عبد الوهاب الملوح: سُـلاف عبـاس: ثأر الكتابة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هذه كتابة شرسة ومتوحشة؛ تنفر من السائد ولا تطمئن إلى الجاهز؛ تكسر القاعدة و تحوِّل الاستثناء إلى مشروع سرعان ما تنقلب عليه فلا تتأسَّس لكنها تحفر وتشتعل في الأخضر واليابس أسئلة.

كتابة خارج القانون؛ خارج النصِّ تتآمر على النصِّ وتعمل على تقويضه من الداخل والخارج؛ تنقلب عليه وتخطط ضدَّ سياقاته.
كتابة مغامرة تقتحم المجهول في اتجاه المستحيل؛وتحفر من اجل الاستيلاء على هذا المستحيل بتعمد المحو والتصدي للموت بعيث طفولي قد لايخلو من البراءة ولكنه يتسلح بشفافية تسخر من الموت الشائع لتبعث موتا أقوى من حياة الموت.
هذا هو المستحيل الذي تتصدى له هذه الكتابة ؛ المستحيل الذي لا يبحث عن الخلاص بقدر ما يبحث عن السؤال الذي جاء بفكرة الخلاص؛ رومانتيكية هذه الفكرة نالها الصدأ وباتت ساذجة إلى درجة البلاهة؛ أيُّ خلاص ؟
سؤال وقح و عنيف تقتحمه هذه الكتابة التي ليس فيها ما قد يريح البال و يُسلِّي النَّفس ويبعث المتعة؛ توهم أنها شِعرٌ وما قد تحيل إليه هذه الكلمة من سياحة لغوية وأكروباتية بلاغية ;ولعبة إيقاعية غير أنها لا تبعث على الاطمئنان لأنها مربكة؛ مريبة؛ مشبوهة ومزعجة. وإذا كان الشعر هو ما يثير الدهشة ولما كانت الدهشة شكل من أشكال الإفلات من الوعي فهذه الكتابة تستنفر الوعي في غيبوبته ؛ تصدمه وتجرحه بهاجس تكسير القواعد والشك في البدا هات وعصيان السلطة؛ سلطة النصِّ التي ركيزتها قداسة القانون وألوهية النظرية.


كتابة محايدة إلى حدِّ الجفاء تنتصر لنفسها فقط وإذ تتدخَّل في ترتيب تفاصيل ما يحدث بشكل وقح تبارح مناطق الحياد إلى التورط فتقرأ مفردات ما يحدث وترصد المتغيرات وتحفر في عمق العلاقات التي تشكل جوهر الوجود الإنساني وتخلخل هذا الذي يحدث بالشكِّ والسؤال والرفض؛ وبين الحياد والتورُّط تطارد سلاف عباس الكاتبة التونسية رؤيا تنهض أساسا على استنفار المسكوت عنه داخل الذات تحوِّله إلى قوَّة تتزوَّد بالقلق مسكونة بالارتياب والشكِّ؛ قوَّة الفوضى المدعومة بكلِّ خسارات الذات وتجليات الروح بعربدتها وهي تتشظى امتلاء بما حدث وما يحدث وما سيحدث؛ هي قوَّة لا تطمئن إلى شيء ؛ ولا تبحث عن مواجهة بقدر ما تريد أن تؤسس السؤال كقيمة وتبث القلق كمشروع إقامة توظف الكتابة من أجل تقويض فعل الكتابة كغاية مكرَّسة في إطار تشكيل رؤيا تستعيد الجمال وتعيد تثبيته كقيمة خلاقة ومبدعة بعد تخليصه من وجوه الزيف التي شوهته ونالت منه . ليس ثمَّة نية للخلاص من وراء هذه الكتابة ولكن ثمَّة رؤيا لجعل الكتابة منفى وإطالة أمد هذا المنفى. إنها مشروعية الثأر المتواصل بين الكتابة كفعل إقامة حرٍّ والنصِّ الذي إنما هو تدجين قسري للكتابة واغتيال للروح الخلاقة التي تميز الإنسان.


تنسف هذه الكتابة كل مرجعية وتبدأ من لحظة لا تاريخ لها تقول:
وحيدة أنا
و لا أنتظرك
وحيدة أنا
و من سطح الى سطح
و من هوّة الى اخرى
أفرغ الكلمات
من تاريخها
تعيد هذه الكتابة النظر في جملة من البديهيات وهي إذ تعالج نفس التيمات المعهودة غير أنها تتفحصها برؤيا مغايرة؛ رؤيا أوجدها وعي نوعي متفرد وساهمت في تشكيله حرقة أوقدتها حدَّة السؤال؛ هذا السؤال الذي هو مدار القول في أغلب الكتابات هنا إنه السؤال الذي أولدته أسئلة أخرى متعددة أنتجها وعي قلق؛ وعي مجروح ومكابد لن يستقرَّ على حال طالما أنه يهجس بأسئلة لا أجوبة لها؛ إنه الوعي الذي يمشي على خيط رفيع فوق الهاوية؛ يدفعه سؤال لا رجاء منه ولكن لابد من البحث فيه:؛ سؤال الوجود؛ وإذ تتصدَّى له الكتابة تفجِّر كل شيء؛ كل شيء بما في ذلك الكتابة نفسها عندما تشكك في ماهيتهاوتتمرد على أشكالها ؛تقول في أحد المقاطع:
المعمارية لتي تكتب شعرا
التي هربت من البيت إلى المسافة كم أحبها
من المهم التوقف عند هذه النقطة.فما معنى أن تفجِّر هذه الكتابة كل شيء فتشكك في ماهيتها مثلا؛هذا كلام يشبه اللغو أو هو من قبيل الثرثرة الفارغة وهو ليس كذلك لأنه عندما تتمرد الكتابة على كل الأنماط المعهودة؛وتتآمر على سياقاتها المألوفة تخرج عن النص ولا تمتثل للقوانين والدساتير ولا تنتمي لأيِّ جنس من الأجناس الأدبية.
ولئن تتبنى صاحبة ’’صور لها تراب’’ كتابة اللاشكل كتعبير أدبي فني فهي تذهب في اتجاه التشكيك في الشعر والتأكيد على إعادة النظر فيه .هذا الموقف الجرئ المناوئ للشعر والذي يأتي في شكل اعترافات ساخرة إنما أنتجته قناعة لدى الشاعرة من أن الشعر قد يقوم بدور مضلل حين يتحول إلى خطاب يتماهى مع الثقافة السائدة ولذلك هي تعمل على القطع مع الأشكال المألوفة في الكتابة وتجهد في سبيل الإفلات من الغنائية السطحية والعمق التجريدي لإيجاد البعد الثالث في الكتابة والذي يحقق شاعريتها بأدوات مغايرة بعيدا عن الكليشيات الكلاسيكية؛ رغم أنها في لحظة ارتداد مفاجئ تلوذ بالقصيدة تأتي مفردة القصيدة هنا لتحيل إلى نوع من الثقافة هو فضاء مريح ومطمئن وغير مكلف لكنه استنفد ما لديه من إمكانيات للإبداع والإتيان بالجديد المدهش؛ وهو ما سيضع صاحبة ’’الموسيقى وضحكتها’’ أمام خيارين؛ فإما البقاء على السهل أو الاتجاه نحو القمة وما قد يتطلبه هذا السعي من ظلال مبين.

اللغة المتوحشة ومتاهة التأويل
للأسفِ؛ ليس ثمَّة اطمئنان يجيء مع الكتابة؛ الركون إلى جنس بعينه يعني الاطمئنان؛ الاطمئنان لا ينتج أدبا خلاقا وإبداعا متجاوزا وحدها الحيرة تفتح على المدهش الجميل وفي متاهات الغي تغدق الكتابة على صاحبها وجعا رشيدا وكذلك’’يمكن للأدب أن يكون نفسه بأن يبقى باستمرار على ظلال’’هكذا قال ذات مرَّة موريس بلانشو؛ وهكذا تقصدت صاحبة’’ الأسماء’’ عدم الاكتفاء باللهو على السهل والذهاب في اتجاه القمة عبر دروب المجهول بحثا عن الجمال في الكلمة مهما كانت طرائق اجتراحها نثرا أو شعرا فليس ثمة ما يثير في النثر عندها غير شاعريته المتفجرة حرارة والمربكة ائتلاقا ؛ أما الشعر فهو ذلك التحويل المباغت لما هو نثري مألوف إلى صور تكسر في موشور تلقيها المشاهد العادية إذ تضخها في توهج نحو آفاق أبعد وأرحب.
هاهي الكتابة تتمرد على كل قانون ؛ تتبرأ من كل تبعية وتثور على كل نموذج قد يأسرها فتستولد من طاقاتها الذاتية مخططات تيسر لها السبيل من أجل أن تقنن لنفسها بنفسها بتذويب المسافة بين الشفوي والكتابي وبين التلقائي والمحبوك ؛ بين الشعري والنثري بين الممكن واللاممكن في لغة تتمرد على مكوناتها إذ تفجر طاقاتها الخبيئة بما أنها ليست لغة وصف أو أداة إخبار وإعلام وبما انها ليست وسيلة إفصاح وإجلاء معنى وهي ليست آلية تقريرية إنها قلق وسؤال ؛ لغة حارة متوحشة تتمتع بقابلية هائلة على الاشتقاق والحكائية تتشكل من ذرى درامية عالية ومثيرة فاللغة هنا أبعد من أن تكون زادا أو مادة إنها حضور ذاتي حيوي متوهج ؛وهي أفق من شأنه خلق حالة غير مسبوقة ؛حالة دائمة التجدد ؛إنها اللغة هتاف الهامش يتفجر منصهرا بما تهجس به الذات في الداخل من خلال تعالقها مع الأنا و الأشياء بما فيها الآخر ؛ لغة تتصيد جماليتها من مغامراتها الذاهبة نحو تجسير الهوة بين ما هو شعري وماهو نثري وانفلاتها من حدود المعجمية تعتق ما هو سري في داخلها وبما يزودها التخييلي من قدرات لكشف ما هو خبيء وهتك أسرار ما هو محظور ؛ولذلك هناك اشتغال على تفجير الدلالات الموروثة في الكلمات والكشف عن دلالات أخرى وذلك ببث الكلمة في إطار سياقات أخرى غير مألوفة لها ولعل ما يغذي هذا التوجه هو هاجس الأسلوب الذي لا يكاد يستقر على حال حين تقول ماء وتكررها في أكثر من موضع لاتبحث عن العناصر الكيميائية في هذا المكون الأصيل من مكونات الحياة ولا تستجدي رواء ولا تهفو إلى اغتسال ولا تطلب حقيقة’’أصابني عطش/ دخلت المكتبة/ أردت أن أشرب/ وجدت الماء مقطوعا/ كل الحنفيات معطلة/ أدرت مقبض الحنفية/ تركتها مفتوحة/ سيفيض الماء و يفيض/’’ الماء في مكتبة وكل الحنفيات معطبة إلى حدهنا يبدو الأمر عاديا رغم ان المكتبات ليست للحنفيات ؛غير أنه يحدث أن حنفية واحدة قد تحول المكان إلى فيضانات ’’ الماء/ الماء/ من أين تشربه ؟/ احترقت يداك/ تبحث في النار عن الماء/’’هذا اللهاث من أجل الماء لماذا احترقت من أجله اليدان فقط ؟وكيف يمكن إيجاده في ضده النار؟ ’’ هروبا من المو ت/ النباتات/ التي تحب الماء/ تغرق فيه يوما بعد يوم/ تغرق فيه يوما بعد يوم/ و انا/ أغرق في/ نقطة ماء’’وهاهو الماء يتحول هنا إلى مرادف للموت وعنصر فناء وهو ما تؤكده في موضع آخر من نفس المجموعة ’’صور لها تراب’’ ’’ الجثة التي أكلها الشاعر/ الجثة التي تحاضنها الشمس حتى تتعفن/ التي يحيط بها الماء من كل جانب/’’وفي نبرة لا تخلو من التهكم هاهي الكاتبة صاحبة الدجين تقول في موضع آخر من نفس المجموعة ’’ يمضمض الماء/ بعد كل قبلة/ يسبب لي/ بحة في الصوت/’’ليس الماء هو ما يتطهر به كما أنه ليس خافيا هنا هذا الأسلوب التهكمي في التعاطي مع المفردات ومع الأشياء عموما والاستهزاء باليقين وكل هذا من جل الظفر بأسلوب مشاغب ومشاكس بحثا عن الجدية’’ إن أعمق مظاهر جدية الحداثة في تعبيرها عن ذاتها من خلال السخرية ’’هكذا قال كيركيجارد .
وباسلوب مختلف تماما تستخدم الكاتبة التكرار تقتية أخرى في التعبير ولا تمل من إعادة المفردة الواحدة أكثر من مرة في المقطع الواحد ’’ الموت/ الموت/ الموت/ الموت /الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ الموت/ لا/ لا ينتظر أحدا/ كلمة ترصف حجرا بعد حجر/ هو الوحيد الذي تستكتمه أسرارك’’وفي مقطع آخر بعنوان ’’أبي’’ تقول:’’ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي/ أبي أبي/ كان دائما يقول :/ ” يا الاهي ، لماذا لم تخلقني إمرأة ؟ “/’’
ويبقى السؤال إلى أي مدى كان التكرار وظيفيا هنا أو كما قال تودوروف في مقام حديثه عن السرد ’’يؤدي التكرار دورا مهما في عملية البناء ’’ و يلتبس الأمر فتتشاكل الدلالات ويتوه القاريء في متاهة التأويل ليصبح الغموض ميزة أساسية ولأن الوضوح ليس فضيلة فذلك لايعني البتة أن الغموض رذيلة؛وإذ تنفر هذه الكتابة من الوضوح وتتغيا تشكل الدلالات فإنما تعمد إلى توسيع مجال الرؤيا لينفتح الأفق رحبا تستنفر ما خدره الخمول وتقوي ما أوهنته الرتابة ؛الغموض سمة مميزة للكتابة المختلفة والمتجاوزة ’’إذا انجلت سحائب منه أعقبت سحائب’’ أليس هذا ما قاله أو تمام عن غموض الشعر الجيد الذي من صفاته أنه لا يدرك بسهولة ولا يتجلى بسرعة لتداخل العناصر وتشاكل الدلالات وفوضى البناء ؛ ولأن الكاتبة تصب انشغالاتها كلها دفعة واحدة في إناء واحد تختلط تيمات الطفولة مع إشكاليات الموت ويتقاطع الحديث عن الشعر مع الحديث عن فن العمارة ويجيء الحديث عن الذات مرفوقا بأسئلة الحداثة ويلتبس السأم بالتهكم ويتم الانتقال المفاجئ والمباغت من فقرة إلى أخرى بدون روابط وتتصادى الأسماء وتتصادم الأصوات ببعضها..
هكذا تبدو الكتابة عند صاحبة ’’معمار بدائي’’مجموعة من الفراغات؛ متعددة الأبعاد متقطعة المسافات؛ ترتقها فقرات لا رابط بينها متعددة المرجعيات والإحالات التي هي بدورها لا تكاد تتضح لها أصول ؛ حتى أن هذه الكتابة تكاد تكتمل شرخا متواصلا من فوضى الأصوات والإيقاعات ؛ فوضى الخطوط والجزئيات تتداخل بالفراغات فلا شكل تستقر عليه ولا بناء لها أصلا ؛معمار من الفراغ يجتاحه اللاشئ ؛وإذا بمرتكزاتها الحقيقية تتأسس على المراوغة وعدم الثبات والمناورة بما يجعلها كتابة ذات بناء رحال.كتابة شَرود تؤكد حضورها من خلال التشظي الذي تزيد حدة الأسئلة من تشتته.
إن أسئلة هذا النص هي أسئلة هيرمينوطيقة وجودية إبداعية؛ ليس من شأنها البحث عن جواب بقدر ما تحاول لإثبات غياب المعنى وذلك بهندسة الفراغ .

ضياع الشيئية وهندسة الفراغ:
الليل في صوته
يلبس قميصا ازرق بنفسجي
عليه قلوب و نجوم
و أزهار
بلون اصفر فاتح و فاتر
هذه شذرة من أثر بعنوان ’’مقاطع ’’ من مجموعة ’’صور ..لها تراب’’ ؛ وفيما يلي جزء من عمل آخر بعنوان ’’الأسماء’’:

جانفي1982 الأسبوع الأول
الدراسة ملل . النقود . سيد منعم . الأكل . لا منعم إعجاب . بيض مقلي . معارك منعم . منعم سرق مال . سروال دجين . حذاء رياضة . مائتا دينار . هرب منعم . غموض . حديقة الحيوان . الخنزير . الثعلب . الدببة . البلفدير . البط عوم . العقاب . حزن عميق . غلاء الأسعار . وجه منعم المخروط . فاحشة . زعيم منعم الأولاد . فاقة . تنازل . متشنج . خاتم لها . شخصية منعم . غدرها . أحكامه . واهن . ساومن منعم . منعم وضيع . جميل الخاتم . لمستها . معاملة منعم . مصاريف كثيرة . حرقن منعم . عقب سيجارة . تربية . عقاب . غابة رادس . المطر . منهوك . الإعلان . استمناء . ندم . شجاعة منعم . جسارة منعم . الدراسة مملة . هرب مرأة منعم . انا ؟
الأسبوع الثاني أبومنعم. غسالة كهربائية . أم منعم . تغسل يد. تعب . مواد تنظيف . قشرة يد . مرافقة أولاد . خصاصة . ضحكة أم منعم . مال الكثير . استمناء . الم ماء . الخرقة . الأصدقاء . المراحيض . السقائر . جرائم منعم . متين . دينار واحد. الإفشاء . خصية منعم كنز عائلة . عين منعم الم . نار حريق منعم. الثواب. العقاب . العالم غامض . فقد منعم توازن . احتلام . العطاء . الأزمة
ما يصدم في هذين المقطعين إن كل واحد منهما يجمع المتناقضات والأضداد في سلة واحدة؛ خليط متجانس يلتبس فيه الخطاب فلا يقول وينغلق حد الإبهام يذكر على نحو ما بمنجز سريالي كمثل لوحة ’’ لا يقينية الشاعر ’’ للرسام دي شيريكو في كادر واحد يتجمع فيه الموز مع الساحة الإيطالية مع التمثال النصفي لإنسان مقطوع الرأس والأطراف وسط مزيج متناقض من الألوان ؛هذا التراكم العشوائي للأشياء دون أي ترابط بينها يحيل إلى اعتباطية تعبيرية تنتهي بالكتابة إلى فراغ دلالي وغياب لأي معنى أو ما يسميه جادامار ’’ ضياع الشيئية ’’ وإذا بالكتابة لا شيء لا موضوع لها تتصدَّى له؛لا موضوع لها في الأخير طالما إنها حالة وهي حالة لأنها انعكاس لما يحدث بالداخل؛ داخل ذات الكاتبة؛فهي خلجات النفس؛ وجيبها الجواني ؛ توجساتها وهواجسها
فالكتابة اليوم لم تعد تأتي من الخارج ولكنها تخرج من الداخل وهذا التوجه نحو الداخل منح الكاتبة إمكانيات متعددة يتلون بها مقولها فيأتي أحيانا في شكل خطاب حلمي أو استرسال هذياني أو حديث تخييلي وإذ تنفتح الكتابةعلى التخييلي مثلا وتمنحه روحها فهي تعمل على الاغتذاء به وليس فقط استهلاكه كتقنية يفيدمنها السياق للتخفف من ثقل التقريرية ولكن كضرورة لأخداث مسافة مع الما يحدث باعتبار التخييلي مكون من مكونات الارتقاء بالذات والفرار بهامن السقوط في النمطية والتكرار التي أصبح يفرضها واقع متكلس ومتجمد ولن يعدم التخييلي المباشرتيةالتي يستدعيها السياق أحيانا لتجيء الكتابة شظايا متفرقة لا رابط بينها تحيل إلى الفراغ وما يعزز هذا الفراغ أنه لا شكل للكتابة فلا يمكن تصنيفها ضمن أي نمط من أنماط الكتابة المألوفة وإنما هي كتابة اللاشكل؛ كتابة عابرة للأجناس كما يقول أدوارد خراط تقول في فقرة بعنوان مقاطع من مجموعة بعنوان ’’صور لها تراب’’:
’’ للريح
لزقزقة العصافير
لا عشيق لي غير الشمس
تمر عبر أهوية جسدي
لا أعود
صحائف الليل و بحاره
و الحبر و الغرقى
أشلاء عيني و ألوانها
للربيع ، ولدت في حقوله
للشتاء ، كم هو دافئ
للصيف ، تتعرى فيه الورقات

                  الخريف ، فصل يزيد عن الحاجة ؟

إذا أعطيت لا أعرف كيف آخذ
إذا أخذت لا أعرف كيف أعطي
أخاف أن أنام
يحتفرني الماء
متيه و أذهب فيه’’
وفي مقطع بعنوان’’ نبت الحراج’’تقول :
وحيدة أنا
و أسمع موسيقى بلا ذاكرة
و لا أعرف من الكلمات غير قليلها
وحيدة أنا
و هذه خطواتي مستعجلة
تجانس الماء
إلى أين أنا ذاهبة؟
وحيدة أنا
و لا وقت لي
و لا مكان
واحد
اثنان
ثلاث
قفزة
وحيدة أنا
و لا أنتظرك
وحيدة أنا
هنا ترجمة لهذا الوعي المتصدع بالذات الذي يترجمه بدوره تعدد الأصوات وتداخلها ووفرة المرايا التي تتجلى من خلالها الأنا الكاتبة شظايا متفرقة وهو ما حجب الدلالة ورعى سريتها لكأن هذه الكتابة لا تتحدث إلى أحد وتركز أساساعلى الذات بما أن الذات هي المسوغ الفصل في الوجود فالكاتبة لا تهتم بالقارئ وإنما تتحاور مع الذات مكوناتها طالما أن الذات هي مركز العالم فليس الكاتب هو الذي يصوغه العالم لكنه الذي يقف داخل العالم ويذيبه بقوة تفجرات رؤاه وقدرته النافذه على الاستبصار ومن هنا هذا الميل للتوحش والنزوع نحو البدائية وما تتسم به من اندفاع وجموح وتوتر يمثل حيوية الكائن وتجدده وهو ما يفسر هذه الكتابة الرحالة عند سلاف عباس التي تبدو مهوسة إلى ابعد حد بالجدة فيما تجترحه من كتابات تذهب نحو الأقصى في التجريبية.
هذا التجريب الذي وجدت فيه الكاتبة مجالا للثورة والتمرد لم تجده في واقعها المأزوم ؛ هذا الواقع الذي تحول إلى سجن كبير يتم فيه قمع الحريات وتكميم الأفواه واغتيال الآمال وإذا بالكتابة هي المكان الوحيد / المنفى الذي وجدت فيه الكاتبة إمكانية تحرير قدراتها والتعبير عما تهجس به دواخلها ومكنها من جرعات أوكسيجين في بلد لا يُسمح فيه التغوط إلا بترخيص من جهاز السلطة .
ولئن انتهى التجريب بالكاتبة إلى تخريب البنية الدلالية للخطاب وتقويضها فطريقة القول أصبحت هي مقول في ذاتها هذه الطريقة في القول التي طالها التخريب بدورها .
إن كتابة سلاف عباس كتابة رحالة ؛ شرود لا تستقر على حال كتابة تتجدد دائما تذكر بما قاله باوند ذات يوم :

’’ يموت الأدب بدون التجريب المستمر ’’

عبد الوهاب الملوح: شاعر تونسي
[email protected]

نشر في 28/10/2005 9:50:00

‫0 تعليق