حسن المودن: كتابة الانقـسام وانقـسام الـكتابة في نصوص أنـيـس الـرافعـي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

” … ” الإنسان مزدوج ” قلت لنفسي، إنني أحسّ
برجلين في داخلي … ” نرفال

1 ــ الانقسام لغة من قسم الشيء يقسمه قسما فانقسم بمعنى تجزأ وتفرّق وتفكّك. وانقسام الشخصية وانفصامها من الموضوعات التي اهتم بها التحليل النفسي، ويمكن أن نحيل هنا إلى دراسة كلاسيكية لأوتو رانك عنوانها في الترجمة الفرنسية: ” دون جوان ــ دراسة في القرين”. والأكثر من ذلك أن الانقسام مبدأ مركزي في التصور الذي أقامه التحليل النفسي عن الإنسان، والثورة الكوبيرنيكية التي أحدثها فرويد هي قوله: ” الأنا ليست سيدة بيتها الخاص”، لأن هناك أشياء تفكر بداخلنا وتوجه أفعالنا مع أفكارنا دون حتى أن نحاط علما بحدوث بعض الأشياء والظواهر(1).

ومن خصائص الأدب أنه يشتغل على موضوعة الانقسام، بل انه كان سباقا إلى اكتشاف انقسامية الإنسان، والتحليل النفسي لا يدرس فقط موضوعة الانقسام في الأعمال الأدبية، بل إن مبدأه المركزي السابق الذكر مستمد من الآثار الأدبية، وفرويد يؤكد على ” أن الشعراء والروائيين هم أعز حلفائنا، وينبغي أن نقدر شهادتهم أحسن تقدير،…، فهم في معرفة النفس معلّمونا” (2).
ويمكن القول إن الانقسام موضوعة بارزة بصفة خاصة، كما بينت ذلك دراسة لتودوروف، في أعمال أدبية ذات طابع فانطاستيكي. فقد كتب نرفال في حكاياته الفانطاستيكية:
” حضرتني فكرة مهولة: ” الإنسان مزدوج” قلت لنفسي، إنني أحسّ برجلين
في داخلي، …، في داخل كل إنسان هناك متفرج وممثل، واحد يتكلم والآخر
يجيب” (3).
وكتب بورخيس قصة جميلة يلتقي فيها بورخيس الشيخ وبورخيس الشاب في إحدى الحدائق، يجلسان ويتبادلان الحديث.
ويوجد اليوم عدد مهم من الدراسات النقدية يتناول موضوعة الانقسام في الأعمال السردية والروائية خاصة، واخر ما اطلعنا عليه دراسة لنويمي روبان التي صدرت سنة 1993 حول ثيمة القرين في بعض أعمال دوستويقسكي وبايون .
وأهمّ ما تسجله الدراسات المعاصرة هو أن كتابة الانقسام، انقسام الإنسان، قد أدى إلى حدوث تحول في مفهوم الكتابة نفسها، فهي لم تعد سجينة الشروط الجمالية التقليدية التي كانت تجعل من الانسجام والتناسق العاملين الأساسيين في الحفاظ على وحدة النص، فقد أصبح النص يبطن الازدواج والتعدد والتناقض، ويقوم لا على أساس مبدأ الهوية والتمثل، بل على أساس لعبة متعددة الأبعاد والزوايا(4).
عندما نعود إلى نصوص دوستويقسكي وجويس وكافكا وبروست ومالارميه وفولكنر وبيكيت ، والى نصوص نجيب محفوظ والطيب صالح وجبرا إبراهيم جبرا وغالب هلسا وهاني الراهب ومحمد زفزاف ومحمد برادة ومحمد شكري والأمين الخمليشي ومحمد الهرادي ومحمد عز الدين التازي وأحمد المديني وأحمد بوزفور … سنجد أن النص الخطي المتصل والمتجانس قد استبدل بنص مليء بالشروخ والانعراجات، بشكل لم يعد معه النص يقبل إلا بمنطق الانقسام لا منطق المماثلة والمطابقة.
وهدف هذه الدراسة أن تكشف، من جهة أولى، أن الانقسام من موضوعات نصوص التجريبيين في الأدب المغربي المعاصر، وهو ما يعني أنها نصوص تكتب انقسام الإنسان في الزمن الراهن. وأن تكشف، من جهة ثانية، أن التجريب ليس مجرد تجريب من دون معنى لتقنيات جديدة في الكتابة، بل هو عمل متواصل ولانهائي من أجل تفجير النص إلى وحدات جديدة، والكشف عن تعدد سطوحه ومستوياته، وافراغه من وحدته وانسجامه. وهذا يعني أن التجريب يجعل من الانقسام أحد مبادئه المركزية في الكتابة، بديلا لمبدأ الانسجام أو الوحدة الذي تقوم عليه النصوص التقليدية. والتجريب، بهذا المعنى، لا يمكن فصله عن التحولات والأزمات التي عرفها الإنسان والمجتمع والتاريخ، وهي التحولات التي فرضت تحولا في مفهوم الكتابة نفسه.
وقد اخترنا الاشتغال في هذه المحاولة على نصوص أنيس الرافعي، على أن تسمح لنا الظروف لاحقا لتوسيع الاشتغال فيشمل نصوصا تجريبية أخرى.

2 – انقسام الجنس الأدبي:
لا يسمي أنيس الرافعي نصوصه قصصا، فهو يصفها في مـجموعته الأولى: ” أشياء تمرّ دون أن تحدث فعلا”(2002) بـ: تمارين قصصية، وفي مجموعته الثانية: ” السيد ريباخا” (2004) يسميها: تعاقبـات قصصية. وتوحي عبارة ” التمارين” بالأشكال المتعددة التي لم تصر بعد أو لا تريد أن تصير نصوصا. فبالتمارين يتمّ تفجير وحدة الشكل التقليدي للقصة، لا من أجل إقامة شكل موحد ومنسجم جديد، بل من أجل البحث الدائم في تعددية الأشكال وانقسامها. وتوحي عبارة ” التعاقبات” بالتعدد اللامحدود والانقسام اللامنتهي لأشكال الكتابة، و” السيد ريباخا” هو مجموعة من النصوص متعددة الأشكال: قصة ـ قصيدة نثر، قصة بوليسية مضادة، قصة ميتافيزيقية من الخيال العلمي، قصة استيهامية دائرية، استخطاط قصصي افتراضي، قصة سوداء: تقليدية وواقعية تقريبا، قصة تعاكسية في فصلين، قصة إحصائية، قصة أبيقورية ساخرة. والتعاقبات فوق ذلك أشبه بـ ” اشتباكات ” الأمين الخمليشي، فهي ” قصة تؤدي به إلى قصص أخرى. قصص، إذا تتبعها، ستبتعد به، وتوغله، في اشتباكات وحكايات وأمور” ( وهذه قولة للخمليشي افتتح بها الرافعي نصوصه).
وإجمالا، فنصوص الرافعي لا تريد أن يكون لها شكل نهائي، وتفضل أن تبقى في فضاء التعدد أو الانقسام الذي تسمح به التخطيطات والتمارين والتعاقبات.

3 – انقسام اسم المؤلف:
تتوزع المجموعة القصصية الأولى: ” أشياء …” إلى قسمين رئيسيين، وكل قسم يفتتح بنقطة انطلاق ويختتم بنقطة وصول، وتحتوي كل نقطة انطلاق أو وصول على رسالة، والرسائل كلها موجهة من أنيس الرافعي إلى أنيس الرافعي.
نقطة انطلاق القسم الأول عبارة عن رسالة من أنيس الرافـعي الذي انتابته ” حالات فلسفية ” إلى أنيس الرافعي الكاتب المتمكن من صياغة الحكايات. وهي رسالة يطلب فيها الأول من الثاني أن يعيد صياغة التخطيطات الأولية التي وضعها بعد أن انتابته حالات فلسفية ممضة. وهي بهذا رسالة تقسّم اسم المؤلف إلى شقّين: الأول يفكر ويتفلسف، وهو مرسل الرسالة، والثاني يكتب ويصوغ الحكايات، وهو المرسل إليه. هل نقول إننا أمام انقسام إلى ذات تمارس فعلا ذهنيا ( الفلسفة أو التفلسف) ونفسيا ( حالات فلسفية ممضة)، وذات تمارس فعل الكتابة والصياغة؟ أيعني هذا انقسام الذات إلى الروحي( الذهني والنفسي) والجسدي ( الكتابة، الصياغة)؟
في نقطة الوصول، تقول الرسالة إن مرسل الرسالة قد تمكن من كتابة حكاياته، وأنه توصل بحكايات المرسل إليه التي طلبها المرسل. وهذا يعني أن المؤلف الذي يحمل الاسم نفسه: أنيس الرافعي قد أنتج مجموعتين منفصلتين من الحكايات: الأولى كتبها المرسل، والثانية كتبها المرسل إليه، وهما معا تتناولان الحالات الفلسفية الممضة. وتقول الرسالة انها حكايات ” متشابهة تماما مثل فراشتين من نفس الفصيلة” (ص40). وتثير الرسالة مشكلة الانتساب: أهذه حكايات الذات أم حكايات الآخر؟
والحل الذي تطرحه الرسالة هو نسب الحكايات إلى شخص ثالث يشبههما تقريبا، على حدّ تعبير المرسل. فما يهمّ ليس أن يحيل اسم المؤلف إلى هوية متطابقة منسجمة، بل إن الأهمّ هو إفراغ هذه الهوية من وحدتها وانسجامها، وتفجير انقسامها وتعددها.

4 – انقسام الشخصية:
يمكن القول إن الانقسام هو الموضوعة الأكثر حضورا في نصوص الرافعي، في مجموعتيه الأولى والثانية.
يضمّ القسم الأول من المجموعة القصصية الأولى ثلاثة نصوص، كلها تشخّص حالات الانقسام التي تعاني منها الذات الساردة. وهكذا يكشف النص الأول، وعنوانه: ” التراغم”، حتمية الانقسام. ففي هذا النص نحن أمام انقسام إلى: أنا / الجسد، وللأنا ميولاتها ورغباتها وطبائعها الخاصة، وللجسد ميولاته وأهواؤه وطبائعه. وكل واحد منهما يحاول أن يفرض نفسه على الآخر كما يتضح من هذا القول: ” أدلف به أنا فيما يشبه التهديد من المرحاض إلى المطبخ، ثم يجرّني هو من تلابيبي رغما عني من المطبخ إلى الشارع” (ص10). انهما يعيشان معا حالة من التراغم، والنص بأكمله يشخص هذه الحالة، أي يشخص كيف ترغم الأنا الجسد على التوجه من الشارع إلى الجامعة، فيرغمها هو على الانسحاب من الجامعة إلى المقهى. وترغمه على التوجه من المقهى إلى البيت، فيرغمها على الانسحاب من المقهى إلى الحانة، وهكذا دواليك في كل وقت ومكان. وينتهي النص بهذا السؤال: هل سيتوقف يوما هذا التراغم الأبدي؟(ص15).
يشخص النص الثاني، وهو بعنوان: ” التبرمل “، حالة التبرمل التي عاشتها الذات في حلم من أحلامها. وفي هذا الحلم تنفصل الذات عن ذاتها الطبيعية، وتتحول إلى ذات أخرى بسبب تدخل آخر عدواني جبّار.فقد طلعت يد من تحت طبقة المجهول لتحشر الذات مجردة من ملابسها في برميل. والتبرمل داخل برميل فولاذي فظيع ــ على حد تعبير النص ـ فرض على الجسد التحول إلى شيء متكور منكمش بلا حراك. وهذه الحالة الجديدة تحاول الذات أن لا تقبلها، وأن تجد لها تفسيرا، هي تحاول أن تقنع نفسها أن الأمر مجرد خيال، أو مرده إلى تأثير الكحول التي بالغ في شربها على طاولة واحدة مع شخص مغرض يقطن بداخلها، أو مردّه إلى قوة عجائبية مبهمة ذات ميول عدوانية.
في النص الثالث الذي يحمل عنوان: ” التراتل” تشخيص لحالة رجل في قاعة انتظار يتحول إلى رجلين، ويشرع ” أحد الرجلين في مناجاة نفسه، وهو يسقط حالة الرجل الآخر على حالته الخاصة …” (ص30).
هذا النص تشخيص لانزعاج الرجل ـ الرجلين من قدوم جنين جديد إلى هذا العالم. وسبب انزعاج الأب من هذا القدوم هو أنه سيجد نفسه عاجزا عن الحيلولة دون أن يتحول طفله الجديد إلى رتيلاء، إلى حشرة، وهو لا يتحمل أن تتراتل قطعة منه ” بأصابع عشوائية على حصة خاطفة من قمامة الحياة” (ص 34).
هذا النص تشخيص لرجل أب ينقسم إلى رجلين من خلال خطابه نفهم أن كل قادم جديد إلى هذا العالم محكوم عليه بالتحول إلى كائن آخر، محكوم عليه بالانقسام.
ويحمل القسم الثاني عنوانا دالا: انشطارات. وهو قسم يتوزع إلى انشطارات رقم: 1، 2، 3. ونصوص انشطارات رقم 1 عبارة عن مشاهد تلعب على مجموعة من الثنائيات: الرجل السبعيني والمرأة الأربعينية، الطالب الجامعي والمومس المحترفة، الرجل السبعيني والطالب الجامعي، المرأة الأربعينية والمومس المحترفة، المومس المحترفة والرجل السبعيني، الطالب الجامعي والمرأة الأربعينية. وكل ثنائي من هذه الثنائيات يدل بنفسه على انقسام ما، ويدلّ بغيره، أي بثنائي آخر، على انقسام آخر. فالرجل السبعيني والمرأة الأربعينية يستعينان بخدمات عنصرين أصغر منهما سنّا. والطالب الجامعي والمومس المحترفة يستعينان بخدمات عنصرين آخرين أكبر منهما سنّا …
وتتوزع انشطارات رقم2 إلى ستّ صيغ. وهي صيغ متعددة حول شخصيات متعددة ألوانها، وكل شخصية، ذكرا أو أنثى، تنقسم إلى لونين ( المرأة الوردية ، المرأة البيضاء / الرجل الأخضر ، الرجل الأزرق). وتتكون انشطارات رقم 3 من كولاجين، يتكرر كل كولاج أربع مرات، وهي تدور حول نوعين من الشخصيات: شخصيات موصوفة بهويتها العمرية والمهنية والاجتماعية( الطالب الجامعي، المومس المحترفة، الرجل السبعيني)، وشخصيات موصوفة بلونها( المرأة البيضاء، المرأة الوردية، الرجل الأزرق). وكل علاقة جديدة بين الشخصيات الأولى ذات الطابع الاجتماعي والواقعي يؤدي إلى ظهور إحدى الشخصيات الأخرى الموصوفة بلونها والواقعة بين الوهم والواقع.
تضمّ المجموعة الثانية ” السيد ريباخا ” تسعة نصوص تدور كلها حول شخصية محورية: السيد ريباخا. وهي شخصية جديدة، غرائبية عجائبية، تنتمي إلى المدن الجديدة ذات الطابع الكوسمبولوتي. ومهمة السارد، كما يصرح بها، هي ” تسليط الأضواء الكاشفة على بعض من حالاته ـ حالات السيد ريباخا ــ العادية جدا التي تعكس إلى حدّ قريب الجوهر الفادح لشخصيته” (ص 21).
والجوهر الفادح لهذه الشخصية هو انقسامها، وهو ما تدلّ عليه عناوين النصوص نفسها، وهي كالتالي:
– رنين في رأس السيد ريباخا
– عندما أصبح السيد ريباخا قاتلا
– السيد ريباخا يصطاد شبحا من الجحيم
– التحولات غير المعقولة للسيد ريباخا
– داخل السيد ريباخا خارج السيد ريباخا
– السيد ريباخا جزيرة عائمة
– السيد ريباخا ينفخ السيد ريباخا
– السيد ريباخا بين عمارتين
– السّي ريباخا والباراكودا
في النص الأول تنقسم الشخصية بين الواقع والمحتمل، بين الحلم والواقع. وفي النص الثاني تنقسم الشخصية إلى قاتل وقتيل، وهي تقول:
” استيقظت في صباح اليوم التالي، ثم ذهبت كعادتي لأصطاد في البحيرة. رميت الصنارة، ومكثت صابرا … يائسا … منزعجا … متذمرا … ضجرا دون أن أظفر ولو بسمكة واحدة. وعندما هممت بالانصراف – … – تحرك فجأة طعم الصنارة، فرفعت شيئا … شيئا ما … شيئا ثقيلا … شيئا لايمكن أن يكون سمكة … لقد كان كيسا بلاستيكيا( …) … وحين فتحته وجدت … ترى، ماذا وجدت أيها السادة؟
يا الهي لقد وجدت رأسي مقطوعا … عفوا، أصحح: لقد وجدت رأس المرحوم السيد ريباخا” ( ص 29).
هنا تنقسم الشخصية إلى حيّ / ميت، إلى قاتل / قتيل. والأكثر من هذا أن السارد يتدخل في النهاية من أجل التصحيح، فينقسم إلى ريباخا السارد وريباخا القتيل.
وفي النص الرابع يصل الانقسام أو التعدد ذروته: بجسدها الأعزل وجدت الشخصية نفسها في شارع / فراغ سحيق، وفجأة وقع عليها بصر امرأة أولى، فانتشر الخوف في حواسه، وسرعان ما خرج شخص من داخلها يشبهها ينطلق راكضا. تركض المرأة وراءه، فيتحول إلى خروف. وكلما أصرت المرأة على المطاردة كلما تحولت الشخصية إلى شيء آخر: قرد، حمار، شجرة …

5 – انقسام النص:
النص عند أنيس الرافعي نص يقوم على الانقسام لا على الوحدة والانسجام، ومن أهم قرائن هذا الانقسام:
– أنه نص متعدد الأشكال، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، فهو قصة – قصيدة نثر، قصة بوليسية مضادة، قصة ميتافيزيقية من الخيال العلمي، قصة استيهامية دائرية، استخطاط قصصي افتراضي … هو تمارين وتعاقبات وكولاجات وانشطارات قصصية . نص لا يريد أن يكون نصا له هوية منسجمة وموحّدة، بل إن هويته التعدد والانقسام.

  • أنه نصّ لا يشتغل على شخصيات موحدة ومنسجمة، فالانقسام والتضعيف شرط جوهري في كل شخصية، من الانقسام الطبيعي إلى جسد وروح وصولا إلى التحولات والمسوخات التي تتعرض لها الشخصية، مرورا بالشخصيات الأخرى التي تظهر في الحلم والوهم، وتقع بين الواقع والخيال. فالشخصية لا تتحدد إلا من خلال الآخر، آخرها.
  • أن أسلوبية النص تعتمد التعدد والانقسام من خلال الاشتغال على جملة ذات خصائص مغايرة لخصائص الجملة الموحدة المنسجمة( الجملة البسيطة المكونة من المسند والمسند إليه)، فهي كما وصفها أحمد بوزفور – في رسالة إلى الكاتب ألحقت بالنص – جملة تأتي ” كقافلة بدوية في الربع الخالي، كعائلة إقطاعية من القرون الوسطى، كقسم مدرسي في البادية المغربية (…) مكتظة بالأوصاف والنعوت والظروف والتحديدات والجمل الاعتراضية المتتابعة” ( ” أشياء تمرّ … ” ص 26).
    وهذه الأوصاف تأتي مجازية في الغالب، وتعتمد أساسا على التشبيه: هناك الشيء وهناك شبيهه، ومن أمثلة ذلك:
    ” هل حقّا أنت / أنا قطّ ضال؟ ” (ص 21).
    ” وأنت خارج مثل بطل رديء في رواية بسيطة …” ( ص 30).
    ” لا أخفيك أني مثل مقامر محترف …” (ص 30).
    إجمالا، هي كتابة ذات طابع غرائبي، تقول الأنا والآخر، وتوجد دوما داخل التعدد والانقسام، وتولد إحساسا بغرابة مقلقة، ويالضبط لأنها تجعل من التضعيف التخييلي آليتها المفضّلة.

وهي كتابة لا يمكن فصلها عن خطاب تجريبي انطلق منذ أكثر من عقدين، وهو خطاب لا تكتمل دلالته إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار السياق الجديد الذي ظهر فيه: انكسار الإيديولوجيات وخاصة الثورية، الهزائم العربية المتتابعة، الانتقال إلى مجتمع العولمة ، انقسام الشخصية العربية بين الحداثة والقدامة، مخاطر العولمة على هويات وخصوصيات المجتمعات الأخرى غير الغربية، انتقال الصراع بين الأنا والآخر إلى مرحلة العنف والحرب والدمار… هو سياق تحول وانتقال، سياق انقسام بين ما كان وما سيكون، هو سياق بحث عن / في الهوية، هوية الإنسان في دورة تاريخية تقع بين نظام قديم من القيم لم يعد يكفي ونظام مستقبل لم يتبلور بعد. وهو بهذا سياق يفرض على الكتابة نفسها أن تعيد النظر في هويتها.

الـهـوامـش:
1 – جان بيلمان ـ نويل، التحليل النفسي والأدب، ترجمة حسن المودن، المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، 1997، مقدمة المؤلّف.
2 – Freud, Delire et reve dans la Gradiva de Jensen,NRF, 1970, p 127
3 – نقلا عن : تزفتان تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، دار الكلام، الرباط، 1993، ص 147.
4 – حسن المودن، لاوعي النص في روايات الطيب صالح،المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش،2002، مقدمة الكتاب.
نصوص أنيس الرافعي المعتمدة في الدراسة:

  • أشياء تمرّ دون أن تحدث فعلا، منشورات جماعة الكوليزيوم القصصي، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2002.
  • السيد ” ريباخا “، سعد الورزازي للنشر، الرباط،2004.

نشر في 1/01/2006 10:00:00

‫0 تعليق