فوزي الديماسي: زنيم مرة أخرى (رواية في حلقات)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

على عتبات غربة زئبقية ، قاب قوسين أو أدنى من شروق ضليل، تلوح على مقربة من البحر أرض مدججة بالجماجم و الخنازير والدموع السوداء .
قافلة نخرة، ناسلة من عمق التيه ، تخبط في الليل الملطخ بالعويل خبط عشواء ، تسير على درب متيم بالأشواك المخضبة بدم الفجيعة .

القافلة العارية إلا من رحيلها المحموم ، موجهة وجهها شطر صحراء مضرجة في الأنياب ، تغازل شمسا ذابلة تطل من كوة جرح قابع في بؤبؤ عين جارية شجنا جنوبيا خصيبا . عواء يشق نقيق قبور لائذة بأعشاشها ، ترمق بعين قاحلة وفم مختوم كلابا صحراوية مدربة تمزق بشراهة زئبقية ابتسامة طفل وليد يهدهد حلما شريدا ينام ملء خوفه على صدر الأرض المنذورة للنهش و النهب .
سرب حمام مهيض الجناح يحلق فوق البحر المراقص لعاصفة متغنجة ، عاصفة مجنونة تلاحق بألسنتها الممتدة كالسعير قطعة خشبية يتيمة تنوء بغد جمجمة تعانق جثة متعبة ، تدفع بعسر صبحها نحو الشاطئ اللائذ بالصمت ، يتتبع العاصفة الناحرة وقارها ، و الرافعة في وجه الزورق رباطة جأش بدائية ، أما الواقف على على متن الزورق في وجه المغناج كتوم ، يجتر بين الفينة و الأخرى شتيت حلم محطم على صخرة التيه ، المتلبسة بأرض هزيلة مترنحة في جفن الردى .
بعد عناء طويل ، و بعد مكابدة شرسة أتلفت بعضا من حجب الليل ، و قطعت بعضا من رؤوس العاصفة الأفعوانية ، بلغ الزورق الشاطئ المترهل .
نزل أشعث الأحلام مبلّلا ، خائر القوى ، لاهثا ، يرتجف زورقه بين يديه المتعبتين ، دفع زورقه نحو الرمل ، تارة في رفق ، و طورا في عنف إلى أن استعادت القطعة الخشبية هدوءها ، تركها هامدة ، و بعدما أنزل متاعه و نخلته رفيقة دربه ، ألقى بجسده غير بعيد ليسترد بعضا من أنفاسه المتعتعة ، و يلملم مزق راحة كان قد فقدها على متن البحر الرافل في أمواجه البركانية .
لما حلت بالبدن السكينة ، و استردت نخلته أنفاسها ، اجتث الغريب جثته من رمل الشاطئ ، و عواء الحلكة يحرسه ، اتجه بخطى متعبة نحو زورقه الرابض في خشوع ، يلفه الخوف من كامل أقطار خشبه ، طاف به الغريب مرات عديدة كمن يبحث عن شيءذي بال فقده ، ولما أعياه التطواف راغ عليه بالتقبيل ، ثم جثم على ركبتيه يتأمله ، و الزورق صامت لم ينبس بحرف كمن يعلم خاتمته ، يرقب صاحبه بعين خاوية يتلو قولا غريبا :
على كف الريح استريحي
يا النخلة الممتدة في وريدي
يا الحاضنة لربي المنشود
يا الباسقة بين جنبي نورا متوشحا بالغد المطرود
يا النخلة … يا الممتدة نحو الله … ردّي عليّ وجهي
و اكرعي من بؤبؤ دمي صحوك و صحوي
و استبيحي تحت قدمي الحمامة المسرحة في شراييني نحري
و انفخي في وجهي قمم الجبال … أجنحة الطير
لكي ألدني من بين أصابع أرضي المنذورة للعواء
وانفخي في لساني الطوفان… وبثّي فيّ و فيك شرفة القمر
واسرجي أنفي للشرف المغلول بسلاسل العرش الأبدية
يا نخلتي … يا المنذورة لربي و الرحيل
يا الرافلة في عروقي … هزّي إليّ بخيط الشمس الكامنة في ابتسامات الثكالى
يا نخلتي … لملمي صوتي التائه في السياط … و سرحي الدود في نبيذهم
يا نخلتي يا التي تبذرين الأريج في الأفق
قد أهرق يومهم سوقي … و عقرت خفافيشهم نوقي … و مزّق إلههم المتأبط ذلاّ روحي الثخينة
يا نخلتي … يا المنذورة للغد القريب بثّي في لغتهم النخيل … و نقّي أرضهم من الجماجم و القبور و الذئاب
هكذا أسرّ الغريب لوحدته الواقفة على الريح المدوّية ، كفكف الغريب وجومه ، و تقهقر إلى الخلف خطوات محزونة ، ثم أضرم النار في زورقه .

اجتث مبعثر الأحزان جثته من أودية دموعه ، وأطلق العنان لرجليه و النسيان تاركا وراء ظهره زورقه مضرّجا في آهاته . مشى الغريب مكبّا على شجنه ، بيمينه متاعه ،و بشماله نخلته تلوك صمتها و تجترّه و تشيّع من حين إلى آخر الزورق المتخبّط في رماده بعين دامعة . سار الغريب بخطى سكرى نحو الجبل الجاثم على أرض الصحراء يمش‍ّط حلمه القابع في صلب الغيب و ترائبه . سار نحو الجبل بخطوات عليلة، ثكلى ، على الدرب الموغل في الجماجم و الدمّوع و الأحلام الموءودة ، الدرب المتسربل بالصحراء الممتدّة امتداد الهمّ ، و المنبسطة كالخيال المحموم ، و الموحشة كظلمة الجبانة ، صحراء القحط ، صحراء معاقرة للأنياب الضارية ، صحراء ممزّقة للحم أطيارها ، و ناهشة لأريج أزهارها ، تحتفي بذئابها و أفاعيها ، و تتربّص بنخلها المهاجر ، فتعدّ له كلّما نزل بها موائد المنايا ، صحراء جريحة ، صحراء قاحلة إلا من قبورها المنتشرة حول الجبل و داخله ، يرتق نزلاؤها صبحهم المنفوش بقمم جبال نخرة ، صحراء زانية تفتح أبوابها للوافدين من وراء البحر ، أولئك المحمّلين بشمس تهطل نوقا ذليلة ، و صحارى مترعة الفحيح ، و عروشا عرجاء ، و نخلا مطأطئا ، صحراء تضمّد جراحها بنخيلها الشّريد على حافة الغياب المضرّج في الغيب ، هكذا أسرّ الغريب لدموعه الغزار في غفلة من النّجوى ، و بينما هو يبحث في منعطفات الصحراء العاقر عن شيء آخر غير القبور و الغربان المحلّقة في سمائها المرصّعة بالجثث و العبرات إذ به يسمع نواحا و عويلا قادما من الجبل المستمسك بصمت وحشيّ ، فأذكى فيه ذلك الصوت المنكر بوادر الفضول المشوب برعدة ، تململت نخلته الرّضيع حيث أيقظ فيها ذلك الصوت المنكر شعورا متناميا بخوف زئبقيّ .
استأنف الغريب سيره رغم كل شيء ، و أصرّ على التوغّل نحو الجبل رغم توسّل رفيقته النخلة مرتعدة الفرائص بشماله ، و كلما توغّل في الدرب نحو الجبل استأسد الديجور ، و أطنبت العفونة في إكرامه ، تقدم الغريب مصعّرا اهتمامه لأنفه المتبرّم ، تحامل على رعبه ، و مدّ درب سيره ليقف على مصدر العويل و النّواح ، إلاّ أنّّّّ صوتا زلزالا أسدل جناحه الشوكيّ على المكان ، و دثّر البحر بالخوف ، و اليابسة دثّرها بالصمت ، كما طوّق الواقف على عتبة الرعب صحبة نخلته بحلّة من الإضطراب . تسمّر التائه في مكانه ، فقدماه فقدت صوابها ، و طلّقت ثباتها ، كما ذهب عقله مذاهب شتى ، و انحدرت سكينته إلى أسافل الفوضى المبعثرة . بقي الغريب كذلك زمنا غير محدّد يتخبّط في لجج التردّّد كخشبة لقيطة مستسلمة لأحكام الماء الهادر ، ارتفع لهيب الضّجيج القادم من داخل الجبل ، و اشتدّ على إثره زئير قادم من عمق البحر ، صوت منكر كالناسل من داخل الجبل ، إنه يزحف نحو الشاطئ شيئا … فشيئا … كالمارد ، إنه صوت باخرة تمخر عباب البحر المستسلم ، لحظتها تقيّأ الجبل أسراره . دوّت الأصوات من كل مكان و امتدّت مخالب الموت تنبش الدرب ، فلاذ الغريب بقبر ملتحف بالغياب يجلس القرفصاء حذو أترابه ، و افترش خوفه و الثرى ، و لفّ نخلته بحذر مصطكّ العمد ، وأسرج العمى ليبعث به رسولا للعيون المنتشرة حول الجبل .
عاصفة الموت أفعى مجنونة ، و جحافل من الدّود خارجة لتوّها من الجبل ملأت الرحب و قوافل تنوء ظهورها بخيرات من كلّ الثمرات . ضمّ الغريب نخلته إلى رعبه ، تاركا وراءه عينيه تتّبعان المشهد .
غناء كالنحيب ، و نحيب كالغناء يرافق صوت الطبول ، دود يزحف ، و دموع تذرف ، وحناجر تنشج ، و نيوب تنهش ، حرائر كثيرات يلبسن السواد من الأقصى إلى الأقصى ، مغلولات حدّ الأذقان بالحديد والنار ، و مشدودات إلى عروش محمولة على ظهور الحمير ، و محاطة بالذئاب و القردة و الكلاب المتأهّبة للفتك ، ، غلمان ، و فاتنات ، و عمائم ، و شعراء ، و نوق محمّلة بدنان المدام ، و خيام ، و قيا ن ، ودفوف تنقر، و عبيد ، و عسس مدجّجون باليقظة . لم يفهم الممدّد وراء القبر مرتجفا شيئا ، كما انحدر عقل نخلته إلى قيعان سراديب الحلكة ممتطيا صهوة البوار .
رجال كثير يدقون الطبول يتقدّمون الموكب ، الموكب يسير بسرعة النمل نحو البحر ، يتقدم في خشوع ، باخرة تشقّ البحر نصفين ، تمشي الهوينى نحو الشاطىء المفروش حماما مذبوحا ، و أزهار مقطوعة الأوصال تنام على حافة الوجود ملء الغثيان ، فركت النخلة عينيها و من بعدها صاحبها ، ليروا رجالا تلامس لحيّهم بطونهم ، يرتدون عمائم مبعثرة على زركشتها ، ينتظرون نزول الضيف ومرافقيه من الباخرة ورفيقهم ابن جلدتهم القادم على صهوة النصر .
فتحت عروس البحر ثغرها، و ألقت بركّابها على حافة اليابسة ، رجل أبيض يثبعه جند كثير ، و من ورائهم دبّابات تزحف كالسلاحف ، على إحدى الدبّابات يجلس الرجل الأسمر نجل الصحراء على عرشه يلوّح بيمينه لمستقبليه ، مشى الموكب نحو المتكوّمين على الشاطئ في خشوع ، ولما بلغوا الرمل المنتحب تحت أقدامهم ، التأم الجمعان ، و سارا حيث دقّت الخيام ، ولما أناخوا اصطفّت العروش ، و كذا من بعدهم بطانتهم و أتباعهم ، وخرّوا جميعا بين يدي الأبيض سجّدا ، ثمّ بعد ذلك استقاموا ، ليقبّلوا يد العرش القادم على ظهر الدبّابة ، شاعت في الجوّ تباشير الفرح و الزغاريد ، و انتشر جند الأبيض في مناكب الأرض ليفرغوا ظهور القوافل المحمّلة زيتا ، و بترولا ، و ذهبا . أمّا سيدهم الأبيض فقد جلس حول مائدة متخمة ومن بعده عروش الصحراء .
أكلوا، وضحكوا ، و رقصوا ، و داعبوا القيان ، وترشّفوا رضاب الأقداح ، خمر و رقص ، نحيب و ضحك ، تغنّج و عواء ،نباح و فحيح ، و عمائم مبعثرة في الأرض تحتسي المدام مع تراب الأرض المسكونة بالفجيعة من الماء إلى الماء .
ليل قد أسدل سدوله ، و بحر ذلول يتتبّع حمارا يواقع أقحوانة ، وعروش رافلة في السكر ، تنتظر صياح الديكة الآذنة بالرحيل، و بعد وقت غير قصير نهض سيّد الرّابضة على باب البحر، و تبعه جنده و مضيّفوه ليودّعوه ، وقبل أن يركب ظهر سفينته أمر الأبيض عبده بجلب صندوق من بطن السفينة ، فامتثل العبد ، و اتجه نحو السفينة و الأبصار شاخصة تتبعه .

أينع الفضول في العيون الرامقة للعبد القادم من السفينة مثقلا تحت مطر من الأسئلة الملتهمة لسرّ الصندوق المترنح بين يديه ، سيد السفينة الجالس على صهوة الشموخ مختالا يبادل أصفياءه التحايا و الإبتسامات .
تقدم العبد نحو سيده ، و المتحلقون حوله يغطّون في صمت محموم ، وضع الصندوق الأحجية أمامهم ، استقام في وقفته ، ثمّ تقهقر إلى الوراء خطوات . فتح القادم من الأزرق الصندوق بعناية فائقة ، و أخرج منه تاجا يضيء نوره ما بين المشرقين والمغربين ، و كذلك أخرج سياطا من ذهب وكيسا كبيرا محشوّا ذهبا و فضة ، وضع التاج على رأس القادم على ظهر الدبابة ، كما أهداه السياط ، فخرّ الحاضرون سجّدا لولي أمرهم الجديد ، و بعد ذلك فتح الضيف كيس الذهب و الفضة و طفق ينثر الأموال و الضحكات المتبرجات هنا و هناك، و من ورائه النمل و الخنازير و القردة و العمائم و الجماجم يلتقطون النعم الجارية من بين أصابع يده الكريمة المبسوطة حدّ الفحش .و بينما هم كذلك إذ بكبير عروش الصحراء سنّا ينادي في الناثرين و الملتقطين أن وجبت ساعة إكرام الضيف و أزفت ، فامتثل الناس جميعا ، و فكّ كل ّ صاحب عرش عن المرأة المشدودة بالسلاسل إلى عرشه أغلالها و قدّمها بعد ذلك للمذبح المقدّس قربانا ، أما القادم من الأزرق فواقف بين جنده لا يريم يرقب بعين متغنّجة الحرائر المطروحات بين يدي المذبح المرصّع بالذئاب و الكلاب و العمائم و العروش .
اضطربت القبور المتلبّسة بالصحراء الثكلى ، و حلّق في السماء المضرّجة في دموعها النحيب و الغربان ، و الشمس الذابلة سقطت مغشيّا عليها قرب الصبح المغلول حدّ الإنهيار ، انتفض الغريب الممدّد على بطنه وراء القبر بجانب النخلة رفيقة دربه ، استأسدت في تهدئته ، ترجّته بدموعها الغزار أن يلزم مكانه ، لكنه ترك توسلاتها وراء ظهره و أطلق العنان لرجليه الملتهبتين غضبا و حقدا لينقذ من براثن السكين المنتصب في يمين كبير العروش الحرائر المطروحات قرب المذبح ، و قبل أن يبلغهنّ استقبله الرصاص من كل مكان ، من الطائرات السابحات في السماء المنطوية على حسرتها ، و من الدبابات الرابضات على الشاطئ . دبّ الضجيج في الجماعة ، و طوّقت العيون و المخالب المكان ، و ذابت النخلة وراء الرمس في خوفها الوحشيّ ، تتابع خلسة تخبّط صاحبها في دمه .
ألقت الكلاب بجثة الغريب الممزّقة على باب البحر بعدما قطّعتها عيون الخائفين و الحاقدين . تقدّم سادة الصحراء نحو الضيف المبجّل و ركعوا بين يديه اعتذارا ، ثمّ توجّهوا نحو المذبح محروسين بالكلاب و الذئاب و الأفاعي و الضفادع و القردة .
رفع كبير العروش السكين المتأهّبة في وجوه المطروحات أرضا ، ثمّ نحرهنّ الواحدة تلو الأخرى ، فانفجرت الحناجر بالزغاريد و النحيب و التهليل و الصياح و البخور و الغثيان ، و سقت فرحا القيان الحاضرين خمرا معتّقة ، و رقصت العروش و الغربان ، و ملأ الغلمان من دم المنحورات الدّنان و بعدما ختموها قدّمها كبير العروش عربون وفاء للقادم من الأزرق و هدية سنوية ، هكذا جرت العادة من كل سنة بين قبائل الصحراء ، ثم أهداه كبير العمائم مفتاح المدينة ، توجّه الضيف في جنده إلى سفينته ، وتفرّق الجمعان ، فريق ابتلعته السفينة ، و فريق التهمته الصحراء ، و خلا بذلك المكان إلا من النخلة الجالسة على أشواك حزنها و خوفها من أن يتفطّن لها الذئاب و النسور فتلقى ما لقيه صاحبها فتسقط من يمين حلمها الشمس الموعودة
القافلة الناسلة من عمق صحراء التيه تغطّ في رحم عقيم ، و ابتسامة وليد فقدت بكارتها على مشارف الشاطئ الرافل في عفونة خلجات الليل المظلّلة بجناحيها الحالكين الجثة المسجّاة بشدو الذئاب و صهيل الخرفان و من كل همّين اثنين تهدهد حلما سقيما ، الدمعة المجروحة شريدة في كفّ النخلة المعانقة وراء القبر لصمتها و الخوف تتفرّس وجوه دراويش يتبعهم الغاوون تنوء أكفّهم بنعش مخضّب بالسفح و الأماني الموءودة ، و من فوقهم الشمس المشدودة بحبل إلى جذع حيرة متشامخة تداعب بأناملها الرميم سؤالا يئنّ في قاع شجن ملتفّ الأوهام .
تحلّق الدراويش حول الجثة ، و النخلة ترمقهم من كوّة صمتها الكئيب ، غسّلوا الجثة بكلمات شاحبات ، و طيّبوها بخيالات محمومة ، ثم زفّوها للنعش المطأطئ .
مشت الجنازة مكبّة على حلمها ، نحو الجبل الجاثم على صدر الصحراء ، و تبعتهم عيون النخلة المحتمية بقلق وارف الظلال .
غابت الجنازة ، و بقيت النخلة على عتبات النحيب تتقاذفها أمواج اليتم و العدم . نسيم جنائزي يولول بين جنبات الأرض باعثا في الوجود رعدة متوحّشة ، خوف زئبقي يعبث بقبور مبعثرة غادرت أعشاشها لتحطّ على أغصان الأفول ، نزلت ابتسامة النخلة للوادي الشوكي لتغتسل من رجس الهزيع الأخير من الضياء على صياح الدّياجير.
اجتثت النخلة حراكها من قعودها ، و اقتلعت أمنها من خوفها مصعّرة خدّها لقهقهات متبرّجات منبعثات من سفور الليل الأليل ، ووجّهت وجهها شطر الجبل المرصّع بنجوم جنوبية صاعدة نحو الحضيض ، تحاملت النخلة على إعيائها مقتفية آثار الجنازة .مشت بخطى سكرى على وقع الآثار ، وذات دهشة مقمرة ، و بعد مشقّة وقفت المنهارة على باب الجبانة .
صوت الفجيعة في السماء دوّى متفجّعا ، ووجه الموت وقف عند رأس النعش متبرّجا ، و سليل الجلدة في شقائه ينعم متفرّجا ، وسراب الأحلام قرب النعش في دمه مضرّجا ، و عويل النفخة انبعث من السور مترجرجا ، وهتف هاتف من وراء الشمس السوداء متوجّعا :
يا زمن الأزمان يا ألمي
و يا ألم الآلام يا زمني
و يا سنم الأدواء يا عمري و يا حطب الأحلام يا عبثي
و يا عبث الأيام يا أربي
هكذا غنّت طويّة النخلة المتسمّرة على باب الجبانة لسجيّتها ، وهكذا أسرّ شوك الزمان لقدمي التائهة بين القبور . تمشّت النخلة بين القبور مفتّشة عن ساكن قلبها ، نادت عليه بأعلى صمتها ، لكن لا صوت يأتيها سوى ترجيع حزنها ، أعادت النداء مرة ومرتين ، فاستقبلها زئير العدم من وراء القبور ، و استوقفها فحيخ القدر في قاع اللوعة ، و صهيل التيه يدنو و ينأى .
أعياها البحث ، و أرهقها النداء ، دبّ اليأس في سريرتها . جلست إلى قبر لتلملم أنفاسها ، غمست رأسها في السقوط وأجهشت تلوّعا ، لكن لا حياة مع اليأس ، انتفضت من سباتها لتعاود البحث، وضربت في الأرض باحثة عن صاحبها علّها تجده .

مشت النخلة بين يدي القبورمترفّقة ، تتفحّص الوجوه المنشقّة علىدود كثيف خارج لتوّه من الخياشيم و الجماجم و الأرض الملفوفة بأشواك متخمة ، عاصفة حجرية تمشط عواءها بأظافر عرش قديم يزقزق على فنن أزلي .
تقدّمت النخلة خطوات وجلة و قد ظلّلتها سحابة من الأفاعي المتبرّجة ، تحاملت على رجليها المتورّمتين و خوفها و جثمت على ركبتيها المرتعدتين قرب قبر و شرعت في نبشه بحثا عن رفيقها صنو قلبها و شقيق نفسها ، نبشت بكل ما أوتيت من قوّة ، و أطنبت في النبش ، و بينما هي كذلك إذ ببطن القبر ينشقّ على رافدين ، يجري أحدهما جماجم زلالا ، و الآخر يجري شوكا رقراقا ، و بين النهر تنام فاتنة مقطوعة الأوصال تحمل بين يديها رضيعا مجلّلا بالردى ، و قد تحلّق حول ثدي المرأة الجاري حليبا أسود ذئاب كثيرة تنهش تفاصيل بسمةعذراء جنوبية سمل عينيها نسر ثلجيّ . تسمّرت النخلة في مكانها تتبّع المشهد بحيرة زانية ، انهمكت في التفتيش عن صاحبها بين ركام الدموع و العواء و الحشرجة بعينين نهمتين ، قلّبت المشهد مرّة أخرى و كأنّها لم تقلّبه من ذي قبل ولما فازت بالخيبة و لم تجد صاحبها أطلقت سبيل القبر و راحت تطلب ودّ قبر آخر ، نبشت الثاني بعزم أشدّ عزما ، فتحت باب القبر فهاج الدّود و ماج و حطّ يديها و غمرها ، كما هاجمتها جحافل من العفونة بأنيابها الضارية ، تناست الألم و تحاملت على الرائحة الكريهة وواصلت النبش حتّى لاحت لها جثث آدمية متعفّنة متحلّقة مع جثث لكلاب نخرة حول قطعة خبز مضمّخة بالخراء و العار تلتهمها أفواههم المختومة بشراهة زئبقيّة يحرسها سياط متآكل يقطر دما . بحثت الواقفة على باب دهشتها شاخصة التفكير عن رفبقها بعينين جائعتين فربّما نال الجوع منه فتحلّق مع المتحلّقين حول قطعة الخبز ، أجالت بصرها في المتحلّقين مثنى و ثلاثا فلم تحطّ عينها إلاّ على الخيبة ، أعادت التقّليب كرّة أخرى يمنة و يسرة ومن بين أيديهم و من خلفهم فطلعت عليها جثث أخرى مغلولة بالحديد و النّار تكرع من بحيرة جنوبية مترعة الفحيح و بين الفينة و الاخرى ترمق بعين كسيرة سراب ضياء يرتق النهار بقمم جبال منذورة لجذع حمامة مهيضة الجناح . بقيت النخلة على باب القبر زمنا لم تقدّره تتابع رقصة زهرة موءودة ضلّت سبيلها إلى حلم القابعين في قاع القبر خلف الأنياب تلاحق عيونهم الخاوية من شرفة السفح ثعلبا ثلجيّا يواقع دجاجة سمراء متغنّجة .
اقتلعت النخلة صحوها من غفوتها ، و لملمت أملها المتخبّط في أحشاء الغيب متأبّطا صرخة و انتقلت إلى رمس آخر ، انحنت قرب الجدث الثالث أو الرابع أو المائة أو الألف أو المليار و راحت تنبشه بنفس الإصرار متكتّمة على إعيائها و غثيانها ، فجأة تجلّت لها جثث ملتفّة حول أسس عرش طاعن في السنّ جذعه ثابت و فرعه في الخراء ، الجثث تحاول مجتمعة اقتلاعه من جذوره و العرش ثابت لا يريم ، يغرس الجالس عليه من حين إلى آخر أنيابه في الجثث المتربّصة به ، وبين القلع و النهش تقف النخلة متعبة ، محزونة الفؤاد ، كفكفت دمعتها و أطنبت في تتبّع المشهد ، الجثث مستأسدة في زحزحة العرش ، و العرش من فوقهم متنمّر يتحيّن فرص النهشعلى من الجماجم المنثورة على دربه ، لمّا وقفت النخلة على فشل المحاولة جنحت لقبر آخر تنبشه ، و استمرّت ثورة النبش إلى أن أتت على الجبّانة كلّها ، و مع فقدان الأمل في العثور على رفيقها عتقت رقاب القبور و أقرّت العزم على الرحيل بعدما أسرجت دمعتها و نحرت على عتبة الخيبة أملها .
سارت نحو باب الخروج ، و قد وقد ركبت دمعة جريحة سنم كفّها المبحوح ، أرخت حبل المسير لرجليها الناحبتين و القنوط ، مشت بخطى كئيبة لا تلوي على شيء تدفع أمامها خيبتها و السؤال .
مشت مشي التيه لا تعرف أيّ الدروب تسلك و أيّ الطرق تلج ، مشت مشي الأعمى في أرض لاعهد لها بها – أو هكذا تزعم – على درب غير قاصد ، سارت على طريق الضياع زمنا طويلا ، و ذات صدفة مقمرة برز لها من بين شقوق الشجن نعش صاحبها و قد تخيّر له من الأماكن أسفل الجبل .

أطلقت ساقيها للغنم و للفرح ، اتجهت نحزه بكل ما أوتيت من قوة لا تلوي على شيء ، و لما بلغته جثمت بجانبه على ركبتيها تتفحص الجثمان المسجى غير مكترثة بجيش الدود الخارج من جمجمته و أنفه ، ولما همّت بتقبيله وضمّه إلى صدرها استحال بين ذراعيها هباء منثورا . لملمته في كفنه على عجل خوف العيون و أودعته قلبها قبل أن تحمله على ظهرها في كفنه . سارت على شاطئ البحر المتتبع للمشهد بصمت ، مشت مكبّة على عبرتها باحثة عن مكان حجاب تواري فيه عورتها الجاثمة في كفنها على ظهرها . وبينما هي على تلك الحالة إذ بها تظفر بمغارة تجلس على شفا الصت قرب الشاطئ تحصي الخلاء و تؤنسه فانحدرت نحوها انحدارا جنونيا .

اقتربت من فم المغارة المفتوح كاللحد، لكن أصواتا غريبة منبعثة من جوفها شدّتها إلى مكانها بمسامير من ذعر ، هتكت النخلة شيئا من تردّدها و سارت نحو الدّاخل بخطى وجلة . نحيب نسويّ يمزّق شعر السكون المتلبّس بالجدران الحائرة ، أرهفت الواقفة بباب المغارة السّمع ثم استرقته ، إنه نحيب ملطّخ بعويل شوكيّ يدمي الأمن ويلقي في أوصال السامع أسباب الخوف وبذور الوحشة . تقدّمت النخلة وتخلّف هدوءها ، خوف زئبقي حلّ بالجاثم في كفنه على رعبه ن مشت النخلة مشي من يتلمّس طريقه على شفا حفرة لتتنسّم العويل في مصادره .
ظلمة حالكة تراقص أنين الصمت ، و صوت البوم يغازل الأظافر الناهشة لوجنتي الوجود المتورّمتين ، فرائص الجثة الرماد المنطوية في كفنها كزهرة يتيمة تعبث بها الدّمن العاتية ، أصوات مفزعة متلاطمة في بحر من الدموع في يوم مطير . أسرجت النخلة بعد عناء سكينتها وشدّت إلى الداخل ترحالها ممزّقة باصرارها النحيف خيوط الظلام المولولة . في قاع المغارة يلوح ضياء سقيم يتلوّى على صدر الجدار كالثعبان و قد تحلّقت حوله ظلال رؤوس آدمية تميد كالفلك ، اقتلعت النخلة خطاها و من ورائها على ظهرها صاحبها في كفنه مظطربا في بؤبؤ خوفه البركاني .
نساء كثيرات يناهز عددهنّ العشرين ، يلتحفن السواد من الأقصى إلى الأقصى متحلّقات حول قبر و منهمكات في بكاء و عويل وشقّ جيوب و تمزيق هدوء و القبر في وسطهنّ يهدهد شمعة نحيلة ، القبر قديم تنبعث منه رائحة عتيقة تشيع في النفس أمنا بعد خوف ، حزن أعشى يلفّ الزوايا بأجنحته المتكسّرة ، و برد زمهرير يرقب بأشعّته البكم السواد المعاقر لآنية المنيّة الرافلة في جدران المغارة المتوسّدة عبرتها ، سارت قدما النخلة نحو النسوة حذرة ، و لما اقتربت منهنّ وقفت غير بعيد تتطلّع إلى بطن القبر لتتفحّص نازله . و لما تفطّنت لها احدى النادبات انتفضت من مجلسها كمن به مسّ من جنون ، صاحت في وجهها بأعلى صوتها ، و انتفض على وقع الصياح الباقيات و توثّبن جميعهنّ للفتك بعدما أسدلن عليهنّ من أغطيتهنّ ، ثمّ تقدّمن نحو النخلة رافعات غضبهنّ في وجه الواقفة مترنّحة من شدّة الخوف ، تقهقرت النخلة خطوات إلى الوراء و حاولت تهدئتهنّ بكلمات طيّبات رقيقات خوفا و ريبة ، و لما تيقّن من بعد الخطر عن حماهنّ و لمسن منها نقاوة كشفن عن وجوههنّ و سوّين جلابيبهنّ و عدن سيرتهنّ الأولى . ولما كفكفت الجدران هلعها دعتها احداهنّ للجلوس بينهنّ ، فألقت بما على ظهرها و تخلّت ، ثم افترشت الأرض و تقوقعت على ظنّها . بطن القبر مفتوح يضمّ بين راحتيه شيخا يجلّله البياض من أمّ رأسه إلى أخمص قدميه ، ينام ملء سكونه ، على يمينه تجلس شمس مشرقة تحكي النور و تحاكيه ، و ترقص على يساره الخضرة جذلى ،
راغت احدى الجالسات على النخلة بالسؤال عن ساكن الكفن رفيقها .
طأطأت النخلة رأسها كمن يستجمع ذاكرته و أجهشت حديثا 😐
عاش غريبا ، ومات غريبا ، فارق أهلا ، و عاقر نحيبا ، عاشر سؤالا ، و طوّف في شعاب عقله حتى أهرق التّطواف ، و سار على دروب وعرة كثيرة حتى قضت نحبها تحت قدميه ، عرّافة قالت له ذات رؤية مقمرة أن لن يستعيد وجهه إلا إذاعثر على الهه المفقود المنشود ، سفك السؤال لبّه و جدّ في البحث ، فالعرّافة قالت له ذات رؤيا حصيفة أنه حتما سيجده ، و سيستردّ من بعده أرضه / وجهه و جدّ في البحث ، و رغم تجرّع الخيبات جدّ في البحث .
عاش غريبا ، و مات غريبا ، هو رجل نذر حياته للبحث عن ربّه الذي بذر في قلبه حبّات حبّه له معلّمه لمّا كانا رفيقين في زنزانة العشيرة ، وقد كان معلمّه هذا مرشده في كتّاب الزنزانة مع بقيّة الأطفال أقرانه قبل أن يصبحا صديقين حميمين متلازمين ، حدّثه لمّا كبر و اشتدّ عرده و لمس فيه ترحالا عظيما قال : * إله الزنزانة قديم قدم حذائي ، توارثناه عن أسياد آبائنا جيلاعن جيل و سيرثه من بعدي عنّي بقدرة سلطان الزنزانة التي لاتقهر ابني وابنك ، إنّه اله حفر فيه الزمان أخاديده يقلّب السلطان أمره بين راحتيه كما يشاء ، و إن نال منه العياء أوكل به أمين سرّه و كاتبه المقرّب ليتعهّده و يرمّمه و يرقّعه لكي لا يصغر في عيون الأهل بالزنزانة ، و نحن كما تعلم يا بني ّ على دين السلطان
فسر في الأرض و امش في مناكب عقلك و ابحث عن الهك ، ابحث عنه في الرعد ، في البركان ، في الشمس ، في النخل* و لمّا أتمّ المعلم حديثه لرفيقه ذات سرّ و الناس نيام التقط بفمه حجارة صغيرة و ثبّتها بين شفتيه المرتعشين خوفا و احتسابا و رسم شيخا طاعنا في السنّ معلّق عرشه بين السماء و الأرض يحاول رفع لقمة ثريد إلي فمه ولكن أنّا ليمناه أن تبلغه و هي المغلولة بسلاسل من الحديد و مشدودة لعرش سيّد الزنزانة و حاكمها ، و لمّا أحسّ المعلّم بوقع خطى في اتجاههما مسح الرسم بلسانه وتظاهر بالنّوم فربما كان القادم أمين سرّ صاحب السلطان ولو رأى الرسم لقطع رأسه كما قطع يديه و رجليه يوم تفطّن له يتلو شعرا علىالصّغار في الكتّاب و قد قال فيه :
كان الله – قديما – حبّا . كان سحابة
كان نهارا في الليل
وأغنية تتمدّد فوق جبال الحزن
كان سماء تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض
أين ارتحلت سفن الله …. الأغنية الثورة ؟
صار الله رمادا
صمتا
رعبا في كفّ الجلاّدين

عاش غريبا ، و مات غريبا ، وبين الغربتين ترعرع بين أحضان أمّ تقاسمت مع أبيها و أخيها و سلطان الزنزانة خلقه في الليالي الوردية تلك الليالي التي ينزل فبها القادم من الأزرق ضيفا في رحلة الشتاء كما ينزل عليكم أنتم – أقوام صحراء الشرق – في رحلة الخريف ، فجنوب البحر كله منزله من الماء إلى الماء .
نشأ الغريب بين الزنزانة و ضيعتها ، يغدو إليها في الصباح مع الغادين ، و يعود إلى الزنزانة حين تأذن لهم الشمس بالرحيل مع أهله المحملين بخيرات الأرض من كل الثمرات المنذورة لنسر الثلج ، و حين يستقر بالأهل المستقر بين جدران زنزانتهم ، يلقي لهم السلطان بخبز و زيت ، ثم يقف فيهم صاحب ديوانه و أمين سره آمرا إياهم بالنوم فغدهم من كل غد قبل أن تتمطى الشمس في خدرها و تستل صحوها من كسلها سيكون شاقّا و مليئا بالسعي .

نشأ الغريب عاقّا ، عنيدا إلى أن اشتدّ عوده فازداد تمنّعا و تكبّرا وولها بمعلمه مقطوع الفروع ، فما عاد يسجد بين يدي سلطان الزنزانة كل صباح مع أهله قبل أن يتوجّهوا للعمل ، كما أصبح يأكل من ثمر البستان السلطاني دون أن يزحزحه عن غيّه وعد أو وعيد ، و قد كرهت أمه سلوكه و خافت أن يحصد غضب السلطان و الرب الجالس على عرشه على راحة أمين سّر الزنزانة ، اشتدّ كفر الغريب و كان من اله أمه ساخرا و راح يحثّ شباب الزنزانة كلما سنحت الفرصة على الإنتقام من الرب الضعيف و الأفعى أمين الزنزانة و السلطان الشرس الذي صادف أن حدّثه عنه معلمه ذات ليل كتوم قائلا : ” كتبت في سرّي قبل أن يقطع السلطان يدي و رجلي سيرته التي ذكرت فيها يوم ميلاده ، فلقد شهدت أمه في ذلك اليوم عسرا لما جاءها المخاض إلى جذع همّ مغتمّ ذات ليلة بباحة الزنزانة لما كانت على عهد أبيه ، فلقد صاحت صيحة أفزعت ما بين المشرقين و المغربين ، فتعبت ليلتها و أتعبت ، حتى أن أطباء الزنزانة كلهم اجتمعوا و لم يوفقوا ، حينئذ دعي طبيب اسرائيلي . جلس بجانبها ، و فتّش في ثنايا فرجها ، أطرق قليلا ثم أخرج من حقيبته موسى و شقّ فرجها نصفين ليتسنّى للمولود الجالس على عرشه الخروج من طور الموت إلى طور الحياة ، و ظهر و لأول مرة في تاريخ جنوب البحر هذا الطفل المعجزة الذي يعدّ مفخرة لسكان الزنزانة غرب الماء و للأقوام المجاورة لهم في الضفة الأخرى – شرق الماء – ، بلت أم السلطان ليلتها البلاء الحسن ، طفل كأنه السحاب الداكن في حلوكته ، يجلس على عرشه الملتصق به التصاق الروح بالبدن ، يمسك بيمناه سياطا و بيسراه قناطير مقنطرة من الجماجم ، و سمي عام ميلاده بعام المعجزة . نشأ الطفل رفقة عرشه إذ كانا ينموان معا ، و كان يتنقل معه على أكفّ الراحة و التبجيل ممن اصطفاهم أبوه .و لقد نشأ الطفل السلطان زير نساء و مقتف لآثار المردان و متهالك على الملذّات و لو في نساء أبيه ، مقبل على الفواحش أقبالا سافرا حتى أنه إذا اشتهى غلاما أو جارية أمر بها حملة عرشه فيرفعونها بلطف و يركبونها قضيبه إلى أن يقضي منها أو منه زينته

فوزي الديماسي (تونـس)
يمكن قراءة نص الرواية كاملا في منتدى المجلة انطلاقا من الوصلة التالية:
http://www.aslim.org/vb/showthread.php?t=1108&page=1

نشر في 1/11/2005 6:30:00

‫0 تعليق