محمد الأحمد: دبليو دبليو دبليو، عيناك ، دوت كوم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

• كنت أقول لعصفورتي الوديعة:

  • عيناك اللتان لا تطرفان نجلاوان وعميقتان!
    صورتها في واجهة الحاسب تطالعني كل لحظة، مذ وقعت بها على شباك المعرفة (الانترنيت) وجدتها تناسبني تماماً.. تلهب خيالي، تلهمني لحني الذي أتمناه، وكانت ذلك السر الذي يملأني، واستغلق فضَه. منهلي الذي لن ينضب، ولا اعرف أن اسميه سوى انه إحساس عميق يملأني على الدوام، ويجعلني بتمام الانتشاء كلما فكرت به، وتحل بيّ حمى عصية كأني أغادر عالمي محلقاً، طائفاً، سابحاً بلا وزن، أو كتلة لا يجذبني شيء .

تتشكل جمل الموسيقى أمامي بلا عناء صياغة، إذ لم أكُ يوماً فارغاً منها ومبتهجاً. كنت أسير بنغمي أعطي لكل عازف معزوفته مقسماً الوقت على الركود موزعاً النسمات على كل مختنق. وكانت هي بداخلي تمشي بخيلاء وتطوف في الدم كأنها نبض القلب.. لا اجروء على أن أقيد حركتها، أو أن أحد من حريتها. لا أريد أن يفلت مني هذا الصداح الذي يغمرني بالتبل، والوجد.. فيخرج صوتي الرجولي الحاد ممزوجاً بلطافتها، وحنوها مثل جرة قوس حنونه على وتر مشدود، يخرج مني النغم الوديع، المسالم، وأنا راض تمام الرضا (على العكس قبل ما عرفتها).. اجعله نداءاً ينغل في العظم ومحوطاً كل الجراح لاجل احتوائها وتطبيبها فما سمعت يد تصفق إلا هي قد برئت من مصاب عميق، ونجع علاج تام .
معجبون يعشقون موسيقاي بجنون قد أدمنوا عذوبة جملها وجزالة معانيها التي تفصلهم عن ما يعانون منه، (مثلما المدمن كل مرة يطلب المزيد) التقط حبات البيانو بفعل سحر يتدفق كالنهر بإشعاع ساطع، وعاصف.. اقتلع الألم، واجتث بقاياه بلا هوادة.. ولا أجد شجاعة عاشق أمام معشوقته.. أحس بقسوة المحيط ، وزحامه.. اختنق بتكدسه، وتتحول الخسارة الى ربح متألق، لكنها اليوم تقدمت مني لتقول لي :

  • رحماك خلصني؟
    • كانت المرة الأولى التي أراها بكل ذلك القرب.. بكل ذلك الإذلال العصيب. مبلولة يصعب عليها الرفرفة، بعد أن اهتزت الأغصان من تحتها وفاجأتها الخطورة، فأعلنت لها بصوت كله ثقة :
  • طوع يداك البريئتان؟
    أكملت في نفسي:
  • أنت.. أنت ما أتمنى؟
  • رحماك؟
    كأنها تطلع كالفيض اللامع من عمق الشاشة تفيض باللمسات وأكاد اعرفها أكثر من قبل.. دافئة بالأنوثة، شهية بعطرها وأكثر وداعة .. كأنما هبَّت عليَّ فجأة رائحة الياسمين من خلف السور العالي، تعصف في دواخلي نبضاً، وعصفاً شجيّاً، وكنت كلي آذان صاغية لها وهي تواصل القول:
  • يجبروني على أن أعود إليه وأنا من احرق البحر والسفن؟‍
    • نزل صوتها بخفة، وفرح مكتوباً أمام عازفي الأوركسترا كان ذلك النغم الذي يقصي ضجة العالم، ذلك الذي ما عثرت عليه في جمرات سهدي وتعبي أبدا، وما لم اصل إليه بقصوى جهدي وتفكيري .. كنت ملهوفا أبحث عنه، اقلب الليلة تلو الأخرى جاهداً، مجهداً ولم اكتشفه، وكأنه كان بيني وبينها ولم أضع عليه قبضتي، أو كان بين قبضتي وأنا تائه عنه. وصار كلي يتلاقف (نوتته) المكتوبة على شفتين نديتين مسحوبتين الى المغامرة، تحدقني بنظرة متوسمة، تزغرد سيمفونيتها التي لن تتوقف في ذهني:
  • هو الآخر يريدني ؟
    فهتفت:
  • من ؟
    قالت: حبيبي.
    وقلت مع نفسي: ليتني أكونه.
    فأعادت القول:
  • هو الآخر يريدني.
    مثل نغمة نشاز استفزت العصب، ولكنها استمرت تتصاعد دفقات ماء عذب، تتدفق بتوازن مهيب، ومحسوب بتزامن جعلني اقشعر، رحتُ أعيد قراءة جداول معلوماتي القديمة عنها .. رحتُ أعطي جهازي أمراً بأن يراجع ما فاته وفاتني..تبين لي إنها بجمال أخاذ مسكر ينسيني أي أمر على الدوام ما كان قبل وبعده وبقيت أهز الرأس طرباً، كالمأخوذ محلقاً في قبس النغمات الطرية، وأسرارها البديعة مكرراً إيعاز التسجيل على القرص المرن، قلت:
  • هذه أغنيتي وأنا لاجلها أموت‍ ..
    • وراحت تكمل:
  • جئت إليك فأنك الفارس الذي يستخار‍‍؟
    قلت في نفسي:
  • والحبيب ؟؟
  • أعهدهُ عاجزاً أمام جبروت زوجي.
    ولم تكن سوى دمعة تسحّ وراء الأخرى.. بتتابع هارموني متدفق ظل يهدر مثل مدّ وجزر على ساحل منسي.
  • فضحتني عيني ونبرة صوتي.
    كأنها قرأت عيني، فكشفت ما كان مخبوءاً في حافظتي، وهي تعرف بأني ما قلتُ لها يوماً كل ذلك القول، ولا كتبت أناملي بريد قلبي.. ولم اكشف لها بأني أعزف من قلبي. يؤرقني هذا الانشغال، والحيرة تدفعني للوقوف. أتملى كل هذه الضجة أتساءل مع نفسي لم كل هذه الحلاوات مختلطة بالدموع الصافية كالنبع، كلما شربت كلماتك حلقت حلماً، مثلما تأخذني الموسيقى العبقرية .. تتراكض أبوابي وشبابيكي وتنفتح على عوالم متدفقة بالنعم، فابتعد عما يسوءنا كإنسانية .. هل يكون من حقي السؤال، ويكون طعم القبل كل جواب، وليتني ارقص بالكلمات، واغني عشقي بهذه النغمات.
    ظل الندم يتسرب كلمة وراء كلمة دون صوت ..
    ليتك لم تكشفي جراحي بهذه الموسيقى .. ولكني انحنيت احتراماً للأوركسترا بعدما ضربتُ ثلاث ضربات معلناً البدء، مصوباً عيني الى عازف الكلارنيت الرئيسي ليبدأ بشدوه العذب بعد أن رسم مدخلاً للعشرة عازفي الكمان الرئيسيين ليردوا بجرة قوس موحدة القرار المكين، رحتُ أؤكد لها باني طوع بنانها، سأمشي معها إلى ما أرادت حد الموت ، مستغلق على سرها ومغنياً بصدق:
  • عيناك نجلاوان وعميقتان.
    ‏الخميس‏، 08‏ كانون الأول‏، 2005
    محمد الأحمد: كاتب وصحفي عراقي
    www.postpoems.com/members/alahmed

نشر في 2/01/2006 6:40:00

‫0 تعليق