أحمد فضل شبلول: النشر الورقي والإلكتروني وما بعد الإلكتروني

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بحث مقدم لمؤتمر “الكاتب والمستقبل ـ ثلاثون عاما على اتحاد كتاب مصر” خلال المدة 21-24/11/2005 بالقاهرة

لاشك أننا نعيش الآن لحظات فارقة بين عصرين من عصور النشر، هما النشر الورقي والنشر الإلكتروني، تماما مثلما عاشت البشرية تلك اللحظات الفاصلة عندما اخترع يوهان جوتنبرج حروف الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، فتحقق لعالم النشر قفزةٌ نوعيةٌ هائلة وصفها مارتن لوثر ـ مؤسس المذهب البروتستانتي ـ بأنها “أسمى فضائل الرب على عباده”، واستفاد منها المجتمع الإنساني طوال القرون السابقة، ولا يزال يستفيد.

أيتها الطباعة كم عكرتِ صفو البشرية:
وقد حاول بعض المؤرخين ـ كما جاء في كتاب “تاريخ الوسائط من جوتنبرغ إلى الإنترنت” ـ إلصاق تهمة مقاومة الطباعة، بالعالم الإسلامي، الذي ظلت فيه هذه المقاومة قوية على امتداد أوائل العصر الحديث، حتى أن الدول الإسلامية كانت العائق أمام انتقال الطباعة من الصين إلى الغرب (وقد لاحظتُ خلو الكتاب من دعم هذا الرأي بالأسانيد والأدلة)، وأن الأتراك كانوا يرون أن طباعة القرآن (الكريم) شيء محرم، (في الوقت نفسه رأت الكنيسة في ترجمة الكتاب المقدس خطرا كبيرا) وأن السلطان سليم الأول أصدر مرسوما يقضي بتنفيذ عقوبة الإعدام فيمن يمارس الطباعة، وأن تاريخ الطباعة المتقلَّب في الإمبراطورية العثمانية يكشف عن قوة العوائق التي حالت دون انتشار هذا الشكل من أشكال الاتصال، وهو نفسه ما حدث مع الصورة البصرية.
وفي العالم المسيحي كان يثار التساؤل عما إذا كان الضرر الذي لحق بهذا العالم من جراء اختراع الطباعة يفوق ما أحدثته من فوائد؟ فيكتب الشاعر الإنجليزي أندروا مارفيل (1621 ـ 1678) مخاطبا الطباعة قائلا: “أيتها الطباعة كم عكرتِ صفو البشرية”.
شكوى من كثرة الكتب في عام 1550:
وفي عام 1550 يشكو كاتب إيطالي من أن الكتب أصبحت من الكثرة بحيث إن الوقت لا يكفي حتى لقراءة عناوينها (فما بالنا الآن، بعد أكثر من أربعمائة وخمسين عاما)، ويذهب آخر إلى أن الكتب أصبحت غابة يتوه فيها القراء، لذا ظهرت منذ منتصف القرن السادس عشر الببلوغرافيات المطبوعة مشتملة على معلومات عما كُتب. ولكن مع زيادة حجم المؤلفات أصبحت ببليوغرافيات الموضوع ضرورة ملحة. ومنذ أواخر القرن السابع عشر ظهرت مراجعات المنشورات الجديدة، أو مراجعات الكتب.
ونتيجة لانتشار الطباعة، تأثر فن المحادثة الشفهية، إن لم يكن قد تغير كلية، وكثر الكلام حول أن المعرفة بالقراءة والكتابة والطباعة تدمر حتما الثقافة الشفهية، بل تحدث أحد اللوردات عن “موت” التقاليد الشفهية.
تغير أساليب القراءة وتشطينها:
أما عن القراءة، فقد تساءل كتاب “تاريخ الوسائط” قائلا: بأي معنى يمكن القول إن القراءة تغيرت مع الزمن؟ ويخلص المؤرخون إلى أن تغيرًا في أساليب القراءة، قد حدث بين العامين 1500 و1800، وأن هناك خمسة أنواع من القراءة تستحق اهتماما خاصا هي: القراءة الناقدة، والقراءة الخاصة، والبعض ذهب إلى أن هذا النوع من القراءة ـ أي الخاصة ـ يعتبر نشاطا شيطانيا يمكن تسميته “تشطين القراءة”، وقد أدانت محكمة التفتيش أحد عمال الحرير لأنه كان “يقرأ طوال الوقت”، وهناك القراءة الإبداعية، والقراءة الكثيفة، والقراءة المتخصصة، فضلا عن القراءة الصامتة، والقراءة المسموعة، وكل هذا ساعد على خلق مجتمع للقراء.
مع مرور الزمن اتضح أن ثمة توازٍ واضح بين الجدل حول منطق الكتابة والجدل حول منطق الطباعة، كما تبين أن الوسائط القديمة مثل الاتصال الشفهي والمخطوطات، تعايشت وتفاعلت مع وسيط الطباعة الجديد في أوربا أوائل العصر الحديث.
الآن يعيش إنسان هذا العصر نقلة نوعية أخرى على مستوى الوسيلة التي ربما تؤثر في المضمون، وفي شكل طريقة الكتابة أيضا.
ولكن هل لنا قبل الاستطراد، أن نعرِّف عملية النشر؟.
يقول المعجم الوسيط. َنشرَ الكتاب أو الصحيفة: أي أخرجه مطبوعا. والناشر: من يحترف نشرَ الكتب وبيعَها. والنشر: طبعُ الكتب والصحف وبيُعها.
هذا هو تعريف عملية النشر التقليدية (الورقية). فماذا عن النشر الإلكتروني؟
تعريف النشر الإلكتروني
النشر الإلكتروني ـ كما يقول صادق طاهر: هو استخدام الأجهزة الإلكترونية في مختلف مجالات الإنتاج والإدارة والتوزيع للبيانات والمعلومات وتسخيرها للمستفيدين (وهو يماثل تماماً النشر بالوسائل والأساليب التقليدية) فيما عدا أن ما ينشر من مواد معلوماتية لا يتم إخراجه ورقياً لأغراض التوزيع، بل يتم توزيعه على وسائط إلكترونية، كالأقراص المرنة أو الأقراص المدمجة، أو من خلال الشبكات الإلكترونية كالإنترنت، ولأن طبيعة النشر هذه تستخدم أجهزة كمبيوتر إلكترونية في مرحلة ـ أو في جميع مراحل ـ الإعداد للنشر أو للإطلاع على ما ينشر من مواد ومعلومات، فقد جازت عليها تسمية النشر الإلكتروني.
ويعد النشر الإلكتروني أحد إفرازات البرامج التطبيقية application programs التي تنتمي إلى عالم البرمجيات أو الـ software.
وقد استفاد الناشرون من تقنيات العصر، ومن وسائل الاتصال والمعلومات، ومن عالم البرمجيات، فاقتحموا فضاء المعلوماتية، وحلقوا في سماء الصفحات الإلكترونية والشرائح الممغنطة، وأقراص الليزر، ووضعوا مكتنزاتهم ومجلداتهم على تلك الشرائح الرقيقة وطرحوها في الأسواق، أو عبر الأثير من خلال شبكة الإنترنت، فحدث تضخم هائل وغير مسبوق، بل يعجز العقل البشري عن التوصل إلى تقدير حجمه الآن، ولعل هذا يرجع إلى أن المعلومات “تعد المورد الإنساني الوحيد الذي لا يتناقص بل ينمو مع زيادة استهلاكه”، على حد تعبير الدكتور نبيل علي في كتابه “الثقافة العربية وعصر المعلومات، ص 48”.
يقول الدكتور سليمان العسكري في عدد يناير 2001 من مجلة العربي إن “السنوات الراهنة ستشهد تطورا متسارعاً تكون إحدى ثماره المباشرة اتساع رقعة النشر الإلكتروني على حساب حجم النشر الورقي على مستوى الدول المتقدمة في السنوات العشر القادمة، أما في الدول التي يطلق عليها العالم الثالث، فتحتاج من عشرين إلى ثلاثين عاما حتى يصبح لها نصيب يعتد به في هذا المجال”. ويُضيف أنه مع حلول العقد الثاني من القرن سوف تفقد وسائل الإعلام المطبوعة والإصدارات الورقية بوجه عام جانبا كبيرا من أهميتها ودورها نتيجة التطورات الهائلة في مجالي الاتصال والمعلومات”.
وفي خبر نشرته جريدة الأهرام المصرية جاء فيه: “قريبا وبالتحديد في عام 2006 ستختفي الصحف الورقية والأكشاك التي تبيعها من الشوارع، وتحل محلها أكشاكٌ إلكترونية، يمكن للقارئ أن يشحن منها جهازا إلكترونيا خاصا بالصحيفة أو المجلة التي يريدها، ثم يقرأها فيما بعد عن طريق شاشة إلكترونية خاصة”.
ولعل هذا الخبر به تفاؤل أكثر من اللازم، فنحن على مرمى على حجر من العام 2006، ولم تظهر أية بوادر لاختفاء الصحف الورقية، بل المراقبون يرون أن الصحف الورقية تزداد في مصر الآن.
وتقول شركة مايكروسوفت لقطاع التطوير التكنولوجي إنه بحلول عام 2010 ستصبح هذه الأجهزة خفيفة، ولها شاشة مرنة وتزود ببطاريات تعمل لمدة 24 ساعة. وأضافت أنه في عام 2018 ستنقرض الصحف الورقية تماما، لأن الإلكترونيات هي المستقبل، أما الورق فهو الماضي.
ويقول بيل جيتس ـ مؤسس شركة مايكروسوفت ـ في كتابه “المعلوماتية بعد الإنترنت ـ طريق المستقبل”: ـ ترجمة عبد السلام رضوان ـ إن الطريق السريع للمعلومات سوف يحول ثقافتنا بالقدر ذاته من العمق واتساع المدى الذي اتسم به التحول الذي أحدثته مطبعة جوتنبرج في العصر الوسيط. ويضيف: أن الأشياء تتحرك بدرجة من السرعة يصبح من العسير معها إمضاء الكثير من الوقت في النظر إلى الوراء. وأن التكنولوجيا لن تنتظر حتى يصبح الناس متهيئين لها، على الرغم من أنها هي الخادم وليست السيد. وعلى الرغم من ذلك فإن الناس يريدون أن يفهموا كيف ستجعل هذه التكنولوجيا المستقبل مختلفا، وهل ستجعل حياتنا أفضل أم أسوأ؟ غير أن إيقاع التغير التكنولوجي هو من السرعة بحيث يبدو في بعض الأحيان أن العالَم سيكون مختلفا تماما من يوم لآخر. وأن التكنولوجيا هي التي ستمكن المجتمع من اتخاذ قرار سياسي، لذا فإن الأمر يستحق بذل الجهد من أجل تأسيس علاقة ألفة مع أجهزة الكمبيوتر”.
برنامج الناشر الإلكتروني:
وقد بدأت تظهر في آفاق عالمنا العربي برامج للنشر الإلكتروني من أهمها وأشهرها برنامج الناشر الإلكتروني الذي هيأته شركة صخر للحاسبات الآلية، وهو يمثل بيئة متكاملة لبناء قرص مدمج من المعلومات مع إمكانية تحديثها من الإنترنت في أي وقت مما يوفر الوقت والجهد والتكلفة. ويتضمن نظام النشر الإلكتروني كذلك أحدث نسخة من ناشر نت، باعتباره ـ على حد قول صخر ـ الحل الأمثل لنشر اللغة العربية على الإنترنت، والمتصفح سندباد الذي يتيح استعراض المواقع العربية، وتصفح صفحاتها بمنتهى الدقة واليسر.
وقد طورت صخرُ الناشرَ الإلكتروني ليكون خيرَ مُعين لدور النشر والصحف والمجلات والمؤسسات التي لديها كميات ضخمة من المعلومات والبيانات يراد نشرها وجعلها قابلة للبحث لتسهيل الحصول على أية معلومة منها في أقصر وقت ممكن.


ومن خلال تأمل واقع النشر الإلكتروني وقضاياه في عالمنا العربي الآن، يتضح أن هناك مجالين لهذا النوع من النشر هما: النشر عن طريق الأقراص المرنة وأقراص الليزر، والنشر عن طريق شبكة الإنترنت، أو النشر على صفحات الويب (الشبكة العنكبوتية world wide web = [url]www.)[/url].
أما عن شبكة الإنترنت، فهي تعد الإسهام الرئيس للقرن العشرين، وقيل عنها إنها سبورة المستقبل، حيث ظهرت الحاجة إلى رقمنة digitalization كل أشكال محتوى الوسائط، غير أنه ظهرت مقولات مضادة مثل “إننا في عصر المعلومات، ومع ذلك فلا أحد يعرف أي شيء”، ومن ناحية أخرى هناك من كتب تحت عنوان “وداعا غوتنبرج” مشيرا إلى انتهاء زمان الطباعة على الورق، وأقر البعض أن العالم الرقمي عالم جديد، وليس مجرد إضافة للعالم القديم، خاصة بعد أن ابتكر الإنجليزي تيم بيرنزر ما أسماه “الشبكة العنكبوتية العالمية” (www) world wid web في عام 1989. فحدث تطوير للارتباطات التشعبية Hyper -links التي تركز الانتباه على كلمات أو رموز معينة في الوثائق عن طريق النقر عليها، والإبحار داخل الشبكة.
لقد حدثت انطلاقة الإنترنت بين سبتمبر 1993 ومارس 1994 عندما أصبحت شبكة الشبكات متاحة للجميع، فطورت سيكولوجيتها، وطورت ما أصبح يسمى إيكولوجيا (بيئة) الإنترنت، فأي حاسب يمكنه أن يدخل إلى الشبكة من أي مكان، مع “تشريح” المعلومات التي يتم تبادلها في الحال إلى “رزم”، إذ كان نظام الإرسال يحلل المعلومات إلى أجزاء مشفرة ويقوم نظام الاستقبال بتجميعها ثانية بعد أن تصل إلى مقصدها النهائي، فكان ذلك أول نظام رزم بيانات في التاريخ، وأفاد ذلك في عملية التعلم طوال الحياة، وظهرت جامعات بلا جدران.
ولعلنا نحتاج الآن إلى ضرب أمثلة عملية، ليتضح الفرق أكثر بين عالم النشر الورقي وعالم النشر الإلكتروني أو الرقمي، وسوف أتحدث هنا عن “الفضاءات الشعرية العربية بين الورقية والرقمية”.
الفضاءات الشعرية الورقية:
عرف وطننا العربي المجلات الثقافية العامة منذ القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وحققت مجلات مثل “الرسالة” و”الثقافة” اللتين كانتا تصدران في مصر، انتشارا كبيرا على مستوى الوطن العربي، وتأثر بما كان يُنشر فيها معظم الأدباء والمثقفين العرب في الأجيال الماضية.
ثم بدأ التفكير في إصدار مجلات أدبية متخصصة، فصدرت في أوائل الستينيات مجلة “شعر” في لبنان، وكان يشرف على تحريرها الشاعر يوسف الخال، فحملت لواء قصيدة النثر، وهي مجلة كانت منظمة الحرية الثقافية الأمريكية تشتري منها 1500 نسخة، ومن ثم حامت الشبهات حول مصادر تمويلها، وعلاقتها بجهاز المخابرات الأمريكية ((CIA، وهو الأمر الذي تحدثت عنه باستفاضة الكاتبة الإنجليزية فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها المهم “الحرب الباردة الثقافية” أو “من يدفع للزمار؟”، ترجمة طلعت الشايب، وإصدار المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.
لم تستمر مجلة “شعر” التي احتضنت شعراء من أمثال أدونيس، طويلا. ليصدر من مصر في يناير من عام 1964، مجلة شهرية للشعر العربي، تصدرها وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ويرأس تحريرها د. عبد القادر القط (وكانت تباع بخمسة قروش) ثم شارك في الإشراف على تحريرها اعتبارا من عدد فبراير 1965، الشاعر محمود حسن إسماعيل.
وكانت السمة الغالبة على مجلة “الشعر” في ذلك الوقت غلبة تيار الشعر التفعيلي، على تيار القصيدة العمودية، وقلة الأبحاث والدراسات والترجمات الشعرية.
ففي عدد أكتوبر 1964 (العدد العاشر) ـ على سبيل المثال ـ نشرت المجلة خمسا وعشرين قصيدة، في مقابل أربع دراسات وأبحاث ومقالات. وفي عدد فبراير 1965 (العدد الرابع عشر) نشرت المجلة أيضا خمسا وعشرين قصيدة، في مقابل خمس دراسات وأبحاث وترجمات.
غير أنه لم تلبث أن توقفت مجلة الشعر، مثلما توقفت مجلات أخرى كثيرة في مصر، عقب هزيمة 1967، ثم صدرت مجلة أخرى فصلية بالاسم نفسه “الشعر” مع مطلع عام 1976، وصدرت عن دار مجلة الإذاعة والتلفزيون، أو عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وليس عن وزارة الثقافة أو هيئة الكتاب، ورأس تحريرها الشاعر د. عبده بدوي. وكتب يوسف السباعي وزير الثقافة آنذاك افتتاحيتها فقال: “ها نحن ـ من واقع مصر المنتصرة ـ نزف مجلة “الشعر” للعرب تأكيدا للفكرة المتواترة التي تقول: من أحيا الشعر فقد أحيا العرب، ومن قتل الشعر فقد قتل العرب!”.
وفي العدد الثاني من المجلة، يكتب أيضا يوسف السباعي قائلا: “قد راودنا الشك في استقبال القراء (للمجلة) إلا أن خطاب “توزيع الأخبار” قد أثبت بما لا يدع للشك مجالا أن لهذه الأمة صلة حميمة بتاريخها العريق العاشق للشعر”.
وترتفع في هذه المجلة نسبة الدراسات والأبحاث، وتنخفض نسبة القصائد، مقارنة بمجلة الشعر القديمة أو التي كان يرأسها د. عبد القادر القط، وقد احتوى العدد الأول منها ـ على سبيل المثال ـ على سبع عشرة قصيدة، في مقابل خمس عشرة دراسة وبحث ومقال وترجمة. بينما احتوى العدد الثاني على ست عشرة قصيدة، في مقابل ست عشرة دراسة وبحث ومقال وترجمة. وقد فتحت المجلة في سنواتها الأخيرة الباب لنشر قصيدة النثر.
ولا تزال هذه المجلة تصدر حتى الآن عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ويشرف على تحريرها حاليا الروائي المعروف خيري شلبي، وقد صدر منها حتى يوليو 2005، 119 عددا.
ومع الاهتمام بالنشر الإقليمي في محافظات مصر المختلفة من خلال الهيئة العامة لقصور الثقافة، بدأ الأدباء يفكرون في إصدار مجلات إقليمية متخصصة في لون أدبي معين، وكانت الإسكندرية سباقة في هذا المجال، فصدرت على سبيل المثال مجلة متخصصة في الشعر ونقده، هي مجلة “فاروس” التي صدرت عن فرع ثقافة الإسكندرية، وشرفتُُُ برئاسة تحريرها، مع كل من الشعراء: أحمد محمود مبارك، وعاطف الحداد، ومحمد مصطفى أبو شوارب، ونشرت هذه المجلة قصائد لشعراء العامية، إلى جانب قصائد الفصحى والدراسات الشعرية والأبحاث، واستحدثتْ بابا جديدا بعنوان “شعراء وشوارع” وفيه يُلقى الضوء على خريطة الشارع الذي سمي باسم شاعر ما من شعرائنا القدامى والمعاصرين، مثل شارع أحمد شوقي، وشارع جلال الدين الرومي، وشارع مرسي جميل عزيز، وشارع عباس محمود العقاد، وغيرهم.
ثم توقفت هذه المجلة بعد صدور خمسة أعداد فقط، مع توقف مشروع النشر الإقليمي بعامة في محافظات مصر المختلفة بحجة الدراسة والتطوير.
خارج مصر، صدرت أيضا مجلات شعرية متخصصة، نذكر منها على سبيل المثال، مجلة “مجلة الشعر” في تونس، وهي مجلة فصلية صدرت عام 1983 عن وحدة المجلات بوزارة الشؤون الثقافية، ورأس تحريرها الشاعر نور الدين صمود، وكان أمين تحريرها يوسف رزوقة، وإلى جانب الدراسات والقصائد، هناك انفتاح على شعراء من العالم من خلال الترجمة. يقول نور الدين صمود في افتتاحية العدد الثالث (شتاء 1983) على سبيل المثال: “هذا هو العدد الثالث من “مجلة الشعر” بين يديك، وإذا ألقيت نظرة فاحصة على “محتواه” فإنك ستجد أنه، مثل العددين السابقين: نافذة على الشعر العربي، قديمه وحديثه، وتونس جزء من العرب، وعلى الشعر العالمي، والعرب جزء من العالم الفسيح، ولئن شطت المسافات، واختلفت اللغات، فإننا نتمثل ـ إزاء هذه النماذج الشعرية المعربة ـ بقول المتنبي: “فَما تُفهِمُ الحُدّاثَ إِلا التَراجِمُ”.
أما في افتتاحية العدد العاشر (في عام 1985) فيقول: “مجلة الشعر مازالت منذ عددها الأول تؤمن بأنها حديقة يجب أن تتفتح فيها جميع أنواع الزهور. وللزهور ألوان وروائح مختلفة، ولنترك الحرية للناس في اختيار ما يشاؤون. وإن صلة مجلة الشعر ستظل متينة بالشعر العالمي، لأنها تؤمن بوجوب التلاقح والتواصل ومد الجسور، كما أنها ستكون لها ملفات في كل ما له صلة بالشعر، كما كان لها في السابق ملف عن الشعر السوفياتي، وملف عن الشعر الإسباني، والبقية تأتي”.
وقد توقفت هذه المجلة عن الصدور بعد ذلك، ففي زيارة لي إلى تونس عام 2003 سألت عنها، فقيل لي إنها لم تعد تصدر.
إلى جانب ذلك كانت هناك بعض المجلات الثقافية أو الأدبية العامة، تخصص بعض أعدادها للشعر، كما أن هناك بعض الدوريات التي تصدر بصفة غير منتظمة خُصصتْ للشعر، ومثال على ذلك دورية “الشعر” التي أصدرها نادي الطائف الأدبي بالمملكة العربية السعودية ـ على سبيل المثال ـ تحت شعار “كتاب دوري يحوي نماذج من الشعر العربي السعودي الحديث”، وأعده وأشرف عليه: علي حسن العبادي، ومحمد المنصور الشقحاء. وصدر الكتاب الأول في ربيع الأول عام 1399 هـ، أي في عام 1979 م تقريبا. ولم يحتو إلا على قصائد للشعراء السعوديين فحسب، ولم نقرأ فيه دراسات أو أبحاث عن الشعر والشعراء.
خارج الوطن العربي، اهتم بعض الأدباء المهاجرين، بإصدار مجلات شعرية متخصصة أيضا، نذكر منها على سبيل المثال مجلة “الحركة الشعرية” التي يصدرها د. قيصر عفيف في المكسيك، ويعاونه محمد شريح، وهي مجلة ـ كما جاء في شعارها ـ تُعنى بالشعر الحديث. ويغلب عليها نشر القصائد بجميع أشكالها: التفعيلية، والنثرية، وقليل من العمودية، لعدد كبير من الشعراء العرب، من داخل الوطن العربي وخارجه، إلى جانب اهتمامها أيضا بالمقالات والترجمات. ونظرا لأن المجلة لم تكتب رقم أعدادها على الغلاف، وإنما تكتب التاريخ فقط، فلم نعرف متى كان صدورها، غير أنني لم أسمع عنها سوى في السنتين الأخيرتين فحسب، من الصديق الشاعر العراقي المقيم في ليبيا عذاب الركابي.
هذه بعض الأمثلة من المجلات المتخصصة في نشر الشعر العربي والمترجم، والدراسات الشعرية والنقدية عنه سواء داخل الوطن العربي أو خارجه.
ومن خلال عرضنا السابق، نصل إلى حقيقة أن مجلة “الشعر” المصرية، ومجلة “الحركة الشعرية” التي تصدر بالعربية في المكسيك، هما المجلتان الوحيدتان الورقيتان اللتان تصدران حاليا.
الفضاءات الشعرية الرقمية:
الأمر يختلف بالنسبة للفضاءات الشعرية الإلكترونية أو الرقمية الموجودة حاليا سواء على شبكة الإنترنت، أو من خلال الأقراص المدمجة (C.D) التي تهتم بنشر الشعر العربي، والأبحاث والدراسات المتعلقة به، كما تهتم بإبراز السيرة الذاتية للشاعر ونشر صوره (سواء فوتوغرافية أو لقطات فيديوية)، وأحيانا صوته وهو يلقي قصائده، أو صوت أحد الشعراء أو الفنانين ممن يجيدون إلقاء الشعر، وخاصة بالنسبة للشعراء الراحلين.
وهكذا يستفيد الشعر العربي من عالم التقنيات الجديدة، ومن ثورة الاتصالات والمعلومات.
جهة الشعر
ولعل موقع جهة الشعر ([url]www.jehat.com[/url] ) الذي يشرف عليه الشاعر البحريني قاسم حداد، يعد من أهم وأكبر المواقع الشعرية العربية على شبكة الإنترنت (وهو يحتوي على أعمال شعرية بلغات أجنبية إلى جانب العربية، منها: الإسبانية، والإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، وغيرها)، وإلى جانب الملفات المتخصصة في جوانب المشهد الشعري العربي (تاريخاً وإبداعا)، هناك ملف مهم بعنوان (الشاعر) ويعد واحداً من بين أهم المصادر التي تحتفي بتجربة الشاعر العربي بصورة أكثر تخصيصاً وشمولاً. وتأتى مواد هذا الملف معتنية بأرشيف كامل للشاعر، يشتمل على كل ما يتسنى توفيره من وثائق أدبية وشخصية تجعل من الملف مرجعاً ومصدراً لمختلف درجات الاهتمام، من الزائر المستكشف، إلى الباحث الجامعي، حتى الشاعر الناقد والدارس.
وهناك خاصية الصوت لقصائد بعض الشعراء من خلال ملف يحتوي على أصوات 63 شاعرا، في 25 لغة، من 48 بلدا، من القارّات الخمس. ومن الشعراء العرب الذين لهم ملفات صوتية في جهة الشعر: أمل دنقل، وأدونيس، وقاسم حداد.
وهناك ملف عن “البيانات الشعرية” التي أسست لحركات شعرية عربية، حيث يقوم الملف برصد تاريخي لأهم النصوص الأدبية والثقافية المتصلة بالشعر، والتي صدرت في أشكال وصيغ مختلفة، طوال القرن العشرين، لتعبر عن الرؤى المتحولة للشعرية العربية، أحياناً كبيانات فردية أو جماعية أو مقدمات أو أسئلة أو مقالات متفرقة. بحيث يمكن للباحث أن يتعرف في هذه النصوص على المستويات والرؤى الشعرية التي مرت بها الشعرية العربية طوال قرن كامل.
وتوجه جهة الشعر نداءها إلى الأصدقاء في استدراك ما يمكن أن يتصل بهذا الملف.
هذه بعض الملامح الأساسية لموقع “جهة الشعر” الذي يعوض نقصا كبيرا في الكثير من المواقع الشعرية الأخرى، بل أنه متصل ببعض المواقع الفردية لعدد من الشعراء العرب والأجانب من أمثال: أحمد فؤاد نجم، وسعدي يوسف، وأمل دنقل، وأحمد مطر، وغازي القصيبي، وعمر الخيام، وجبران خليل جبران، وسعدية مفرِّح، وعبد الله الصيخان، ولوركا، وإيفتشينكو، وأوكتافيو باث، وجان آرثر رامبو، ومحيي الدين اللاذقاني، ورفائيل ألبرتو، وغيرهم.
ويظل موقع “جهة الشعر” الأقرب إلى مفهوم الفضاء الشعري الكوني، أو المجلة الشعرية الكونية المتخصصة، التي تهتم برصد تحركات الشعر والشعراء، في كل لمسة أو همسة، ومن أجل ذلك كان اهتمام آخر بحركة الفن التشكيلي في الموقع نفسه.
فأي عمل شعري مطبوع على ورق، يستطيع أن يستوعب كل هذا، مهما بلغت ضخامته؟
الموسوعة الشعرية
وهناك الموسوعة الشعرية التي أصدرها المجمع الثقافي بأبوظبي، وتحتوي في آخر إصدار لها على أكثر من مليونين وأربعمائة ألف بيت شعر، وتهدف إلى جمع كل ما قيل من الشعر العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى العصر الحديث، على أن يكون الشاعر متوفيا قبل عام 1952 (وسيتم لاحقا إضافة دواوين أهم الشعراء الذين توفوا بعد هذا التاريخ).
وقد زُودت هذه الموسوعة الشعرية بالكثير من المزايا والخصائص الفنية والأدبية، وأهمها خدمة “البحث” في نصوص الموسوعة بشقيها “الدواوين الشعرية” و”المجموعات الأدبية”، حيث يتم البحث بطرق متعددة، كالبحث عن الشاعر بأي جزء من اسمه، أو القصيدة بمطالعها وقوافيها أو بحرها، أو البحث عن أي كلمة أو مجموعة كلمات. ومن هذه الخدمات “التقطيع العروضي”، وهي خدمة تمكن المستخدم من الحكم على سلامة أي بيت وتحديد بحره، وكذلك ميزة “الاستماع” إلى مجموعة من القصائد الشهيرة المسجلة بأصوات نخبة من الفنانين والأدباء، بالإضافة إلى جداول إحصائية تدل على توزيع الأبيات والقصائد والبحور الشعرية، وذلك حسب تصانيف مختلفة كالعصور والبلدان وغيرها. كما تتضمن الموسوعة تراجم كل الشعراء المدرجين فيها، وتعريفا تفصيليا للمراجع الأدبية والمعاجم اللغوية.
وقد ضمت هذه الموسوعة التي جاءت في أسطوانة مدمجة واحدة، 2.439.589 بيتا من الشعر موزعة على دواوين 2300 شاعر عربي، بالإضافة إلى 265 مرجعا أدبيا تضمها زاوية المكتبة، فضلا عن زاوية المعاجم التي تحوي عشرة معاجم لغوية، تعد أهم معاجم اللغة العربية. مع ملاحظة أن هذه الأسطوانة تباع في مصر بعشرة جنيهات مصرية فقط (أي أقل من دولارين) وأن لها موقعا على شبكة الإنترنت، من الممكن إنزال الموسوعة منه بالمجان.
فأي عمل شعري مطبوع على ورق، يستطيع أن يستوعب كل هذا، مهما بلغت ضخامته؟
موسوعة الشعر العربي
وهناك موسوعة الشعر العربي ([url]www.arabicpoems.com[/url]) لصاحبها الشاعر الغنائي د. علي محيلبة التي يستهلها بقوله: “عندما يتحول العالم إلى قرية كبيرة، وتبدو المسافات بين الشعوب قصيرة جدا، يظل احتياجنا إلى الكلمة كبيرة، نحن في حاجة إلى كلمات الحب النابعة من القلوب، والعقول الباحثة عن إسعاد الأجيال القادمة. ولاشك أن الشعر في كل اللغات هو خلاصة الفكر والتجربة، ويسعدني أن يكون هذا الموقع ملتقى لعشاق الكلمة”. ويضيف علي محيلبة أن الموقع سينشر قصيدة جديدة كل أسبوع من الأعمال التي تصل لهم، أو الترجمة لأي من القصائد المنشورة بالموقع. ويمكن ربط هذا الموقع بأي موقع آخر دون الرجوع إلى أصحابه.
ويحتوي هذا الموقع على مختارات من شعر الفصحى، وشعر العامية، وشعر الأغنية، فضلا عن تقسيم هذه المختارات إلى: الشعر الجاهلي، والشعر الإسلامي، والشعر العباسي، والشعر الأندلسي، والشعر النبطي، وشعراء الطفولة، بالإضافة إلى تبويب آخر مثل: شعراء وبلدان، والمرأة شاعرة، وشعراء على الطريق. كما أن هناك شاعر الأسبوع، وقصيدة الأسبوع، وبعض القصائد المترجمة للغة الإنجليزية. وهناك خدمة علم العروض المتوفرة في هذا الموقع، ويقدمها الشاعر محجوب موسى.
معجم البابطين الإلكتروني:
أصدرت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، مؤخرا معجمها للشعراء العرب المعاصرين على أسطوانة مدمجة واحدة (بعد أن صدر في ستة مجلدات ورقية فخمة). ويتميز هذا المعجم بأنه عمل موسوعي كامل عن شعراء العربية المعاصرين، فهو يجمع بين دفتيه مادة شعرية ثرية تختص بالشعراء والشاعرات العرب من مختلف الأقطار العربية خلال هذا القرن، وتبعاً لمعايير محددة.
كما يقدم المعجم ملفًّا خاصًّا لكل شاعر أو شاعرة يوضح سيرته الذاتية وترجمة له، بالإضافة إلى مقتطفات من قصائده وأعماله الفنية.
وتجمع هذه الأسطوانة بداخلها الصفحة الرئيسية للمعجم، والإهداء، ونبذة عن المؤسسة، ونبذة عن الإدارة والإخراج الفني، وافتتاحية المعجم، وقصته، وخطته، وتوطئة نقدية، ودراسات، وإحصائيات، بالإضافة إلى فهارس المعجم، وفهرس الأعلام، وفهرس الشعراء، وفهرس الشواعر، وفهرس الدواوين، وفهرس القصائد عموما، وفهرس القصائد حسب أنواعها، وفهرس الشعراء حسب بلدانهم، وفهرس السنوات والعقود، وفهرس الشعراء الذين أدركتهم الوفاة، ومكتبة صور الشعراء والشواعر، بالإضافة إلى خاصية البحث البسيط والبحث المتقدم.
ومرة أخرى أتساءل: أي عمل شعري مطبوع على ورق، يستطيع أن يستوعب كل هذا، مهما بلغت ضخامته؟
المعلقات السبع الإلكترونية:
ونختم هذه الجولة بالإشارة إلى أسطوانة مدمجة من روائع الشعر العربي ـ المعلقات السبع، وهي تعرض بصوت الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، إلى جانب النص الشعري مع عرض تراجم لشعراء المعلقات، وإلى موقع شعري يهتم بنشر الشعر النبطي، إلى جانب الشعر الفصيح والمقالات والقصائد، هو “أنهار” ([url]www.anhaar.com[/url] ( ويشرف عليه الشاعر الكويتي فيحان الصواع.
إننا في نهاية هذه الجولة مع الفضاءات الشعرية العربية، والمواقع والأسطوانات المتخصصة في الشعر، نؤكد على أن الشعر العربي لا يزال ديوان العرب، ولا يزال يحمل همومهم وأفراحهم وأحزانهم، وبعد أن كان هذا الشعر حبيس الحدود العربية، انفتح على التجارب العالمية، وحدث تمازج بينه وبين الشعر الأجنبي، وأصبح للشعر العربي المعاصر وجود فاعل، من خلال الترجمة ومن خلال مشاركة بعض الشعراء العرب في المهرجانات العالمية، ومن خلال مشاركة بعض القصائد العربية في أنطولوجيا الشعر العالمي، وهو ما تتابعه عن قرب بعض مواقع الشعر العربي على شبكة الإنترنت، مثلما رأينا في موقع “جهة الشعر” على سبيل المثال.
ولعلنا الآن نحتاج إلى الحديث عن الآفاق المستقبلية للنشر الإلكتروني، أو ما بعد النشر الإلكتروني، فمع بداية العصر الرقمي يتضح أن المواطنين الرقميين لا يعنيهم اليوم، بل يريدون أن يعرفوا عن الغد أكثر. ومع ذلك فإنه لا يمكن لأحدث فترات التاريخ الاجتماعي للوسائط أن نتعامل مع الإنترنت بوصفها الذروة، فهي فترة تتميز، كالعادة، بوجود مسارات متعددة.
النشر عن طريق الحذاء:
ربما يكون أمر النشر الإلكتروني أكثر إثارة في المستقبل القريب، عن طريق النشر باستخدام الحذاء، وذلك بوضع شريحة إلكترونية أو إلكترون في الحذاء يمكنه نقل معلومات شخصية إلى الآخرين، وكل ما على المرء أن يفعله هو أن يصافح يد شخص آخر، ولأن الجلد بطبيعته مالح وناقل للكهرباء، فمن الممكن لكتاب، أو لسيرة ذاتية أن تنتقل كهربائيا من الحذاء إلى الأيدي، ومن ثم إلى يد الشخص المتعرف عليه، ومن ثم إلى حذائه، وقد يثبت هذا في نهاية الأمر جدواه كطريقة ملائمة لتبادل مكتبات إلكترونية ضخمة مع شخص آخر في الشارع، وفي غضون ثوان قليلة، ومن هنا تأتي أهمية الأحذية التي تدخل حلبة النشر الإلكتروني لأول مرة في حياة البشر، ليتحول الحذاء إلى التعامل مع ذهب الأدمغة، إلى جانب تعامله مع ذهب الأتربة.
انقلاب في طريقة تلقي العلم والمعرفة:
ليس هذا فحسب، ولكن توصل العلماء أيضا إلى أنه بإمكان الخلية العصبية أن تطلق وترسل إشارة إلى شريحة سيليكونية، وأن بإمكان هذه الشريحة السيليكونية أن ترسل إشارة أيضا إلى الخلية العصبية، مما يسهل من تبادل المعلومات بين الشريحة السيليكونية والخلية العصبية، وإذا ثبت نجاح هذه الطريقة على الخلايا العصبية البشرية، فإننا سنكون أمام فتح جديد، حيث يمكن للمخ البشري أن يستقبل كل المعارف والخبرات البشرية السابقة والحالية، دون قراءة تقليدية. وسيحدث هذا بلا شك انقلابا بشريا هائلا، بل جذريا، في طريقة تلقي العلم والمعرفة. وفي هذا يقول د. خالص جلبي: “يتم زرع الدماغ برقائق كمبيوترية مدمجة بحيث تتحد النهايات العصبية مع الرقائق الإلكترونية Ships وتتبادل من خلالها الأعصاب والكمبيوتر، المعلومات”.
كما يمكن من خلال وصل مراكز الدماغ العليا بالكمبيوتر، نقل معلومات وذكريات من دماغ أي إنسان إلى أي كمبيوتر، أو إلى إنسان آخر، بما يشبه عملية النسخ الفوتوغرافية.
إن تفريغ المعلومات سوف يعتمد نظاما إلكترونيا، وليس نظاما فيزيائيا قاصرا، فنحن الآن حينما نريد نقل المعلومات لا نزال نركب ظهر الصوت الفيزيائي، أما بهذه الطريقة الجديدة فسيتم نقل المعلومات في لمح البصر، مما يمكن نقل أو تفريغ (أو إنزال) انسكلوبيديا (دائرة معارف) كاملة في دماغ إنسان في دقائق معدودة، تماما مثلما ننسخ القرص المدمج أو القرص المرن (ديسكيت) من الكمبيوتر، أو بما يشبه نقل البيانات من كمبيوتر إلى آخر، ومنه إلى البشر، فيتحقق شيء مذهل أشبه بالإنترنت، ولكن من شبكة عصبية كهربائية بين كمبيوترات العالم وأدمغة البشر أجمعين.
والأمر الذي ربما يشبه روايات الخيال العلمي، يكمن في قدرة العلماء على إنتاج ترانزستورات كمية دقيقة أصغر من الخلية العصبية، مما يمنح الكمبيوتر قدرة على تطوير الخلايا العصبية إلى شبكات عصبية بقوة الشبكات الموجودة في المخ البشري، وعن طريق الثورة البيوجزيئية، يصبح من الممكن استبدال الشبكات العصبية لدماغنا البشري بأخرى مصنَّعة مما يعطي البشر في الاتجاه النهائي للبحث العلمي شكلا من أشكال الخلود، ويمنح الفرصة أيضا لنسخ الدماغ البشري خلية خلية. وأعتقد أن هذا هو أقصى ما يطمح إليه العلماء في الوقت الراهن، وما لم يكن يحلم به أبدا الناشرون الإلكترونيون أو الرقميون.
وبنظرة مستقبلية يمكن القول إن كل المعلومات المخزنة حاليا في كل كمبيوترات العالم، قد يمكن في يوم ما تخزينها في مكعب مجسم وحيد، عن طريق تداخل شعاعين ليزريين مع بعضهما، وساعتها ستوجد كل المعارف المكتوبة في العالم في جيب كل تلميذ حول العالم.
هل نعلن وفاة الكتابة؟
وسط هذا المناخ العلمي الخطير والمثير، نتحدث عن مستقبل القراءة والكتابة في عصر المعلومات، حيث يتساءل د. أحمد صالح في كتابه “صدمة الإنترنت وأزمة المثقفين”: هل نعلن وفاة الكتابة؟!
وهو لا يتحدث عن موت النص، أو موت المؤلف (على حد تعبير رولان بارت)، بقدر ما يتحدث عن محاضرة أحد باحثي العلوم الاجتماعية في مركزCNRS بباريس، هو دان سبيربير الذي يرى أن الكتابة ليست الطريق الوحيد لإنتاج النصوص المكتوبة، ولكن هناك تقنيات تحويل الخطاب المنطوق إلى نصوص مكتوبة، كما ظهرت تقنيات تحويل النصوص المكتوبة إلى خطاب منطوق. وهنا يتوقع الباحث الفرنسي نهاية نشاط الكتابة، وأيضا نشاط القراءة (التقليدية).
وهنا نلاحظ عودة إلى الشفاهية مرة أخرى التي تأثرت كما رأينا من قبل بانتشار الطباعة.
وتعد السرعة من مزايا تقنيات تحويل الخطاب المنطوق إلى نص له فائدة واضحة، حيث إن هذه الطريقة أسرع عدة مرات من الكتابة اليدوية أو حتى الطباعة التي هي أبطأ من الخطاب المنطوق، ولكن في الوقت نفسه فإن الكتابة باليد تسمح للكاتب بالتعبير عن الفكرة بطريقة غنية وأكثر سيطرة مقارنةً بالخطاب المنطوق. فالكاتب يمكن أن يكتب ويصحِّح ويعيد الكتابة (سواء على الورقة، أو الصفحة الإلكترونية)، وفي النهاية يستطيع أن ينتج نصا خاليا من الترددات وحيرة تصليحات الكلام الشفهي.
وعلى كل حال فإن الباحث الفرنسي يُعلن قرب انتهاء عصر القراءة والكتابة، وإمكانية الدخول إلى المعلومات المخزونة بشكل شفهي وسماعي، حيث الحاسبات الناطقة التي تمكننا من استبدال كل اللغة المنطوقة باللغة المكتوبة (الباء تدخل على المتروك الذي هو اللغة المكتوبة).
ويمضي الباحث الفرنسي في تأملاته قائلا: سنكون قادرين على تخزين واسترجاع المعلومات ببساطة من خلال النطق والاستماع، والنظر إلى الرسومات، وليس في النصوص.
وإذا أثبتت تقنيات تحويل الخطاب المنطوق إلى نص مكتوب فعاليتها ومناسبتها، فقد ينتهي ذلك بالناس إلى ترك نشاط الكتابة جملة بدون أن يقرروا عمل ذلك، أو حتى يلاحظوا أنهم فعلوا ذلك.
أما تحويل النص إلى خطاب منطوق، ففكرته تقوم على أن أحد الأشخاص عنده نص مكتوب يُقرأ له، بدلا من أن يقرأه هو بنفسه. كما هو الحال مع بعض الناس الذين يستعملون أشخاصا يملينهم ولا يكتبون بأنفسهم، أو إذا كان عندهم نصوص تقرأ لهم من قبل قرَّاء مستأجرين (أو كما نرى مع العُميان، وفاقدي البصر)
ولعلنا نلاحظ انتشار المكائن أو الأجهزة الناطقة الآن في العالم، مثل رسائل الرد الآلي بالهاتف (وهو ما سوف يُعمم بعد ذلك، ولكن من خلال عرض النصوص على الشاشة لتُقرأ آليا، وهو موجود حاليا من خلال بعض المواقع، وبعض الأقراص المدمجة الناطقة).
إن التحولات من اللفائف إلى المخطوطة إلى الإلكترون ـ حيث يتوقع في العقود القادمة احتمال تعايش ـ ليس بالضرورة أن يكون سلميا ـ بين شكلي الكتاب (المطبوع والإلكتروني) وبين الأنماط الثلاثة للكتابة وإرسال النصوص: وهي الكتابة المخطوطة باليد، والنصوص المطبوعة، والنصوص الإلكترونية ـ يتطلب منا أن نفكر في الطرق الجديدة التي ستبنى بها حقول المعرفة، ومعرفة قيود القراءة أو الشروط التي يجب توفيرها لقراءة الكتاب الإلكتروني، والنصوص الإلكترونية، والتي منها الصور والأصوات والنصوص المرتبطة إلكترونيا (الهايبر تكست) بطريقة لا خطية. لقد اعتبرت الروابط والوصلات هي المفتاح في هذا العالم النصي غير المحدود، حيث يمكن تفتيت الوحدات النصية، ثم ضمها معا.
مكتبة الإسكندرية والذاكرة الرقمية:
وهناك رأي آخر يرى دمج نظام اللفافة بنظام المخطوطة والكتاب المطبوع، لبناء النظام الإلكتروني، حيث يتم إعطاء النصوص الإلكترونية أصالة القديم، وهو ما يحاولون إقامته في مكتبة الإسكندرية لتحويل كل النصوص الموجودة التي لم تنشأ بالحاسبات إلى الصيغة الإلكترونية حتى لا تتعرض للدمار. وهذه إحدى المهام الضرورية للمكتبات اليوم أن تجمع وتحمي وتفهرس كل النصوص التي كتبت في الماضي، ليسهل الوصول إليها. ومن ثم يكون دور المكتبات في العصر الإلكتروني أو العصر الرقمي، هو حماية الميراث المكتوب والإبداع الثقافي والجمالي.
إن المفكر الفرنسي روجر تشارتير يذهب ـ في حديثه عن حماية حقوق المؤلف الأخلاقية والاقتصادية ـ بوجوب تحالف الناشر مع المؤلف للحصول عليها. وهذا التحالف من المحتمل أن يؤدي إلى تحويل عميق في العالم الإلكتروني حيث ستتضاعف كفاءة الأنظمة الأمنية الإلكترونية التي تستهدف حماية الكتب الإلكترونية وقواعد البيانات.
وإذا كان كتاب “رؤى مستقبلية ـ كيف سيغير العلم من حياتنا في القرن الواحد والعشرين” لمؤلفه عالم الفيزياء الأمريكي ميتشيو كاكو (ترجمة سعد الدين خرفان) يتحدث عن مصير البشرية خلال القرن الواحد والعشرين من خلال ثورات ثلاث هي: ثورة الكمبيوتر، والثورة البيوجزيئية، وثورة الكم، وأنه سيكون في قدرة العلماء إنتاج ترانزستورات كمية دقيقة أصغر من الخلية العصبية، مما يمنح الكمبيوتر قدرة على تطوير الخلايا العصبية إلى شبكات عصبية بقوة الشبكات الموجودة في المخ البشري، وعن طريق الثورة البيوجزيئية، يصبح من الممكن استبدال الشبكات العصبية لدماغنا البشري بأخرى مصنَّعة، كما ذكرنا من قبل، فإن المفكر الأمريكي راي كورزويل يرى أن التعلم سيتم بشكل واسع عن طريق زراعة وغرز البيانات في الشبكة العصبية المتوفرة في الإنسان التي ستستخدم لتحسين الذاكرة والفهم والإدراك، ووقتها يستطيع الإنسان أيضا تحميل وتنزيل المعرفة مباشرة، مما يؤدي إلى الربط بين نيل المعرفة وبلوغها، ومجموعة الارتباطات والتراكيب (الإلكترونية أو السيليكوني).

أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية

المصادر والمراجع:
1 ـ التاريخ الاجتماعي للوسائط: من غوتنبرج إلى الإنترنت. آسا بريغز، وبيتر بورك. ت: مصطفى محمد قاسم. الكويت: عالم المعرفة 315.
2 ـ الثقافة العربية وعصر المعلومات. د. نبيل علي. الكويت: عالم المعرفة 265.
3 ـ المعلوماتية بعد الإنترنت ـ طريق المستقبل. بيل جيتس. ت: عبد السلام رضوان. الكويت: عالم المعرفة 231.
4 ـ ثورة الأنفوميديا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك. فرانك كيلش. ت: حسام الدين زكريا. الكويت: عالم المعرفة 253.
5 ـ رؤى مستقبلية ـ كيف سيغير العلم حياتنا في القرن الواحد والعشرين. ميتشيو كاكو. ت: سعد الدين خرفان. الكويت: عالم المعرفة 270.
6 ـ صدمة الإنترنت وأزمة المثقفين. د. أحمد صالح. القاهرة: كتاب الهلال 655.
7 ـ المجلات والمواقع والأسطوانات المدمجة الوارد ذكرها في البحث.

نشر في 20/11/2005 10:00:00

‫0 تعليق