عايدة نصرالله: «العطش» فيلم يفترع بكارة الصمت

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


أثار فيلم “العطش” إدهاش الأوساط الفنية المعنية في صناعة السينما في إسرائيل ، لكون صانعه توفيق أبو وائل من مدينة أم الفحم، هو عربي فلسطيني لم يتجاوز عمره عند إخراج الفيلم الثلاثين عاما. ومع نجاح الفيلم عالميا وفوزه بجائزة مهرجان كان التقديرية ، بدأت دور السينما الإسرائيلية تلهث وراء الفيلم وصفقت الصحف الإسرائيلية له ولمخرجه وباركوا أنفسهم بأن السينما الإسرائيلية تنتج أخيرا إبداعا يثير إعجاب العالم. وطبعا يصيحون “مبروك لنا”. وتنتهي صيغة “الهم” التي ينعتون بها العرب عادة لدى نجاح عربي فلسطيني يعيش في إسرائيل.

ثيمة فيلم “العطش” تمثل الإغراق في استلاب الجسد المكان ومحاولة العبور عن طريق الماء. يغوص الفيلم في أكثر من طبقة، حيث يتحرك من الذاتي للجماعي- ماسا النبض الحقيقي للوجع المتمثل في الاستلاب الاجتماعي – السياسي. إلا أن السياسي هنا مجدول بشكل بعيد عن الاستعراض والكليشيهات التي تطغى على سائل الإعلام و التي نراها محشورة في أفلام أخرى.

الحكاية
لا يتبع المخرج بناء حكايته على طريقة السرد التقليدي المتعاقب في الروي، حيث ينتهج أسلوب الصور المقطعة بحيث نحتاج أن نركبها صورة صورة، وتتكشف الحكاية تدريجيا حتى تكتمل.
قصة الفيلم تدور حول عائلة مكونة من 5 أفراد ، الأب أبو شكري (حسين ياسين محاجنة)، الأم (أمال بويرات) ، جميلة البنت الكبرى (رباب بلال)، حليمة ، البنت الثانية (جميلة أبو حسين) والابن شكري ( أحمد عبد الغني).
العائلة نفت نفسها قسريا من بلدتها إلى مكان يبدو خارج العالم ، هروبا من عار ألحقته البنت الكبرى، واختار الأب أن يعيش بعيدا عن قريته ليحمي نفسه وعائلته من الألسن. على مدار مدة الفيلم تعيش العائلة حياة مكررة رتيبة. ويعمل جميع أفراد العائلة في صناعة الفحم على الطريقة التقليدية حيث يجلبون الفحم من حرش قريب (الذي كان في الأصل تابع للقرية وصودر من قبل السلطات الإسرائيلية) ونرى العائلة في منطقة تبدو معزولة عن الفضاء الخارجي.

الشخصيات:
جميلة
هي الفتاة البكر التي تدور حولها الحكاية.
جميلة تعاني حصارا مركبا يتمثل بحصار الروح والجسد ، حصار المكان وحصار النظرات العازلة التي تواجهها من الأب الغاضب. لكنها مع ذلك تحمل وهج التمرد في داخلها الذي يظهر من خلال نظراتها الاحتجاجية ومشاهد التمرد التي سنتطرق لها لاحقا.
الأم
أم عادية تمثل في تبعيتها الرغبة في الصون.. صون البيت.. صون صورتها مرضاة لزوجها( مرضاة للسلطة) وصون الكلام الغير مباح، مع ذلك سرعان ما يتبدى لنا الكبت المخزون داخلها من عبء التركة للفكر الذكوري..
أبو شكري
يمثل السلطة الذكورية بكل صورها الاجتماعي والسياسي والتي تنطق من تعابير وجهه القاسية والصرامة التي تنطق بها عيناه، إضافة للمعاناة الداخلية بسبب ما اضطره للهروب من قريته وقسوة الهزيمة داخله.
حليمة
حليمة نموذج الفتاة التي ترى ولا تتكلم.. تعي كل شيء حولها لكنها تؤثر الصمت كوسيلة للنجاة.
وقد اختار المخرج إخراسها إمعانا منه في إعلاء ثيمة ظلم المرأة التي تطالب بالسكوت دائما حتى وهي تتقن النص الذي يتمثل في نظرات حليمة الواعية الناطقة، وفي مشاركتها الفاعلة في العمل.. وبطرق مواجهتها للملل الذي يكتنف حياة العائلة.

الابن- شكري
الابن يحاول أن يحمل صورة الجيل الجديد المختلف في تحديه للوالد الذي لا يريده الذهاب للمدرسة، إلا أن الولد يصر على التعلم وذهابه للمدرسة الموجودة في نفس البلد التي يهربون منها، وتعاضده النساء كنوع من التضامن مع الوريث الوحيد الذي سيحمل فكرا مختلفا عله يكون السند للخلاص من الأغلال. ويكون على الولد مواجهة الداخل العائلة بكل قسوة الحياة فيها وجبروت الأب، وقسوة الخارج الذي يلاحقه بعبارات مهينة عن أخته.
يُفتتح الفيلم مع مشهد مفتوح طولي مظلل ، حيث نرى المكان العطش يلهث من عطشه..فالأرض لاهبة بدخان النار والغبار، والشفاه الجافة التواقة للماء.
على أثر الشح بالماء يقرر الأب أن يجلب الماء عن طريق ماسورة من الأراضي المجاورة بشكل غير مشروع. يغامر بما وفره من نقود وسط احتجاج امرأته . لكنها ترضخ لأرادته التي لا مرد لها.
مع قدوم الماء تنفجر المشاعر المبيتة، ذلك النبع (الماء) الذي يرمز للحرية والتطهر من كل ما يكبل الروح والجسد ، يستنفر العشق للحرية فنرى مشهد الماء الذي يتمرغ به كل من أفراد العائلة . رذاذ الماء يأزم احتدام الصراع في محاولة الخروج من سلطة الأب. يشكل مشهد الماء ذلك الفتح نحو الانعتاق. فنرى البنتين تغتسلان فرحتين. الماء يفتح بوابة الذكرى عند جميلة فتفتح صندوقا قديما سترت فيه حكايتها وجسدها المنفي. ذلك الصندوق التي كانت تهرب إليه وتختلي به بسرية . وهو نوع من الهروب إلى الماضي كما يفعل الأشخاص المهزومين من الداخل. تلك الأشياء المخبئة في الصندوق من سنوات مثلت لجميلة وطن صغير تهرب إليه. ذكرياتها أصبحت هي الحلم المستلب الذي تبحث عنه وتعيش لأجله.
لكن سرعان ما نرى الأب الذي يكتشف وجود الصندوق بمحتوياته ( رسالة من الحبيب ، زجاجة عطر وصورة)، يقوم بحرقه بمحتوياته وبذلك يقوم بقتل حياة جميلة المتخيلة وهو نوع من السطوة حتى على الأفكار للفتاة، فلم يعد الحصار يكتنف الجسد فقط وإنما بحرق الصندوق أصبحت الفتاة ممنوعة حتى من الحلم.

الحياة الروتينية التي تعيشها العائلة بمشاهدها المتكررة هي نوع من الإمعان في الشعور بالحصار والذي يتسرب للمشاهد بحيث ينفذ شيء من الاختناق إليه. وكخروج من الملل الرابض على صدر العائلة فإن حليمة نقلت إلينا بصمتها الضاج إلى حد قشط الجلد عبر نظراتها العميقة وانشغالها في نسيج النول الذي صنعته من بقايا جنود المناورات على تلك الأرض. والنول هو دلالة قديمة للمرأة في محاولة انعتاقها.. وكأنها بنلوب تحاول عن طريق النسيج انتظار المنقذ الحل تجسيدا لحالة انتظار لحل قد يأتي. تلك الحلقات التي تنسجها حليمة هي بواقي لأغطية القنابل اليدوية التي تركها الجنود، كما تلهو حليمة بالرصاصات الفارغة وكأنها تحاول تحويل الأغراض (البشعة في رمزيتها) لشيء جمالي. فمن حدة الملل تلهو بتلك الرصاصات تعدها وتغربلها وكأنها ألعاب مألوفة، مشهد يحمل سخرية مغرقة في السواد.
وسط تأزم التوق للحرية، تنكسر ماسورة المياه.. تنقطع المياه مرة أخرى ويعود الأفراد لنقل المياه من النبع القريب الملوث ليغلى بالطناجر . هذا الإصرار في إظهار شخصية الرجل العنيدة في تحدي عائلته، على رغم جبروتها هي وجه آخر للروح المهزومة التي تؤثر خنق أفراد العائلة وتعذيبهم وإذاقتهم العذاب اليومي داخل أغلال الروح والجسد فضلا عن مواجهة المجتمع. لكن هذه الفحولة المستبدة سرعان ما تكشف نفسها سرا للمشاهد بعيدا عن عيون العائلة، عندما نرى أبو شكري يستحم وهو يتخيل نفسه يرفع سلاحه على مغتصب أرضه، لكن هذا السلاح لم يرفع في الحقيقة، فهو عاجز عن الدفاع عن نكسته الاجتماعية فكيف يدافع عن أرضه؟. هذا الطرح هو ما يتوق الفيلم بمجمله لإيصاله وهو يبلغ اوجه في مشهد العجز عن المواجهة في مشهد حمام الرجل الرأس السلطة.
مشاهد التمرد في الفيلم
رغم العطش الذي يظهر في جفاف الشفاه- إلا أن جميلة تسكب كأس الماء الذي يأتي به أبوها لتشربه. تسكبه ونرى الماء يجري ويغطي بظلاله الأرض بينما الجسد المتعب عطش يتلوى. وبنفس طريقة المواجهة : وهي لقطة تحتل الكثير من الكلام.. رغم صمتها.. عندما تتهم جميلة الأب بالجبن والخوف ثم تخلع جارزتها –تتعرى أمام الأب. وهو مشهد جريء جدا. هذا التعري كان اتهاما صارخا للأب الذي لم يستطع الدفاع عن ابنته. ودون كلمات وصلت صرخة من قعر القلب.
جميلة تحاول الإفلات من حصارها، فتهرب من البيت ليلا باتجاه الريح والحرية. لكن تهزمها الطبيعة فيغمى عليها تعبا وسط الطريق. فيعيدها الأب.
مشهد الرقص
نرى الأم المستلبة المسالمة والتي تخزن آلامها في باطن المخيلة ، تتوق هي الأخرى للانطلاق. وتأتي نقطة الانطلاق عندما تسمح لأولادها بدخول مخزن خبأت فيه أثاث بيتهم القديم، بحثا عن “بطارية” لراديو وجده الابن في الغابة. يعمل الراديو، عندها تدور موسيقى غريبة عنهم ومع هذا تنطلق النساء والولد في رقصة هي أشبه بانفلات من السجن تكاد تشبه رقصا عبثيا في مشهدية مسرحية. يمثل الأثاث الذي خنق في المخزن ذكريات وحياة أجبرت على الدفن، حياة كانت في الفضاء فجأة نقلت إلى مخزن عبأ الذكريات المستلبة. مشهد تلمس الأثاث ينقل العائلة إلى الفضاء الخارجي الموجود في المخيلة فقط، ويتأزم الصراع أكثر مع الوالد (السلطة).
بعد أن يصل الصراع لأوجه بين الولد وبين الأب وبتعمق الهزيمة الداخلية في الأب ، نرى الأب يحلق لحيته، وهو رمز ربما للاعتراف بالهزيمة، يلبس أجمل ملابسه، ونرى مشهدا يشوبه الغموض الذي يحتمل تأويلين، أو يكون الأب اختار أن ينتحر ولهذا حلق لحيته ولبس أجمل ملابسه كنوع من الطقوس، أو أن الولد الذي نراه مع الأب في خصام هو الذي قتل الأب. يغيب الأب كغياب جيل وسلطة، لإتاحة الفرصة لتغيير نظام هذه السلطة. لكن الولد يكمل النهج لأنه يحمل معه ما تربى عليه.
التصوير
من الناحية التصويرية الفيلم صور على شكل مقاطع طولية مغلقة وأحيانا حشر المكان، أو الشخصيات في مربعات مؤطرة وقليلا ما فتحت الشاشة ، وهذا ما منح التأكيد على الشخصيات، فالمشاهد يرى الشخصية في دائرة اللحظة التي يعمل بها وليس خارجها، ولهذا فالمكان منفيا ويبدو دائرة مغلقة منعزلة عن العالم.

طريقة التصوير جاءت لتلائم موضوع الحكاية ولتكون مكملة لما لم تقله الكلمات، وهدفت إلى وضع المشاهد في أغلال الحكاية والصورة. فتلاحق الصور المؤطرة والتي تستفز عين المشاهد بالنفاذ من تحت الخط الحاجز للصورة لرؤية ما تخفيه الصور، وأحيانا تحني جسدك كله كمشاهد لتطل على اليد التي لا نعرف أين تمتد، ولا نعرف هذه الشخصيات التي تخنقها الأطر في أي فراغ تجول. وإلى أي لهاث تصبو، وما وجه الغبار الذي يتلاحق في الرئتين، أهو الدخان، أهو غبار الطريق، أم لهاث الأمنيات في الانعتاق؟.
الإيقاع الرتيب للصور يكاد يحك الجلد عما نعانيه كلنا كمشاهدين، الرتابة لم تكن رتابة سلبية إنما هي نوع من الإغراق والإمعان في نقل المشاهد لحالة اختناق روحي وجسدي.
المصور آساف أودري غاص لحيثيات النفس المصورة وترجمت الصور ما يغور عميقا في هذا الحصار فجاء التصوير المظلل أحيانا والمقطع في أغلب الأحيان والمحكم بشكل محوسب غاية في “الجمال” المستفز وليس جمالا تقليدا (لا يتمشى مع مصطلح الجمال التقليدي) فتعرت الجدران لنرى الثقوب ، ودخلت الكاميرا إلى حيثيات الأشياء، الماء، الدخان، النار، الأرض، القضبان الحديدية، التي جميعها نفخت فيها الروح لتنطق عوضا عن الكلام. وفي أحيان معينة ثارت الصورة عن التوازن لتشتد في الجانب التعبيري حد توقيف الشعر مثل مشهد ذبح العصافير. وكم استطاع المخرج بمساعدة مصور الفيلم أن يري لنا أخاديد القهر والغضب والهزيمة من خلال وجه الممثل حسين محاجنة الذي تراه ماشيا في الشارع فلا تصدق انه نفس الشخص. أو الغوص في سرد الحكاية الصامت من خلال عيني حليمة والولوج إلى داخل شكري من خلال ملامح وجهه في مشاهد التمرد. وكلهم ناس عاديون لم يسبق لهم التمثيل ( عدا عن رباب بلال الممثلة المحترفة الوحيدة في الفيلم) وهذا يشكل مغامرة لمخرج شاب في اختيار ممثلين لم يسبق لهم التمثيل استطاع أن يخرج مكامن الداخل بمساعدة عين لمصور موهوب.

نهاية غير مريحة
إصرار المخرج على إعادة جميلة إلى الحصار مرة أخرى هو إدارة الظهر حتى للأساليب الفنية التي تعطي للمشاهد بارقة أمل، رافضا إعطاء الحلول المريحة، لهذا ينتهي الفيلم بنفس الدورة الحياتية حين يظهر الابن بحركة تغطية الفم والأنف بقبة الجارزة خوفا من الدخان كحركة الأب تماما.. إذن هو استمرارية لنفس النهج الذكوري الذي رأيناه.. المخرج يصر على أن يغادر المشاهد قاعة العرض وفي الحلق غصة مصاحبا لقهر الفحم والغبار ، يذهب مستفزا للتفتيش عن الحل الداخلي دون منح حلول مهدئة. فدور التحرر النفسي للمشاهد(كاتاراسيس ) التي يؤديها الفن لا تمنح هنا في الفيلم
رغم أن ثيمة الفيلم هي موضوع كلاسيكي وعولج كثيرا في السينما العربية، ولكن طريقة طرحه على المستوى الفني والتصويري، جعلت هذه العائلة تمثل النموذج الصغير لمجتمع بأكمله ولتكن الحلقة التي تربط هذا الحصار الصغير بحصار الفلسطيني داخل أرضه المصادرة وحصاره بالموروث الاجتماعي. رغم أننا لا نرى الجيش الإسرائيلي في الفيلم ولا نرى إطلاق الجنود للنار، لكن آثارهم موجودة على الجدران المخرقة بالرصاص ، وبقاياهم (الرصاص وحلقات القنابل اليدوية) تصرخ على وجودهم كمغتصبين للأرض. .يركز الفيلم على الثيمة الاجتماعية، أكثر من السياسية حيث ينادي بالتحرر الاجتماعي كشرط للتحرر السياسي. الأجساد رغم كونها في أرضها إلا أنها مسجونة في أرضها لأنها مغلولة من الداخل ومسجونة داخل نفسها، عدا عن استلاب الأرض. .إذن هو فيلم اجتماعي سياسي صارخ بقليل من الكلام، فيلم يفترع بكارة الصمت داخلنا.
عايدة نصر الله (فلسطيـن)

نشر في 30/12/2005 8:20:00

‫0 تعليق