عائدة نصر الله: خصلـة شَعْــر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


كنت قد علوت بجناحي حتى ثقب السماء… وكانت جلدي قد أوشك على المطر.. عندما قال لي:
“هي قادمة”
لم أقل شيئا.
سقطت من السماء. وجناحي على فجأة استحالا عكازين أتكئ عليهما.
كان قلبي قد سافر هناك… للرمال..للشعر الغجري.. لجلده البرونزي ولأقدام دقت الأرض في رقصة خيول جامحة.
الطبول البربرية قد رنت في المخيلة حتى كادت أن تأكل إبهامي من شدة الولع.
“هي قادمة”

كومة شوك أحسستها فجأة في حلقي.. طعم علقم نفث دخانه في الغرفة… وجنتاي اللتان توردتا عادتا إلى طقس الشحوب من جديد.
هناك… سكن رجل….. ووعد.
ولأني أؤمن أنى أشد اللهفات من عنقها.. والشطآن أسحبها من زنار الماء إلى حضني، آمنت أني سأقبع في حضنه ما تبقى من العمر.
“مجنونتي.. طفلتي… لم تغتالي وحدتي وتأتيني آخر الليل”
كانت تلك أول نفحاته التي ملأت مخيلتي
“كيف آتيك”؟
” ليلة أمس، طالعتني بشعر طويل… مسدت على شعرك.. انتعفنا في ماء الشاطئ… لثمنا ملوحة البحر… مثيرة تلك الملوحة… تستفز الشفاه أن تلعق بعضها… تعديني بامتصاص الملوحة عندما تأتين؟”
ضحكت.
“المهم أن آتي إليك”
من أول الخيط الذي امتد شطآنا وبحارا… ولأول الريح الذي رفعني تحت المجرات… نسجنا ببطء حلمنا… حلم كلمات.. بدأ مع أول نسيج لقصيدة حتى أصبح يخترق نسيج الأوردة
“عندما تأتي أحضري خصلة من شعرك”
ارتجفت منفضتي وعاد رماد السجائر لاشتعاله. وشعرت الصحراء تنمل تحت قدمي، تلسعني، تغسل بياضي وتشفي ندبي وترسم هدبي من جديد.

خصلة شعر؟
و…
يأتي ذلك الغجري ذو الشعر الملتف خواتم على جبينه ليقول:
“أريد خصلة من شعرك”
خصلة شعر؟!!
خصلة الشعر لا تختلف عن نسيج الكلمات… نسيج الجسد.. نسيج الحلم… نسيج الرواية التي نكتبها معا.
“هل كانت لك ضفيرة حبيبتي”؟
“نعم.. كانت عندما كنت صغيرة، لماذا؟”
“هكذا. أحس أنك ستعيدين لي ضفائر أمي .. وعلى ركبتيك سأنام”
أنت ستنام على ركبتي… وهناك من نفث فحيح قصائده على ركبتي.
ما الأمر هذا والركب؟
سؤال سخيف هاجمني

بعد أن وضبنا أدوات النسيج… الخيوط والإبر لنبدأ غزل حكايتنا… وكان الماء قد أوسعنا غسولا.. وكنا قد التحفنا البحر والرمل والغابة… قال:
“سأبني لك مهدا من ورق الشجر وأطعمك كالطير”
شعرت بذلك الوهج الذي يسقف ظهر السماء ويطيح بجيوش المتخيلات لتسكن حضني، يسافر بي إلى مهد ينتظرني هناك في بلاد بعيدة، هناك… مهد معلق على شجرة، حيث جديلة الماء تنتظرني بزبد البحر الكامن في ضوء عينيه.

سأبني لك مهدا من ورق الشجر وأطعمك كالطير”
ضحكت لعظم الكذبة، لكني أغمضت عيني واحتضنت الكذبة، أردت تصديقها، لأني احتجت فعلا أن أراني محلقة ما بين السماء والأرض لأتضمخ بنزق الغابة وعبثيتها.
نسيت أن أسأله عن اسم أطول شجرة هناك.
خسارة. سأفترض أنها شجرة جوز أو سنديانة كبيرة، وسأتخيل المهد مصنوعا من أوراق الشجر وأنا أتأرجح فيه حتى أغفو وجلده البرونزي يسقف أهدابي.
“أخاف أن تفترسنا الحيوانات”
ضحكنا.
لن تصلنا الحيوانات. لكني أخاف الأفاعي هي وحدها القادرة على الوصول إليّ. وكم كانت لي كوابيس في صغري مليئة بالأفاعي؟
أحد تلك الكوابيس التي أرقتني وما زلت أذكرها، رأيت نفسي فيها واقفة على صخرة عالية، فجأة نظرت حولي وقد امتلأت جوانب الصخرة بالثقوب، من كل ثقب أطل رأس أفعى مع عيون تحملق بي. نظرت للأسفل، لم يكن لي مخرج، فأنا على قمة الصخرة، ولو لسعتني واحدة ستكون الأخريات متربصات بي لتأكل لحمي ميتا، تذكرت وأنا أسكن الكابوس أن الأفاعي لا تحب الميتين، تحب اليقظين دوما. وبعد جفاف الريق رأيت يدا تحملني من شعري وترفعني إلى أعلى فصحوت. ولم أدرك لمن كانت تلك اليد التي لم تنزع خوفي من الأفاعي.
ولماذا أفكر بالأفاعي، لماذا لا أفكر بابتسامته فوقي، تلك التي تنزع الظلمة من جوف الليل وتشعل الثلج حتى يستحيل لهيبا؟
قال لي:” ارحمي دموعي”
لم أر الدموع، لكني رأيت عينين امتزج بهما العشب، الزيت والنحاس المعتق ولولا ذلك الحاجز الزجاجي لمسكتهما بيدي وشربتهما بروحي. بدا شعره من وراء الزجاج غزيرا طويلا مبعثرا على جبينه النحاسي، ولحيته أغرتني بالغرق.
“حبيبتي أنت لن ترتاحي إلا في حضن أسدك”
أسدك؟
نعم. قالها بعد أن تخيلت شفتيه المكتنزتين شفتا أسد.
“شفاهك ضخمة، ساكون فريسة سهلة بين فكيك . باستطاعتك أن تبتعلني كأسد”
كدت أضحك حين تداعت إلى ذاكرتي كلمات عادل إمام وهو يقول “ده أنا بخاف من أرنب يطلع لي أسد”
ضحكت في سري
مع ذلك أحببت تعبير “أسدك”، أو “ذيلك”
ويقصد “ذيله”. ينسب أشياءه لي. شيء مغرِ للمرأة عندما يخاطبها الرجل وينسب أشياءه إليها وكأنها أشياؤها. وفجأة تستبد بي الأفكار المتخيلة المجنونة، وأتخيل ذيله بين يدي كالدمية. وأحيانا أغرق في السياحة على مسرح غروتسكي جنوني، فأتعامل معه كشخص مستقل عنه.
ألم يقل “ذيلك؟”
وتتداخل الصور ببعضها. حيث أرى الذيل لوحده معي في المهد، أدلِّـلُـه، أسقيه من ريقي، امسح على ثمرته بزيتي حتى يملس كالبرق، ويشتد أزره كفلاحة في حقل تزرع وتنكش ولا تمل، ويصير له فم وعينان، ثم ما يلبث أن أراه أفعى تفتح فاها تحدق بي لتبتلعني. أصيح في هوسي وهذياني:
“لا. أرجوك لا تصنع لي مهدا، سأكتفي بعينك”
غبت في عينه، ذبت في رغوة البحر، هناك على شاطئ بعيد، حيث المهد معلق على الشجرة منتظرا.
“هي قادمة”
انتفضت من سهوي واجترحت الكلمات حلقي.. ثم قلبي..
قلت له
“عمت مساء”
ونفيت الأحلام من ذاكرتي. وبقي هو ذو الشعر الغجري ومساحاته البرونزية.. وعينا الصقر تنظران إلى من بعيد.. لأترقب انقضاضه علي.. بل…أتمنى ذلك الانقضاض ولو رغما عن أنفي.
عائدة نصر الله – فلسطيـن
[email protected]

نشر في 29/10/2005 6:20:00

‫0 تعليق