زهرة زيراوي: رسام عاشـق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

(۱)
ينزل صوب الرباط تاركا خلفه مدينته الصغيرة، تاركا أسرته و بيتهم البسيط. ليس معه غير فرشاته التي اكتهلت و ألوان محايدة منحته سر تمازجها.

ها هي المدينة تستدرجه، تتكدس مبانيها لصق بعضها البعض. فيما يشبه رهاب الكوابيس التي كان وهو طفل يتعرض لها.
نشرات أخبار طويلة عن الحروب في فيتنام، عن العراق، عن نيويورك…
يتذكر تحذيرات “روزموس” بالمنفى:
“لا بد من أن تتخلى عن ذاتك، لابد من أن تصبح الذات التي يمكنها العيش في هذا النتاج المصطنع الكبير”

  • لا يا روزموس لن أتخلى عن ذاتي
  • لن أصبح الذات التي يمكنها أن تكون هذا النتاج المصطنع.

(۲)
ألف أن يجلس إلى نفسه، يتذكر:
كانت الطبيعة ساكنة، والشمس معتمة. و كانت الغرفة التي بداخلي أكبر وأجمل مما عليه في الخارج، كنت أحلم:
مثقف صغير أو فنان صغير يكون أفضل إذا كان حالما! و سيظل الحلم كقوس قزح يتألق داخلي
يفكر في القصيدة التي يرغب في تحويلها إلى لوحة
انقطعت !
كأني فقير الروح
سيمضي العام في حذاء
ثقيل ، ثقيل
فكر في الانقطاع، فكر في الروح، في حذاء العام الثقيل، فكر في الألوان التي يدعوها هذه الليلة، عساها تنازل هذا الانكسار!

(۳)
يرى اللوحة تكاد تستقيم في مخيلته، تذكر ناقدا سمعه يوما يعلق ساخرا من أعماله:
النشاؤون الجدد
عله كان يريده أن يرسم أو يكتب ما يريده هو، وكان هو مدفوعا باتجاه آخر. هامسه اتشيخوف:
دعهم، دعهم. مهمتك أن تلقي بعض الضوء على أبطالك، وأن تتكلم لغتهم.

(٤)
كمن يحمل ثقلا في الجهة اليسرى من صدره، يمشي مثقلا بطفولته، بالأربعين عاما التي مرت، يفكر في المحطات الثلاث،،، كل واحدة تختلف نكهتها عن الأخرى:
جكلين، شفيقة
قبلهما و بينهما نساء كثيرات مررن به أو مر بهن، كن كالمدن الكبرى التي لا تنتبه إليها إلا بعد أن تتركها. ضجيج الشارع يقطع عليه ذكراه. يبتسم ثم يخلو إلى نفسه. تذكر كيف داعبه القدر بجكلين، كان مغرما برسم نساء ناشفة أنوثتهن. أما هي فقد كانت نساؤها مترفات، بهن رواء. علق يوما على نسائها:
اطمئنان إلى ترف الجسد
ردت عليه: ما ذنبي!… لو كانت عيناك لا ترى غير ذلك!… هل تريد أن أبادلك بإحدى نسائي عسى إحدى نسائك تنضح أنوثتها ؟
يبتسم إذ يتذكر درسها في المحو. هكذا هي دائما، جادة و حاسمة لكنها تعلم.
من يومها تعلم ألا تخدعه عينه، تعلم أن يمحو ويعيد كتابة العالم.

  • هل يكتب لها اليوم عن حاله؟
  • هل يصارحها بكل شيء؟
  • هل يقول لها ما قاله له الطبيب؟
    لماذا يصك نفسه عن ندائها المتواصل منذ أكثر من شهرين؟… هل يعتذر لها عن هذا الجفاء؟ … أي جفاء يا رجل؟ !…
    الحكاية هي أن تكون قادرا على أن توجه الآخر نحو تخوم أخرى للفرح، ألا تغلق عليهم فخاخك… الأمر يتعلق بقصة قديمة علمها له جاك بريل:
    أفكر في الأزهار
    في سلام الروح
    همهم لنفسه: نعم جاك
    أفكر في الآخر
    في أن أدع النهر يجري.

(٥)
تقول جاكلين في بريدها الإلكتروني:
برودة الجدران، الأرصفة، المساءات
سروالك الرمادي المرمي هكذا عرضا على الأريكة البنية اللون، والقميص البنفسجي المقذوف إلى جانبه كأنك قد خرجت منهما للتو، وكأنك ستدخل الغرفة الآن فترتديهما من جديد.
ثلاثة شهور أرتب الغرفة، إلا فوضاك، أستبدل زهرة العصافير التي تحب بأخرى.
من الصعب علي أن أنسى ملامحك وأنت تودعني آخر مرة. مرت ثلاثة شهور، كنت متعبا ولكن لا يبدو أنك حزين، أو تضمر فراقي !
هل تذكر نساءك اللائي كنت ترسمهن منذ أكثر من عشرين عاما عندما التقينا، كن صارمات و ناشفات ومفعمات بشيء ما غامض، ألم مبهم.
لقد أحالني صمتك الآن إلى نفس الصورة. أما أنت فعل نساءك الآن وهن يتصاعدن من جو الرباط المليء بالفتيات الجميلات، يتنفسن الهواء من أجل عشاقهن فيزدهرن.
سيصيبهن الاضمحلال لو أقلعن عن ذلك.
أنا الآن مصابة بالاضمحلال
أنا الآن أرسم نساءك المتعبات

(٦)
يجري النهر في داخله فيتذكر شاعرة زارت محترفه، طالعتها على الجدران رسوماته وقصائده. قرأت مقاطع من قصيدة مكتوبة على الجدار. قال لها مشيرا بسبابته للقصيدة، هذه لوحة، أضاف مبتسما: لا حدود عندي قد تصبح إحداهما الأخرى.
قرأت عليه مقطعا من قصيدة كتبتها من أجله
امراة تصعد منى
تشرب فراغها الليلي
ثم ترفع عقيرتها:
أنا خائفه
العالم بحاجة إلى حروب
وأنا بحاجة إلى رجل
يتذكر:
من أجلها رسمت لوحة لامرأة تطلع من زهرة العصافير
أضأت وجهها بنور. كنت أريدها أن تفيض على القماش ، قلت لها مع نفسي :
هذا كل ما أملكه من أجلك
قلبى عند امرأة بعيدة
ولا أستطيع اقتلاعه منها

(۷)
كان تعبير وجهه حنونا، تشيع منه طمأنينة غير مفتعلة إذ يخلو إلى نفسه، فجأة تباغته صور لنساء عرفهن تكمل كل منهن الأخرى.
تطل عليه في لحظته هاته شفيقة الطبيبة النفسية التي علمته أن الإنسان هو غير ما هو عليه ظاهريا، وأن داخله مجموعة من القارات الغامضة. وعليه أن يسير في هذه القارات مكتشفا الجمال الداخلي.
حدثته عن الفصام عن البارانويا.عن ما تزخر به البحيرة في اللا نهاية
قالت له شفيقة :
هذا الصباح زارني في العيادة فصامي، سألني:

هل تعرفين تجليات الماسونية؟
قلت:
كيف؟
قال تتجلى الماسونية في المستطيلات
في الحيوانات: كفئران ميكي ماوز
أيضا كسبع طماطم العلب، و سبع الشركة السينمائية الأمريكية
أيضا تتجلى الماسونية في أنصاف الدوائر.في النقش كالنقش الموجود على بعض أبواب المساجد.
ثم سألني:
هل تعرفين بعض أغاني الماسونية ؟
أعدت عليه سؤاله:
و أنت؟
إذ على الطبيب أن يوهم الفصامي بأنه يعرف كل شيء
تضحك شفيقة وهي تستعيد أغنية الفصامي عن الماسونية:
الماسونية أ للا
قفطانك محلول أ للا
وحواسي كل حواسي
تشتعل يا للا
هامسا همهم لنفسه:
كلنا فصاميون، كلنا برانويا. المهم هو طريقة التعبير عن هذا الفصام
ما تعرفونه: أني أحببت جاكلين
ثم أحببت…
فشفيقة.
أما أنا لا أعرف حتى نفسي.

(۸)
لقد رحلت شفيقة، قبلها غيرها
رحلت جاكلين. رحلت بنسائها العاريات بدرسها الخالد الذي علمه فن المحو
رحلت و لكنه ما يزال يحبها
توقف عن الكتابة إليها منذ ثلاثة شهور
ردد لنفسه:
وحيدا تأبط سرك
عرفت فالزم
إبنتهما ألآن تكبر عليه ألا يعلمها العداء، سماها البتول لتكون فسيلة نخل تغرس في مكان آخر مستقلة ولكنها لا تذبل.
رسائل جاكلين على الانترنيت تتابع ، لا يرد، يهمهم: عرفت فالزم.

(۹)
قريبا سيحوله الطمي إلى شيء آخر، إلى زهرة النعمان، أو عباد شمس، أو… فقط لا يريد أن يكون فطرا
نظر إلى جسده هذا الجسد الذي امتطاه كثيرا.
فاجأه الطبيب: عما قريب… قريب ماذا؟ تأخرت.
يهوي قلبه في فراغ سحيق… ثم يتجلد، فكر في الزمن القليل المتبقي لديه
فكر فيما سيرسمه في المتبقي، لم يعد يخاف الموت
موته الآن يمشي معه، أمسك عن الكتابة إليهن، لا يريد أن يراهن حزينات.
جاكلين ألآن مبتسمة وعاتبة. لا تعرف سبب صده، تقف أمام نسائها في لوحاتها، ستعيد كتابتهن، مجراها لن يجف.
رأى لوحاتها على الأنترنيت، هذا ما كان يريده

تكتب إليه إبنته عن قوتها عن مجابهتها للخوف، عن الزمن، عن النهر الذي قال لها عنه يوما: ينبغي ألا يتوقف.
تكتب إليه الشاعرة:
باتجاه أخرى يبحر قاربك
سأمسك علي قلبي وأهرب
أهرب من أسرك
ابتسم مرددا:
عرفت فالزم
رأى شفيقة في عيادتها تبتسم لفصامي آخر يحكي لها عن الماسونية
يرى نهر الحياة يتدفق. وهادئا يستعيد:
أفكر في الأزهار
أفكر في سلام الروح
نعم جاك أفكر في الآخر
في أن أدع النهر يجري.
زهرة زيراوي
في بروكسل أستعيد وطني،
استعيد الأصدقاء
و الذين رحلوا.
بروكسل 2005

نشر في 6/02/2006 6:40:00

‫0 تعليق