ليلى البلوشي: جولة جنونيـة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بعد انتظار دام عدة ساعات في أصبوحة هذا النهار الصيفي المؤطر عرقا، استقبلتني الطبيبة المناوبة ؛ لإجراء تحليل دم.. جست يدي بلطف.. غرزت الإبرة بعد بسملة.. كانت أمارات الرقة والطيبة شامخة كصقر صحراوي على محياها الرقيق.. لا أدري لم لحظتها دار بخلدي وهي تجس يدي البيت الشعري الذي يقول: ( جس الطبيب يدي جهلا فقلت له ** إن المحبة في قلبي فخل ِيدي ).. لمن هذا البيت يا وفاء.. لمن ؟! آآآآآآ، إن لم تخن ِ الذاكرة لـ ” ديك الجن “، أجل.. وكيف أنسى ذاك اليوم التي قضت فيه معلمة لغة عربية فاغرة ً فِيها لمدة حصتين كاملتين وهي تحكي لنا مأساته..!

كان يدها خفيفا خف الريش وهي تضع قطعة من القطن الأبيض على بضع قطرات من الدم من إثر الإبرة المغروسة..
ـ النتيجة بعد نصف ساعة، يمكنك الانتظار في المقصورة هناك.. أشارت بيدها لي بعد أن توجهت هي نحو غرفة المختبر..
جلست ُ بين حشدٍ من النساء، بينما توجه أخي الذي كان مرافقي إلى مقصورة انتظار الرجال، ضقت ذرعاً بجموع النساء وبتلك الألسنة التي لا تكف عن الولولة، والذي زاد الطين بله صراخ الأطفال الرُّضع بأفواههم الصارخة التي هزت جدران المستشفى و أذني ّ..!
ارتأيت الخروج من هذه الفوضى الصوتية.. فشققت طريقي بين الجموع المكتظة وعند خروجي أطلقت العنان لأنفاسي اللاهثة كي تأخذ نفساً عميقاً كسمكة أعيدت في حوضها بعد بقائها بلا ماء مدة طويلة.. نظرت إلى ساعتي.. لم يمر على موعد التقارير سوى عشر دقائق.. مال ِ هذا الوقت عقاربه كسولة اليوم ؟! ويقال الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.. أين هذا السيف فليُعدم عقاربي إذن بِحَده..!
قررت أن أتجول بين أزقة المستشفى، بعد أن فشلت محاولتي للفت نظر أخي عبر زجاج المقصورة حيث كان منشغلا بالحديث بجوار أحد الأشخاص، وبدا عليهما من إشارات الأيدي وحركة الأفواه أن بينهما معرفة مسبقة.. ربما صديق قديم أو زميل عابر هذا ما استنتجه عقلي..
استوقفتني الملصقات الطبية على جدران الممرات، والتي كانت تعرض أمورا كثيرة.. وقفت عند لوحة كانت تعرض شرحاً مسهباً مع صور معروضة عن مرض أنفلونزا الطيور وكيفية الوقاية منها.. كانت الإرشادات المسجلة مفيدة جدا وقد اقشعر بدني وأنا أتابع قراءتها ـ عافانا الله ـ الأبقار تعاني من الجنون والدجاج من الأنفلونزا ولحوم الماعز اجتاحتها هي أخرى عاصفة من ” الخَبَل “..! ما بقي أمامنا من خيار سوى هذه الأسماك الموغلة في مجاهل المحيطات ، هذا إن لم يطاردها هي الأخرى لعنة جديد من لعنات عصر العولمة..!
أكملت جولتي بين الممرات وقد عقدت عزما داخليا لا رجعة فيه، على أن ابعد اللحوم من قائمة طعامي نهائيا، وأن أكون كشعبي الصين واليابان، أعيش على حشائش السافانا والإستبس هكذا أكون في مأمن.. اتخذت قراري هذا وأنا رابضة أمام لوحة رقمية عبارة عن جدول يستعرض حالات الإصابة بسرطان الثدي عند النساء خلال سنوات العشر الأخيرة.. هالتني الأرقام التي استغرقت مساحة كبيرة من اللوحة، فتركتها دون أن أجد رغبة في متابعة قراءة تلك الأرقام المشعبة والمرعبة في حد ذاتها..
وصلت إلى قسم الجراحة.. وكانت الملصقات تبرز صورا لعملية تضخم الدم عبر شرايين القلب..آه، لو لم يكن هذا القلب خفاقا في جنباتي لكنت (………) ، يال ِهذا القلب.. المثخن بالجراحات.. لله دره!
ألقت شؤون القلب جانبا وأنا أمر بين الممرات التي غلب عليها السكون ، وتكاد تسمع دبيب النمل وهي تشق طريقها بجد وعلى ظهرها نتف من المخلفات المرضى المرمي هنا وهناك.. يبدو لي أني ابتعدت عن مقصورة الانتظار كثيرا دونما شعور..
اتجهت إلى لوحة أخرى تتحدث عن ضرورة ممارسة الرياضة لمرضى السكر والالتزام بعيادة المستشفى مرتين كل شهر على الأقل.. شعرت بحركة غير طبيعية وأنا في مواجهة هذه اللوحة.. تراءى إلى سمعي خشخشة بسيطة، التفت لأجد قبالتي على بعد مسافة ليست بقصيرة شاب على ما يبدو لم ألحظ وجوده قبل اللحظة، كان يرمقني بنظرات مريبة.. شعرت بوخزة قلق.. غير أني لم أكثرت بالأمر.. رغم عدم وجود أثر لأي جنس آدمي، ربما عمومية المكان نسل قلقي من غمده ، تابعت سيري دون أن التفت إليه، لكنه طعن دهشتي عندما لمحت ظله خلفي .. كانت خطوات أرجله تدب على البلاط النظيف حد اللمعان، بينما خطواتي كانت مرتجفة وهي تزحف مثقلة كأنها مكبلة بالسلاسل.. انعطفت يمينا.. ولا وجود لأحد.. أين العالم، الناس، الأطباء، الممرضين.. وكأني في أنقاضٍ تحت الأرض..!
كان قلبي ينبض بوجل.. وكاد يسقط بين أرجلي حينما وجدتني قُبالَة ممر ضيق و مسدود.. وكان هو خلفي.. هيا يا وفاء.. ما العمل ؟! يجب أن أثبت في ظل هذه الظروف القاهرة.. شجعتني الكلمات التي كانت تضج في داخلي رهبة.. استجمعت قواي.. وأدرت وجهي ناصيته.. تقابلت وجوهنا.. وأنفاسي مذعورة.. أردت أن أنطق غير أن لساني لجم في قعره، وكأني بلا صوت أشبه بضفدعة تنفث الماء الفائض من علاصمها.. كانت عيناي شاخصتان مذعورتان كعيني قطة مترقبة انقضاضا من مجهول ما على عينيه المليئتين بالعروق الحمراء الملتهبة اللتان كانتا تمحصاني بلذة مقززة.. أخذت أرجله تُدني من خطواته تجاهي، وأنا ابتعد إلى أن تحسس جسدي الجدار التصاقا ً.. و لا صوت يرف به هذا اللسان المقطوع كلسان بومة مرعوبة شنق صاحبها على إحدى الشجيرات المشعبة وسط غابة..!
كانت خطواته تدب بدبيها المرعب، ليرتطم أنفاسها بصدري كدقات المنجل المدقوق بعنف وقسوة..
لم تبق الخطوات حائلة بيننا، وصراخي مشنوق اللسان.. دسست وجهي الهالع بين كفّي في لحظة يأس قاتلة..
ـ إنه هناك أيها الطبيب.. وجدناه.. توقف.. توقف أيها المجنون..
استيقظ وعيي على صوت خُيّل إليّ كأنه صوت من العالم الآخر!
وصوت آخر يبدو أنه يوجه كلاما إليّ : لا داعي للخوف، كل شيء سيكون على ما يرام فقط لا تتحركي..
ـ ابتعد عنها..
غير أنه لم يبالي بل اقترب أكثر.. وقف قبالتي وهو يتأملني بعينيه الملتهبتين احمرار وابتسامة صفراء: سلامتك.. سلامتك من آه..!
أدار وجهه.. و أخذ يَجُر ُّ بقاياه بخطى متعرجة نحو الممرضين والأطباء الذين حاصروا المكان..
اقترب مني رجل يبدو من هيئته طبيب : أرجو أن لا يكون قد ألحق بك الضرر، نحن نعتذر إنها غلطتنا.. خرج من قسم الأمراض العقلية بعد أن غافل أحد الحراس المناوبين.. فأرجو المعذرة..
هبطت من سلالم البوابة الرئيسية برفقة أخي وقد شددت على صدري صور التحاليل بنتائجها الإيجابية، وأخي يستنطقني: وفاء، أين كنت..بحثت عنك في المقصورة و بين الممرات ؟!
أطلقت ضحكة مرحة : كنت في جولة جنونية.. لا عليك.. لا تهتم بالأمر..!
قلت هذا وأنا أتهرب من نظراته المعقودة دهشة ً..!
ليلى البلوشي
الإمارات العربية
[email protected]

نشر في 22/08/2006 9:40:00

‫0 تعليق