عزيز مشـواط: بين الاستغلال و الاحتواء. الرموز الدينية و البعد الهوياتي في الاعلام

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


التاريخ المعاصر انتقال عسير,لكن لا رجعة فيه, من البعد الخصوصي للانسان إلى أبعاده العالميةوهو نفس المرمى الذي يجهد النظام العالمي الجديد لتحقيقه ومنذ أمد غير قصير ،في سياق الترويج الاعلامي الواسع للقرية الكونية الصغيرة .

غير أن هذا المنطق سرعان ما يتحول الى نزوع امبراطوري يحكم سلوك الولايات المتحدة،مما يجعل مها استثناء في كل ما يطبق على الأمم الاخرى .بل ان النظرة الى الانسان صارت تخضع لمعايير مزدوجة بفعل تحول جذري في القيم السياسية الغربية .فاذاكان الغرب قد بنى قوته و ازدهاره و امريكا بالخصوص على استقبال أناس من كل الاعراق ومن كل الألوان، فان مشاعر الضغينة التي أعقبت احداث 11من سبتمبر خلقت حربا خفية ذات بنية سيكولوجة بين عصابية اسلامية من جهة ومسيحية مغرقة في التشدد من جهة اخرى.
وقد لعب الاعلام الامريكي السياسي دورالحافز في انبثاق هويةو طنية أمريكيةأقصت الواقع والتاريخ بعدأن عوض الخطاب السياسي عن الاخفاق الأمني بخطاب ديني يصور الحرب على الارهاب في صفة صراع ديني،وهو الخطاب الذي أحدث شرخا عميقا في صفوف الاقليات غير الاوروبية في أمريكا لينبثق شعور وطني انفصامي اسهمت الاوساط المحافظة في انتاجه” فالهوية الوطنية ،وعلى غرار باقي الهويات،ليست معطى ثابتا ،كما أنها لا تتأسس فقط على معطيات موضوعية مفروضة على الأفراد،انها على العكس من ذلك صيرورة تاريخية تلعب الدولة لفرضها دورا أساسيا”[i]
لقد قامت الدولة الامريكية من خلال سياسة المحافظين الجدد بعملية نوعية حاولت أن تقلب فيها موازين القوى على الصعيد الداخلي من خلال ابراز البعد الهوياتي الديني فيما اعتبر رد فعل غريب بالنسبة لدولة انبنت قوتها االتاريخية على تعدد الأديان و الأجناس و الألوان.
انهى الخطاب الديني الذي تبنتها ادارة بوش الابن مع ارث فلسفة الأنوار القائمة في احد أبعادها الأكثر اهمية على التعامل مع الانسان كغاية وليس كوسيلة ، مفسحة المجال لتياريعترض على التنوير الغربي و يقوي من سلطة القوى التقليدية فيما يشبه عودة للتصنيف الذي كان يسود الدول الغربية و القائم على هيمنة النبلاء المحليين و الذين تحولوا الى القوى العظمى المهيمنة التي صارت شبيهة بالأسياد.
و هكذا و بينما كان يسعى القرن التاسع عشر الأوروبي إلى الإنهاء مع تسلط الدولة و انتصار المجتمع المدني والديمقراطية هيمن على القرن العشرين صعود أسهم الدول المناهضة لسيطرة الدول المهيمنةمن خلال خطاب الهوية الذي انتصب ضد هيمنة ذات أبعاد عالمية.
إن النزعة القومية و التي تبدو أكثر فأكثر للأوروبيين كنزعة متقادمة و خصوصا كمصدر للحروب المدمرة تظهر الآن كفكرة تقدميةخاصة بعد ان اتجهت قيم العالمية و التقدم الأوروبية نحوالتحول الى أدوات إيديولوجية للهيمنة على باقي العالم و بالتالي كأدوات للحفاظ على مصالح الدول الكبرى.و تتعرض فكرة التقدم للدحض, حتى داخل المجتمعات الأكثر تصنيعاخاصة في شكلها الملموس المتمثل في التطور غير المحدود للإنتاج.
يبدواذن أن العودة إلى التشبث بالخصائص الهوياتية توجه عالمي كشكل من أشكال معارضة الهيمنات التقليدية المحلية،بل ان الصراع الدائر في مختلف مناطق العالم و طرفاه الولايات المتحدة من جهة ومختلف الحركات الاسلامية من جهة أخرى ليس سوى احدى التمظهرات الدموية للرغبة في الهيمنة من جهة و رغبةمقاومة من جهة أخرى .
ويدعم الإعلام منحى هذا الصراع انطلاقا من توجه اساسي يركزعلى القوة المتزايدة للرموز الدينية مما يحول الدولة في العديد من بقاع العالم الى قوة طوطاليتارية فيتحول الخطاب الداعي الى اثبات الهوية الى “مصدر ايديولوجي هام في خدمة استراتيجيات السلطة،ولذلك غالبا ما يلجأ الخطاب السياسي الى الاستعمال الواسع لمفهوم الهوية”[ii]
ولا تعدم الاطراف المقاومة للهيمنة الثقافية الوسائل لتقوية مقاومة الجماعات الاهلية و الدينية و الاثنية اعتمادا على مختلف الوسائل المتاحة واعتمادا على قوة الجذب التي يتمتع بها الخطاب العقائدي،كاحدى الاستراتيجيات التي ابانت عن مفعولها .
وهكذا تحضر الرموز الدينية في كل اشكال الصراع حيث تلجأ مختلف الاطراف الى استثمار الدين بهدف الحفاظ علىمستوى عال من التعبئة في صفوف الأنصار.و بالمقابل يركزالخطاب الاعلامي المدعوم بتصورات استراتيجية منظمة على تقديم نموذج ايجابي وحضاري متفهم ومتفتح من خلال التركيزعلىحفزالاندماج وتغيير مناهج التفكير،فيتم الترويج لافكارمن قبيل:اننا لا ندعوالى التخلي عن الثقافات واللغات المحلية لصالح الفرنسيةاوالإنجليزية بل علىالعكس من ذلك فان ثراء أو غنى مجموعة ما ناتج بالضرورة عن تعدديتها و مرونتها.
يمكن ان نخلص اذن الى أن المطالب الهوياتية عندما تستغل دينيا تصبح من صميم وجود الأفراد الذين يمكن أن يضحوا بأرواحهم دفاعاعن ثوابت يعتقدون تأسيسها لوجودهم مما يمنح بعدا دمويا للصراع” فحينما تفقد النماذج الثقافية الجماعية كل قدرة على التعبير،تفقد هاته النماذج شرعيتها بالنسبة للافراد”[iii]
نحن اذن إزاء اختيار صعب بفعل وصول الصراع الحضاري الى نقطة اللاعودة،فالقليل من الناس يمكنهم التراجع التام عن ما يمكن تسميته بالنموذج القيمي المؤسس لادراكهم للواقع،و أقلية هم الذين يعتقدون في أن الفوارق بين الحضارات ليست سوى نوعية.
ان الفهم التطوري للتاريخ باعتباره خطا متصلا يمثل الغرب قمة مساره ،لم ينتج سوى رؤية متشنجة يقودها على المستوى السياسي المحافظون الجدد الذين يخوضون صراعا ايديولوجيا وفكريا يعمد الى دغدغة عواطف الغرب لتهيئة المجال السياسي اللازم بغية فرض الايقاع الحضاري النمطي علىكل ثغور المقاومة بدءا من محو الشر و انتهاء بالعدو المحتمل والقادم صناعيا وحضاريا .
و قليلون أولئك الذين يريدون فعليا الرجوع إلى الوراء بالنظر إلى تمثلهم الرجعي للتقدم, لكن الدعوة إلى الخصوصية و الاختلاف و القومية و باقي أشكال الهوية تتوسع باستمرار و لذلك فإننا في مواجهة غموض يكاد يكون كليا.
عزيز مشـواط (المغـرب)


[i]

– J.chevallier, « présentation »,in l’identité politique,op.cit,p8

[ii]

– Jacque..chevallier, « présentation »,in l’identitépolitique,paris,p.u.f,coll. «publications du curapp »,1994, p206

[iii]

– R.Girardet,mythe mythologie politique,seuil,1986,p179

نشر في 16/02/2006 10:20:00

‫0 تعليق