محمد الحسايني بائع الفحم الذي صار روائيا ومترجما وصحفيا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

o المشهد الثقافي المغربي مضحك ومثير للشفقة
o هناك أسماء تستعمل كحبات سبحة وردية لا يمل البعض من عبادتها
o لي سبع أمزجة وما زلت متعطشا للمعرفة

قبل حلول الألفية الثالثة بقليل قرر المبدع الروائي المغربي محمد الاحسايني أن يهجر إفك الصحف و يتفرغ كليا لنحت شخوص رواياته الفاتنة، غادر مهنة المتاعب واستقر بمدينة سلا يتأمل عالما من الزيف و القحط ، يرتحل عبر دروب ماضيه الباذخ بالذكريات و الأحداث، ينتقل عبر دواوين رامبو و بودلير، يلتهم الكتب كما العادة، و يصر

على العطاء و التألق .
لم يكن محمد الاحسايني ليهجر الكتابة بعدما غادر المهنة اللذيذة ، لأنه لم يك يوما صحفيا تنفيذيا في علبة ما ، بل كان مبدعا و غائصا في لذائذ الكتابة حد الامتلاء و البهاء ، الكتابة شرطه الوجودي ، بدونها لا يكون محمد الاحسايني .هناك من يقول بأنه ” صاحب سبع صنايع ” ، لكنه يؤكد بأنه ” صاحب سبع أمزجة ” ، و أن ولاءه للقلم في البدء و المنتهى ، إنه لم يؤمن يوما بالولاء القبلي ، بل أدمن الحب و الولاء و الطاعة العمياء للكتابة و لشخوص و أحداث رواياته البلا حدود .
في هذا الحوار يكشف لنا محمد الاحسايني عن بداية الرحلة ، عن انعطافاتها و انكساراتها و ابتهاجاتها أيضا بصراحة قليلا ما نصادفها لدى الكثيرين من زبانية المشهد الثقافي ، يعترف بأنه كان بائع فحم عندما هم بنشر روايته الأولى “المغتربون”، و قبلا كان عاملا بمجزرة لبيع اللحوم و مدرسا للتعليم الابتدائي . هذا هو محمد الاحسايني رجل من زمن البهاء ينتصر للإنسان الغائر فيه و يحرض على الانحياز للحب و كل القيم النبيلة .
إليكم في هذا الحوار تفاصيل تنشر لأول مرة عن حياة رجل صنع تألقه بيده بعيدا عن ثقافة الإخوانيات و العهارة الثقافية، حفر إسمه وسط الصخور الصلداء و استمر في عشق الكتابة بعيدا عن كل دوائر التزلف و الطاووسية الفارغة .

الخطوة الأولى

  • في البدء كيف يجد المبدع محمد الاحسايني نفسه بعد كل هذه السنوات من العطاء و الألق الإبداعي ؟
  • بعد كل هذه السنوات من الإخلاص لعشق الكتابة و الانغمار في أتونها أجدني في حاجة ماسة إلى المعرفة ، إلى الاطلاع ، فعصرنا بتطوراته يخيفني أحيانا من حيث حياتنا الاعتيادية التي كانت مبنية على المناهج الاستقرائية الأرسطية ، محتاج اللحظة لمزيد من الارتواء المعرفي حتى أكون في مستوى هذا اليومي المتقلب و المثير في كل حين لمزيد من الإشكالات .
  • كيف و متى كانت الخطوة الأولى في رحلة أكثر من ألف ميل ؟ أقصد بالطبع رحلة الإبداع الروائي .
  • سؤالك يجرني إلى زمن بعيد ، و بالضبط إلى سنة 1964، حينها تركت مهنة التدريس ، كانت زوجتي من الدار البيضاء ، حللت بهذه المدينة قادما إليها من أكادير حيث كنت أعمل مدرسا بإحدى الفرعيات التابعة لإعدادية بيوكرى ، عندئذ تعاطيت للكتابة ، وجدت فرصتي التي هربت مني منذ مغادرتي للعمل مع السيد بول شارني صاحب محل لبيع اللحوم بعين برجة ، خلال هذه الفترة كنت أتابع دراستي ليلا بالمدارس الحرة استكمالا للمعرفة لا غير ، لما استقل المغرب أردت الانتساب للتعليم و سرعان ما جاء الرد من محمد الفاسي ، آنذاك بالاسم الذي أحمله الآن ” محمد الاحسايني ” ، صديقي بول شارني رد الرسالة متعللا بأنه لا يفهم و لا يعرف هذا الإسم، ذلك أنه من الطريف أن السيد شارني كان يسميني مسعود لأن زميلي كان يسمى محمد. ثم بعد أشهر غادرت العمل إلى مسقط رأسي بتافراوت حيت تقيم الوالدة فانخرطت في التعليم الابتدائي .

سبع أمزجة

  • في مسار حياتك الباذخة تقلبت في العديد من المهن ، هل يمكن القول بأن ذلك المثل الشعبي الدارج ” سبع صنايع و الرزق ضايع ” ينطبق بامتياز على المبدع محمد الاحسايني؟
  • والدي كانت له العديد من المتاجر ، كان عمي يسيرها ،كثيرا ما اقترحوا علي الانضمام إلى عالم التجارة ، رفضت و اشتعل فتيل الخلاف فطردت ، هكذا كلما احترفت حرفة إلا و كنت مضطرا لاحترافها ، كان من الضروري أن أعمل لأكسب قوت يومي و أشتري الكتب همي الأول بلا انقطاع ، لم أكن في يوم من الأيام في حالة بؤس أو احتياج لأنني كنت أعمل ، يمكن أن تقول بأن لي سبعة أمزجة و ليس سبع صنايع ، أما الرزق فمن عند الله .
  • إذن متى كانت الدرجة الأولى في سلم الألق الإبداعي؟
  • عندما كنت مدرسا كنت أكتب أشياء لا أسميها إبداعا ، كانت محاولات أختزنها ثم أبددها بعد ذلك ، لأنها ببساطة لم تكن ترضيني ، لقد امتهنت الكتابة منذ زمن بعيد ، و حتى في دراستي كنت أبرع في مادة الإنشاء التي كانت تدور حول كثير من القضايا الاجتماعية و الاقتصادية ، و التي كنا ننزلق فيها نحو السياسة ، فالسياسة كانت طعامنا اليومي ، و كان أساتذتنا يشجعوننا على ذلك .
    لقد كنت معجبا بالمتنبي و أذكر أنه في إحدى المرات التي تسلمت فيها جائزة عبارة عن مجموعة من الكتب ، تقدمت إلى مدير المدرسة الأستاذ الدرباني راجيا منه أن أستبدل كل هذه الكتب بكتيب عن المتنبي كنت قد لمحته قبلا لدى المدرسة ، لكنه أخبرني بأن الكتيب كان من نصيب طالب آخر لا يذكره .
  • من يعشق المتنبي إلى هذا الحد لا بد و أن يكون قد جرب الغرق الجميل في وادي عبقر ، ألم يستيقظ الشاعر فيك يوما أستاذ محمد الاحسايني ؟
  • كنت أكتب الشعر في سنة 1964 و قد وعدت صديقي مصطفى الشليح أن أعطيه قصاصات مما نشرته في ذلك الإبان خاصة بجريدة النضال الرباطية لأحمد ملين ،و مع ذلك فقد جرفني حب الرواية الذي كان السبب المباشر فيه هو قراءتي لرواية فرنسية لكاتب لا أذكره تدور أحداثها عن فرنسي قدم إلى المغرب و عشق فتاة من الجنوب ،” مذكرات حمار” لكاتب آخر لا أذكره حركت في أعماقي حب الرواية ، كنت في بدايتي ألتهم الكتب بشكل لافت للنظر ، و كنت متعدد القراءات لا أعترف بالحدود المعرفية و كثيرا ما نعتني الأصدقاء بأرضة الكتب .

الفحم و الاغتراب

  • لما أصدرت روايتك الأولى التي اجترحت لها اسم ” المغتربون ” كنت حينها تبيع الفحم بالدار البيضاء ، كيف كان الانتقال من زمن الفحم إلى زمن الاغتراب؟
  • لماذا في البداية كنت أبيع الفحم ؟ السبب هو الخلاف العائلي الذي ذكرته سابقا ، لقد قاطعتني العائلة ، عائلتي كانت غنية و لم يبق لي إلا ثلة من الأصدقاء الذين كانوا يكنون لي الاحترام ، تحديت العائلة فاتخذت لي مسكنا بحي بلفدير ، و كان حينها من أرقى أحياء البيضاء ، و مع ذلك لم تزرني العائلة ، لماذا لأنني أبيع الفحم ، تركت كل ذلك لأنني لم أشأ الدخول في خلافات مع العم ، و في الأخير أرسلوا لي نصيبي من الميراث الذي كان نصيبا مضحكا للغاية .
    ذات يوم جاءني رئيس عمال البلدية في حي لافيليت حيث كان متجر الفحم، يشتكي من كثرة النفايات التي يتسبب فيها متجري ، بدا لي أن المطلوب مني هو أن “أتهلى” في رجل النظافة المكلف حينها بتنظيف الزقاق ، كان شيخا طاعنا في السن ، ناديت على سي إبراهيم مخبرا إياه بأن الأمر لن يتكرر مستقبلا ، قدمت له خمسة دراهم، و من ثمة سألته هل ما زال محلي يثير أي مشكل نفايات فقال لا ، حمدت الله لأنني أدخلت سرورا إلى قلب شيخ طاعن في السن ، ذات الشيخ طلب مني بعد مرور أيام معدودة أن يبيت في المتجر ، قبلت الفكرة و بدأت ألتقط من حياة سي إبراهيم و حياة الكثيرين من المغتربين في وطنهم الإشارات و التفاصيل الدقيقة التي قادتني نحو كتابة ” المغتربون ” . لقد رجعت إلى كثير من الأوراق التي كتبتها سنة 1959 ، و لقد اخترت لهذه الرواية في البداية إسما آخر هو “ساحة الكبرياء”، لقد كانت الرواية و ما تزال بالنسبة لي عالما متفتحا و منفردا في ذات الوقت لتأمل العالم و حياكته من جديد.

قصة النشر

  • الأكيد أن النشر في سنوات الجمر و الرصاص لم يكن سهلا للغاية، كما هو الآن أيضا ، كيف تدبرت هذا الأمر؟
  • الأكيد أن النشر كان صعبا للغاية ، لكنني طرقت أبوابا عدة إلى أن وجدت من يقدر إبداعي ، ذهبت في البداية إلى دار الكتاب ، لم يستقبلني أحد ، ذهبت إلى دار الثقافة ، وعدوني بأن ينظروا في الأمر دون أن يتسلموا مني النسخة الخطية ، تبرمت من النشر و تركت العمل يستعيد أنفاسه دون أن أطرق أي باب آخر ، إلى أن مضت عشرة أيام فذهبت بجلابية من الصوف بها آثار الفحم ( لأنها الجلابية التي كنت ألبسها عند ملء الفحم في العلب الورقية، تركت البدلة الحديثة و توجهت نحو دار النشر المغربية ، تعجبت لأمر المكان الذي كان قبلا عبارة عن ” شارما ” أي متجر لبيع لحم الخنزير ، فصار اليوم مكانا للمحرر و ما أدراك ما المحرر في ذلك الوقت و دار النشر المغربية ، ازداد إعجابي لأنني تذكرت أنني كنت أزور المكان مع صديقي بول شارني ، و ها أنا اليوم أزوره من أجل نشر رواية ” المغتربون ” .
    استقبلني شخص يدعي عبد الغفار عاقيل المتخرج من شعبة العلوم السياسة ، كان شابا مثقفا يساريا بكل معاني الكلمة ، سألني ما شأنك ؟ قلت أريد أن أطبع رواية ، قال لمن هذه الرواية ؟، قلت لي شخصيا، قال لي ما عملك؟، قلت بائع فحم ، حينها نادى على كل العمال قائلا لهم انظروا بائع فحم سيطبع عندنا رواية ، بدأت الهمهمات بين الجمع إلى أن حضر مدير المطبعة الأستاذ عمار الذي كان موظفا بالخارجية فترك الوظيفة و التحق بالمطبعة ، طلب من العمال أن ينصرفوا لاستكمال أعمالهم . حينذاك بقيت مع الأستاذ عاقيل ، تفحص الرواية ، أخبرني بأنه سيعرضها على لجنة القراءة ، أعطاني وصلا عنها و طلب مني العودة بعد عشرة أيام .
  • ما الذي حدث إذن بعد انقضاء هذه المدة ؟
  • مرت العشرة أيام و رجعت إلى دار النشر، استقبلني الأستاذ عاقيل ، قال لي بأن الرواية هي قيد الطبع ، بعدما أن أجازتها لجنة القراءة التي كانت مكونة حينئذ من الأستاذ عبد الله العروي و محمد زنيبر و ربما مدام غلام صاحبة لاماليف التي قيل لي أنها حاضرت في موضوع الرواية بتونس و العهدة على الراوي طبعا.
  • كيف استقبل المشهد الثقافي رواية مبدع قادم من الظل بل من الفحم ؟
  • كان استقبالا متعدد الرؤى تبعا للمنطلقات و المرجعيات ، فالمغرب حينها كان يعيش على إيقاع الصراع الثقافي، ولكنه في نظري استقبال غرائبي ، فقد تساءلت جريدة العلم حينها عن ظاهرة النشر في دار النشر المغربية و بصيغة شكية هل في الحقيقة صاحب الرواية بائع فحم أم لا ، ثم كتب عنها محمد عز الدين التازي مقالا بعنوان ” مجتمع مدني في بنية قروية و ذلك بالمحرر في دجنبر 1974 ، ثم كتب عنها في لاماليف و جريدة العلم تحت إسم مستعار لأبي الشمائل و في مجلة أقلام التي كان يصدرها أحمد السطاتي، المهم أنها صنعت الحدث الثقافي لزمن غير يسير بالمغرب .

مهنة المتاعب

  • هل يمكن القول بأن رواية ” المغتربون ” هي جسر العبور نحو مهنة المتاعب و بالضبط نحو المحرر ؟
  • ذات يوم من أيام ترددي على دار النشر المغربية سألني عاقيل إن كنت أرغب في العمل بالمحرر ، قلت له سأرى إن كان في الإمكان ، و قد كان عاقيل يشك في أنني بائع فحم إلى أن ذهب معي يوما على متن دراجته النارية إلى محل الفحم حتى رأى كل شيء ، و منها صار صديقا حميما بعد ذلك ، ففي خريف 1974 نادى علي عبد الغفار عاقيل لأعمل في الجريدة مع زملاء خرجوا للتو من السجن ، تحت إدارة الشهيد عمر بن جلون و رئاسة تحرير المرحوم مصطفى القرشاوي ، كان يتعاون معنا أحمد المديني و محمد البريني و إدريس الناقوري الذي كان يسمي نفسه بالبشير الودنوني ، و كان محمد عابد الجابري يأتينا ليرد على عبد الله العروي في إيديولوجياته ، و كان يقف على التصحيح بنفسه ، و زارنا مرارا زفزاف رحمه الله ، كان المرحوم القرشاوي يسميني بالتحفة .
  • اشتغلت بأكثر من صحيفة هل للأمر علاقة بأمزجتك السبعة؟
  • خلال عملي بالمحرر كان علي أن آخذ عطلة لكي أقوم بتسوية بعض المشاكل بمتجر الفحم ، لكنني توصلت من أحد الأشخاص الإداريين الذي يدعى الشافعي برسالة وقحة يخبرني فيها بضرورة الالتحاق بالعمل و إلا تعرضت لعقوبات تأديبية، و لأنني لا يمكن أن أفرط في كرامتي ، فقد أجبته برسالة أخرى مقدما فيها استقالتي بالرغم من أنني كنت حينها أحصل على أجر شهري من المحرر يصل إلى 550 درهما ، لم أندم على فعلتي و عدت إلى متجر الفحم ، أسترق اللحظات لممارسة الكتابة ، إلى اتصل بي شرف الدين إبراهيم مدير أسبوعية العدالة الذي اتفقت معه على العمل بالجريدة لقاء ألف درهم في الشهر ، و بهذه الجريدة وجدتني أقوم بدور الصحافي و الأستاذ، و في هذا المنبر كان يكتب معنا الأستاذ مصطفى النهيري الذي يعد ظاهرة أدبية في ذلك الوقت ، و إن كان في نظري يستعمل الكثير من المفرقعات اللفظية .
  • ماذا بعد محطة العدالة؟
  • في سنة 1976 توقفت العدالة عن الصدور، لكنني لما كنت في العدالة كنت أتعاون مع العلم ، و بسبب هذا التعاون فقد تم توقيف أجرتي ، و في العلم نشرت أولى حلقات “مذكرات كلب غير عابئ و لا مخدوع” و التي صدرت في سوريا، بعد توقف العدالة عملت في العلم لمدة ثلاث سنوات و توثقت علاقتي بالمبدعين عبد الجبار السحيمي و محمد العربي المساري ، بعدها اخترت الرحيل مرة أخرى إلى العراق ، لأعود و أعمل بالميثاق الوطني ، يمكن أن تقول بأن لي سبع أمزجة ، ربما لا أحب السكونية و الرتابة ، و كأني أبحث عن المعنى الهارب مني ، لا أصنع العداوات ، بل أظل متعطشا على الدوام إلى كسب الأصدقاء و الأحبة ، فهذا هو رهان المبدع أن يكون إنسانا بالضرورة ، منصتا لنبض الآخر و مستعدا للسفر و الترحال بحثا عن معنى الأشياء .المهم أن الصحافة بالنسبة لي هي عالم رائع ، لكنها بوضعها الحالي المنغلق و السائر نحو مزيد من التكميم و الحجر ، لا تبعث على الارتياح فالقانون ينبغي أن يترك و لو هامشا واحدا لقول الحقيقة .

خيانة النص

  • محمد الاحسايني لم يدمن عشق الكتابة الروائية فقط و إنما افتتن بالترجمة أيضا ، لماذا هذا الافتتان بخيانة النص وفقا لتعريف رولان بارت ؟
  • على الرغم من انشغالي بالترجمة فإنني أعتبرها وقفا للإبداع ،لما عمدت إلى ترجمة رامبو و بودلير ، قلت سأوقف عقارب الساعة قليلا ريثما أستعيد أنفاسي ، لأن الترجمة مهما كانت صافية فإنها تكون عرضة للطعنات النقدية ، و قد عرضت ترجمة بودلير على صديقي الدكتور مصطفى الطوبي و هو من المتضلعين في الترجمة ، ماذا كانت النتيجة ؟ لقد أخبرني بأنه لم ير ترجمة متكاملة فيما قرأ من ترجمات المغاربة كترجمتي لبودلير و ناقشني في بعض الكلمات في المقدمة ، ثم تركني و غادر إلى أستاذ جامعي بأكادير ، ثم تبين لي بعد ذلك أنني لا أستطيع أن أوقف عقارب الساعة حتى أسترد أنفاسي ، فلا بد من الإبداع في أي حال .

العهر الثقافي

  • المبدع محمد الاحسايني أهدى الكثير من الروايات و الترجمات والأعمال الصحفية الرصينة للمشهد الثقافي المغربي ، لكن ألا ترى معي أن ذات المشهد لم ينصف لحد الآن محمد الاحسايني؟
  • المشهد الثقافي بالمغرب مضحك و مثير للشفقة ، هناك أسماء تستعمل كسبحات وردية ( من ورد الزوايا الطرقية ) لا يمل البعض من عبادتها و استحضارها في الأذكار و طقوس الشيخ و المريد ، و الحلقة تدور طبعا في اتجاه مغلق و مفرغ من أي معنى ، هناك مبدعون خارج هذه الحلقة الوردية ، لا يتم النظر إلى أصالة ونوعية إبداعاتهم ، هناك زبونية و ثقافة مشكلة من الإخوانيات و القطيع و الاستلاب، إنها بكل وضوح منتهى العهارة الثقافية .
    الثقافة المغربية محيرة ، إلى أي جهة تميل ؟ إلى الشرق أم إلى الغرب ؟ هناك من يتحدث باسم أدونيس ، و هناك من يتحدث باسم روب كرين و هناك من ينحاز إلى البنيوية التي تدل في نظري المتواضع على انتكاسة كثير من المناهج و النظريات المؤطرة للثقافة الغربية .
    إنه مشهد ثقافي غير واضح ماذا نريد منه بالضبط ؟ الأدب المغربي موجود منذ القدم ، هناك الأدب الأندلسي و أدب الفقهاء ، فماذا ورثنا عن ابن زيدون مثلا ؟ إننا لا نهتم بأدبنا المغربي و لا نوليه ما يستحقه من اهتمام ، و لا نهرع إلى نفض الغبار عن كثير من نفائسه التي يطويها الجحود و النسيان و ربما حتى الحسابات الضيقة .
  • لو طلبنا منك أن تنجز بورتريها مقتضبا عن محمد الاحسايني ماذا سيكون جوابك ؟
  • أنا رجل بسيط يأكل خبزا و يمشي في الأسواق ، و أن تسمع بالمعيد خير من أن تراه ، مادا تعني كتابات محمد الاحسايني بالنسبة لمجتمع يتطور ؟ إن الاحسايني يتوحد مع هذا المجتمع ويؤثر فيه و يتأثر به ، شخصيا لم أكون نفسي و لم أسعى إلى تشكيلها وفق هذا الشكل ، و إنما المحيط الاجتماعي و الثقافي هو الذي أنتج هذا ال ” محمد الاحسايني ” .
  • بماذا تود ختم هذا الحوار ؟
  • كل ما أتمناه هو أن يعاد النظر في الثقافة المغربية و في آليات اشتغال المشهد الثقافي تحديدا ، لا بد من مساءلة الثقافة العربية / العربية و الثقافة العربية / الغربية ، و نسائل أنفسنا من نحن ؟ و لمن نكتب ؟ و لمن نقرأ ؟


نشر في 6/02/2006 7:10:00

‫0 تعليق