حسن المودن: الـلامـعـقـول فـي روايـة ” الـهـؤلاء” لمجيد طوبيا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أصدر مجيد طوبيا مؤخرا رواية ” الهؤلاء” عن منشورات الزمن التي يشرف عليها الباحث في السرديات الدكتور سعيد يقطين. وهي رواية تتألف من سبعة فصول، وبعض عناوين الفصول أشبه ما تكون بعناوين الكتب العلمية والنظرية( من مثل عنوان الفصل الأول: ” آلة الزمن الموسيقية”، وعنوان الفصل السادس: ” نظرية جديدة في نشوء المدن وتطورها”)، كأن هذه الرواية بهذا تريد أن تؤدي وظائف أخرى غير الوظائف المعروفة للرواية خاصة وللسرد عموما.

والرواية من الحجم الصغير، وتقع في تسعين صفحة، وهي عبارة عن محكي شديد البساطة يكشف النقاب عن سيرة إنسان لم يأت في أقواله وأفعاله بما يدعو إلى اعتقاله وإرغامه على القيام برحلة لا يجد لها معنى: هو متهم ومشكوك في أمره إلى أن يعود من كل مخافر الدولة الأيبوطية بما يثبت براءته؟ لكن هذه البساطة من النوع الممتنع المقلق، فالمحكي يستند إلى بلاغة الإيجاز والترميز، ويثير في عدد قليل من الصفحات قضايا كبرى تتعلق بوجود الإنسان وإنسانيته.
الرواية عبارة عن صرخة في وجه التسلّط واللاإنسانية وغياب الحرية في دولة متخيلة، وهي قد نجحت في الكشف عن واقع قاهر بسخرية سوداء تفضح اللامعقول الذي يقذف بالإنسان في رحلة لامتناهية أو نهايتها الموت، وهو من دون تهمة محددة، أو كل تهمته أنه قرأ واندهش وتساءل. فقد قرأ الرجل موضوع الرواية في كتاب صدر بالديار الأيبوطية أن دوران الأرض حول نفسها يحدث في اتجاه مضاد لدوران عقارب الساعة، فاندهش جدا، وتساءل: لماذا تدور الأرض ضد الساعة وليس معها؟، وحمل سؤاله إلى صاحب الكتاب وبعض المسؤولين، وبدل أن يحصل على الجواب، صار مطاردا من طرف ” الهؤلاء “، وانتهى الأمر باعتقاله وإجباره على الإتيان بشهادات عن براءته من كل مخافر الديار الأيبوطية.
وتتألف الرواية من الواقعي والغرائبي، فتصف عالما واقعيا يتكون من الناس والمدن والمخافر والقطارات والصحراء والأحياء الفقيرة … لكن ما يحدث في هذا العالم يبدو لامعقولا، من دون معنى ، غير منسجم، لا يخضع للمنطق والعقل. فالإنسان في هذا العالم لا يجد معنى لما يقع، يبدو له العالم غريبا ومقلقا ومخيفا. والأكثر غرابة أن ” الهؤلاء ” وحدهم يرون العالم منسجما، وما يحدث فيه معقولا.
وتتألف الرواية من محكي مركزي تـتـخـلـله من حين لاخر مـحـكـيـات أخــرى، أو الأصح تضعيفات تخييلية أخرى تقوي المحكي المركزي. وهو بهذا أيضا محكي بضمير المتكلم وبضمير الغائب، كأن ما يحكى لا يهمّ فردا بعينه، بل يهمّ الأنا والآخر.

1 – ملخص الحكاية:
في البداية انتبه السارد ـ الشخصية المحورية إلى أن عقارب الساعة تدور عكس دوران الأرض، هذا ما قرأه في كتاب أصدره أحد علماء الديار الأيبوطية. أثارته المسألة، فبدأ يسأل عن صحتها، زار صاحب الكتاب، فاتهمه بالتجسس والتشويش على ابتكاره فطرده، وحاول استفسار بعض المسؤولين ففشل وصار مطاردا من طرف ” الهؤلاء”، يطارده الواحد منهم بأسئلته وفضوله، ويتهم أقواله بالرمزية، فالمسألة التي يثيرها لاتعني إلا أن ديار أيبوط تسير ضد الزمن وليس معه، وهذا كلام في السياسة، وحاول أن يدفع الناس في ملعب الكرة إلى التفكير في المسألة، فاتهم بإثارة الفتنة.
بعد أن فشل في فهم المسألة التي شغلته ودفع الناس إلى التفكير معه في حلها، لاذ بشقته، وأغلق الباب جيدا، ثم راح يستحضر حبيبته إلى أن صارت حقيقة أمام عينيه، فأخذها في حضنه وصارا يتقلبان حتى انتشيا وناما. لكن ” الهؤلاء ” الجاحظون سيفاجئونه في سريره، ويرغمونه على مرافقتهم، والتهمة غير محددة، فلكل إنسان تهمة، ولكل تهمة أدلتها، ولابد أن للسارد تهمة وأدلتها موجودة؟
حمل ” الهؤلاء ” الجاحظون السارد إلى غرفة الرجل المضغوط، وبعد انتظار قاتل، ظهر الرجل المضغوط. سأله السارد عن التهمة الموجهة إليه، فكان رده أنه لا يعرف تهمته بالتحديد، لكن سلوكه قد خرج عن حدود المألوف، وتبدل السلوك يكون في حالة أزمة عاطفية أو في حالة الشروع في عمل غير مشروع ضد دولة أيبوط وضد زعيمها الديجم. والسارد لا يشكو من أزمة عاطفية، وله حبيبة رائعة تدل على ذوقه الراقي في الجمال، ويبقى أن متهم بالشروع في عمل مريب إلى أن تثبت براءته؟
وللتأكد من براءته، عيّن الرجل المضغوط مندوبا عنه يأخذ صاحبنا في طواف إلى جميع مخافر الشرطة المنتشرة في أنحاء أيبوط، ويتمّ له في جميع المخافر عرض قانوني للبث فيما إن كان مطلوبا في إحداها أم لا، وإذا لم يكن مطلوبا في أيّ منها فهو حرّ شريف كما ادعى لنفسه؟
ومن مخفر إلى مخفر، ومن حيّ إلى حيّ، بدأ السارد يحصل على شهادات براءته: 3، 7، 23، 39، 40، … ومع هذا الرقم الأخير سوف يترك السارد والمندوب العاصمة ليطوفا بشتى المخافر المنتشرة فوق أراضي أيبوط المترامية. وفي محطة العاصمة سيلاحظ السارد أزواجا كثيرة من الرجال وأزواجا كثيرة من النساء، وهي أزواج تشبه الزوج الذي يشكله هو والمندوب، أي أن كل زوج إلا ويتكون من متهم أو متهمة ومندوب أو مندوبة، والسارد إذن ليس الوحيد في هذه الحالة؟
في المخفر الأربعين سيعرض على كلاب أعجمية، فان أفتت جميع الكلاب بأنه بريء انصرف إلى حاله؟ بعد أن حصل على براءته من الكلاب؟ انصرف والمندوب في اتجاه مخافر أخرى، وفي الطريق إلى محطة القطار مرّا بمدن صغيرة وأحياء فقيرة، وصادفا عددا من المتسكعين والمتسولين والأطفال الحفاة … ومن القطار تراءت له حبيبته في القطار المضاد وقد فقدت جمالها وروعة بهائها، أتكون هي الأخرى متهمة وتقوم بالطواف من أجل الحصول على البراءة؟
يحصل السارد على براءات جديدة، ويتضاعف الورق في الحقيبة التي يحملها المندوب، ويبدو الطواف كأنه لانهائي، وفكرة الهروب مستحيلة، لأن محاولات كل السابقين باءت بالفشل، وكانت وبالا عليهم.
وكان السفر أخيرا إلى مخفر الرمال، وهو بناية عملاقة في خلاء ممتد أجرد. وعندما سأل السارد المندوب لماذا مخفر في هذا الخلاء، كان ردّه أن المدن في القدم كانت تنشأ حول منابع المياه أو حول مركز المواصلات، أما في العصر الحديث فالمدن تنشأ حول المخافر، ففي البداية يجيء المخفر فيعمّ الأمن في الخلاء المحيط به، وعندئذ تبنى البيوت ثم تتكون المدن؟
في الخطوات الأولى إلى داخل مخفر الصحراء، كان المندوب يحثّ السارد، وهو ينعته بالطيب الوديع، على أن يتبعه وسط أحجار هي شواهد قبور السابقين مثله، ولما سأل السارد عن هذه الأحجار القبور، كان جواب المندوب أن كل المتهمين السابقين الذين قاموا برحلة إلى مخفر الصحراء فضّلوا البقاء هنا عن خوض تجربة الإياب؟

2 – شخصية في وضعية غير قابلة للإدراك:
لقد اختار مجيد طوبيا لروايته شخصية تطرح أسئلة قد تبدو لامعقولة أو لها حمولة رمزية شديدة الخطورة، ووضعها في وضعية تبدو لامعقولة من منظور السارد ـ الضحية، وتبدو طبيعية وضرورية من منظور ” الهؤلاء “.
الشخصية المحورية في رواية ” الهؤلاء “، وهي التي تتكلف بمهمة السرد، شخصية أشبه ما تكون باللغز. هكذا تبدو على الأقل للهؤلاء. فهي شخصية مثقفة ومفكرة، لكن أسئلتها حول الأرض والزمان تبدو أسئلة لامعقولة أو شديدة الخطورة، وهي وديعة وطيبة، ولا تواجه مطارديها، لكن تنتهي كل مقابلة لواحد منهم بالهروب بعيدا.
و هذه الشخصية هي من دون اسم، وهي تعيش في الوهم أكثر مما تعيش في الواقع، ومن هنا كثرة الرؤى والأحلام والاستيهامات، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالحبيبة، وهي تخضع للسلطة القاهرة وتقبل الطواف اللانهائي، وتستسلم للهؤلاء وهم يقودونها في رحلة في اتجاه الموت.
هي شخصية لا تستطيع أن تفهم اللامعنى الذي يسود العالم الذي يحيط بها، فتصاب نفسيتها بالاضطراب وتدخل دائرة الفراغ والتشاؤم، وهذا ما يفسر الحضور الملفت للمحكيات النفسية وكلام الهمس والرؤى والاستيهامات في كلام شخصية مقهورة.
والنص يبدأ بتقديم الشخصية: رجل مثقف يطرح أسئلة ويقول كلاما هو حمّال أوجه، فيطارد من طرف ” الهؤلاء ” وينتهي الأمر باعتقاله، وبراءته لن تكون إلا بعد أن يعرض على كل مخافر الدولة الأيبوطية.
هكذا تبدو الوضعية عبثية ولامعقولة، وهذا ما كررته الشخصية مرارا وتكرارا. فمن دون تهمة محددة، تجد الشخصية نفسها في وضعية غير عقلانية: من أجل الحصول على براءتها، على الشخصية أن تطوف على كل مخافر الشرطة بالديار الأيبوطية المترامية، وأن تحصل من كل مخفر على شهادة البراءة.
هذه الشخصية هي نفسها التي تسرد حكايتها، وهي لا تستطيع أن تفسر ما يحدث بواسطة خطاب فكري عقلاني، لأن اللامعقول ينفلت من المنطق. ومع ذلك فهي تقدم من الملاحظات والأسئلة والأقوال الساخرة ما يدلّ على الظلم والقهر الذي يمارسه ” الهؤلاء ” وبراءتها من التهمة الموجهة إليها. وهي بهذا نجحت في دفع القاريء إلى التعاطف معها باعتبارها ضحية الظلم والقهر وغياب العدل والحرية.
لقد نجح السارد في إدخال القاريء إلى عالم مقلق وغريب ومظلم، ودفعه إلى مشاركته البحث عن معنى لما يحدث، وزرع في نفسه الأمل في الحصول على البراءة الأخيرة، وتركه مع نهاية غامضة مفتوحة، كأن اللامعقول لا يمكن أن تكون نهايته إلا لامعقولة؟
لقد أعلن السارد في بداية الرواية أن هذه لم تقع هنا ولم تحدث الآن، كأنها رواية لاواقعية، لا يعقل أن تحدث، ومع ذلك فالشخصية الساردة تبدو متمسكة بقيم هي نفسها قيم القاريء، قيم الإنسان: الحرية، العدل، الإنسانية …والحق في الوجود بعالم من دون ” الهؤلاء “.

إن رواية ” الهؤلاء ” وهي تحاول أن تفسر ما يبدو غير قابل للتفسير، وهي تقول اللامعقول الذي يبدو غير قابل للوصف والفهم العقلانيين، تكون بذلك منتمية إلى أعمال نوع من الأدب أسسه أدباء كبار من مثل فرانز كافكا وألبير كامو وجان بول سارتر وصامويل بيكيت وصنع الله ابراهيم …

الهامش:
مجيد طوبيا : الهؤلاء، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2005.
حسن المودن، ناقد مغربي، البريد الإلكتروني: [email protected]

نشر في 4/11/2005 9:50:00

‫0 تعليق