محمد الأحمد: بعض مثالب النشر في الصحف العراقية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أصبح حال النشر في بعض صحفنا المحلية يمرّ اليوم في أزمة نشر متوالية، خاصة الصحف المقتدرة مالياً، وسوف أوضح ما معنى متوالية، وقد شهدناها ذلك من خلال متابعتها، واغلبها تعاني تكررا في الأفكار والأسماء، نقراها وهي تدور في رحى فكرة سابقة كما ثور الساقية فالمحرر فيها غالبا ما يجبر نفسه بمشقة على كتابة عمود مفسرا فيه من بعد جهد الماء بالماء، وغالبا ما يعرج على حوداث قد حدثت ليذكر بها بانه قد حفظ درس الاعلام في العهد السابق، لاجل ان (يبوق) بان ذلك يوم الايام وان تلك حادثة الحوادث، وكأن جريدته هي جريدة الجرائد.

فثمة امر ما عاد مخفياً بل بارزا خاصة في الصحف التي تعطي مكافأة مالية رمزية عن النشر عبر صفحاتها، وتلك الصورة الواضحة الرؤية، الجلية المظهر، قد لمسناها في أمور عدة؛ أولها التبادلية المنفعية بين الجريدة الفلانية والجريدة العلانية، فنلاحظ أن اسم (فلان) يتكرر نشر مواده على صفحات الجريدة (الفلانية) دون سواها، وهو مسؤول صفحة جريدة اخرى تعطي أيضا مكافأة مالية تقديرية، و(كون النشر تبادلا نفعيا) هنا مواد صاحبي الذي ينشر لي نتاجي في جريدته- وهناك نتاجي، كما يقول المثل المصري الشهير (شيلّني واشيلّك)، وهكذا دواليك حتى تتكدس مواد الأدباء غير المفيدين، (يسمونهم كتاب القطعة الخارجيين، الكتاب غير المنسبين كموظفين للجريدة)، وربما تتعفن اوراقهم ولا تصل إليها يد فاحص. متناسون بان من الممكن في لمحةِ بصر قد ترسل عبر البريد الإلكتروني إلى ابعد مكان من العالم، وتنشر تقديراً لذوق المبدع العراقي، المعروف بإبداعه الجليل. المعروف بسبقه وعرض مساحة ثقافته، كون الاديب العراقي حريص على النشر في صحفه المحلية، فيذهب (دون ملل أو كلل) بغاية؛ معرفة مصير مادته، فيتلقى الجواب التالي، وهو حجة لا بأس عليها وليس بها: -(أوشكنا نشر مادتكم ولكننا تفاجئنا بأنها نشرت في مكان آخر). ويقول الكاتب (بأنني انتظرت أكثر من أربعين يوما ولم تظهر مادتي)، فيبرر المحرر: (كان عليك الانتظار اكثر والصبر لكثرة ما يصلنا من مواد).. فيقول مع نفسه: (عادت حليمة لعادتها القديمة)، وأقول قديمة لأنها كانت تحدث معي شخصيا عندما كنت أقدم مادة ارغب في نشرها في الصفحات الثقافية لإحدى جرائد عراق العهد البائت فكم كان ذلك مؤلماً حينما يمر الأسبوع تلو الآخر حتى يكمل الشهر تلو الآخر، والمادة المقدمة إليهم غير منشورة.. ونبدأ بعد ذلك نحملها البريد ونطلقها إلى الصحف العربية في الخارج فسرعان ما تجد لموضوعها وحرارة صدقه مكانا بارزا، اذ تتلاقفها الصحف العربية ولانها كذلك في تبحث عمن تعطيه القليل من المكافاة، ولكن قليلها يساوي اكثر باربع اضعاف مما تعطيه الصحف المحلية.

وما ان تتضح الرؤية يعاتب المحرر الكاتب (يا أخي لم تدفع لنا مادة منشورة؟)، وكأنه قد كان حقا في قرار نشرها بعد شهور (والحق انه لم يكلف نفسه عناء قراءتها)، او كاد لولا انه رآها مصادفة فأثارت حفيظته، ولا يكتفي بذلك بل ربما يجعلها سندا ومثالا حياً لزملائه، ويكون حديث الندرة، والإثارة، ويكون المقصر في كل الأحوال هو الكاتب. وأريد أن أشير بان الكاتب عندما يكون كاتبا في جنس معين يكون المحرر المسؤول من رافضته أو مناؤيه خاصة من الكتاب التي تكتب في الجنس الذي اختص به. فالقاص يلعن القاص والشاعر يلعن الشاعر، والناقد كذلك.. اي حال كنا يوم ذاك وللأسف مازال محيطنا الثقافي لهذه اللحظة، لم يبرأ من تلك (أمراض النخبة)، تلك الأمراض التحاسدية كانت وما تزال تلهي عن الإبداع الجاد، وعن التواصل.. فكم كلفتنا تلك المكالبات من جهود مضنية وأكلت من الوقت الحيوي، والنتاج والخلايا. ونحن اليوم لم نبرأ من تلك العلل على الرغم اننا اصبحنا في مكان آخر وزمن آخر، والمعيب بحق باننا صرنا نعاني اكثر من أشخاص آخرين تحكموا في قرار النشر، وللأسف اقول مؤكدا بأنهم من كانوا يشاطروننا عذاب تلك الأيام وسوء نشره، واليوم يتحكمون بالقرار الثقافي، ففعلوا بنا ما لم يفعله رجالات العهد السابق، وربما أكثر، لأنهم حملوا تلك الأمراض، فأول ما فعلوا بان ابعدوا وأقصوا، اغلب الكتاب اللذين كانوا معهم يقاسون وطأة ثقل تلك الأيام، وراحوا أيضا يمارسون مع غيرهم ما كان يمارس معهم، وبقي القاص كاتب القصة يستثني من النشر كاتب القصة، لانه منتجا لقصة جميلة والشاعر يستثني من الشاعر، لانه منتجا لقصيدة جميلة، والناقد يستثني كل نقد جاد كذلك. وذلك العناء كله لا يساوي شروى نقير جزاء ما تعطيه الجريدة من مكافاة عن النشر على صفحاتها، حيث المكافآت على الاغلب هزيلة، كانها تسخر وتهزأ من الكاتب لانه اهتم بالكتابة ولم يهتم بشيء آخر، وكان الكاتب العراقي الجليل موضع سخريتها، وتندرها، فهي لا تعطيه سوى مبلغ بسيط يستطيع به ان يشتري حفنة طماطم تغنيه عن الجوع وبقية المفردات.. المكافأة القليلة تتعمد النيل من الكاتب، تمسخه، تمرغ انفه في الوحل، فمقدرها يزن تقدير الجريدة لذلك الكاتب، والاغرب بل الاعجب رغم كل تلك الاهانات المتواصلة بان الكاتب يأخذ المادة التي يريدها مرقونة على (دسك) ومصححة مشكولة، ومطبوعة على ورق نظيف، جيد، ويصل بها حتى عتبة باب المحرر، عابرا مسافاته، ومتنازلا عن مساراته، وغالبا ما يكون محملا باكثر من موضوع باغيا نشره، يكون في انتظاره كل ذلك الجحود الكبير بحقه، وخاصة عندما يتسلم تلك المكافأة البخسة التي تجعله نادما متحسرا على جهده، وكانهم قد كفروا بحقه كفرانا لا تتحمله السموات والارض، وهو يعرف بان جريدته بقوة مالية تستطيع أن تدفع المكافأة الحقة جراء النشر، ولان بالمال يحيا ويتنفس المثقف كما بالكتب، وكأنها مسيرةُ حاسدٍ اذا حسدْ… تلك الحالة لابد لنا من كشفها لاجل أن تزول، ولابد من أن يتقوا الله في نخبة الكتابات الجدية التي تصلنا إن كنا محررين شرفاء، او كنا رؤساء تحرير نجباء، وان نكافح العلة، من بعد أن تعددت المنابر وقنوات الإعلام، ولا ننشر إمراضا ورثنا فايروساتها من عهد لن يعود، وعلينا أن نتحلى بالإبداع لأن الإبداع هو الذي يدفع بنا إلى أن نعمل بجد ومثابرة قبل ان نفكر باستلام مكافأة مجزية من جراء تعبنا المصني و إبداعنا، وليس كل الكلام صحيحا أن قلنا بان الإبداع أولا، و أولا المال الذي يجعلنا نأكل ونأكل لنواصل العطاء والإبداع، والاديب لا يزاحم السياسي في رزقه، الاديب يختص بثقافة غير مدجنة، ولا تسبقه الفكرة، مهما كانت عظمتها؛ بل هو الذي يسبقها.. فشتان بين الذي تسبقه الأفكار والذي يلحق بالأفكار، الاول مثقف معطاء يبتكر فكرة وتسعى اليه، والثاني تبتكرهُ الفكرة ويسعى اليها، اذ يبقى حجيزا لها، مناضلا بكل ما يستطيع لها من قوة حتى يدعمها، وفق ما اراد صانعها السياسي المقيد لأيدلوجيته الواضحة، واما المثقف فهو متحرر يميل نحو افكار متحققة برؤية متجددة، متلاقحة، دائما يختار لها وجها جديدا لتكون معاصرة وفق ما يحدث في العالم من تغيرات. اما الآخر فهو من تقرر له ان يكون ضمن الفكرة التي اوجدته، ومن الصعب جدا ان يجتازها كما يفعل الأول. وان اي كاتب هو مفخرة للجريدة التي ينشر فيها، والجريدة باسمه تتميز وتتفوق على اقرانها من بين المطبوعات، فالكاتب الحقيقي يكتب لزمن متجدد، وفق ذهنه المتجدد، وصحفنا العراقية اليوم مازالت حسيرة النظر لمريديها.. وصدق من قال بان مغنية الحي لا تطرب.. على الرغم من ان المثقف العراقي في كل صحف العالم ومواقع النشر ماليء الدينا وشاغل الناس.
‏25‏ آب‏، 2006

نشر في 25/08/2006 12:30:00

‫0 تعليق