سليمـان دغش: الإمـــام

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أنا الإمامُ
أنا الإمامُ

أعودُ من ستري الزّمانيِّ
غيابي حجّةُ الموجةِ في البحرِ ,
ولا حُجَّةَ للماءِ على الماءِ
إذا ما أسلمَ الماءُ لوجهِ الماءِ واستسلمَ
كانَ الماءُ في البدْءِ
وكانَ الروحُ في السُبحَةِ مثلَ الريحِِ

فانثالَ على الأرضِ الغمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ
وفي يدي مفتاحُ سرِّ الماءِ
قالَ الماءُ كُنِّي ، كُنتُ
لا وهمٌ على مرآةِ يَمِّي
ذاكَ نجمي في مرايا الماءِ يهمي
وسراجي في يدي البدرُ التمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

أنا إمامُ الستْرِ
ظِلّي ظاهرٌ في الناسِ
إنَّ السرَّ ما أخفى وراءَ الأفْقِِ
في البرقِ الغمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

أنا إمامُ الدهرِ , روحُ البحر ِ
لا أظهرُ إلاّ في الرؤى
إنّي أنا الرؤيا
وفي الرؤيةِ إيهامٌ ووهمٌ
وسؤالٌ حائرٌ كالسهمِ ,
كم تخطىءُ في الرَميِ ِالسّهامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ
عباءَتي روحي
وسرجي صهوةُ الريحِ على حرفيْنِ
لائيَّينِ :
لا إله إلاّ الله
تنزيلٌ
وتأويلٌ
وما التأويلُ إلاّ جوهر التنزيلِ
إنّ الدرّ ما أخفى وراءَ اللفظِ
في المعنى الكلامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

حَمَلتُ قنديلي
وَمِنديلي
إلى نيلي
(وشَطنيلي)
لكي أبدأَ دوْرَ الكشفِ
فالكشفُ دليلي
قلتُ للاهوتِ في الناسوتِ :
سُبحانكَ
إني عائدٌ للقِبلةِ الأولى
هُوَ الإسراءُ
منْ قدسي إلى قدسِكَ في القدسِ
ومن روحِكَ في روحي إلى روحي
ومن جرحي إلى جرحي
ومن نفسي إلى نفسِكَ في نفسي
حدودي خمسةُ :
ألعقلُ في الأوّلِ , والنفسُ
وفي الكلْمةِ نفسُ السابقِ التالي
فيا حاكمُ(*1) طالت رحلةُ النورسِ في الصحراءِ
بينَ الماءِ والماءِ
فلا زمزمُ ترويني
ولا يثربُ تؤويني
ولا البيتُ الحرامُ…!
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

أضأتُ مشكاتي على الصحراء دهراً
واختفيتُ
قُلتُ : يكفيها منَ الأنجمِ
ما يقطُرُ من دمّي
دَمي المصباحُ
والمفتاحُ
والصحراءُ لا تقرأُ نَجمي
كانَ سهمي
قبلَ حُلْمي
قلتُ : تكفيني صلاةُ الفجرِ عند المسجدِ الأقصى
وعند الصخرةِ الأدنى
إلى المعنى
منَ المعنى
إذا ما ارتاحَ بعد الهجرِ
في الغمدِ الحُسامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

ورايتي خضراءُ
قالَ فيَّ إسماعيلُ للراحلةِ الصحراءِ :
كوني واحتي
أو غيمةً في راحتي
واستلهمي في الريحِ طلحَ الروحِ
كيْ يعلو نخيلٌ في سماءِ الحُلْمِ ,
هل في الحُلْمِ من معنىً إضافيٍّ
إذا ما استكمَلَ البدرُ التّجَلِّي
في مرايا البحرِ
واستكمَلَ في فاتحةِ الموجَةِ
رؤياهُ اليمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

رايتي حمراءُ ,
فالأحمرُ دَمّي
رايتي صفراءُ
والأصفرُ همّي
رايتي زرقاءُ
والأزرقُ حُلْمي
رايتي بيضاءُ
لا وهمٌ على الأبيَضِ إذ يندى
على الذاتِ الرَخامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

على يدي وشم السلالاتِ التي
باعت مرايا الحلم في رؤيا دمي
واستَنكَفَتْ في ساعةِ الرملِِ
فلا خيلٌ على عَتْبَةِ مفتاحِ الأعاصيرِ
ولا رمحٌ يرومُ الشمسَ خلفَ البحرِ
في أندلسِ اللهفةِ
والشهوةِ
واللوعةِ
لا سيفٌ
ولا زحفٌ
نعامٌ يملأُ الصحراءَ تيهاً واختيالاً
ويطُمُّ الرأسَ في الرملِ لكي يرتاحَ
في الوهمِ النعامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

نذرتُ نفسي لاكتمالِ البدر في
وحيِ الهلالِ
قلتُ في الظاهرِ شمسُ الباطنِ المستورِ
والباطنُ قلبُ الظاهرِ المنظورِ
لا المرآةُ تقصيني
ولا المرآةُ تدنيني
إذا ما انزاحت الرؤيةُُ في الرؤيةِ عن رؤيتها
واشتدَّ في الرؤيةِ والرؤيا
الظلامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ
وفي دمي يبتدىء النهرُ قرانَ الضّفتين
ليس في الماءِ حيادٌ وَدَمي
لمْ يعترفْ بالجرحِ إلاّ
كي يصيرَ الدَمُ جسراً
لعبورِ الروحِ بينَ الجَسَدَينِ

كَمْ منَ الدمّ سَيَجري هاهنا
حتّى يُتمَّ الشهداءُ الحلْمَ في الموتِ الذي
يقلقهم في باحةِ الصحوةِ حيناًً…
فيَناموا
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

عبرتُ مثلَ الريح ِ من مائي
إلى مائي
وفي كفّي الندى
فاستوقفتني خيمَةُ ُالبدوِ التي
طافتْ على زيتِ الخليجِ الفارسيّ
صِحتُ : يا سلمانُ(*2 )لا خندقَ حولَ القدسِ
والخطّابُ مصلوبٌ على عُهدتهِ
هل من نبيٍّ عربيٍّ يرفعُ الأذانَ في الكعبةِ فجراً
ثمَّ يسري في رداء الوحيِ ليلاً
مثلما أسرى بثوبِ الماءِ
في الغيمِ الرِّهامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

بدأتُ من كُلٍّ وفي كُلٍّ إلى كُلٍّ
أنا الكلُّ الذي لم يتجزأ
وأنا الفردُ الذي يَكملُ في الكلِّ
أنا منزلةُ الواحدِ
منّي يبدأُ العدُّ
ومنّي يبدأُ المدُّ
أنا العلّةُ والمعلولُ بالعِلَّةِ
بي يكتملُ الكلُّ
أنا العَقلُ
أنا الواحدُ والزائدُ والفائضُ عن حدّي
أنا السيّدُ والسائدُ والواعدُ والموعودُ والوعدُ
أنا العهدُ
أنا الشاهدُ والمشهودُ
فاشهدني تُشاهِدني
أنا الأزهرُ لا أظهرُ إلاّ
حينَ يشتدُّ على الأفْقِ القتامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

دَمي كتابٌ في يميني
فاقرئيني
أيها الأرضُ التي تشربُ من دمّي
لكي يكبرَ عشب اللهِ
في خضرةِ عيْنَيَّ وفي ظلِّ جفوني
واتبعيني
إنَّ في المرآة شك أبديٌّ
ودمي وحدهُ مفتاحُ يقيني
كلّما بدّلتُ قمصاني على عروةِ روحي
مسّني البرقُ الإلهيُّ على صخرتهِ الأولى
وناداني إلى القدسِ حنيني
فرمى منديلَهُ الأبيضَ في روحي السلامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

أعدّ خطوي
خطوة في الريحِ , ويح الريح ,
كم مرَّتْ على أطرافها
فاستَنفَرَتها قَدَمي

أعدُّ صحوي
ونهاري عتمةٌ في قلمي
قالت ليَ البرقةُ :
ألغيمةُ أمّي
وأبي من نطفةِ البحرِ
وضوءُ الشمسِ دَمّي
من ترى يحملُ للوردةِ إسمي
ويسمّي برجَهُ فوقَ الثريّا والثرى
من نُجُمي
قالت ليَ الحكمةُ :
في الوردةِ سرّي
فاهْدِها أو فاهْدِني لمن تُحبُّ
أو لمن تكرَهُ
واحفظْ سورتي في صورتي
واخطفْ قناديلي ومنديلي
وحلِّقْ في هديل ِ الصحو ِ حَلِّقْ ..
ثمَّ حَلِّقْ يا حمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

أطلُّ من نفسي التي فاضتْ على كأسي

  • وهل تعطيكَ مرآتُكَ إلاّ ما لديكَ -؟
    أنتَ مرآةٌ لمرآتكَ
    لا أسألُ أمسي عن غدٍ
    خبَّأتُ في عروتهِ أزرارَ نفسي
    قالت الموجةُ للبحرِ : تزَوَّجْني
    وزَوِّجْني إلى الرملِ على خصركَ
    كيْ أفنى
    ولا أفنى
    أنا المعنى
    وأنتَ الوحيُ
    منكَ الأمرُ والنهيُ
    لكَ الماءُ وكلُّ الماءِ من فيضكَ
    يا بحرُ فخذنا كي نعيدَ الماءَ للماءِ
    إذا ما طفحَ الكيلُ بنا
    وفاضَ عن حدِّهِ في النفسِ الهيامُ
    أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

روحٌ على سرج الزمان الدائريّ
نقطةُ البيكار
بشرى الصحو في لوزةِ آذارَ
احتفاءُ البحر بالأنهار
وعدُ الشمس في الأسحار
وشم الغيم في دفتر تشرين
كتابُ الماءِ في الأسفار
مفتاحُ المدى الأزرق
ومضُ البرقِ في المطلقِ
إنْ عدتُ تواريتُ
وإن غبتُ تراءَيتُ
أنا الحاضرُ في الغائبِ
والغائبُ في الحاضرِ
عنواني ضبابٌ يتعرّى كلّما
دغدَغَهُ في خنصر الشمسِ سؤالُ الكشفِ
عَنْ عشبٍ حقيقيٍّ
وأرضٍ للنبوءاتِ أضاعتها الأساطيرُ
وأدماها خلافُ الطينِ حولَ الماءِ والأسماءِ
يا آدمُ فارجعْ مرّةً أُخرى إلى أرضِكَ
واذكُرْها لنا الأسماءَ كيْ يخرجَ إبليسُ
منَ الأرضِ التي أورثتها للناسِ
مذْ أغراكَ في الفردوسِ تفاحٌ حرامُ !…
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

لغيبتي معنىً مجازيٌّ
حُضوري شهقةُ الظلِّ
ومأوايَ ومنفايَ المدى
لم يعترفْ بالغيمِ عُشبُ الأرضِ لولا
لمسة الماءِ على كفِّ الندى !
والشمسُ لم تغرُبْ إذا مالت على كْريستالها الجونيِّّ
في مرآةِ وجه البحر إلاّ
لتذرَّ الجمرَ والجْلْنارَ في صحنِ الدُّجى
لا شيءَ في الدّنيا سُدى

الليلُ فانوسٌ يضيءُ النفسَ
{ والليلِ إذا عَسْعَسَ }
لا تلعَنْ ظلامَ الليلِ أشعلْ شمعةً في الصدر
واهتِفْ ملءَ ما في النفسِ من ضوءٍ خفيٍّ :
كُنْ خليلي ودَليلي يا ظلامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ
أطلُّ من نخلٍ سماويّ
على تربةِ ظلّي
رُبّما تسألُ هل في الظّلِّ ما يوحي
بسرِّ الشكلِ
أم في الشكلِ ما يوحي بأنَّ الظلَّ
في المعنى
وفي الأعلى
فكُنْ أعلى ليعلو الظلّ في المشكاةِ
بينَ اللهِ والمرآةِ
دَعْ ظِلَّكَ في الدنيا خفيفاً ولطيفاً
أنتَ طيفٌ هاهنا ، ضيفٌ على الدّنيا
وإنْ طالَ المقامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ
فلا تكَذِّبْ قُبلةَ الشَّمسِ على خَدِّ الهلالِ
رُبّما تصطادُكَ النّجمَةُ في ليلَةِ كَشْفٍ
وتُعَرّيكَ قناديلُ الفراشاتِ التي
ألقتْ على البَلّورِ ظِلاّ نرجسيّاً
وتماهَت في سَناها
فأضاءَت واستضاءَتْ في أناها
اتّحَدَت في سورةِ الضوءِ بما أوحى لها التأويلُ
والمرآةُ والليلُ , إذا الليلُ سجى ,

لا شيءَ في الدنيا سُدى
فاقرأْ كتابَ الماءِ في غيثِ السماواتِ
وطينِ الأرضِ , صلصالكَ , كي
تكتشف النهرَ الذي يجري إلى البَحرِ
على إيقاعِ قيثاركَ
لا تطلُبْ منَ البحرِ التفاسيرَ ,
هوَ البَحرُ سؤالٌ أزليٌّ
لمْ يُفسّرْهُ لنا ملحُ البداياتِ , هيولى البَدْءِ ,
ماءٌ سابحٌ في اللا زمانِ الأوَّليِّ.. لا
ولمْ يفهَم دواعي الخلقِ في البرقِ
وفي الماءِ الغمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ
وفي يدي مفتاحُ سرّ الماءِ
قالَ الماءُ : كُنّي … كُنتُ
لا وهمٌ على مرآةِ يَمّي لا ظلامُ
أنا الإمامُ
أنا الإمامُ

أنا الإمامُ

*(1) الإشارة إلى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ابن العزيز بن المعز لدين الله الفاطمي في القرن الرابع للهجرة- في مصر
*(2) الإشارة إلى الصحابي الجليل سلمان الفارسيّ

نشر في 5/11/2005 4:40:00

‫0 تعليق

اترك تعليقاً