يسري الغول: خلف جدار الموت

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

خرجنا مع آخر ومضة واجهتنا ، جثونا نحو البعيد. كل منا يحمل سلاحه و أسداله ، نتعثر بخشخشة الثياب على الأجساد . الطائرات تحلق في المدى الفاصل بين الموت و الموت ، و نحن نختفي بين انثناءات الروح ، نداري أشباحنا خلال مسيرتنا نحو الحدود .

الأجساد تلتصق بالجدران ، الحجارة ، الصمت . و عندما ندرك أول منعطف يتجه نحو الشمال تطلق الدبابة قذيفتها ، تلقيها بجوارنا فنختفي ، نتوسد الرمل ، نلتصق مرة أخرى بأجسادنا ، و نلزم الصمت.
عندما وصلنا نقطة التجمع كنا أربعة فقط ، و كان الخامس ما يزال يرقد بسلام بين الألم و الموت ، اكتفى بما جرى معه تلك الليلة الضبابية الكابية ، حين غادرنا الأصقاع المتاخمة للمخيم . بكتف واحدة أخذ يعدو ، نسي الأخرى أو تناساها ، بينما نحن ما زلنا نجري ، نهرب كالمجانين ، نتعثر بالموت في كل مكان ، ندوس الخوف دون أن ندرك من سيحالفه الحظ بالبقاء على قيد الجنون .


حين ولجنا المنطقة المحددة ، انصهرت مع أشباهي . جلسنا القرفصاء ، أخذنا نجهز أسلحتنا من جديد ، تحدثنا بصوت خافت ملؤه اللهاث إلى أن انتهى العزف تحت سمائنا الباهتة ، اختفت أصوات الطائرات ، تلاشت ، كأننا ما زلنا نتسكع في صخب المدينة . لحظتها فقط ضحكنا ، كأننا في رحلة نحو المجهول الذي يراودنا ، ضحكنا ثم بدأنا العمل من جديد .


مع هزيع ليلنا الأخير بدأت أدندن بأنغام لم أفهم معناها بعد ، قمت أتعثر بصخور لم تكن موجودة من قبل ، فئران لم تكن قد سكنت المكان تداعب أقرانها ، تجري دون أن تأبه بما يجري في هذه البقعة القذرة من العالم .
هذه الفئران التي لم تتركنا نهنأ في مواقع رباطنا ، أخذت تجري تجاهنا دون خوف ، كأنها لا تأبه بوجودنا . لحظتها حاول قائد فرقتنا إخافتها فأشعل أضواء بطاريته القديمة ، لكنها لم تهرب ، بل عادت مرة أخرى تجري بين سلاحنا . ضحكنا وضحكنا حتى أن أحدنا حاول اختراع الحكايا ، فهتف :

  • هذه التي تجري بيننا ” حردانة ” و تريد أن تنتحر .
    ابتسمنا ، بينما تابع الأخير حكايته بجدية أكثر :
  • ها هو زوجها قد حضر كي يستجديها عطفاً أن تعود إليه ..
    صخب يتعالى ، و أنا وحدي يملأني الحنق . تراودني ملامح زوجتي التي غادرت إلى بيت أهلها كي لا تموت معي و تدفن بين الأنقاض . وأنا لا أستجديها عطفاً ، لا أتوسل إليها بأن تعود … ” حاولت جهدي أن أثنيها عن قرارها ، لكن دون فائدة ، كانت تخشى على وليدنا و روحها من الانفجار ، الموت في دوامة الصفر .. و أنا المكلوم أغفو على أحزان لا تنتهي “. لا أبالي بعودتها ، و لن أفعل .

هذا الفأر الغبي ، إنه يغيظني ، يثير بداخلي خوف من شيء ما ، أحاول أن أقوم إليه كي اقتله ، أمسك بحجر ضخم . القيه بقوة تجاهه ، لكن صوت القائد يهتف بي :

  • احذر ، تريد أن تقتلنا بجنونك هذا .
    أغمض عينيّ ، أفقأ حلمي ، “سأتركها ، نعم و ستدرك أنني كنت مصيباً يوماً ” … يوقظني أحد الرفاق من بقايا الكابوس لحظة أن يعبث بأجزاء سلاحه النائم . يفزعني حين يهتف القائد مرة أخرى :
  • لا تفعل ذلك مرة أخرى ، و إلا .
    ثم متابعاً :
  • سنغادر الآن هذه النقطة السوداء ، لأنهم ربما أدركوا المكان بغبائكم .
لهاث كجريان الدم يسري في جسدي المحروم ، يحاول أحدنا الاحتجاج ، لكن دون فائدة . نقوم ثم ……… قذيفة تنفجر بين أقدامنا ، تطوحنا ، لا تتركنا نهنأ حتى في قرارنا الأخير ، نموت بسرعة غريبة ، و ننتهي قبل أن تنتهي الحكاية …

نشر في 18/08/2006 5:20:00

‫0 تعليق