عثمان صادق شريحة: التوليد الدلالي. مغامرة العبارة بين المرجع والاستعمال

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


لا تنفك ظاهرة اللغة تتكثف وتنفتح على نماذج جديدة انطلاقا من خبرة التوليد الدلالي صدورا عن نماذج متحققة في بنية الخطاب وقيم كلامية راسخة بين المستخدمين، ولا يمكن الحكم عمليا على دلالة ما بأنها مولدة إلا بالنظر إلى ما تقيمه من علاقات مع ثبت الدلالات المتحققة أصلا ،فهذه العلاقات هي التي تشرع لظهور متواليات دلالية جديدة تلقى عموما قبولا في وسطها اللغوي ، لذلك تعزى عملية توليد الدلالات الحادثة إلى وجود نسق كلّي متحكم في قواعدها وشروطها.

ولم يتهيأ للمدونة العربية التراثية أن تعي أهمية التوليد الدلالي من خلال سبك المفردات سبكا مخصوصا وإخراجها على غير المعهود والمألوف إلا مع عبد القاهر الجرجاني ( ت 1086 م ) ذلك أنه أطاح بالتصوّر الذي كان سائدا منذ الجاحظ القائم على الاعتداد باللفظ دون المعنى ، فبيّن أن موطن الفرادة في العناية باللفظ إذ ” تفاصيل الأقوال واستحسانها ليس بمجرد اللفظ ، فكيف والألفاظ لا تفيد حتّى تؤلّف ضربا خاصا من التأليف “( 1 )
إن تحويل بؤرة الدلالة من حدود الألفاظ إلى حدود المعاني خلق مجالا رحبا أمام توليد الدلالات المستحدثة التي يكابد المتكلم في إخراجها من غير مثال وإنشائها من غير نموذج ، واتفق أهل البيان على تسمية الأشكال المولدة بالمجاز الذي يفارق في أصل نشأته ما تواضع عليه البلاغيون من اعتباره نقيضا للحقيقة ذلك أنه يحتمل ضروبا من تخريج المعنى وتخليقه ، ويعد تأصيل المجاز عدولا عمّا تعارف عليه أهل المواضعة اللغوية من أن كل معنى إنما له لفظ مخصوص وهو ما يحفظ للكلام النأي عن الالتباس والغموض ( 2 ) .
إن للمجاز وظيفتين أساسيتين بحسب ما تحدد في قيم الاستعمال : جمالية وبلاغية ، فالناس إنما استعملوا ” المجاز من أجل ميلهم إلى الاتساع في الكلام وكثرة معاني الألفاظ ليكثر الالتذاذ بها فإن كلّ معنى للنفس به لذّة ولها إلى فهمه ارتياح وصبوة ، وكلما رقّ المعنى رقّ مشروبه عندها “( 3 ) ، ويبدو من الصعوبة بمكان إقامة فصل منهجي نهائي بين وظيفتي المجاز ذلك أنّ من دلالات البلاغة الحرص على إتيان الأثير من الكلام ، فالمعايير البلاغية في معظمها جمالية ، ويتم توليد الدلالات واستحداثها من خلال دلالة اللفظ الواحد على معنيين أو أكثر ، وترجح أغلب النظريات الدلالية أن يكون تعديد المعاني للفظ الواحد عملية لاحقة بالمواضعة اللغوية ذلك أن الأصل أن يؤدّي اللفظ الواحد معنى واحدا ، وصدورا عن هذا التلازم اكتسب المجاز معناه ” فاشتقاقه من جاز الشيء يجوزه إذا تعدّاه وعدل عنه ، فاللفظ إذا عدل به عمّا يوجبه أصل الوضع فهو مجاز على معنى أنهم جاوزوا به موضعه الأصلي أو جاوز هو مكانه الذي وضع فيه أوّلا ( 4 ) .

ويطرح المشترك اللفظي قضية صميمية في علم الدلالة ذلك أنه لا يمكن الجزم بأنّ
أحد المعنيين هو الأصلي في علاقته باللفظ موضع الاشتراك ، فأصلية المعنى أو فرعيته لا تتجاوز حدود التأويل أو التخمين وللاستعمال أهمية محورية في تغليب أحد المعنيين وجعله مرتبطا باللفظ المشترك ارتباطا ضروريّا ، ويبدو اشتراك المعاني في اللفظ الواحد أمرا مشروعا بالنظر إلى محدودية الألفاظ من جهة ولا نهائية المعاني من جهة أخرى ، لذلك لا غرابة أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى .
وأثبتت قيم الاستعمال نجاعتها المنهجية في الميز بين النماذج الأصلية المحولة عنها خاصة بالنظر إلى قضية النقل المجازي ، أي استعارة لفظة لشيء لم تكن موضوعة له في الأصل فيشيع استعمالها وتصبح غالبة على المنقول إليه ، ويتم هذا الفعل الاستعاري سواء وجدت المناسبة بين اللفظ والمعنى أم لم توجد ، وفصّل البيانيّون درجات التعالق والتناسب بينهما، فإذا قوي التعالق بين محلّي الحقيقة والمجاز سمّوه ظاهرا وإن ضعفت أسباب التعالق سمّوه تعقيدا وفي كلتا الحالتين تأكيد على أهمية الاستعمال .
ولم يتمكّن أهل البيان العربي على شدّة وعيهم بكيفيات التوليد الدلالي من الفصل الصريح بين مدخلين متمايزين هما : التوليد الناشئ عن عناصر معجمية ثابتة صوتيّا والتوليد المتحقّق من خلال دمج الألفاظ والتأليف بينها في سياق كلامي يخضع للقواعد النحوية البلاغية من جهة والمواضعات المقامية من جهة أخرى ، فاشتراك اللفظ في أكثر من معنى ، ولئن كان في ظاهره تحويلا في بنيته المعجمية فإنّه لا يتحقق إلا من خلال عملية التأليف حيث يبيّن وقوع اللفظ في متواليات مسبوكة من المفردات ما طرأ عليه من دلالات مستحدثة لم يكن لتتهيّأ له لولا وروده في ذلك السياق باستحضار خصائص المقام ضرورة ، ويتم التوليد بالاتّساع في المعنى ، فالشوكاني يرى أنّ ” اللفظ قبل الاستعمال لا يتصف بكونه حقيقة ولا بكونه مجازا لخروجه عن حدّ كلّ منها ” ( 5 ) ، فالسبك التركيبي هو المحدد لعلاقة اللفظ بالحقيقة والمجاز على حدّ سواء ، ولا يقع الاتساع في المعنى إلا في التركيب ذلك أنّه متى تمّ العدول باللفظ عن الموضع المتداول سمّي ذلك اتساعا في معناه وإجراء له على غير ما هو معروف .
ومن وجوه الاتساع في المعنى التفريع بين جزءين كانا في الأصل متماثلين ومن ذلك الحمل على الضدّ ولا يتم تحقيق إحدى الدلالتين ونفي الأخرى إلاّ من خلال ما تقيمه هذه اللفظة من علاقات نسقية مع الألفاظ الأخرى مع تمثّل خصائص مقام التلفظ ، وكان لإشراطات المعطى الديني كبير الأثر في توجيه المعاني وجهة مخصوصة حتى تأتلف مع النص المقدس . وكشفت أعمال شلاير ماشار في حقل الهرمونيطيقا الدينية عن وظيفة التأويل المسيّر للدلالة والمتحكّم فيها ، فالاتساع في المعاني محكوم بحدود لا يمكن تجاوزها حتى لا تتعارض مع سنن سلطة النصّ المقدّس .
إنّ إقامة علاقات صورية بين الحقيقة والمجاز إجراء منهجيّ صرف ، الغاية منه تعديد دلالات اللفظ الواحد فليس للحقيقة أو المجاز وجود فعلي إلا في إطار التجربة اللغوية وهي تجربة تتجاوز حدود الفردانية لتمثّل كليّة من أهم كليات اللغة ذلك أنّ العدول بالكلام من محيط المرجعي المتواضع عليه إلى المخصوص الناشئ بمحض المقاربة خاصيّة مسيرة للغة أيّا كانت ، ومن ثمّة تصبح ضروب العلاقات المجازيّة محدّدا لاستحداث دلالات جديدة في جميع اللغات وعدم الاكتفاء بالمستعمل والكائن .
و اكتسب البحث في كيفيّات نشأة الدلالات المستحدثة قياسا إلى دلالات موجودة أصلا أبعادا مختلفة ومتنوّعة بالنظر إلى المرجعيّات المتحكمة فيه ، فإذا كان التوليد في البيان التقليدي يتمّ صدورا عن نماذج موجودة ليخلق صورا محدّثة لعلاقة بينهما ، فإنّ النظريّات الدلالية الحديثة ( 6 ) تقدّم مقاربات أشدّ تماسكا ممّا طرحه البيان التقليدي ، ففي النظريّة المرجعيّة يستدعي وجود دلالة حادثة إحالة مباشرة على العالم المتعيّن خارج فضاء اللغة ، فالتعيين – أي تحويل الدلالة من مرجعها اللغوي الصّرف إلى ما يؤشّر على تعيّنها القابل للملاحظة – هو الدليل الفعلي على وجود دلالة مغايرة للسائد وخارجة عن حدود المتداول ، أمّا نظرية الأفكار فترى أنّ استحداث دلالة جديدة هو بالضرورة استحداث لفكرة جديدة لأنّ المحدّد لمعقوليّة الكائن اللغوي هو انعكاسه في مساحة الأفكار، وليس بالإمكان انطلاقا من ذلك أن توجد الدلالة المستحدثة بمعزل عمّا تخلقه في أذهان المستخدمين من مقاربات .

إنّ هذين النموذجين الحديثين ولئن كانا أكثر صرامة منطقيّة فإنّهما – على غرار البيان القديم – لم يقدّما آليّة فعليّة لتوليد الدلالات ذلك أنّهما ربطا بين الظاهرة اللغويّة والعالم الموضوعي ربطا غير مبرّر ، ويبقى الاستعمال اللغوي المحض في اعتقادنا أهمّ دافع منطقي يعزّز كفاءة اللغة على استحداث الدلالات .

الهوامش : 1 – الجرجاني ، ( عبد القاهر ) : دلائل الإعجاز ، ص 2 .
2 – انظر ابن يعيش ، شرح الملوكي في التصريف ، ص26 .
3 – البابرتي ( أكمل الدين ) الفوائد المشوّقة إلى القرآن ، ص 27 .
4 – نفسه ، ص 28 .
5 – الشوكاني : إرشاد الفحول ، ص 26 .
6 – انظر: جحفة (عبد المجيد ): مدخل إلى الدلالة الحديثة، ص ص 22 – 25
عثمان صادق شريحة (باحث تونسي في السيميائيّات)
[email protected]

نشر في 7/01/2006 10:10:00

‫0 تعليق