د. محمد الداهي: مناوشة التنين الأمريكي في عقر داره

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ولد نوام تشومسكي Noam Chomsky بمدينة فيلدلفيا سنة 1928. تابع دراساته في جامعة بنسلفانيا في مجال الألسنية والرياضيات والفلسفة. حضر أطروحة الدكتوراة سنة 1955 في موضوع البنية المنطقية للنظرية اللغوية. ويدرس حاليا في معهد مسشيوست التكنولوجي M.I.T.

ويعتبر تشومسكي مؤسسا للنطرية التوليدية التي تحاول الإجابة عن الإشكالين التاليين : كيف نميز المعرفة اللغوية لمتكلم متحكم في لغته؟ وكيف تكون هذه الكفاية مكتسبة؟ وقد أصدر في هذا المجال عدة كتب نذكر منها على وجه الخصوص : البنى التركيبية (1957)، واللسانيات الديكارتية (1966)، والمعرفة اللغوية (1986)، وقضايا معرفية (1987)، والتركيب الجديد (1982). لكن تشومسكي لم يبق سجين تخصصه، بل تورط في شرك الشأن العام. ولم يكتف بالمعاينة والتتبع، وإنما أصدر كتبا وأجرى حوارات تكشف عن مضمرات اللغة الدعائية لوسائل الإعلام الأمريكية، وتبين ما تتضمنه المصطلحات والمفاهيم من شحنات إيديولوجية خاصة. ويعتبر تشومسكي بحق يساريا شجاعا لأنه لايقبل المهادنة، ولايستسلم للدعاية الأمريكية العاتية، ولاترهبه وسائل الاستخبار الفتاكة. فهو يحاول أن يصدع بالحقيقة معتمدا على متون متعددة ومتنوعة، ويسعى إلى فضح الدعاية الأمريكية التي تعتم الحقائق وتقومها من منظور مصلحي ضيق، وهذا هو ما عرضه إلى التهمش من طرف الثقافة المهيمنة والسائدة. سأعتمد على الحوارت المستفيضة والممتعة التي أجراها معه ديقيد بارساميان وجمعها في كتاب ضخم موسوما ب “تواريخ الانشقاق”، وترجمها إلى العربية محمد نجار (الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1998). ويرحل بنا الكتاب عبر أهم النقط الساخنة التي شهدت أحداثا موشومة في ذاكرة التاريخ المعاصر، ويستعرض بجرأة ونقد النزاعات الإقليمية والدولية. وما يركز عليه خصوصا هو تفكيك السياسية الأمريكية واستشفاف الأوليات التي تقوم عليها وبيان مدى ارتكازها على رهان باسكال. ونظرا لوفرة القضايا المثارة، فإن المجال لا يتسع إلا لذكر ما هو بارز منها.

  1. اللغة الدعائية:
    كان جورج أرويل يردد كم هي اللغة سمجة ومشوهة عندما تخدم أغراضا إيديولوجية. ولما نبحث عن العلاقة الموجودة بين اللغة والسياسة نجد كثيرا من المصطلحات (على نحو العالم الحر والمصالح الوطنية) مصطبغة بالصبغة الدعائية. وفي هذا الصدد اضطلعت دوائر العلاقات العامة في الأربعينات باستبدال المصطلح الواصف للرأسمالية بمصطلحات جديدة على نحو المؤسسة الحرة والعالم الحر. ومن المصطلحات الأساسية في المحافل الدولية نجد مصطلح الإرهاب، وقد اعتبر عنصرا حيويا في السياسية الخارجية الأمريكية. وما يسترعي الانتباه هو وصف الولايات المتحدة بعض الدول بالإرهاب، في حين لاتوصف هي بهذا الوصف رغم ما قامت به من أعمال وحشية على نحو إبادة البشر في تيمور الشرقية التي كانت مستعمرة برتغالية، والتورط في مذبحة بول بوت، وشن غارة جوية على ليبيا. وعندما نسمع زعيما سياسيا يصدع بعبارة ” أقوم بهذا من أجل المصلحة الوطنية “، فهو في الحقيقة لايدافع إلا على مصلحة جماعة صغيرة من النخب المهيمنة. فعبارة ” المصلحة الوطنية” تستخدم لتشير إلى المصالح المشتركة للنخب، ولا تمت بصلة إلى مصالح المواطنين لذلك لايجب عليهم الدفاع عنها. “فهي غالبا ما تتعارض مع مصالحهم ” ص83. ولاتتوفر الدولة على وزارة الصدق بل على أجهزة مخصوصة للدعاية، وتتحكم فيها وسائل الإعلام والصحافة وزمرة المثقفين. ولكي يميز المرء الحقيقي من المزيف عليه أن يتزود بوسائل الدفاع الذاتي. وهذا لايتحقق إلا في المجتمعات الديمقراطية التي تحترم حرية الفرد، وتوفر له قنوات عديدة لروز الحقيقة وتمييز المحق من الباطل. والتاريخ تتحكم فيه الفئات المتعلمة التي تقوم الماضي حسب رؤيتها الخاصة إلى العالم. وهي فئات قريبة من دواليب الحكم، كما أن أفرادها لديهم حظوة الوصول إلى السلطة وممارسة الحكم، ويعتبرون المفوضين الثقافيين لنظام الهيمنة أوالسيطرة السائدة.
    عرض المؤرخون الأمريكيون عن ويلسون بأن يرغبون في القيام ب”الهندسة التاريخية” لجمع الحقائق التاريخية لخدمة سياسة الدولة. وقد اعتبر الصحفي الأمريكي والترليبمان في عام 1921 بأن فن الديمقراطية يتطلب صناعة الرضا أو القبول، وهو ما يعني بلغة أورويل السيطرة على الفكر. ووسائل الإعلام غالبا ما تؤدي دورها داخل الأوساط الثقافية. وهذا صحيح لعدة أسباب. فهناك أسباب عديدة، نذكر منها أن المتعلمين يتلقون وسائل الدعاية أكثر من غيرهم بحكم قراءتهم للصحف، ويعتبرون عملاء لوسائل الدعاية والإعلام لأنهم يصدقونها ويتقاسمون معها المصالح واللغة المشتركة. وتعتبر وسائل الإعلام مؤسسات مندمجة مع يعض المؤسسات الرئيسية في البلاد. والأشخاص الذين يملكون ويديرون هذه المؤسسات ينتمون إلى نخبة المالكين وذوي رؤوس الأموال والمصالح المشتركة، ولذلك فهم يحرصون على إبقاء علاقتهما الحميمة مع سلطة الدولة. وتريد هذه الفئة أن تحصل على أخبار مسربة منها، وتتلقى دعوات إلى المؤتمرات الصحفية الرسمية. ” وهي تريد أن تحتك مع وزير الخارجية، وكل أنواع المهمات. ولفعل ذلك، فإن عليها أن تمارس اللعبة نفسها المتمثلة في قول الأكاذيب…” ص75. وداخل هذا الخضم تتبدد صورة الصحفي المستقل أو الفردي. فمهما حاول أن يكون نزيها وشريفا وغير منحاز لجهة ما، فإنه لايستطيع للأسباب التي ألمعنا إلى بعضها.كما أنه سيعلم من قبل رئيسه بأنه عاطفي جدا ولذا ينبغي له أن يتحلى بالجرأة والموضوعية،ثم ستصدمه مع مر الأيام هذه العبارة الصاعقة ” يازميل اتبع الخط، أو أنك ستكون خارجا عنه “. وهذا يتطلب منه أن يرضي رئيسه والفريق الذي يشتغل معه. أما عامة الشعب فهي مهمشة، ولاتشارك في النظام الديمقراطي ولاتهتم بالشأن العام لأنه -في نظرها – لايعنيها ولايستجيب لرغباتها وطموحاتها.
  2. سلطة النخبة ومسؤولية المفكرين:
    تأتي نخبة صانعي القرار السياسي في مقدمة الهرم الاجتماعي، وهن المهمات التي تضطلع بها نذكر أساسا التأثير في مجريات الأحداث الاجتماعية والاقتصادية، وإصدار قرارات حاسمة تهم الاستثمار والتوزيع والانتاج. وتأتي بعدها جماعات تشغل مناصب مديرية سامية، وتنهض بتدبير شؤون المؤسسات السياسية والمالية، ثم جماعات تتحكم في المواقع الإيديولوجية والصحفية العليا. وتشترك كل هذه النخب في قدرتها على الـتأثير في المجتمع وتوجيه الرأي العام، نظرا لتمتعها بنفود سياسي وقوة اقتصادية. وتسيطر على الحقل الإعلامي مجموعة محدودة من الناس، تعتبر الجهاز الإعلامي مجالا خصبا لترويج المال واستجلاب الأرباح. وهكذا تعتبر بعض الشبكات التلفزية والصحف الرئيسية جزءا أوسع من شبكات مالية وصناعية. فالمشاهد لن يدفع ثمنا مقابل مشاهدة برنامج تلفزية، لكن كلما ارتفع عدد المشاهدين له إلا وارتفعت مستويات وتكلفات الإشهار والدعاية.” إن جهاز الإعلام من وجهة النظر الاقتصادية على الأقل، هو نظام أساسي لمؤسسات رئيسية تحاول بيع انتاجها… لذلك فإنها جميعها مطوقة بإحكام ضمن نفس النظام من الهيمنة والسيطرة اللتين تنظمان الاقتصاد وتديران الدولة بشكل كبير” ص 140. ورغم التباين الظاهري بين مختلف هذه النخب، فهناك تفاهم جماعي غير معلن فيما بينها، ويتمثل اساسا في حرصها على الحفاظ على المصالح المشتركة. ونعاين الظاهرة نفسها فيما يخص عالم رجال الأعمال. فليس مدهشا أن ترى رئيس مؤسسة يضطلع في الوقت نفسه بمشاركة زملائه ونظرائه في لعب الأوراق وشرب الجعة وعقد الصفقات وإبرام العقد الهامة. وهذا ما ينطبق تماما على النخب، فهي تمثل فئات قليلة وثرية، تدخل في مصالحات غير معلنة مع أطراف أخرى بدءا من حفلات عشاء وانتهاء بحضور الاجتماعات الحاسمة التي تهم العلاقات الخارجية وبتزويد المراكز الحكومية العليا بممثلين لشركات الاستثمار ولمؤسسات تجارية وإعلامية. وما يجمع بين النخب و الحكام هو استخدام السلطة بفعالية لضمان الاستقرار والسلم الاجتماعي. وهذا ما يجعل النخب الحاكمة تنظر إلى الجماهير كعدو محتمل، لأنها تتخوف من فقدان السيطرة عليها. وفي حالة ما إذا خرجت الجماهير عن نطاق السيطرة ، فمن الممكن أن تقوم بشتى المحاولات الخطيرة. ويحبذ جون جاي في سيرته الذاتية الحكمة القائلة بأن ” الشعب الذي يملك البلد يجب أن يحكمها”. وهذه الطريقة بالذات هي التي انبنى عليها النظام الدستوري الأمريكي. إنه نظام يعتبر فيه الرجل الأبيض مالكا وحاكما وله كافة الامتيازات. وما تخشاه جماعات النخب هو ما أصبح يدعى الآن بأزمة الديمقراطية التي تعني ظهر فئات جماهيرية جديدة تحاول أن تنظم نفسها لتحل محل التنظيمات الوسيطية التي لاتعبر عن تطلعاتها ومشاكلها. لكن يمكن أن يكون لها دور أساسي في التداول في الشؤون السياسية والمشاركة في تفعيل الديمقراطية وتطوريها. وذلك ليس اكتفاء فقط بمشاهدة ممثلي الشعب على شاشة التلفزة وإطرائهم والتصفيق لهم،بل بالاشتراك الفعلي والحقيقي في إعداد وبلورة البرامج والإسهام في انتخاب الممثلين. وهذا لم يحصل لحد الآن في الولايات المتحدة الأمريكية نظرا لوجود فئات عريضة من الجماهير غير مُسيَّسة، كما أن النخب السياسية مازالت تعتمد في دعايتها واستقطاباتها على ذوي الامتيازات الاقتصادية والمالية. وليس نزوعا رومانسيا أن نجد الفئات المتعلمة هي مجرد أدوات ووسائل تستخدمها الدولة لنشر وإشاعة المبادىء الإيديولوجية. وستكون عين النزوع الرومانسي هو افتراض أن الفئات الأقل حظا من التعليم والتثقيف هي التي تتسم بالروح الثورية أو الحافز النقدي. وهذا مايساعد غالبا على خلق قاعدة شعبية لحركة فاشية تقودها شخصات جذابة تزعم بحل مشاكل الجماهير. وكثيرا ما تدفع في اتجاه التعبير عن مطالبها باحتجاجات صاخبة وعنيفة. وتوجد بالولايات المتحدة الأمريكية فئات عريضة غير مُسيسة ومعرضة لاحتمال أخطار عاتية، من بينها أساسا ظاهرة التطرف الديني. لكن لحسن الحظ فإن قادة هذه الحركة لا تستهويهم السلطة بقدر ما يسعون إلى الحصول على سيارات الكاديلاك الذهبيبة والحرية الجنسية. “وإذا ذهب أحد ما قدما مع تلك الحركات الدينية ولديه رغبة جامحة للسلطة، وليس للحصول على امتياز أو مصدر فساد، فعندئذ يمكن أن يكون الأمر خطيرا جدا في بلد مثل هذا، وبشكل خاص في فترة يمكن أن تكون فيها الجماهير مكرهة جدا على قبول درجة أو حالة كبيرة من التقشف. فكما حدث في عهد إدارة ريغان من حماقات اقتصادية، بل إنه أكثر عموما في الفترات التي تكون فيها الدولة في حالة ركود نسبي في القوة، ركود في مقدرتها أو قدرتها للسيطرة على السيطرة العالم، وتؤدي إلى كافة أنواع الارتياب والقلق من الطعن في الخلف، ومن الخوف من الأعداء في الخارج والداخل على حد سواء” ص 147.
    وحتى العناصر الأكثر تقدمية في حركة السلام تجد نفسها مخدوعة من طرف جهاز التلقين الإعلامي. وهذا ما جعل اليسار يتخذ بالذات مواقع اليمين فيما يتعلق بمسألة كموديا إذ لم يقم برد فعل تجاه القصف الأمريكي لكمبوديا الذي قتل من جرائه الآلاف من السكان العزل. ويمكن أن يثار النقاش نفسه فيما يتعلق بالموقف السلبي لليسار وحركة السلام إزاء الأزمات العنيفة التي هزت أمريكا الوسطى، وتجاه ما قام به ” بول بوت ” وما حدث في تيمور الشرقية.
  3. الهيمنة الأمريكية:
    يتشيد النظام الأمريكي على التركيبات المؤسسية، وعلى سياسة الهيمنة والإخضاع. وتعتبر قوات الشرطة هي الأداة الرئيسية التي تستخدمها الحكومة للردع والتخويف وفرض القبول والإذعان. وتحفزها على القيام بدورها قبل أن يستفحل الوضع فيحتاج إلى “جراحة أو عملية كبيرة “، وبالتالي يتطلب تدخل الجيش الذي كان في عهد كنيدي مكرسا للحفاظ على الأمن. وفي حالة عجز الجيش النظامي القيام بالمهمة الموكولة له فإن الولايات المتحدة تتكفل بإرسال قواتها لذلك الغرض. وبما أنه يستحيل ضبط وتطويع الجيش في أمريكا اللاتنية وخاصة في أمريكا الوسطى فإن الولايات المتحدة كانت تستهدف أساسا الإطاحة بالحكومة. توجد الآن وسائل لم تكن متوفرة فيما قبل، ونذكر منها أساسا صندوق النقد الدولي وأزمات الديون التي فرضت نظام السوق الحرة، وعمقت الهوة بين الطبقات الاجتماعية. ومع ذلك مازالت الولايات المتحدة على استخدام العنف لطمس محاولات الاستقلال والديمقراطية والإصلاح الاجتماعي. وهذا مافعله تقريبا الاتحاد السوفياتي في منتصف الحرب الباردة، إذ هو الآخر استخدم الذبابات لإطفاء جذوة الثورات الاجتماعية التي اشتعل لهيبها في بعض عواصم الدول التي كانت تدور في فلكه (برلين وبودابست وبراغ). لكن الطريقة الأمريكية في القمع والتدخل كانت أقوى من مثيلاتها السوفيتية، لأن الولايات المتحدة تعتبر قوة عالمية، وتسعى إلى السيطرة على الكرة الأرضية، لذا فهي تعتمد على أسلوب العنف للإطاحة بالحكومات في شتى أنحاء العالم، وتعذب رؤساء أو كتاب النقابات المهنية، وتحاكم نوريغا (الرئيس السابق لبنما) بمحكمة ميامي. ” علاوة على ذلك، فإن الاتحاد السوفياتي، وهذه ثانية سابقة لم يحدث له مثيل، قد اعتذر عن العنف الذي مارسه سابقا.فظهرت العناوين الصحفية الكبيرة على صدر الصحف الأمريكية لتعلن بأن الروس قد انضموا أخيرا إلى العالم المتحضر لأنهم صرحوا بأن غزو أفغانستان قد انتهك القانون الدولي وكان غزوا غير مشروع. فذلك مدهش. فعليك أن تستبعد أن تجد أي واحد يقترح بأن الولايات المتحدة يمكنها أن تكون في مستوى ما قام به الكرملين. وتقول أو تصرح بأن العدوان على جنوب فيتنام قد انتهك القانون الدولي وكان لا أخلاقيا… ونقوم بالاعتذار على غزو كل من جمهورية الدومنيكان أو غرينادا أو بنما. ودعنا لانعود للوراء كثيرا، فهناك العديد من الحالات التي قد نتصورها أو نذكرها ” ص 204/205.
    ويعتقد تشومسكي أن الحرب الباردة قد أسيء فهمها من قبل اليسار أو اليمين على حد سواء. فإذا ما عاودنا النظر فيها فسنجد نوعا من الاتفاق الضمني في إدارة العالم. فجزء كبير من الحرب الباردة أتاح للولايات المتحدة شن حرب ضروس ضد العالم الثالث والسيطرة على حلفائها في أوربا الغربية، ومكن بالمقابل الإتحاد السوفياتي من الإبقاء على إمبراطوريته الداخلية. ورغم أفول نجم الاتحاد السوفياتي، فإن الحرب الباردة مازالت مستمرة، لكنها هذه المرة يتحكم فيها طرف واحد هو الولايات المتحدة. ولم تكن النخب الحاكمة الأمريكية والأوروبية مرتاحة للانفراج والانفتاح. وتعود هذه القصة إلى منتصف الأربعينات، حيث كان للولايات المتحدة دورا رئيسيا في تقسيم ألمانيا لتقويض حماس الحركة العمالية والحد من “العدوان الإيديولوجي” القادم من الشرق. وكان جورج كينان يدعو سنة 1946 إلى تحصين ألمانيا الغربية من التأثيرات القادمة من الشرق لإعادة النظام التقليدي والـتأكد من عدم وجود نزعات اشتراكية ديمقراطية أو حركة عمالية قوية. فذلك كان جزءا مما كان يجري في العالم بأسره، وما كان يجري منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.
    منذ بداية الثمانينات بدا واضحا أنه من الصعب الإبقاء على استمرار الامبريالية السوفياتية. ولما تسلم ريغان زمام الحكم كان ملزما عليه أن ينفذ البرامج العسكرية التي اقترحت في عهد إدارة كارتر. وشنت حملة ضد الكرملين بوصفه راعيا للحركات الإرهابية. وفي هذا الصدد تحدث إلكسندر هيغ عن سعي الولايات المتحدة الحثيث لاستبدال الإرهاب الدولي بحقوق الإنسان. وفي الوقت الذي أصبح هذا المفهوم الأخير مثار اهتمام دولي، تقوم الولايات المتحدة بشن غارة على التراب الليبي، كما فرضت عقوبات تجارية على تايلاند بسبب فرضها قيود على التبغ الأمريكي وعلى إعلانات السجائر. وقد قارن شهود عيان ذلك بحرب الأفيون التي حدثت في أربعينات القرن التاسع عشر، عندما أجبرت بريطانيا الصين على قبول الأفيون لأنها لم تستطع أن تبيعها أي شيء منه ونشرت وباء الأفيون بعد أن أجبرت الصينيين على قبوله بواسطة الحرب. وتستخدم الولايات المتحدة المساعدات ذريعة للتدخل في البلدان أو المناطق المستهدفة التي تتوفر على حركات تمرد أو عصيان أو تهريب المخدرات. فالمساعدات الأمريكية لكولومبيا كانت تهدف للقضاء على ظاهرة تهريب المخدرات، وانتهت المساعدات المزعومة بأعمال وحشية ضد زعماء الفلاحين، وبارتكاب مجازر ضد زعماء الأحزاب السياسية المستقلة. فعندما تتحرك الولايات المتحدة في هذا المجال فهي تسعى إلى تثبيت هيمنتها ونفوذها على البلد المستهدف. وقد تكرر سيناريو غطاء التدخل في كثير من البلدان على نحو كوستريكا وبيرو وبوليفيا وبنما. ومن بين الذرائع التي تم الارتكاز عليها في غزو بنما هي أن الولايات المتحدة تدافع عن نفسها ضد تهريب المخدرات. “لقد كان أمرا مضحكا، بيد أنها استخدمت كعنصر دعائي فعال شيئا ما” ص 215.
  4. النظام العالمي الجديد:
    لقد أصبح منذ حوالي عشرين سنة الأخيرة أن العالم تتحكم فيه ثلاثة قوى (الولايات المتحدة وألمانيا واليابان)، وهو ما جعل الولايات المتحدة تعاود النظر في وضعها الدولي محاولة استرجاع النفوذ الذي كانت تتمتع به لما كانت خلال عقود من الزمن متربعة على عرش العالم. فوجدت ضالتها أساسا في القوة العسكرية. وما ساعدها على ذلك هو انهيار الاتحاد السوفياتي والدول الشرقية التي كانت تدور في فلكه. وهذا ماغير النظام العالمي من عدة جوانب، وحفز الولايات المتحدة الأمريكية على انتزاع القوة العسكرية العظمى الوحيدة في العالم تتدخل كما تشاء دون أي تخوف من رد فعل سوفيتي محتمل. “وهكذا فنحن لدينا نظام عالمي جديد، وبقوة عسكرية عظمى واحدة، وثلاثة قوى اقتصادية رئيسية ومجال جديد مفتوح للاستغلال. وإن هذه القوة العسكرية العظمى ليس لها قاعدة اقتصادية طويلة المدى لتنفيذ أعمالها العسكرية لوحدها. لذلك فإن عليها إجبار حلفائها على دفع النفقات المترتبة ” ص258. وتميزت حقبة ما بعد الحرب الباردة وبروز القطبية الأحادية بغزو بنما والعراق. وما يجعل الولايات المتحدة تسعى دوما إلى السيطرة على الشرق الأوسط هو توفرها على احتياطات هامة من النفط. لذلك فهي – بمساعدة الدركي إسرائيل – تعارض أي تدخل أجنبي في المنطقة وتقمع الحركات الوطنية المستقلة. وقد تبينت قيمة مصادر الطاقة النفطية منذ الأربعينات. ويكفي أن نستشهد بتقديرات وزارة الخارجية، فقد وصفت النفط السعودي على ” أنه مصدر هائل للقوة الاستراتجية “وأنه” من أعظم الجوائز أو المنح المادية في تاريخ العالم “.
    وهذا ما يبرر – من أشياء أخرى – الهجوم على العراق، في حين تغافلت الولايات المتحدة عن أمثلة انتهكت فيها دول شرعية دول أخرى. ويمكن أن نستدل بالمثالين التاليين. أولهما يهم تركيا وثانيهما يخص إسرائيل. فعندما غزت تركيا شمال قبرص، ضمته إليها فعليا، وقتلت مئات الأشخاص، ونهبت المواد الأثرية، وشردت أسرا كثيرة. أما في حالة إسرائيل، فهي بدورها قد هجمت على دولة لبنان، وقتلت حوالي عشرين ألف شخص في هجوم واحد، وكانت تقوم بقصف العاصمة اللبنانية بصلافة أمام كاميرات التلفزة. ولم تكتف الولايات المتحدة بالتأييد والدعم بل كانت تستخدم الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن الداعية إلى شجب الدولتين الغازيتين. ومازالت الولايات المتحدة تستخدم ضد كافة قرارات مجلس الأمن التي حاولت إدانة الأعمال الإسرائيلية الوحشية، وإيجاد حلول سلمية وعادلة للقضية الفلسطينية.
    ومن علامات النظام الجديد هو قيام الولايات المتحدة بدور المرتزقة الهسيين الألمان إبان الثورة الأمريكية، ثم حصول ركود في البنية التحتية الداخلية. فمنذ 1945 إن لم نقل 1917 (الدعم الأمريكي لموسيليني) إلى حدود نهاية الثمانينات كان التدخل الأمريكي يتم بدعوى الحد من الخطر الشيوعي، ولم يصبح هذا المبرر مقبولا الآن، لكن الإدارة الأمريكية تبحث دائما عن مبررا أخرى. فهي قد بررت هجومها على بنما بأنه يستهدف القضاء على تهريب المخدرات.
  5. إسرائيل: مصدر قوة استراتجية.
    كان كسنجير يطلق على اسرائيل “حارس الخليج ” الذي ينهض بالدفاع عن المصالح الأمريكية وبالقضاء على أي عمل وطني راديكالي أو متطرف. وتوجد “الوطنية المعتدلة” التي تستجيب لطلبات الولايات المتحدة. ولا تكمن المصلحة الأمريكية الرئيسية في إسرائيل بالذات، بل في مصادر الطاقة التي تعد من أرخص مصادر الطاقة في العالم. وبما أن إسرائيل تعتبر مصدر قوة استراتجية، فلقد عملت الولايات المتحدة على دعمها ماديا ومعنويا، وحرصت دوما على جعلها قوة عسكرية مسخرة لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة. وإذا كان برنامج المساعدات أو القروض يتطلب مؤشرات معينة تستدعي ذلك، فإن الولايات المتحدة لا تشترط أي شيء لما يتعلق الأمر بإسرائيل” ونقول لهم، افعلوا بها ما يحلو لكم. فاستخدموها من أجل استيطان المناطق المحتلة، واستخدموها من أجل الهجوم على لبنان..” ص 41. وما “عملية السلام” إلا لعبة سياسية لإخراج مصر من حلبة الصراع العربي -الإسرائيلي، وإتاحة الفرصة لإسرائيل لتوسيع رقعة الاحتلال، ومهاجمة لبنان دون وجدود قوة رادعة. وذلك بالضبط ما حدث ابتداء من عام 1978، فقد حدث الغزو الإسرائيلي للبنان، وازدادت حدة الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة بصورة مضطرة، وواصلت إسرائيل هجوماتها على لبنان بعد سنة 1982. وما يسترعي الانتباه في خطة كامب ديفيد هو تجاهل الحقوق الشرعية للفلسطينيين ورفض إسرائيل مقترحات أنوار السادات بصدد الاعتراف الدولي بحدود ما قبل عام 1967. لكن إسرائيل رفضت هذا الاقتراح لأنها أرادت الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة، وساندتها الولايات المتحدة في هذا الطرح. ومازالت إسرائيل والولايات المتحدة ترفضان أي طرح يخص وجود عيانيا دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل. وهذا ما حذا بتشومسكي إلى نعث الموقف الأمريكي بالعنصرية. لأن الأمريكيين اعترفوا بحق المهاجرين اليهود في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة، في حين لم يفعلوا الشيء نفسه فيما يخص السكان الأصليين أي المستوطنين الفلسطينيين.” فهذه العنصرية ظاهرة جلية في أي مكان آخر أيضا. فلنأخذ الطريقة التي تتصرف بها بالنسبة لما يحدث اليوم في جنوب لبنان. فالتفسير الأمريكي يعتبره شرعيا تماما بالنسبة لجيش الاحتلال الإسرائيلي لأن يستخدم العنف لقمع المقاومة” ص45.
    مما تقدم يتضح أن الكتاب غني بكثير من المواضيع الساخنة التي استأثرت باهتمام العالم قاطبة، وقد تناولها تشومسكي بجرأة تطبعا الروح العلمية التي تستدعي – من بين فضايا أخرى – خلق مسافة نقدية مع الموضوع. وإن كانت مثل هذه الانتقادات الموضوعية تجد من يتقبلها ويحتفي بها، فهي كثيرا ما تثير ثائرة الأمريكيين، وينعتونها بالغرابة والشذوذ لكونها – في نظرهم – غير صادرة عن أخصائي في مجال العلوم السياسية، كما كانت تلتبس لديهم إبان الحرب الباردة بالعينات الإيديولوجية الشيوعية، وهذا ما جعل وسائل الإعلام الأمريكية تهمشه، وأدى بالإدارة الأمريكية إلى إدراج اسمه في اللائحة الأعداء.
    محمد الداهي (المغـرب)
    [email protected]

نشر في 26/01/2006 10:10:00

‫0 تعليق