن ينهض خالصا من نسيان الماضي؟ وكيف يمكن للخيال أن يَنُوسَ خارج تراكمات الذاكرة ؟
يصر القاسمي على أن يوجه النظر نحو وجوب إخراج الفن من الصالات في مناسبات كثيرة، اعتبارا منه أن الفن ملك الناس، وقد أكد ذلك أثناء دعوة اليونسكو له بمدينة (ويدا) ببنين على الشاطئ نفسه الذي شاهد قرنين من قبل، ترحيل رجال ونساء انتزعوا من حريتهم، ورحلوا قسرا إلى الأمريكات.
يحضر الآن القاسمي ضمن أكثر من 140 مختصا ومفكرا وفنانا في شؤون إفريقيا، لقد تلقى الدعوة كفنان مسهم في هذا اللقاء، وكان العربي الوحيد الذي وجهت له هذه الدعوة في هذا الملتقى، وعلى كل مداخل أن يقرأ مداخلته في مدة لا تتجاوز 10 دقائق، أتذكر أن القاسمي رفض يومها أن يدخل في هذه اللعبة، حيث قدم مشروعا فنيا، إنه نوع من المداخلة العملية حيث رسم عملين كبيرين في المكان نفسه الذي كان يؤخذ منه العبيد بأمريكا الجنوبية، وفي الوقت ذاته رافق الرسم بكتابات شعرية، كانت معه أيضا جوقة تعزف أثناء عمله على إيقاع ” طام طام”.
لقد تركت مداخلته هاته أثرا عميقا في كل المشاركين، حيث وجه النظر إلى نوع آخر من المداخلات، وقف هادءا كعادته تفرس قليلا وجوه المشاركين، وبابتسامته المقتضبة أيضا أشار بسبابته : من هنا يجب أن نبدأ.
عن هذا الفهم العميق للفن جاء في شهادة ” بينالي ” القاهرة الدولي الخامس عام 1994 عند فوزه بالجائزة ما يلي :
” … إن إسهامكم كان عاملا أساسيا في صنع لغتنا المشتركة في الفن، وفي الثقافة، وفي تشكيل المشهد الحضاري والعالمي لحضارتنا ” .
في لقاء لي معه طرحت عليه مجموعة من التساؤلات أختار الآن بعض محطات منها.

الذاكرة والإبداع
س/ النسيان … واستنهاض النسيان المكبوت ! … ماذا يعني هذا بالنسبة لك ؟
ج/ طبعا الانشغال على النسيان باب طرقته في مسائل معينة من بحثي الفني، لأسباب أو لمعطيات موضوعية، ملتصقة بما يطرح من موضوعات للنقاش على الساحة العربية بصفة عامة، لقد طرحوا في ” زمن ما ” مسألة الأصالة والمعاصرة، العودة إلى التاريخ الذاتي، الشخصية الوطنية … أشياء من هذا النوع.. ربما كان لهذا أسباب موضوعية لكنها طرحت (باعتقادي) بطريقة تشنجية غالبا ما يكون كرد فعل تجاه ما يحدث في العالم أكثر مما هو طرح للمسألة بشكل جدي، كقلق حقيقي في أبعد المسالك.
حضرت في لقاء فنانين عرب ببلد عربي، على امتداد ثلاثة أيام استمعت لكل العروض التي قدمت، خرجت بإحساس أنني لا أوجد.. أو أنني أوجد في عصر آخر غير العصر الذي أوجد فيه بكل صدماته وتناقضاته وتشنجاته.. عنفه.. وجدت هناك طغيان الحميمية المبسطة والفطرية أحيانا داخل الخطاب التحليلي العربي بصفة عامة. فأنا كفنان طبعا حاولت أن أشتغل على المعادلة التي تحاول أن تطرح سؤالا كبيرا بين التذكر والنسيان ؟.. كيف تشتغل الذاكرة كممول للإبداع ؟ .. وكيف يقوم النسيان بنفس الدور الذي تقوم به الذاكرة، في هذه الحالة. كيف يمكن استنطاق المادة ؟ وما هو أساسي فيها للوصول إلى الفعل الشمولي في المعالجة الفنية ؟ قلت ربما يجب أن نبدأ من حيث يستقر النسيان، ودور النسيان هنا إيجابي بمعناه العميق للتأمل.. النسيان هنا مرتبط بالمطلق، ليس بمعناه أو مفهومه اللغوي أكاد أقول تقنيا.

على الخيال أن ينقذ نفسه
س/ لقد جاءت تظاهرة مغامرة الأزمنة التي قمتم بها لتؤكد على أن اللوحة قد أدت دورها وأن على الفنان أن يتجه الآن باتجاه آخر، وأن موضوع اللوحة ينبغي ألا يكون هو الهاجس بل ما يشغلنا هو طريقة التنفيذ.
ج/ لعلك تلاحظين من خلال ما قلت أن رؤيتي في اتجاه آخر، هناك أشياء تولد، هناك إبداع نمارسه، قد ينقرض في زمن “ما”، قد تصبح اللوحة عملا متخفيا لأنها أدت دورها في مرحلة “ما”، أن خيال الإنسان غير متوقف، إذ عليه أن ينقذ نفسه وذلك بالبحث عن حقيقة وجوده، ووجود اللوحة هو أثر حضاري، قد يتحول في زمن آخر إلى شيء آخر، هناك الآن من يشتغل على فضاء معين، مفهوم مغاير، ” مغارة الأزمنة” هذا مفهوم أخر للوحة عندي، في الحياة مواد قد تسخر لعمل أو تركيب معين، أنه ينطلق من مفهوم جمالي تعبيري، الحميمية تنقذ التفكير. تنقذه في الأخير.
س/ تقولون : ينبغي ألا يشغلنا موضوع اللوحة، وإنما طريقة التنفيذ؟
ج/ بالنسبة لي الموضوع يطرح عندما يتجسد في ذهني كشكل إبداعي، عندما يلتحم مع المنظور الإبداعي بكل ما فيه من تقنيات. أما عندما يظل كعنوان أدبي، أعرف أنه لم يدخل بعد إلى مجال تفكيري في العمل الفني، للعمل قواعده النحوية قد تكون غير مرئية ولكنها مكتسبة بحكم التجربة، والمعرفة، والذي يكون دوره مهما في هذا الجانب – إنقاذ العمل الفني، – الخطير أحيانا في الفن هو مسألة الارتباط بالمرجعيات، بمعارف، بأشكال مختلفة تسكن الذهن، كثيرا ما أشتغل على مسألة النسيان والتحرر من المرجعيات – أي – التحرر من كل ما يحول اللوحة إلى كلام، اللوحة تتطور وتنبني كعملية هندسية فيها خطوط غير مرئية، هي التي تبنيها من تلقائها، هذا ما أسميه بالتوازن، فعندما أقول هذا عمل جميل، معنى ذلك أنني أحسست بذلك التوازن الخفي.

إنني وليد عنف آخر
س/ الحداثة مفهوم اختلف فيه الكثيرون سواء في الفن أو الأدب.
هناك من يراه الانطلاق من التراث، وهناك من يراه الخيال المفتوح، واللامحدود؟..
ج/ مسألة الحداثة والتراث لا ينبغي أن نقف عندها طويلا. فهناك شيء ينبغي الانتباه إليه، هو أن التراث ليس كله حيا بالضرورة، ليس كله جميلا بالضرورة، نعم قد تكون له قيمته الرمزية، أكثر من قيمته الجمالية والعلمية، أنه يتحول إلى عاطفة انتمائية أكثر مما هي حركة مطعمة للخيال، ثم إني أعتقد أن ذهن الإنسان، وجسده يقوم بخلاصته الخاصة للمعارف التي يلتقي بها، سواء جاءت من ماضيه، أو من تاريخه الخاص. أو من أشياء العصر كما تمارس، وكما تعاش، إذ لولا فنون الشعوب الأخرى لما وجد بأوربا ما يسمى الآن بالفن الحديث، مثلا الرقص المعاصر بأوربا، فلولا الرقص الإفريقي والرقص الهندي، وتقاليد أخرى في الرقص، لما وجد الرقص الحديث كما عليه الآن بأوربا.
في الفنون التشكيلية الأمر نفسه، أن الفنان الأوربي عندما أحس بأن ينابيعه تجف، أو تكاد تنضب، التفت إلى الشعوب الأخرى ليستلهم منها خطوطه، أو لتطعيم اهتماماته الفنية عامة، نتذكر هنا بيكاسو والقناع الإفريقي، إنه استلهم من نبع آخر. التراث ليس هو إعادة نقل الخط العربي، أو إعادة الرسم الهندسي التقليدي، تتولد عنه معرفة تؤدي إلى شيء خاص كرد فعل بالنسبة لحوادث العالم.
فالحداثة تشتغل على تهديم الحواجز، في الواقع يمكن للفنان أن يستفيد داخل هذا المفهوم من التاريخ، من تجربته مما يقع، أننا نعيش زمن الصورة والمعلوماتية، صحيح العجب عندما أقرأ لفيلسوف عربي، أو عندما نرى متاحف، فهناك انفعال يجمعني بهذا الذي أقرأه، أو أراه، أو أسمعه، أنه متعة اللقاء، وفي الوقت ذاته أقول: “أنني أستطيع الآن السفر إلى باريس بعد ساعتين أكون هناك، شيء لم يتحقق لابن عربي الذي يسافر بشكل أعمق في ذاته”، إننا وليدوا عنف آخر، وتجربة أخرى، وضرورات أخرى، هذه الضرورات إذا كان استيعابها صحيحا فبالضرورة إنها تتحول إلى حداثة، ليست المسألة مسألة اختيار، بل مسألة ضرورة.

الوعي والتلقي الحقيقي
س/ ألا ترى أن الأقدمين كانوا أكثر منا تقبلا لجرأة الإبداع ؟
نتذكر مقابسات أبي حيان التوحيدي.
ج/ – نعم لا ننسى رسالة الغفران، لا ننسى آبا نواس وغير ذلك من الجدل الفكري الذي نعمت به تلك الفترة.
ينبغي أن نكون قادرين على أن نعطي الأمصال التي تمنح الوعي الحقيقي، وتحفظ الذات من الذوبان السريع، في الموجات و التقليعات. هل عندما اقرأ وليمة لأعشاب البحر أصبح بالضرورة “مهيار” أو أحد أبطال النص الروائي؟! …
ينبغي ألا نلغي الرغبة في المشاهدة الجمالية، العمل الفني ليس مركبا على معطيات مقننة وظروف معينة أنه تجاوز لكثير من الأشياء، فالمتلقي الحقيقي لا يمكن أن يتجاوب مع المبدع إلا انطلاقا من الذات المتفردة، وليس من ذات ترتدي تقليعات، وسريعة الدعوة للتكيف الغير المشروط بالوعي.

عندما أرسم أنتمي إلى الشعر وعندما أكتب أنتمي إلى الصباغة
س/ الجائزة التي تسلمتموها من الملك محمد السادس لها نكهة أخرى، إنها تدخلك عالم الإبداع العام، وليس الاقتصار على فرع من فروعه، التشكيل فحسب. عندما كان يقدمك د. محمد سبيلا للملك جاء في تقديمه: ” الشاعر الفنان…”…
أعرف أنك تختنق في صف واحد، لهذا أنت تتعدد: شاعرا وناقدا تشكيليا، وفنانا عالميا، وكاتبا قلقا في الأخير. الجائزة تعني تحطيم الصف، قف أنت شاعر، انضبط أنت تشكيلي، هذه الأقفاص تتهاوى جميعها عندك لتؤلف منها وحدة هي الإبداع ولا شيء غيره.
ج/ أحسست وأنا أستلم جائزة شمولية الإبداع – وهذه طبعا بالنسبة لكل ممارس الإبداع في مجالات تختلف لتلتقي في الوقت ذاته – أن هناك عدم إغفال للتناضح غير المنقطع بين الأجناس التي تكون أرخبيل الأدب والفن، كتابة تختار للتعبير عنها مختلف الأشكال، وقد تختنق في الشكل الواحد، هذا يذكرني بما قاله رفائيل : (إن الخطأ الرئيس للذين يدافعون بقوة عن الأجناس الأدبية، أو عن الانضباط داخل الصف بتعبيرك أنت هو نتيجة إغفالهم للتناضح اللامنقطع حيث تتغذى بشكل متبادل الأرضيات الأدبية والفنية من بعضها البعض.
لقد فاجأني السؤال يومها: متى أكتب الشعر ومتى أنجز اللوحة ؟… وكيف أجاور ما بين إبداعين مختلفين، في الواقع أنا لا أحس بهذه الفوارق ولا بهذه الحواجز، ففي كلتا الحالتين، أنا أكتب، أو أنا أخطط، في الوقت نفسه ذهني يشتغل على ما أرسمه أو على ما أكتبه، فالكتابة في الأخير هي نتاج تساؤلات حيث يلتقي التفكير بالكلام إلى جانب التفكير بالتركيب أو إبداع رموز لتتحول جميعها إلى عمل بصري معين، أو نص شعري، المبدع بالمعنى الشمولي لا يخضع للتجزئة : رسام ، قاص، شاعر…ألخ.
ليس بداخلي خانات، أو قمطرات، لكل مجال من المجالات، هي حالة واحدة، تأخذ شكل قصيدة عندي، أو لوحة، إننا نعيش في عصر تشعبت فيه اهتماماتنا، نهتم بالصورة، كما نهتم بالقراءة، والكتابة، كما نولع بالمسرح، والسينما، والموسيقى. إنها انشغالات متعددة لحد أننا نشعر معها كأن لنا رغبة في أن ندخل كل هذه العناصر إلى الذات، طبعا إننا تحت وطأتها جميعا، ولا يمكن أن نخضع للخندقة، هذا شيء يستحيل بالنسبة للمبدع الحقيقي.
كم هو مضحك أن أقول إني مختص في الشعر، كم هو مضحك أن أقول إني مختص في الصباغة.
لماذا شاعر كأدونيس يكتب عن فنان تشكيلي ؟… لماذا كاتب يكتب عن الفن التشكيلي … لماذا مجموعة من الكتاب مع مجموعة من الفنانين التشكيلين ؟ لماذا يشتغلون مع بعضهم البعض ؟…
الأسباب فعلا عميقة، وجد معرفية، ومعنى هذا أن هناك علائق حميمية ما بين إبداعات كانت في وقت “ما” ينظر إليها على أنها من اختصاص لغة معينة، لا أنظر إلى هذه العناصر باستقلالية تمشي على قواعد معينة، وتلبي معنى معينا، أنا أنظر حتى للشعر مثلا أنه أشكال، خطوط، أحجام، كتل، ضوء، ظلال. من هذا المنطلق أنظر إليه بالمعنى العميق، فأنا عندما أكتب قصيدة أكون أرسم، وعندما أرسم فإني منشغل بكتابة قصيدة، هذه الحدود تتهاوى جميعها لتتداخل في وحدة عضوية لا تجزئة لها عندي.

عندما يتحول النقد إلى سلطة
س/ قرأت لفيصل دراج في أحد أعداد مجلة المدى ما يلي : ” إن النقد الآن الذي تحتكره الصحف اليومية، صورة عن زمن آخر، زمن يتراجع فيه الصحيح، و تتهمش فيه ظواهر جميلة. طبعا ليس آخرها الأدب والفن.
ج/ علاقة النقد بالإبداع هي مرهونة بكل ما ذكرناه سابقا. تحريك الخيال، وتحريره. تحرير العقل واجتهاده أيضا. والحديث عن مسار يتطلب معرفة بالموضوع: فإذا كنا نتحدث عن المسرح فإننا نحتاج إلى معرفة بذلك. المشكل هو عندما يتحول النقد إلى نوع من سلطة. أو نوع من فلكلور، أو من خلط الأوراق، أو من حديث خارج موضوعه، ألا عن العمل المعروض أو المقروء، أليس من الفقر أن ينظر ناقد إلى مبدع من خلال الكم، وليس من خلال الكيف ؟.. رامبو جاء في وقت معين وأعطى في فترة معينة، وما أعطاه في تلك الفترة جعله علامة بارزة من علامات العطاء الشعري، ليس في تاريخ الشعر الفرنسي، بل في تاريخ الشعر الكوني لم ينظر لعطاء أو لإبداع رامبو من خلال الكم بل من خلال الكيف، أيضا على النقد أن يكون نقدا بالمعنى المتعارف عليه، وليس بمعنى الدعاية.

ما حدود الممارسة التشكيلية ؟..
في دعوة للقاسمي وجهتها له كلية الآداب بالرباط حضرها فنانون وأدباء علق الشاعر محمد بنيس على أشغال القاسمي :
” اشتغل القاسمي على المفارقة، وعلى قلب المعنى، من مغارة الحس المشترك إلى مغارة الاحتجاج… إلى إعادة النظر للحداثة.. وللفن.. بل للموت أيضا ” يتساءل محمد بنيس :
ما حدود الممارسة التشكيلية عند القاسمي ؟..
يذكرنا الشاعر بثورات الشعر العربي في أبهى مراحله، وعلاقة الشعر بالأوزان، بالموسيقى، بالرؤى الشعرية وما تطرحه من صور… وما العلاقة بين تركيب النص الشعري والنص البصري ؟ ( نتذكر هنا علي بن الجهم و قصر الرصافة ببغداد ) وما النص الشعري الذي أسهم فيه النص البصري عند الشاعر ؟
بغداد – جبرا إبراهيم، هو رسام وشاعر وموسيقي. العلاقة يقول محمد بنيس هي علاقة انفجار ليست علاقة تجاور، إنها تنقلنا في الرؤيا من المحدود إلى الشساعة. فالقاسمي الشاعر الرسام، أو الرسام الشاعر يقوم بالانفلات الذي يداهمه فكريا، أو نظريا ليبتعد أكثر وليختبر هذه المراوحة بين النص الشعري والنص البصري… تجارب القاسمي تعتمد المحدود واللامحدود… إنها علاقة بين الديمومة واللاديمومة وهذا العمل الذي يقترحه علينا اليوم هو مناقض للديمومة، ويعتمد الفن ويخترق الفن في الآن…
في كهف الأزمنة كنت أرى نفسي داخل فرجة… يقول زميلي القاسمي إنه يريد الخروج من العمل الأملس حيث الأشياء هي التي تتكلم مع نفسها وبنفسها… يكفي القاسمي أن يكون على امتداد انشغاله شاعرا… رساما ومنظرا، مطلعا على ما يحدث في العالم في مجال الفن والأدب كل هذا يشكل فكر القاسمي في الآن… هكذا ينعته زميله الشاعر محمد بنيس.

للأمانة بقي شيء لا بد من قوله
أحس أن في عهدتنا أمانة تركها الفنان الشاعر محمد القاسمي وعلينا أن نستحضرها الآن بجدية، ذلك أن القاسمي منذ 3 سنوات وهو يصهر على تشييد مسرح داخل الحديقة الشاسعة لبيته، بإمكانياته هو، غير مدعوم بجهة “ما” على حد علمي إذ كانت رغبته العارمة في أن يقدم هذا المسرح من داخل بيته قراءات شعرية وعروضا فنية.
فهل يمكن أن تتحمل جهة مسؤولة إتمام هذا المشروع ليتم تحقيق هذا الحلم ؟؟؟…
زهرة زيراوي (من كتاب: الفن التشكيلي بالوطن العربي. «مقامات أولى» 60 فنانا بأصواتهم)

نشر في 6/02/2006 7:10:00

‫0 تعليق