محمد العبـاس: شعرية الايكوفمينزم. النص النسوي كمختبر للوعي بالطبيعة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

حارس الطبيعة
” المرأة أرض .. الأرض امرأة “
النسوية حركة منفتحة على مختلف المؤثرات المعرفية والفنية، فقد نهلت بشكل تهجيني من الفرويدية والماركسية والوجودية، كما تقاطعت بوعي ضدي أحيانا مع التأويلات التعسفية للنص والوعي الديني، وتعالقت بما يشبه التبني لصرعات الحداثة وما بعدها، لتصل في محطة من أهم تأثراتها إلى ما يسمى اليوم بتيار النسويين البيئويين Ecofeminism وهو اتجاه للتفكير بصيغة جديدة مع ” الأرض” ومتعلقاتها البيئوية، أو مثاقفتها بمعنى أدق، إقرارا بالحقوق الإعتبارية لكل الكائنات حتى وإن انتفى شرط كينونتها البشرية، فيما يشبه التحديث للعقيدة السامانية،

فالطبيعة شأن نسوي، بتصور كارين وارن، وهو ما يعني في قاموس النسوية أنوثة الحياة.
ويبدو أن العالم آخذ في الإعتراف بالمطالب النسوية البيئوية، فبعد إقرار ميثاق 1979عام لإزالة كافة أشكال التمييز ضد النساء CEDAW ، تم التأكيد على جانب من أهمية الجهد النسوي لإنقاذ الأرض بحصول الناشطة في شؤون البيئة الكينية وانجاري ماثاي على جائزة نوبل للعام الماضي 2004م. وكانت قد أسست جمعية ” الحزام الأخضر ” وغالبيته من النساء، وقامت بزرع ثلاثة ملايين شجرة في مختلف أنحاء أفريقيا في حملة ضد التصحر، وهو أمر يحمل مرجعيات في الفكر الإنساني على مر التاريخ، حتى داخل الحركة السريالية حيث تمت موضعة المرأة كحارس للطبيعة، بعد أن همشتها الثقافة كقائدة في المجالات الممنوعة والمنسية للقوى الكامنة بالإنسان. فقد تحدث بروتون عن ” العلاج الأرضي عن طريق المرأة ” وأشاد بدورها الذي تم تغييبه وعرقلته وتضليله، وهو ما يعني بتحليل هربرت بيكر في بحثه ” الإيروتيكيا والسريالية ” الدعوة لإعادة إخضاع العالم لنظام أمومي، ليس بمعنى تغيير السلطة، ولكن عبر تأليف بين الذكوري والأنثوي، داخل كلية بشرية.

وقد بدأت الايكوفمنزم كحركة إجتماعية معنية بقضايا اضطهاد المرأة والطبيعة في آن، لتتحول إثر ذلك الربط الموضوعي والجمالي بين حركتين حقوقيتين إلى حركة تحررية كبرى تتماهى بايقاعات الأرض، كما بات منظروها أميل إلى استدماج وسائط الجنسانية بالحاضن الطبيعي كقيمة مهيمنة، بما في ذلك حقوق الحيوان وهكذا تورط البيئويون النسويون في قضايا التمييز العنصري والإجتماعي، حتى صارت الحركة تعني مناهضة كل ما يشي بالتفرقة أو الإضطهاد العرقي أو الطبقي أو البيئي، وعليه تم تأوين ذلك المنطلق الحقوقي من التفكير الفارط في النسوية، وترحيله إلى آفاق الثقافة والفن واللغة والعلوم والدين.

إذا، الايكوفمينزم حركة لا تكتفي بالدعوة إلى التماهي مع الطبيعة، بل تذهب، من الوجهة الحقوقية، إلى محاربة كل المؤشرات والمظاهر ” الأبوية ” التي تستهدف الطبيعة والنساء على حد سواء، من خلال ربط ” الجندر ” بكافة أشكال الإضطهاد، حسب رامازنوغلو، فالمشكلة بتصور روادها لا تكمن في المركزية البشرية قبالة العامل الطبيعي، ولكنها في تماديات السلطة الذكورية ومركزيتها، وعدم الإقرار بأهمية الإختلاف الجنسي، وثنائية الكينونة لإحداث تلك المواءمة في الرؤية إلى الكون، وعليه تم تجاوز فردانية الأنا الأيكولوجية Egofeminist والنسوية الأنالوجية إلى حركية الايكوفمنزم، وهو اتجاه أصيل في الروح والتاريخ الإنساني يمكن التقاط بعض مؤشراته عند أرسطو مثلا الذي فرق بنظرة تعادلية بين فظاظة تطال الطبيعة وبين ما يجب أن يحصل في الطبيعة.

هكذا تم تأوين جملة من المعاني المتشظية واللامستقرة، فيما يبدو استلهاما من جانب الدعاة الأيكولوجييين المعاصرين لمنزلة وقدسية الأرض، بما هي الأم الكبرى، والرمز الروحي لكل ما هو نفعي وجمالي، فخرابها أو احداث القطيعة معها انما يعني النكوث بكل ما هو إنساني ورباني، والإنقلاب على تعاليم الأديان السماوية والمذاهب الوضعية على حد سواء، خصوصا في البيئات والمجتمعات الضاربة في القدم، كما أوصى النبي محمد ( ص ) ” تمسحوا بالأرض فإنها بكم برّة “. أو كما جاء في وصية بوذا ” لا تترك الأرض قاحلة فآباؤكم رأوها خصبة عند مجيئهم ” فما تحبه المرأة يحبه الله، حسب المأثور الفرنسي.

اللغة كينونة .. الشعر منبه حسي
” الكلمات شهقة الأرض .. كل امرأة لغة! “
ذلك التعالق بالأرضي، الذاهب بالأنا إلى حد التصوف الرومانسي، والقائم على وعي حداثي بالطبيعة هو ما أعطى للذات فسحة التمثل، وللنص الأدبي أيضا فرصة الإنكتاب بوعي مختلف وفي نطاق ايكولوجي مغاير، هو بمثابة المطاوعة الدينامية لأنا تنصص احساسها بارتداد إلى الأصل، أي إلى الطبيعة، ليس كحاضن أو كواقع مادي وحسب، بل كإيقاع ( يومي وفلكي ) وكشعور، وكحساسية جمالية بيوريتانية، سواء بمقاصد حقوقية أو بحس فطري خارج ذلك الوعي المسيّس، على اعتبار أن كينونة الإنسان تقوم على مزدوجتي التماس بالأرض، والتعبير عن ذلك الإنوجاد الإنساني باللغة، وتحديدا بالشعري، وهذا ما يسميه ديمتري أفييرينوس بمراودات توق المجتمع الثقافي الدائم للعودة إلى رحم الأرض، بما هي الأم الأولى، ومكمن الإنبثاق وتخليق البنى الكونية، بمعنى أنها موضع تجدد الحياة وانبعاثها.

هكذا يتأسس الوجود في أصله على سحرية الشعري، حيث اللغة هي الوجود ذاته وليست مجرد أداة للتعبير عن ذلك الحيز، وعليه يصح هنا الإفتراض الهايدغري القائل بأن الشعر تأسيس للكينونة عبر الكلام، بمعنى أن اللغة هي الكينونة، التي بها ينكشف الوجود، وهنا يمكن التمثيل بقصيدة النثر كمنتج حداثي وثيق الصلة بالايكوفمنزم بما هي فلسفة وكينونة، وعلى اعتبار أن الفلسفة لا تقبل في مستواها إلا الشعر، وبالنظر إلى أن الحداثة تعني الإنوجاد الواعي على خط الزمن، والتعبير عن حضور تلك الكينونة بتنصيص الذات عبر موضوع يعمل من الوجهة النقدية بمثابة الوحدة الدلالية، وعليه فإن اختيار المرأة للنثر ضرورة وليس اختيارا متأثرا باللحظة، حسب جانيت تود، في كتابها ” دفاعا عن التاريخ الأدبي النسوي ” فالنساء الواثقات بصورة متزايدة من وضعهن الأدبي يبدو لهن الأدب طريقا لإدخال أعمالن في الثقافة باعتبارها حكايات مجازية وقصص أخلاقية وعوامل نشطة سياسيا.

ذلك الأمر تلبيه قصيدة النثر، وفيه أو بموجبه تتفسر حيوية اللغة عند المرأة كانعكاس للمكون البيئي إضافة إلى مجمل الأبعاد الرومانسية والحقوقية والإجتماعية، على اعتبار أن اللغة هي الحاضن العضوي للإنسان، فهذا هو ميثاق الأنا واللغة، القائم على الإنكتاب الذاتي واسباغ دينامية التصور الروحاني على الفعل الإبداعي المتحقق في الحركية الإنتاجية للذات، بمزيج هايدجري وبوذي وهلولدرني بالإضافة إلى خلائط فلسفية وجمالية متباينة، تجعل من النص الشعري تجربة ظاهراتية للتعبير عن الحقيقة.

يتجلى ذلك التمثل بشكل ظاهر وضمني في مختبر القصيدة النثرية العربية، وبأصوات الشاعرات تحديدا، بغض النظر عن منسوب الشعرية في ذلك النص، أو صراحة النوايا النسوية فيه، أو حتى وعي الذات الشاعرة بارتكاباتها المفهومية، حيث يمكن الإقرار بوجود نص ايفكومينزمي، ولو في طوره اللاواعي أو اللا قصدي ربما، عند مراكمة التشابهات النصية، بما هو – أي التشابه – هو القانون العام لدلالة النقد الموضوعاتي، لأن الموضوع يتحدد بحسب تكراره وثباته عبر متغيرات النص، فهكذا يمكن فهم تجربة ذلك الوعي النسوي من خلال تحققها في النص الأدبي، مع الإحتراز من الشغف بالتشابه ومن وفرة التعابير التعميمية، فهذا قد يؤدي إلى شيء من التأويل المفرط أو الاستخدامي المباشر لملفوظات النص، كما يحذر منه امبرتو ايكو، كما قد يتسبب في ترف تأويلي أشبه ما يكون بتقويل النصوص وليس تأويلها، أو على الأقل طمس مدلولاتها، فالقصد هنا هو البحث عن ” حدس مركزي ” كما يوصي دانييل برجيز لتأكيد شيء من دلالات النقد الموضوعاتي بما هو موضوع تجربة ذات جوهر روحي، وليس مجرد معرفة.

هكذا يمكن تأمل الخبرات اللا لغوية الدافعة لأحاريك ذلك النص، فما تقرره اللغة كمنتج ابداعي، يتأكد في الأصل داخل خطاب الحداثة حيث سجالات الإستنساب البشري للطبيعة، بأشكال مختلفة كما في التشابه الأيقوني بين الأعضاء البشرية والنباتات، الأنثوية على وجه الخصوص، إذ يبدو بتصور بيفلاكوا أن ثمارا عديدة قد أعارت اسماءها للعضو التناسلي الأنثوي وقد يكون ذلك بسبب التشابه الأيقوني بينها وبين الأعضاء الأنثوية أو لصلات أعمق تتعلق باللاوعي، حتى في درامية الطقوس المقترنة بالمعاني الفعلية والرمزية لخصوبة الأرض، حيث تتم المماثلة البنيوية ما بين المرأة والنبتة من حيث دورة البذار والحمل، وتوحيد الخصوبتين بمظاهر احتفالية وشعائرية، وكذلك بينها وبين الآلهة، فيما يدرجه التصور الديني للأرض تحت عنوان ” أنوثة الآلهة ” كاستكمال لأنوثة الحياة فما يحدث للمرأة ليس سوى تكرار لحالة الحبل الأولى للأرض، التي أصبحت وفق أقانيم الحركات الروحية صورة مركزية وبؤرية للتجدد.

ولأن الشعر يعمل أحيانا بما يشبه المنبه الحسي، تشد النسوية – عبر النص الشعري – كل ذلك السجال إلى أضابير تنظيراتها بحماسة نسوية لافتة، ولو من خلال مفردات وثيقة الصلة بقاموس الايكوفمينزم ( الأرض والطبيعة ) التي يمكن تعاطيها من وجهة النظر الموضوعاتي كأيدلوجيا وليس مجرد أعراض جانبية لخطاب، خصوصا في بعدها الرومانسي، كما يتبين من كثرة الطرق على المعاني المتعددة للفصول والنهر والعشب والأزهار وهكذا، فهذا الترنم بتجليات الطبيعة إنما يحدث لتفادي ما يسميه هايدجر بالمآل العدمي الناتج عن صنمية التكنولجيا والميتافيزيقيا، باعتناق الأرض، فهي كما يتصورها ديمتري افييرينوس، أبرز تجل لجملة من أنساق الظهورات المقدسة: فالتربة والحجارة والأشجار والماء والظلال والنبات وسائر المشاهد الطبيعية للعالم تؤلِّف فيما بينها وحدة كونية حية شاملة لا تُحدُّ ولا تُنتهَك. والتراب، في دلالته الرمزية، يشير إلى هذا التفاعل والإشتباك بين مظاهر الحياة هذه. أما الأرض فهي الأصل أو المنبع الخلاق لكل تجل للوجود في حالته البكر.

تشجير النص
” الأشجار لا تخون “
بموجب هذا التماس الخفي كاستنساب للطبيعة تحضر مفردة الشجرة كأيقونة ايكوفينزمية طالما اعتنقها البيئويون امتثالا لوصية بوذا ” لا تنزع الغصن من الثمرة فطوبى لليد التي تزرع وعار على التي تسيء ” فهكذا تعبر هدى حسين مثلا عن تلك الإشارة في ” قبلة الحياة التي أهداها الإله للشجرة ” وفي مناجاتها لأبيها بأسى ” لا نخل هنا لأهز جذوعه يا أبي، فقط سيارات مارقة في الليل، كقطط عمياء “. أو كما تنكتب فيفيان صليوا بنية التماثل الدلالي مع واحد من عناصر البيئية الأهم عن ” شجرة تطالب بالحرية ” وتساجل في الطين الثالث من نصها ” أطيان ” على وثوقية نسوية قصوى بالطبيعة من خلال التغني بعناصرها أو أحد مكوناتها المركزية ” الشجرة لا عقل لها، لكنها، تفهم أكثر “. وبحسرة تندب سوزان عليوان في ” شمس مؤقتة ” العالم المتهدم بالوقوف ” تحتَ شجرةٍ لوّثْنا رئتيها بالسجائر ” فهكذا تشاكل الشاعرة الشجرة بنائيا بما يشبه التوأمة الروحية كما تتقنها نبيلة الزبير ” لا أحد يعرف، ما الذي كانت تفعله، هذه المرأة، قبل أن تصبح شجرة “.

هكذا تبدو الذوات النسوية الشاعرة على درجة من الإرتباط الضمني والصريح بأنطولوجيا مشتركة تختصرها لمياء المقدم في عبارة شعرية جازمة أشبه بالمسلك الإيماني ” الأشجار لا تخون ” بما يعني أن الشجرة ليست مجرد وريقات خضراء بالنسبة للشاعرة بل هي المعادل الجامع للأنثى أو المرأة، فجاكلين سلام مثلا تتحدث في نصها ” خريف يذرف أوراق التوت ” عن فينيق ينبعث من رماده ” يكلل أشجارا ثمارها نساء “. وتؤكد جمانة حداد في نص ” احتمال ” على ممازجة الشجري بالأنثوي فيما يشبه التصديق على اعتقاد موضوعي وحسي في آن ” لتحتفي الشجرة بشهوة أنوثتها “. وهكذا تتماهى بلقيس حميد حسن بالنخلة في نصها ” في هذه البقعة من الأرض ” فهي الطالعة من نخلة، كما تقول تستنهض النخل المحروق ” يا فسائلي انهضي، جذوره تئن “.

وبالنسبة لسعدية مفرح تتعدى الكثافة الشجرية كونها تخضيرا مفرداتيا للنص إلى مهمة ودلالة التمثل به في الحياة، كما في ” غيابات مأهولة بالموت ” فالشجر، بتصورها ” وحده يملك الإجابة الصحيحة، لكنه أيضا يملك الدموع ، مثلنا … لحسن الحظ “. وفي نص ” لحن الحمامة المغوية ” تتحدث عن ” شجر في غابة كثيفة، يرتوي من ظلام سحيق في الأرض، ويتشمس من سماء سحيقة في علوها”. وتبلغ أقصى دلالات التصور الايكوفمنيزمي في غيابها التاسع ” غياب أخضر ” ليس بالمعنى الحقوقي، كما يبدو، ولكن كما تستشعره الذات الأنثوية الشاعرة من خلال تعاطي البعد الشجري كشاهد:
أيتها الشجرة اليتيمة
تمعني بملامحي جيدا
امتصي عطر الشمس ونسغ الأرض
واحرسي فضاء الشارع القديم
أيتها الشاهدة الهرمة

تلك هي بعض المعاني المواربة للنص المكتوب بروح بيئية نسوية، لا واعية ربما، أو غير مسيّسة، اتكاء على مفردات ذات دلالة أو إحالة ضمنية، أما المباشر منها فيبدو قاموس الايكوفمينزم أكثر وضوحا لدرجة التصريح ففي نصها ” أليس لهذا الليل جسد أمسك به ” تحشّد فرات أسبر دلالات المعنى الأمومي للأرض، فيما يبدو مجاسدة أنثوية للطبيعة ممثلة في الأرض وعناصرها المادية والروحية، كالفصول والنهار، والماء، والبحر، فهي تؤنث كل متعلقات الوجود، تفجعا في الوعود الكاذبة بين الإنسان والأرض، كما تشي سياقات النص، بما يشبه الرغبة في مماثلتها بحس الإنسان البنيوي، المشدود للأصل والماكث في الأثر ” ما الذي فعله العاشق بأنثاه الأرض؟ ” حتى تصل كعادة المرأة/الأنثى إلى ترتيل قدسية الطبيعة بمعنى مجاور:
لا تكذبي أمنا الأرض
نحن أبناؤك المنشدون
في تراتيل الغياب
والمحن، ألف باب وباب

هي الأرض …
إمرأة..
أضاعت صباها في الحفر
هيمانة تسأل البحر
عن طوفان قريب

كذلك يمكن ملاحظة ما تعبر عنه آمال موسى المتدلية في نص ” نجمة القيامة ” كثريا على الأرض، والمحمومة بعلاقة التماهي مع كل ما هو أرضي في ” ساعة الجنون ” فيما يشبه الفكرنة الجمالية لتلك العلاقة الغامضة، المصرّح بها عبر نص يقوم على تلفيظ تلك المنطقة الغائمة، تأكيدا على العلاقة التبادلية بين الذات وموضوعها:
بيني وبين الطبيعة مسافة
أقطعها خلفا إلى الوراء
ناطقة
منشئة عالمي
على كل الأطلال
أطلق فوضاي ساعة الجنون
لترتب بيت العالم

منفستو نسوي بيئوي
” تنحوا كي تعبر النساء “
ذلك لا يعني أن هنالك لغة خاصة بالذكر وأخرى منذورة للأنثى للإحساس بالوجود، فلغة المرأة هي لغة الرجل، وهي فعل توحيد بشري، والتاريخ الأدبي يكتظ بشعراء تغنوا بالطبيعة وعاشوها كجان كوكتو مثلا، الذي أعلن ولاءه ومديونيته للطبيعة، بقوله ” أريد أن أُحِبّ كحيوان.. وأن أُحَبّ كشجرة “. ولكن هذا الإختراع الإنساني – أي اللغة – يقبل التعديل والتعدد وفق تباين النبرات وانطلاقا من زاوية الرؤية حتى يصبح فلسفة أو معتقدا، وعليه فهي هنا محل تساؤل عند تأمل زاوية التحاور مع الوجود، فالمرأة لا تجد فرقا في الأصل بينها وبين الطبيعة واللغة والفن، على اعتبار أن ” الأرض ” ضمن الاعتقادات النسوية هي شأن أنثوي، يتأكد بموجبها قدسية ثلاثة أقانيم أزلية هي ” المرأة – الفن – الطبيعة ” وعلى ذلك الاعتقاد يحاك نصها بما يشبه ” القضية ” كعنصر مهيمن، وهو ما يفسر روح لغتها الشعائرية المبثوثة على الدوام في نبرة رثائية وتبتلية، فنبيلة الزبير مثلا في نص ” كبرياء ” الذي لا يخلو عنوانه من دلالة الإعتداد الأنثوي، تترنم بما يشبه الدعاء:

أنبس الأرضَ
أيها الربّ … تعال..!!
أصغر اللاشيء
أكبر.
*
كلمتني الأرضُ
أتعالى..!
*
أيها الـ.. ما.. رد :
إني الكلمة.

هذا التماثل البنيوي الذي تحاول المرأة تنصيصه، هو ما يسميه هايدجر في قراءته لأصل العمل الفني، التصميم الشعري للحقيقة، بمعناه الموضوعي وفي تعادله بالرومانسي أيضا، ففي مثل هذه النصوص يتماهي الأنثوي بالكلمة داخل النسق البيئي، بقصدية وفطرية أصيلة، ويمكن التمثيل لذلك مثلا بنص ” الحبر أقل من ” الذي تؤكد فيه فوزية السندي ” أن الشعر كما النهر، مبتلى باندفاع حروف عنيدة “. كما تعضّد ذات المعنى البيئي عبر اللغوي في تقابلات درامية:
دامت الورقة: وريثة الشجرة
دام الحبر: دم البحر
آه الكلمات: شهقة الأرض

وبنفس الروح تكتب فوزية أبو خالد نصها ” قصيدة الماء ” لتؤكد على اقتران الكلمة بالكينونة، ولتقترب أكثر من الكيفية التي تأخذ بها اللغة الشكل الفوري والطازج للأنوثة الممتزجة بالطبيعة:

غمست أصابعها في الصحراء
وكتبت بماء السراب قصيدة .. تقطر
تقطر
تقطر
إيقاعاً لا يمس بالحواس

أما في قصيدة حمدة خميس ” تنحوا كي تعبر النساء ” التي تعتبر بيانا ايكوفمينزميا بامتياز بدءا من العنوان، فتبدو المماهاة عبر تداعيات أوسع وأشمل، أي بالكتابة والكلام والقصيدة والحكايا واللغة، وكل تداعيات التعبير البشري، حيث الدعوة إلى إبدال النقش بالنقش والحناء بالحبر:
انهضن ..انهضن
يا نساء الخليقة وصفوة الكائنات
انهضن إلى البياض
دورن رغيف القصائد
اشعلن قناديل الحكايا
احبكن الكلام الذي يشف كجوهرة
ويجرح كالنصال
اعبرن نهر الكتابة إلى ضفة الوجود
كل جسد كون .. كل قصيدة أنثى
كل امرأة لغة!

هذه القصيدة تحديدا هي الأفصح في التعبير عن الوعي النسوي بالطبيعة، فهي تكتظ بالكثير من دعاوى وشعارات وأفكار الايكوفمنيزم بدءا من عنوانها الموحي، ومرورا بمضامينها الحقوقية، وحتى كثافة أفعال الأمر التي تأخذ النص إلى البيانية، فيما يشبه الإعلان عن منفستو نسوي بيئوي، سواء بتلفيظ مفردة الأرض والطبيعة واستلحاقاتهما البيئية أو بالتضمينات الكثيفة داخل المعنى، فالنص هنا كما يفترض النقد الموضوعاتي ينبيء عن فعل الوعي أو ما يسميه باشلار بالأنا المفكر الحالم:
ايه..
يا قصائد الرسل
وكتاب الطبيعة
لكن أسس الرجال ممالك الهوى
وأسسوا من مجدكن أقانيم الغزل
انسكبن على البياض
أصلحن تربة السماء
واعصفن بتربة الأرض
ماء الطمأنينة في أرواحكن
إذ يهطل
ابذرن أفكارا جديدة طازجة
أفكارا لا تشبه الأفكار
ولغة لا تشبه اللغة

ويمكن القول أيضا أن مجموعة سعاد الكواري ” ملكة الجبال ” هو نص بيئي بامتياز، ويأتي ليستكمل روح مجموعتها ” وريثة الصحراء ” لا لكثافة مفردات ” الطبيعة ” فيه وحسب، ولكن لما يختزنه من روح بيئوية فائضة تجهد لمجاسدة الطبيعة ومماهاة كل استظهاراتها بحواس وشعور الأنثى، فيما تبدو كتابة عضوية شديدة التماس بالحسي، وإن لم يتأسس على النبرة الحقوقية، وشعارات النسوية الصاخبة، بقدر اتكائه على رومانسية الإحساس بالمكوّن البيئي، وعبر ” أنا ” تحضر النص كذات تعلن مديونيتها الجمالية للأرض فهي ” بنت الطبيعة “:
آه
كم أتمنى أن أتوسل وسط سفوح البراري القرمزية
أحوم حول جبل ضخم
بيدي شعلة الصباح
على جسدي معطف السنابل
ليتني أداعب الأمواج المضطربة بأناملي
ليتني أفترش العشب
التحف الغيوم
بنت الطبيعة
خرجت من نتوءة مجهولة
نشأت بين أحضان ظبية وحشية
صادقت أسراب الطيور
قطيع الظباء
أتمنى أيضا لو أدخل قوقعة الفصول
أغلق كل الأبواب والنوافذ
وحدها الريح الفوضوية
تأخذني معها بقوة غير إرادية
لأهيم عشقا

وحشية الحكم الأبوي وسلام الأنوثة
” الأرض مقوسة .. ووراءها .. أرواحنا تتحدّب “
هذا هو تماما ما تطالب به لوس اريغاري، كممثلة لثنائية الكينونة، أي برؤية كوزمولوجية للطبيعة بوصفها أرضا خصبة مانحة للحياة، ووفق ذلك التماس النسوي البيئوي المنفتح تنادي برؤية أداتية للطبيعة أيضا بوصفها مادة بهيمية عمياء يتعين فتحها وتجاوزها من قبل الذات البشرية وتشكيلها وفقا للإرادة البشرية، لأن المنطق العنيف للواحد – الذكوري – يؤدي إلى توطيد الحكم الأبوي وكبت الإختلاف الجنسي، بما يؤكد التمادي التاريخي في تنصل الذات البشرية من مديونيتها للطبيعة وفقدان احترامها للطبيعة ذاتها، وربما لهذا السبب تصرخ حمدة خميس ” تنحوا كي تعبرالنساء “:
تعبت هذه الأرض
تعب الناس والنبات
الماء والكائنات
تعبت البيوت من الخراب
تعبت الشوارع من ضجة الرصاص
تعب الرجال من الرجال
تعب الناس من الكهوف
تعبوا من وحشة الدم
من اللغط الكثيف
آن أن ينهض سلام الأنوثة في أرواحهم
آن أن يرتبوا فوضاهم
أن يحفظوا الأرض من فدائح الهتك!!

ذلك التناول الفردي لكل تجربة لا يلغي التشابهات، فاللا وعي الأنثوي الفردي مستبطن داخل اللا وعي النسوي الجمعي، ومهما كانت تشعبات النص ثمة قواسم مشتركة بين النصوص، وإن لم يؤكد ذلك التأويل مسلمة وحيدة إنما جملة من التنويعات على الإعتقاد الايكوفمنيزمي، فكلما تعددت معايير القياس الفنية والموضوعية تأكدت تلك الثيمة ضمن بانوراما نصية هي بمثابة الوثيقة التدليلية، فهكذا تتماهى المرأة بالطبيعة، وتصادق العناصر، بتعبير وفاء العمراني حيث تحايث مادية العالم بعلاقة تخييلية لتلك العناصر، لترد على خراب مبيت ضدهما، أي الطبيعة والمرأة، من خلال ما يسمى بالأنا المعاصر، الموروط بفكر على درجة من الصلة والوعي بكل ما هو خارج ذاته.

وهكذا يعمل النص كوسيط بين الذات وموضوعها، بحيث يتضاءل الواقع المادي لصالح الوظيفة، فما يصدر عن الذات الشاعرة ليس محلا للوعي أو الفكرة وحسب بل للنص أيضا فيما يبدو تأسيسا لعلاقة سببية، وهو ما تعبر عنه منى لطيف غطاس بنظرة كونية، يراها باشلار بمثابة المبدأ، وهو ما يتوضح عندها من خلال ايمانها الفعلي بضرورة تواجد المرأة في كل أمر يخص البشرية إنقاذا لمكوناتها وروحها، ولمنع تفريغ الكون من جوهرانيته، وذلك في نصها المعبأ بأفكار ايكومينزمية صريحة:
” المرأة أرض الأرض إمرأة
قالها كتاب كثيرون
وأنا أيضا

بشر ميالون للشر يجرحون
الأرض يجرحون المرأة
قالتها قصائد كثيرة
وقصائدي أيضا
لكن النساء الجريحات يشفين
والأرض أيضا “

إذا، لا فرق بين اضطهاد المرأة وتخريب الطبيعة، فذات القائل بالتطابق بين المرأة والطبيعة تؤكده عائشة أرناؤوط في ” حنين العناصر ” إذا ما تم النظر إلى منتجها الأدبي كتجربة روحية عاكسة بأمانة لوعيها كمبدعه، حيث يتبدى ذلك أيضا في نص ” اليباب ” تحديد، في نبرة الأسى والتفجع:
الحقول تفحمت بكاملها
وما زلت
تحلم
باقتلاع أعشاب ضارة

ونفس المعنى تطاله ورود الموسوي في نص ” عطش يبللها وماء لا يصل ” بعبارة مثقلة بالتأسي توازي فيها بين الشكل والمعنى ” رمادي هذا العشب، رغم اخضراره ” فيما يذكر بتصور باشلار حول الصورة الأدبية التي تعيش لحظة الولادة، حيث الإبقاء على الحركة الروحية داخل تلك الصورة، وكذلك بلقيس حميد حسن في نصها ” في هذه البقعة من الأرض ” :
أتتذكرُ؟
عند البحر
انتحرت الحيتان
معا انتفضنا
ومعا دُهشنا
الطبيعة تبدلت
والمياه أخرى
نمضي..

من هذا المنطلق المنفتح على المكوّن البيئي ترى فيلسوفة الايكوفمنيزم كارين وارن رسالتها وسط الناس، وتعتبر نفسها فيلسوفة الشارع – بتعبيرها – على اعتبار أن الفلسفة شأن انساني، تماما كما تعنى أريل صالح بمن تسميهم بعمالة ما بعد التصنيعي، وتعني بهم ربات البيوت، والقرويين، والبدائيين من البشر، الذين تم سلخهم من حاضنهم البيئي وسرقت ألسنتهم، تأكيدا لسياسوية النزعة الأصيلة في الايكوفمنيزم، وعليه يمكن امتصاص بعض ذلك الإعتقاد نصاً في التبسيط البيئي الذي تقدمه سوزان عليوان في نصها ” شمس مؤقتة “:
هذا الدمعُ المنسكبُ في ترابٍ
غيرُ قادرٍ على إعادةِ الروحِ لخلايا الكلوروفيل الميّتةِ في أوراقٍ
لم تنجُ من حريقٍ أشعلناهُ
بأعقابِ السجائر
بغروبٍ تركناهُ وحيدًا وراءَنا
دونَ قصدٍ
دونَ درايةٍ بما يعنيهِ الجحيمُ آنذاك
.و لم تغفرْهُ لنا الغابةُ-الأمُّ
و إلاّ بماذا تفسّرونَ تعثُّرَنا
بجذورٍ قاتمةٍ
و ظلالٍ تتمايلُ
كلّما خطوْنا؟

بتلك المجازية الرهيفة يؤكد النسويون البيئويون على إدانتهم للفعل السياسي في انحيازه عن شرط الوجود الإنساني إلى مفاعيل السيطرة، كما يمارسها الرجال بكل احتيالات السلطة، وعليه يتم تحدي تلك المظاهر وقيودها الإلحاقية حتى لو بدت في مظاهر ليبرالية، على اعتبار أن الأرض واحدة من الجواهر التي ينبغي إعادة موضعتها في الوجود، كما تميل الرؤى الموضوعية للفلسفة الظاهراتية، وهي جامع النص الأنثوي، كما تراه فيفيان صليوا في الطين الخامس من أطيانها:
الأرض مقوسة
ووراءها
أرواحنا تتحدّب

فاشية ايكولوجية
” أشباح تقنية تقضّ مضاجعنا “
هكذا يأتي النص ببذخه كرد بيئي، إذ ترتله سعاد الكواري بما يشبه الولع في نص ” موت بطيء ” لتحايث به كهولة الزمن، حيث تحكي عن المرأة التي تهبط على رخام الهذيان .. وتذوب على مفاتن الطبيعة، فيما يشبه التأمل الهايدجري لكل ما هو أرضي، والذي لا يقيم مسافة بين الأنا والأشياء، كما يتجلى ذلك بشكل أوضح في نص ” بنت الطبيعة ” الذي تصوغه بنبرة هولدرنية، حيث الإحساس لا ينفصل عن حلم اليقظة بتصور باشلار:
مغرمة
مغرمة جدا بقيعان البحار
بالأسماك الغريبة التي تتحرك ببطء شديد
بالأعشاب اللزجة
بالكائنات المختلفة
بأسرار الكون
بمفاتيح الخلاص
مغرمة جدا بأسرار الطبيعة

ويتأكد هذا الولع أيضا عند هدى حسين عندما تحدثت عن ” موت العاشقة ” التي اكتسب وقوفها أمام البحر معنى آخر، ولم تستطع أن تستعيد العلاقة ذاتها بالشجر والحيوانات، فيما يبدو استعمالا متماديا للاستعارة، كإدراك حسي على درجة من الإصرار لاقامة علاقة ما بين المادي والشعوري فيما يشبه الماهية المؤكدة أصلا على لا مادية الوعي، وقد تأكد ذلك أيضا في نصها ” فيروز ” بما يشبه الدعاء:
لنا ثديا الطبيعة باقتسام
ولله محبتنا
ولغير ذلك أن يحترق

يحدث هذا الانتباه حتى لا تتم التضحية بالخصوبة الطبيعية، فأزمة العصر الحديث، كما تتمثل في الحروب والمجاعة، والتدمير هي المصير التاريخي المنطقي لكافة المجتمعات التكنوقراطية القربانية التي أنشأها وأدارها الرجال لوحدهم، فيما يعتبره مالينوفسكي هزيمة كبرى للنظام الأمومي حيث آل الأمر إلى أبوية محكومة بحتمية انثربولوجية تعتبر المرأة نموذجها في الإنتقال من الممانعة إلى الإمتثال، بعد استئصال نظام مقاومتها ومناعتها.

يؤكد ذلك التفرد المتوحش حنا عبود، فالنظام البطرياركي، بتصوره، عتا عتوا شديدا في القرن السابع عشر وما بعده، وعلى الأخص اثناء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وربما لهذا السبب تصرخ سعاد الكواري بانفعال لفظي ” حداثيون رغم أنف الطبيعة ” وترفع آمال موسى نصها/بداوتها في وجه المدنية ” أنام تحت ظلي ، ألبس بداوتي نكاية في المدن “. وأيضا تتوسل سوزان عليوان في ” مخبأ الملائكة ” أمان البراءة البيئية كما تتمثلها وردة في شارع ” ابحث عن وردةٍ صغيرةٍ في الإسفلت “.

وذلك لا يعني بتصور حنا عبود أن نية البطريركية كانت حسنة الطوية تجاه الطبيعة قبل ذلك التاريخ، بل لأن وسائل تدمير الطبيعة باتت متاحة له في ذلك الزمن وليس قبله وإلا لما قصر، فاضطهاد المرأة والطبيعة شيء واحد، وعليه لا يمكن تحرير احدهما دون الآخر، ولعل في هذا ما يفسر آلية الطرد الحداثي للمرأة من القصيدة، باعتبارها واحدة من قرائن قدسية المرأة، وبالتالي فإن تجريدها من قدسيتها جنبا إلى جنب مع تدمير الطبيعة والفن هي الانعكاس الطبيعي لمعركة أبدية بين المقدس والمدنس، الأول يريد الإحتفاظ بقدسيته والثاني يحاربه دون هواده، رغم أن بعض النزعات النسوية تميل إلى التماهي بالحداثي وما بعده.

ذلك التوحش ضد الطبيعة هو ما يسميه مايكل تسيمرمن ” فاشية أيكولوجية ” تراه كارول آدمز حالة من التطبّع والروحنة المجانية مع ذلك الفعل القرباني التدميري للطبيعة، وهذا التفكير البيئوي النسوي ليس جديدا على الفكر الإنساني، فمحاولة الفهم التاريخي للطبيعة مسألة متجذرة في الوعي الإنساني، وقد جادل مارتن هايدغر ذلك المنحى التدميري للطبيعة تحت ما سمّاه الفهم التكنولوجي للوجود الطبيعي، حيث يحيل ” الإنسان التكنولوجي ” كل مظاهر الحياة إلى مصنّعات بدءا من الشجرة التي تتحول إلى قطعة أثاث تختصر زهرة يسري مفارقات عذاباته بتهكم في نصها ” لأنهم هكذا ” في تأسيها المضاعف على الهامشيين والمقهورين:
يجب أن يكونوا هكذا
يقطعون الأشجار في الغابات
لأثاث لا يحلمون بلمسه
يجرونها بعضلات غير مرفهة
أشجار البلوط والسنديان
مرصوصة في أكواخهم بحجمها الطبيعي

هكذا يتقاطع النص الشعري مع ما يجادله هايدجر من تفسيرات فلسفية للتكنولوجيا، بما هي ” ديانة العصر ” وبما هي طاقة مرهقة للطبيعة ومفتاح العدمية، أو كما يربطها ماركس بالإستلاب والتشيؤ، باعتبارها واحدة من أصنام العالم الحديث، حيث استغلال الطبيعة واجتياحها بلا حدود ولا ضوابط، نتيجة الحروب وغلواء الفهم التكنولوجي، وهو ما يؤدي إلى خسران الإرتباط بالأرض، وذلك ما تسميه أريغاري صنمية السلعة المؤدية بالضرورة للتضحية بالخصوبة الطبيعية، أو هو ” الكابوس الأيكولوجي ” بتعبير تسيمرمن، حيث رأى في المذهب البيئوي حالة من الفضح أو النقد للتاريخ الغربي بوصفه سلسلة من التحايلات المستترة للسلطة، وهو الأمر الذي تعبر عنه بلقيس محمد حميد حسن بنصها ” في هذه البقعة من الأرض ” :
ألقوة تمد ُ مخالبها
تسحب من تحتـنا الأرض
أشباح تقنية ٍ تقضّ مضاجعنا
وتقولب الأطفال

إقامة شعرية في النطاق الايكولوجي
” سرير من عشب “
وللعودة إلى حضن الطبيعة، أو الاستنساب لها بمعنى أدق، يقترح هايدغر تفعيل البنية الذهنية لتلك العلاقة، وتعزيز نمط ” الكينونة ” بما هي انعتاق نحو الشيء، واستدامه واعية لقيمته الجوهرية، وبالتالي فهي انقلاب قصدي على الفهم الإستلابي للتكنولوجيا، وتفكيكا عمليا للنزعة الأفلاطونية والميتافيزيقية لكل الاعتبارات الأخلاقية للطبيعة، كمماهاة لإمكانية أخلاقية قوامها جمال الجسد البشري، وصولا إلى ما يعتبره ” إقامة ” في النطاق الأيكولوجي للشيء، إحتراما أو إيقاظا لطاقته الهاجعة، بحيث تتم المواءمة بين موقف الكائن الذهني من الشيء وسلوكه الجسماني، وهو الأمر الذي يتطلب مثاقفة الطبيعة بوعي ايكولوجي رفيع، وبذات حميمية ومغالية قي تقديرها الحسي لمتعلقات الأرض.

وهذا ما نجده عند زهرة يسري في نصها ” الله يحب البرد ” فيما يشبه الرومنطيقية الصوفية ” وربما أتمنى أن أقضي بقية عمري على أرجوحة بين شجرتين، لأرسل به أن عربات المدينة علمته الإنحناء أكثر مما ينبغي “. وأيضا في رهافة التعبير الذي تتوسله سوزان عليوان لهيكلين عظميين ممددين ” كما لو أنَّ الترابَ سريرٌ من عشبٍ “. وكذلك في نص بهية مارديني ” بلاحدود ” المؤكد على أهمية الخيال كحامل ومفعل للوظائف النفسية:
أشتهي أن أركض
فوق الأفق الممتد
غطائي الأرض
بساطي السماء
لأفهم عالما
يرعش بالألم

وقد استعارت النسوية بعض ذلك التفسير الهايدغري تحت ما سمته روزماري روثر ” النزعة البيئية الأخلاقية ” كما استعانت به في دعوته إلى تشعيب الكينونة وبالتالي إلى ازالة كل آثار الإختلاف الجنسي، حيث بدت من وجهة نظر ريتاؤد توين مساءلة للكينونة الثنائية، كما أبدت اريغاري احتجاجها على قمع الطبيعة من قبل الذات المونولوجية واستغلال النساء، وهو ما يتوافق مع دعوة تسيمرمن لتكوين مجتمع أكثر تبعّضا، وذلك تعميقا لرؤية أصيلة من رؤى النسويين البيئويين المبشّرة بالتنوع الحيوي، حسب مطالبات فاندانا شيفا مثلا، حيث احترام المؤنث، أو الإقرار بوجود جنوستين بدل التضحية بالأنثوي كقربان، بما يعني التأكيد على المنزلة الأونطولوجية للاختلاف الجنسي، كواحدة من أهم القضايا المركزية التي تواجه النظرية النسوية، كما تختصر ذلك هدى حسين في نشيدها الملغوز:
كل اللغات تؤنث الطبيعة
مع ذلك بقيت
أنوثة الطبيعة توجد كائناً
وذكورتها تحدد ماهيته.
كل اللغات تذكر الإنسان
ذلك الذي
يا للغرابة
أوجدها.

هذه الروح التعادلية أصيلة في النسوية ، ففي العهود الغابرة حسب ذلك التصور كانت المرأة مقدسة بما هي أصل لكل ما هو خير، والانثربولوجيون يؤكدون ان عهدها عهد سلم ورخاء، لدرجة أن روزلاند مايلز تميل في كتابها ” تاريخ النساء في العالم ” إلى رفاهية ونقاء المجتمعات الأمومية، على اعتبار أن المرأة كانت هي العاصم البشري من الإندثار، وبالنظر إلى علاقتها الإستثنائية والحميمة بالطبيعة، وهذا المعنى يتأكد مثلا في نص حمدة خميس ” تنحوا كي تعبر النساء ” كتعبير عما تسميه الاكوفمينزم ” التنوع الحيوي “:
انهضن .. انهضن
خذن الرجال إلى حكمة الأنثى
فقد عظمت رزاياهم
خذن الرجال والحكمة
إلى فيء الأنوثة المطمئن
خذن الأرض إلى رحاب الهدوء
خذن السلام .. إلى السلام

أكذوبة الأجساد المجنسة ونص الإنسان الطبيعي
” أقنعة الوردة .. رومانسية باهتة “
لكن نيتشة الساخر مما يسميه النسوية الرجعية، وفي مجادلته لمفهوم ” الحياة الأنثوية ” تحديدا استشعر – كفنان – شيئا من الكراهية للطبيعة نتيجة اشمئزازه من بعض وظائف المرأة المتقلبة، أو ما يعرف بالطبيعة الإجتماعية الملونة للنساء، حيث تبدى هذا الربط بمثابة ورطة جدلية حول مفهوم ” الإنسان الطبيعي ” فالرجال بتصوره هم الذين اخترعوا فكرة القبلي والعلوي من الماهيات وأدخلوا كل ذلك بنظام علاقات، هو الذي واشج بشكل اختزالي، أو مظهري، ما بين المرأة والطبيعة، فالذكوري لا يتعامل مع المرأة كنوع، أو وفق شرط الوجود الانساني، بل كآخر، وبالتالي فهو سلطة فارزة، وهو أمر يعاضده ليفيناس بتطرف على اعتبار أن الرجل هو سابق وعام، قبل انقسام الإنسان/الرجل على الإنسان، أو ما يسميه البقعة العمياء.

وهذا الانحياز عن الماهية، أو ما يسميه انخداعا بضحالة المظهر على حساب جوهرانية العلاقة، فيما يبدو دعوة سجالية لإعادة اكتشاف نص ” الإنسان الطبيعي ” أو براءة الطبيعة بما هي نص قابل للتأويل الذي يحفظ للإنسان دراما الإقامة في متعلقاته الأيكولوجية، وليس بدعاوى الجنسانية المتعسفة في تأويل الكينونة، أو المبالغة في التجسد الجنسي الأنثوي، فالنساء يرتبطن بالطبيعة بعلاقة أكثر اختلافا من علاقة الرجال بها، كما تؤكد نيكول فرمون، ولكن النسوية تبالغ في اعتبارهن حاميات العالم الطبيعي.

ذلك ما تسميه أريغاري ” الأجساد المجنّسة ” أي تلك المنسية في خطابات الفلسفة والعلم واللسانيات والسياسة، والتي لا تكف عن إعلان جنوستها، والإعلاء من شأنها، وعليه تمت مجادلة أدوار الجنوسة من خلال علاقتها المباشرة بالطبيعة، حسب مفهوم الايكوفمينزم، الداعي إلى مثاقفة المرأة بالطبيعة، فالمتخيل هنا ليس مجرد مماهاة لغوية كبديل جسدي يفصح عن بنية زمانية في حالة حمل دائم ، بل هو في مجازات الحواس المتحاورة مع نعومة ومسامية الجسد الأنثوي بكل تخومه الداخلية والخارجية، كما تعبر عنه هدى حسين بمتخيل مجازي في ” أقنعة الوردة ” :
بعيدا عن السباق
أستطيع أن أرسم وردة في كراستي
دون جزع من أن يسخروا
أو يعتبروها رومانسية باهتة..
لماذا لا يحبون الرومانسية؟
ولا يرجعون إلى تاريخ النساء
اللاتي كن يلوحن بمناديلهن
الصفراء الزرقاء
لفرسانهم في حلبة السباق
وإلى وردة كان إلقاؤها وحده يكفي
لأن يدفع خيولهم للفوز

هكذا تتكرر المحاولات النسوية لوعي الكينونة، بحس رومانسي كواحد من مداخل التعادل الجنساني، فالإعتراف بالآخر، بتصور لوس اريغاري، يتطلب اشارة حب مسبقة نحو الذات، وعليه يفترض وجود امرأة تكون حرة يمكنها أن تتحدث وتفكر وتستعمل هذه الحرية، أي يفترض وجود امرأة في سيرورة التحول إلى ” كينونة “. وهذا ما تحاوله نجاة علي في نصها الإشاري ” الجنرال ” حيث مساءلة الأبوة والذكورة على محك كينونة أنثوية تعادلية:
الأمور كانت
ستسير بشكل جيد
لولا وقاحة هؤلاء
الرجال
الذين خرّبوا الإيقاع ،
أعرف أنه

  • كشاعر نبيل –
    سوف تثيره الضجة
    ينزوي في ركن
    ليتأمّل
    كلّ الذين أهملهم الربُّ
  • طويلا –
    ليس أمامهم إذن
    سوى أن يخبئوا
    خيباتهم
    بين أدراج مظلمة.
    أظنه – أيضا –
    سيغادر الحفل
    بعد عشر دقائق
  • على الأكثر –
    مع أن الحفل مليء
    بملائكة من النساء
    أليس بإمكان واحدة
    منهن
  • بقليل من السحر –
    أن تطرد تلك التجاعيد
    عن روحه

امرأة ..
” تؤرخ للأشجار ” وترفض ” العيش بين أكلة اللحم “
ومن نفس المكمن الأنثوي تطلق الشاعرة دائما تحذيراتها من طلاق مبيت بين الطبيعة والروح، على اعتبار أن الروح هي الوحدة الجوهرية الكفيلة بإحداث التصالح بين التفرد والشمولية، كما يبدو ذلك في التماهي الإيقاعي – الفلكي واليومي – الذي تتحسه آمال موسى مع الطبيعة في نص ” وردة الخريف ” حيث الأنثى الحبلى بنهر مسجور، المتفتحة في الخريف كوردة، وكذلك في نص ” كاهنة الجنون “:
أنثى الجنون أنا
ألبس تعقلي
أتراجع إلى الأمام
لأهجم
على كل جميل
ذات الجنون أنا
ولدت لأشفى
إلى الأرض رزقت
حبلى!
لي شروق الشمس
ضياء القمر

إذا، أي شكل من أشكال الجنوسة يحرم النساء من ذلك التفرد والشمولية، ويحيلهن ببداهة إلى كائنات لا روحانية محبوسة ضمن عالم الطبيعة ومحرومة من الدخول إلى العالم الروحي للثقافة، وبموجب هذه المفارقة بالغ تيار النسوية البيئوية في الدفاع عن كونية الإختلاف الجنسي، أو كما تقول اليزابيث غروس بأنه هو المكان الذي يذهب اليه المرء ليبقى على قيد الحياة متخيلا لم يأسره النظام الرمزي.

وبموجب ذلك التمادي لا ينبغي نكران حالة التماهي بين الجسد والطبيعة، أو هذا ما يؤكد عليه الايكوفمينزم، فقهر الجسد يعني أو ينعكس بشكل مباشر على كل متعلقات النطاق الايكولوجي، بما يعني الحاجة إلى علاقة معافاة من الإرتباك مع الأرض، بحيث تكون الطبيعة وليس الانسان في مركز الرؤية، حيث ارتأت اللاهوتية والناشطة البيئوية صاحبة ” العيش بين أكلة اللحم ” كارول آدمز علاقة وطيدة لدرجة التمازج بين المرأة والحيوان، وأبانت بمنتهى الحماس شكل الوعي السياسي والثقافي والحقوقي للكائن المحكوم بزاوية رؤيته للحيوانات، فيما يبدو تأكيدا نسويا لكتاب بيتر سنغر ” تحرير الحيوان ” يتعزز مقابله الشعري عند سوزان عليوان المغرمة بالأسماك والطيور بروح طفولية وببراءة الكائن، كما في نصها ” دموع الأسماك “:
يضعُ أذنَهُ على صَدَفَةِ قلبِها
ليصغيَ
إلى البحر.

بعينيْن مغمضتيْنِ
يراها
طفلةً ترسمُ بدمعاتِها الدوائرَ في ماءِ روحِهِ
و تسألُ:
“هل تبكي الأسماكُ
مثلَنا
في الأعماقِ
حينَ تكونُ وحيدةً و حزينةً؟”.

هكذا تحضر الروح الأنثوية المسالمة القائلة بضرورة أن يحب المرء كل ما يدب على وجه الأرض، كما تتمثل في شعارات بوذا ” اتركوا الحياة لمن هو في الحياة ” كما تعتقد ذلك هدى حسين، الشغوفة بأن ” تؤرخ للأشجار ” في نصها ” قطعة حلوى ” :
وربي الموجود في كل مكان
موجود بالضرورة في باطن الأرض
سأطعمه بذرة وأسقيه ماء
فيهديني زهرة جميلة مقابل ذلك ..
عندئذ
سأكون قريبة منه لأسأله
لماذا لم يخلقني طيرا
فلا أدوس عليه بينما أمشي؟

تتأكد هذه الوداعة الأنثوية أيضا في نص ” موت العاشقة ” هنالك كامتثال أو تماثل مع نصيحة بوذا ” كونوا ودعاء مع البهائم فالله الذي خلقها يحب أن نحسن اليها ولم يحرمها من بعض ما وهبنا ” :
كانت تريد أن تحيا ولو لثلاثة أيام
على قطف الثمار في جزيرة..
لم تكن لتقتل الحيوانات أصدقاءها

وفي نصها ” مدخل ” تواصل شاعرة الحشرات كما هجاها أحد النقاد، إعلان صداقتها للكائنات، فيما يبدو تأثيثا لعزلة الكائن ووحشة المكان بالكائنات مهما كانت درجتها سلفوية في سلم المخلوقات كالحشرات المنهي عن احتقارها:
الطعام في الثلاجة..
اترك بعض فتاته لأصدقائنا الحشرات
واترك محبس الغاز مفتوحا
لتجد العفاريت طعاما يناسب طبيعتها
لن تصاب بالوحدة لو اعترف بك المكان

هذا ما يفترضه النقد الموضوعاتي في تقصيه للحدس المركزي، فبتأمل باطن شخصية زهرة يسري، من حيث اصرارها على تذليل كل العناصر الفنية والخبرات الحياتية لبؤرة العمل الفني، يمكن التقاط شكل الوعي عندها من حيث قدرتها على وعي ذاتها وإنتاج تجربة توّلد معنى مليء بالدلالات الإيكوفمنيزمية بالضرورة، التي تنطلق من كائنات هامشية بلا كينونة إلى إدانة صريحة لما تمارسه الذات البشرية، كما في نصها ” كيف حالك اليوم “:
هل ستأكلين اليوم الطماطم المحشوة باللحم
ليس من السهل أن تكون نباتيا
وليس من السهل أن تكون حيوانيا
هل تعلم أنك عندما تقتل ذبابة تقتل روحا
لكن يجب أن تقتل الذبابة
وتدهس النملة
وتذبح البقرة
وتقطف الطماطم
وتكتب عن المجتمع المدني

هكذا يكون الشعر مختبرا لوعي المرأة بالطبيعة، أو دار إقامتها، أي بتصور هايدغر، هو التسمية المؤسسة للكينونة ولجوهر الأشياء كلها، إذ يلامس الأرض باللغة، والعكس بمعنى أن يظهر اللغة كأرض. فبعد أن استعادت المرأة لسانها من خلال لغة مؤنسنة كانت هي المعادل للرجل بتعبير لاكان، صارت تعبئ خطابها بالنزعات السياسية والحقوقية، إتكاء على رومانسية المكوّن البيئي، وها هي سوزان عليوان تعلن إنذارا مجازيا بالخراب من ذلك المستقر البشري، إن لم توكل إلى المرأة مهمة مداواة الأرض من أمراضها، أو على الأرض الإشتراك في إنقاذها ” الأرض بلغت هاويتها “. ومن أجله أيضا تستفز حمدة خميس قبيلة النساء لتطهيره بلمسة أنثوية:
….
انهضن .. انهضن
فقد بلغت سيول الظلام
التراقي!!

طوبى لهذه الأرض

إذ تنهض النساء…

منابع:

  • ثنائية الكينونة، النسوية والاختلاف الجنسي- مجموعة من الكاتبات – ترجمة عدنان حسن- دار الحوار ، سوريا
  • القصيدة موقف كوني، وتاريخها يسير من المقدس الى المدنس – حنا عبود – الخليج ، العدد 7645 24 ابريل 2000
  • مدخل إلى الإيكولوجيا العميقة ، الإيكولوجيا العميقة طريقة جديدة للتفكير في علاقتنا مع الأرض والتفكير هو فاتحة للعمل- لقاء مع مايكل إ. تسيمِّرمَن – موقع معابر http://maaber.50megs.com
  • هَيْدِغِّر ودور الجسم في الفضيلة البيئي – سايمون ب. جيمس
  • نيتشة وبلاغته النسوية، ديفيد بوث، ترجمة حسن حلمي. نزوى- العدد 13
  • موقع الكتروني www.ecofem.org
  • ديمتري أفييرينوس ، أسطورة الأرض-الأم ، الأرض – الأم في الميثولوجيا العالمية، موقع معابر، العدد العاشر.
    http://maaber.50megs.com/tenth_issue/mythology_1.htm
  • مناهد النقد الأدبي الحديث ، مجموعة من الكتاب، دانييل برجيز ( النقد الموضوعي ) سلسلة عالم المعرفة، الكويت
  • هربرت بيكر، الايروتيكيا والسريالية، ترجمة رشيد بوطيب، الكرمل، العدد 76 – 77 صيف خريف 2003
  • دفاعا عن التاريخ الأدبي النسوي، جانيت تود، ترجمة ريهام حسين ابراهيم، المجلس الأعلى للثقافة
    محمد العباس (السعودية)
    www.m-alabbas.com

نشر في 19/11/2005 9:50:00

‫0 تعليق