محمد الإحسايني: في عتبات الكتابة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ألقى الكاتب محمد الإحسايني هذه الكلمة بعد عرض الأستاذ سعيد يقطين لرواية الأزمنة السبعة في نادي الأسرة بالرباط وبعد الشهادة التي قدمها عنه الزميل عبد المجيد فراس الصحافي العراقي المقيم في المغرب. كما ألقاها في اللقاء الذي عقدته رابطة الأدب المعاصر في الجديدة، والتي حلل فيها الدكتور عبد الرحيم كنوان ” الأزمنة السبعة ” بحضور الدكتور مصطفى الطوبي ، وعدد من الأساتذة المهتمين بالرواية، وجمهرة من مثقفي المدينة …

يعد الكاتب هذا النص مواجهة لتخبط النقد الروائي، دون تحديد…
أتخيّل هدوءاً يستحوذ عليّ ،أجده في الإصغاء لحوافز الكتابة ذاتها،أجده يسخر مني ومنك، ومنا جميعا.
عناصر تختمر في الذهن، ألبسها، تلبسني، في أهبة الخروج من عالم مفعم بأفكار، تتزاحم، تحرك دواليب القلم، قبل أن يفطن المرء في حمأة الكتابة أنه عاجز فعلاً عن ترجمة أفكاره، مشاعره إلى العالم الخارجي.

تدخل الكتابة إذن، وضمنها الكتابة الروائية، في بؤرة من التوتر، تصادر على أنهـــا إبحار في عيون الكائنات، في الأمكنة والأزمنة، تجاه الخلاص، خلاص من العبوديـــة وانحطا ط الذات. فالكتابة خروج من دائرة التيه،وكسر للحلقات المفرغة. إنها بمعنىً ما، إعادة تأكيد شرط وجود،انتصار للذات،احتضان للموضوع، حبو اليه
واحـتـبــاء، تمازج في كيان موحد،لا انفصام له.أ لم يقل سقراط: اعرف نفسك بنقسك، كأنما كـان
يخاطب الإنسانية كلها؟
لعل هذه الجذور الممتدة في الذات البشرية، هي التي كان سقراط يبحث عنها.
الكون شاسع بالنسبة للمبدع،ولكنه يتبلور بفعل الكتابة، بإلحاحاتها المتدفقة، بيـن لسان الريشة الملتصقة باليراع، يسوّد موات البياض.
يصمت الورق هامداً في كون يتأرجح بمشاعر وأشواق ثرة، قد يمتدّ قربك، خلفــك، وأمامك،وأنى رميتَ بالطرف، محدقاً أو ساهماً .وقد ينطلق إلى ما وراء الواقع الملموس في إصرار.
من يُحدث إذن خيط التواصل؟
وأي نداء يحث الهمم القعساء في هذا الزمن الرمادي؟
بعبارة أخرى، من يحرك أشياء قابعة في النفس البشرية؟
الكتابة الحق، هي التي تمتلك جرأة الاستصراخ،هي التي تتوجه إلى الإنسـان، والإنسان، هو هذا الكون الذي أطلنا الحديث عنه في بضع كلمات، هو هذا اللغز الذي يشبه الحجر الفلسفي لدى البعض، والذي حل في، أنا،وأنت، والهو، والنحنُ.
ومع ذلك؛ فالكلمة كائن حي،بالرغم من أن الخط ، كما يقال، ميت، صامت، مثل بياض الورق.
لكن…عندما تدور به المطابع،يصبح الحرف المخطوط،، كائناً متحركاً، مشخصاً، مجسداً،يُظهر ويُخفي كثيراً من الأشياء، يعري،يفضح، يترك نقط الصمت تتكلم بلاغتها.
الراغب في الكلمة الحية، لا يتنكب عنها الطريق؛ بل يسير في مناكبها نحو العتبات المقدسة، نحو الإبداع…
اللغة، طقس يومي، يُمـَارَس ساعاتِ العشق تجاه عتبات الكتابة. والارتباط بالكتابة، خيار يومي حتمي؛ وإن كان يقترن، بصفة عامة،بأدوات معرفية وفنية، لها نتوءات في الذاكرة والواقع،حيث يتذبذب حب رومنطيقي تجاه الكائنات.
لا يحتاج طقس الكتابة إلى تقديم القرابين، إنما تُمْتَشق اللغة أثناء مزاولته، أمام بوّابة لها حرمة، وسياج، وحراس شداد،لها خصوصية وكنه ما.
ويمشي الممتشق-ة- مزهواً بين خمائل القلعة، يخرق المتعارف عليه بلا إذنٍ، من الحراس، يطرز على ستائر من حرير، وينقش على بواباتها الذهبية، تعاريج الذات، وتضاريس الموضوع، يُعْمِلُ فيها الإزميل كي يصيغ استعارة، أو يتصيد معنىً هارباً أو يحجبه، أويلغيه كلية ، درءاً للفسيفساء المنحدرة إلينا من تاريخ مرصوص، مليء بالتمجيد واللعنات، أو تراه ينحت الحجر،عبر المفازات، وينسج من الرمال، قصوراً كحلم صباحي في السهوب.
تستولي على المبدع حُميا الكتابة، تراه داخل خميلة بمنعرجات منكسرة، يبحث عن أولها وعن آخرها، بلا ملل.
ما أشبه ذلك بيوتوبيا في مملكة الله!
يكون عليه ان يتخلص من كل قالب جاهز،في ابتذال لغة الكلام.
يكون عليه الا يترفع؛ بل إن عليه أن يتمسح بعتبات الكتابة، أن يمزج تجربته بكل ما يدور حواليه، وفيه،وإليهِ، وعليهِ، والهناك،في انسجام وتوتر، حتى يدرك بنفسه وعياًكونياً . ومن غير الإنسان يستطيع ذلك!

هل للكتابة كل هذا النبل؟
أجل،لها، وللكـُتاب، ما ليس للنبلاء على مدى التاريخ.
لكنْ، من يهتدي إلى عتباتها المقدسة؟

نشر في 24/08/2006 9:40:00

‫0 تعليق