طه عدنان: أفكار مشتتة على رصيف ما بعد الحداثة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عادة ما نتحدث عن الحداثة في عالمنا العربي على أنها مجهضة أو كسيحة أو ربما مصابة بعسر الفهم. وكأن ثمة صيغة جاهزة ومهضومة لهذه الأخيرة نعيش فقط صعوبةً على مستوى تصريفها بهذا العالم العربي المترامي الأوجاع. وبقدر ما أشكّك شخصيا في وجود صيغة كونية للحداثة قابلة للتعميم على كل الشعوب بغض النظر عن اختلاف ثقافاتها صرت أشكّك حتى في قدرة هذه الأخيرة على أن تكون محطّ إجماع في مَواطِنها الأصلية.

فكيف بدأت الحداثة الغربية في صيغتها السائدة تفقد بريقها النظري حتى أنها لم تعد تغري شباباً فتحوا أعينهم تحت سمائها دون أن يجدوا ما يشدّهم إليها قبل أن ينكفئوا على أنفسهم في ما يشبه الغيتوهات؟ وهل يمكن الجزم بأن انتفاضة الضواحي في فرنسا مثلاً هي عادة ما نتحدث عن الحداثة في عالمنا العربي على أنها مجهضة أو كسيحة أو ربما مصابة بعسر الفهم. وكأن ثمة صيغة جاهزة ومهضومة لهذه الأخيرة نعيش فقط صعوبةً على مستوى تصريفها بهذا العالم العربي المترامي الأوجاع. وبقدر ما أشكّك شخصيا في وجود صيغة كونية للحداثة قابلة للتعميم على كل الشعوب بغض النظر عن اختلاف ثقافاتها صرت أشكّك حتى في قدرة هذه الأخيرة على أن تكون محطّ إجماع في مَواطِنها الأصلية. فكيف بدأت الحداثة الغربية في صيغتها السائدة تفقد بريقها النظري حتى أنها لم تعد تغري شباباً فتحوا أعينهم تحت سمائها دون أن يجدوا ما يشدّهم إليها قبل أن ينكفئوا على أنفسهم في ما يشبه الغيتوهات؟ وهل يمكن الجزم بأن انتفاضة الضواحي في فرنسا مثلاً هي انتفاضة ذات طابع حضاري عملت على نقل الحرب الثقافية المعلنة في دواوين إيديولوجيي التخويف من مختلف المشارب إلى شوارع أوروبا المهمَلة؟ أم هل الأمر يتعلق بنزوع طبيعي لدى “حثالة” اجتماعية من أصل ثقافي معين إلى العنف والتخريب؟
أعتقد أن مثل هذه الخلاصات، التي تجد أكثر من مروّج لها ضمن كتائب التحريض المتأهبة على الدوام، تُجانب الواقع إلى حدّ كبير. فالعنف المادي الذي واكب ثورة الضواحي.. العنف المبالغ فيه، وغير المقبول بكل تأكيد، يجب أن يدفعنا إلى التفكير في حجم العنف الرمزي الذي يعيشه أبناء الضواحي على مدار العمر. فهم فرنسيون، إدارياً على الأقل، ومعظمهم لا يعرف غير فرنسا وطناً.. لكنهم مُطالَبون بالاندماج على عكس باقي الفرنسيين.. بل وحتى على عكس أترابهم من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين الأوروبيين الشرقيين الذين لا يكاد يسألهم أحد عن أصولهم بمجرد إتقانهم للغة الجمهورية. اندماج لا يكَلُّ السياسيون من تحسيسهم بأنهم لم يبذُلوا بعدُ الجهد الكافي لاكتسابه.. في حين يجدون أكثر من مُتطوّعٍ لتذكيرهم باختلافهم عن الصورة المفروض أن تكون “متجانسة” للمواطن الفرنسي.. بل وثمة من يصرّ على اعتبارهم مهاجرين رغم أنهم لم يُهاجروا قطّ.. على حدّ علمهم على الأقل. هكذا يُحكم عليهم بالعيش في ضواحي العزلة حيث منارات البؤس شاهقة والمصاعد الاجتماعية معطّلة على الدوام.
إن وطأة العيش بما يشبه الشعور الدائم بالذنب والإحساس الملازم بالنقص مع انسداد الأفق شيء مُقرف حتماً. فما بالك إذا ما كان هناك من ذوي الياقات البيضاء والأفكار السوداء من يتفانى في النواح على ضريح “الاندماج” بهمّة مطمئنٍ إلى نموذجه المرجعي وإلى نسقه الثقافي “الحداثي” وبما يشبه الإيمان الذي لا يرقى إليه الشك.

كعكة الحداثة
قد يصعب على مواطن مثلي قضى أكثر من ربع قرن في مغرب العالم العربي أن يُنكر المكتسبات التي يتمتع بها المقيم في الغرب. الغرب الذي دخلتُه حاسماً أمر اصطفافي المبدئي إلى جانب الحداثة، على الأقل كما كنت أفهمها، باعتبارها خرقاً لنظام الأفكار السائد في مجتمعاتنا التقليدية. وقد كان عليّ أن أبذل جهدا للخروج من وطأة المقارنات المطمئنّة لكي أتفهّم ردود أفعال شباب أوربي المنشأ عربي الأصل حيال نسق تفكير لا يرون فيه سوى تمثيلٍ قيمي لنظام اقتصادي واجتماعي سائد. فإذا كانت الحداثة قد ارتبطت منذ نشأتها بسياقات إنتاجية تحديثية بكل مالها من دلالة وتأثير، فإن واقع البطالة المستشري في الضواحي، والتي تفوق معدلاتها في الضواحي الباريسية معدلات البطالة في أفقر البلاد العربية، يجعل جيلا برمّته غير معنيّ تماماً بقيم هذه الحداثة لأنه مستثنىً من نِعمتها ولا يكاد نفعها المادي يعود عليه بشيء.
ففي الوقت الذي نطالب فيه شباب الجيل الثاني في أوروبا بالاندماج لا نتورّع عن ممارسة الإقصاء تجاهه سواء كان ذلك على مستوى الشغل أو السكن أو حتى على مستوى السهر. فما إن ينتصب الشاب بملامحه العربية أمام باب ملهى ليلي حتى يجد نفسه ممنوعا من الولوج لأسباب قد لا يفهمها على الدوام. رغم أن الحق في الفرح يجب أن يكون مقدسا بالنسبة لشباب لا يمارس من خلال ارتياد النوادي الليلية إلا تشبثه ببعض مظاهر الحداثة وتفاصيلها على مستوى طرق العيش. العيش الذي صار أصعب بالنسبة للمواطنين من أصل عربي وبشكل خاص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وما تلاها من أحداث إرهابية في مدريد ولندن. فواقع التمييز ضدّ كل ما هو عربي ومسلم أصبح أكثر وضوحاً على مستوى سوق العمل أو تأجير المسكن أحياناً. إذ يكفي أن يُفصح المرء عن اسمه العربي، إذا لم تسبقه لكْنته إلى ذلك، حتى يتمّ الاعتذار إليه بدعوى أن المنصب قد تمّ شغله أو المسكن قد تمّ تأجيره.
مثل هذا الوضع جعل بعض الباحثين عن عمل يفكر جاداً في تغيير اسمه الشخصي من رشيد إلى ريشارد أو من جعفر إلى جيرار عساه يُفلح في الظّفر، على الأقل، بموعد لإجراء مقابلة توظيف. رغم أن بعض أسلافنا يُمعِنون في فضحنا باختيارهم لأسماء عائلية لا يرقى إليها التمويه. إذ لا معنى لشخص اسمه ريشارد أولاد عبد القادر أو جيرار بن مبارك. لكن الاسم مهما تفننّا في مداراته فهو حتما لا يردّ القضاء، فقط يؤجله إلى حين تظهر الرأس التي تنتهي دوما إلى فضح حاملها.

رأس “فان دن بوت”
أذكر هنا حكاية أحد الأشخاص كان منتميا إلى تنظيم يساري سرّي مغربي، قبل أن يتّضح تورّطه في التعاون مع أجهزة المخابرات، والذي وجدتُه قد تحوّل في بروكسل إلى مناضل في حزب من أقصى اليمين. هذا الشخص ولأسباب يطول شرحها ولا يستعصى تخمينها انقلب على جلده “مندمجاً” حدّ الانسلاخ. فالرجل صار يروِّج من الخطابات العدائية ضدّ بني جلدته ما يستنكف عتاة العنصريين من اقترافه قبل أن ينتهي به الأمر إلى اختيار اسم بلجيكي خالص إمعانا في التنكرّ لسلالته. فحتى اسمه العائلي الذي على شاكلة أولاد عبد القادر تخلّص منه بعد إجراءات إدارية معقدة ليختار من الألقاب “فان دن بوت” ظنّا منه أنه قد أطاح بكل ما يشدّه إلى أصوله غير النبيلة ليخترق المشهد السياسي البلجيكي بدون عقدة اسم. لكن عندما أزِف موعد الانتخابات، لم يجرؤ حزبه على ترشيحه لأنه بالتأكيد لن يجلب أصوات البلجيكيين الأصليين. فهو طارئٌ على التبلجك رغم “فان دن بوت” التي يُفاخر بها. ثم إن هناك أكثر من “فان دن بوت” أصلي يملأ العين لهذه العيّنة من الناخبين. كما أن خبراء الحزب أثناء انتقائهم لكمّاشة أصواتٍ أوصوا بالبحث عن عربي أصيل اسمه محمد أو عبد النبي ليتمّ ترشيحه باسم الحزب عوض رأسٍ عربية شائهة تدعى “فان دن بوت”. “فان دن بوت” المراكشي صار مثل تارك الصلاة لما جاءه الموت بغتة. فلا هو أفلح في تحقيق طموحه السياسي ولا هو ظلّ على علاقة ببني جلدته.. فأكثرهم يرى أنه لا يستحق منهم إلاّ الجلد. ومثل هذا الانسلاخ يأتي كنوع من البارانويا التي يعيشها بعض العرب على مستوى الذات التي تشكل هويتهم، أو جزءاً من تكوّنها التاريخي على الأقل. طبعاً ليس في الأمر أي علاقة لحدّ الآن بحرب الحضارات.. لأن الإذعان جاء كاملا. إذعان تام يقابله رفض تام قد يأتي من هذه الجهة أو تلك. لنتأمل مثلا النهاية المأساوية لفان غوغ.

درس “فان غوغ”
طبعا لا أقصد فانسان فان غوغ، رغم أن هذا الأخير قدم للعالم دروسا لا زالت تشهد عليها أكبر متاحف الدنيا. لا أقصد هذا العملاق الذي ظلّ كبيرا رغم حياة قصيرة ومأساوية سرقها منه اليأس والجنون. هذا الذي لم يتورّع عن قطع أذنه اليسرى إكراماً لحبٍّ عاصفٍ قبل أن يُطلق النار على نفسه ليُغَطّى جثمانُه بزهور عباد الشمس التي طالما راقَصتْها فُرشاته التي من مشاعر وألم. فان غوغ الأكبر، كان عبقريا دونما ادعاء، بل وحتى البارانويا التي عاشها كحالة مرَضية كانت لديه مصدر إلهام وإبداع. لكن قريبه تيو، ولأنه كان حاملا لاسم أكبر منه، فقد ارتأى أن يخلق من هذه البارانويا حالة إيديولوجية تخدم دعاواه العنصرية.
ورغم أنه لا يمكن لشخص سويّ إلا أن يستنكر نهايته التي لا تقلّ مأساوية عن نهاية قريبه الكبير، إلا أنه ليس من المستغرب تماما أن ينتهي مَنْ دأبنا على معاملته ككلبٍ ضالٍّ إلى العضّ بعدما يُعييه النباح. طبعاً أنا لا أبرِّر الجريمة التي اتُّفق على بشاعتها وعلى جبن مقترفها. لكن ترديد عبارات الإدانة الجاهزة، والمتهافتة أحياناً، لا يقدّم شيئا. وحده التدبّر الوئيد فيما قد نستخلصه من دروس يمكن أن يفيد في صناعة أفق اسمه المستقبل.
فنحن أصبحنا نعيش رهائن عند نوعين من التطرف يتبادلان الأدوار قصد توتير الأجواء لتأجيج الحملات التحريضية الحاقدة. فما بين مطرقة اليمين المتطرف سياسيا وسندان التيارات المتطرفة دينيا يقف عرب أوروبا كالمستجير من الرمضاء بالنار. فكلا التطرّفين وَبالٌ عليهم وعلى مواطِنيهم من مختلف العقائد والثقافات ممن اختاروا العيش تحت ظل شجرة المواطَنة. مواطَنة زادُها الاحترام القائم على الاعتراف الكامل بحق الاختلاف. وإطارها تعاقد مشترك بين كل مكونات المجتمع الديموقراطي المتعدد للبلاد التي ارتضيناها سكنا ووطنا.
لكن المواطنة بدورها ليست صيغة مكتملة بل صيرورة يجب الانخراط في بنائها وتعزيزها بكل السبل في أفق خلق مجتمع متعدد عادل ومتوازن. مجتمع يصير فيه الاعتراف سيد أدلة العيش المشترك. الاعتراف وليس التسامح كما يحلو للسياسيين والصحفيين أن يرددوا. التسامح يتضمن، برأيي، نوعاً من التساهل مع مقترف “ذنب” أو حامل “عيب”. وأعتقد أن الاعتراف مفهوم يفي بغرض القبول بالآخر المختلف دون حكمٍ مسبقٍ وعلى نحوٍ أفضل.

أجرؤ اليوم على الجزم بأن “فيكتور هيجو” كان مخطئاً عندما اختال بعد احتلال بلاده للجزائر بما أسماه انتصار الحضارة على البربرية على اعتبار أنهم، فرنسيو ذلك الزمان، إغريق العالم. تماما كما أن أية دعوى اليوم لتكفير هذا العالم لن تكون سوى صدى لمقولة هيجو القديمة. صدى لا يقلّ سوءاً عن دعاوى الميز الحضاري الأشدّ ضراوة. وإذا كان التاريخ قد غفر لصاحب “البؤساء” قولته تلك.. فإنه لن يغفر لبعض البائسين من حفدته اليوم نقلهم لكل الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والصراعات من أجل النفوذ والهيمنة إلى صراع خالصٍ للحضارات. أما الحداثة فأخشى أن نكون وحدنا من لا يزال يراهن عليها ويبشّر بها.. فإذا كان الإسلام يجبّ ما قبله فإن العولمة صارت تجبّ ما قبلها وما بعدها. وكم أخشى أن نتورّط بمثل هذا النقاش في زمن ما بعد الحداثة دون علمٍ منا.. أخشى أن نكون قد تعوْلَمنا..
طه عدنان

بيروت 15 نوفمبر 2005

قدمت هذه المداخلة خلال ندوة “حداثة مجهضة أم حرب حضارات؟” في إطار لقاءات مجلة “زوايا” ببيروت

نشر في 25/11/2005 10:00:00

‫0 تعليق