لحسن بلغم: انكسار الدمية الأخيرة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

على طول الطريق المؤدي إلى اللا مكان، كنت أسير بتؤدة وأرى بعيون يقظة في الأفق البعيد ما يشبه غمامة سوداء تكتسح سماء قاتمة تبدو كالحبلى، أو دخانا خانقا يتصاعد من محرق آدمي، نتن الرائحة. الناس كالمسوخ بدون وجوه يدبون وكأن على رؤوسهم الطير ولا يخطئون هدفهم. الطريق ملتو وافعواني أكثر من اللازم. أشجار باسقة تتمايل في سخرية وأخرى كالأقزام تتراقص كالبغي وقد تخلت عن أورقها وجمعتها بجنباتها لتسكنها الرياح.
البرد قارس يسري في العظام سريان الكهرباء في الأسلاك. يجمد العروق ويجعل الأسنان تصطك محدثة صوتا كأصوات مناقير اللقلاق عندما تلتقي على طعام، كان لغط المجنون الملقب بشاعر المدينة يتعالى من فوق سور الحديقة يردد أبياتا يحورها حسب هواه ينقص منها ويزيد بشعره الكث المنفوش ولحيته الغبراء المتدلية كراهب، يرتدي قميصا

أزرق، حول عنقه رباط أخضر يناسبها وسروالا أسود، وفوق الكل معطف طويل يتدلى إلى ركبتيه. وكانت بيده جريده مطوية يجمعها بإحدى قبضتيه، كان مخمورا إلى النخاع لا يبالي بموجة الزمهرير التي غدت حديث كل لسان. وفقت أنظر اليه فزعا وتذكرت الازمة التي مررت منها يوم كنت أعاني من حالة توتر عصبي حاد وتذكرت هلوساتي، يوم كنت أرى للناس عيونا فوق رؤوسهم وعلى خدودهم وأفواها وآذانا في كل مكان من أجسادهم وأحيانا قرونا. مخلوقات بشعة لم أر مثلها من قبل. أذكر أنهم أخذوني إلى مصحة الامراض العقلية. ساعتها قال لي الطبيب الشيخ :

  • قل يا بني هل تناولت شيئا ؟
  • مثل ماذا ؟
    أجبت. ابتسم، واتجه إلى طلبته قال لهم كلاما لم أتبينه. ضحكوا وأقتربوا مني، سألني أحدهم بلباقة:
  • هل تناولت مخدرا ؟
  • نعم منذ صغري وأنا أتناوله
    أجبت، فأضاف آخر:
  • أي نوع من المخدرات تأخذ ؟
  • الاخلاق، الإحترام، الطهر، الصبر، القناعة.
    قلت ,ضحكوا جميعا، سألتني فتاه جميلة.
  • كيف تعيش؟ مع من تعيش ؟
  • نظرت إليها، كان كل شيء فيها جميل يغري بالرغبة ابتسمت وأجبت :
  • مع الناس، كما يعيش كل الناس.
  • أعرف، لكن كيف تعيش مع عائلتك. هل تحبهم، هل عندكم مشاكل، أبوك، أمك، أخوتك
  • الانسان مشكلة معقدة لا تحلها الكلمات
    قال أخر :
  • نحن نريد مساعدتك، إذا حكيت لنا.
  • ……….؟
  • ما مشاكلك؟ ماذا يقلقك وماذا يريحك ؟
  • لو كنت أعرف ما كنت لتراني أمامك ؟
  • تحدثوا فيما بينهم وتناول كبيرهم دفتر الوصفات وكتب لي دواء، وقدمها للممرض المسؤول عن الجناح لآخذها في وقتها؛ مخدرات تساعد على النسيان كنت أستغفل الممرض وأخذ أكثر من حصتي. كدت أتحول إلى مدمن. مكثت عندهم أسبوعين، رأيت العجب العجاب. أخذت فكرة عن كيف تحول هذه المؤسسة العقلاء إلى مجانين رسميين، كان الزمن خلالها يتقاطر كحبات مطر ضلت موعدها كان الممرضون أكثر حمقا من النزلاء.
    انتهبت، عدت إلى نفسي، وجدتني لا أزال أحدق في شاعر المدينة وأتخيل نفسي أنا الواقف مكانه كان في نظر البعض أحمق وفي نظر البعض يتحامق وفي نظر البعض حكيم ومجرب ومتعلم لا يسيء إليه إلا ذلك السم الذي يتجرع فيذهب بعقله فيخرج من فمه كلاما تزور الأذن من سماعه.
    وقف وكأنه يتوسط منصة، يقرب الجريدة من فمه كمكرفون ويلقي :
    خدعتها بقولي حسناء والزانية أغراها الثناء
    أثان من جأب عجفاء تخال نفسها العصماء
    التقطت أذناي هذين البيتين فقط وتابعت طريقي أبتسم كدرا من سخرية القدر أحدث نفسي “ما أكثر المجانين في هذا العالم الصاخب بالاهوال. ربما أصبح مثله يوما، ترى بأي نار اكتوى المسكين. ما الذي حوله إلى هذه الصورة للحروب في كل بقاع الأرض مآسيها. وللسلم مع الفقر والضياع مآسيه هل يعرف هذا الشخص من هو ومن كان قبل أن يصبح أم تراه رقما من الارقام واسما في لائحة ما، تبخرت أحلامه ففقد القدرة على التحمل انتهت طاقته ولم يجديه مرهم الصبر شيئا “.
    قادتني قدماي إلى البحر،وقفت على تل المقبرة أنظر اليه والى القبور التي أخذت أوضاعا لا تحضع لمنطق، تذكرت قبر والدتي الذي لم أزره من يوم ما توارت بداخله وغطاها التراب، إمرأة أمية كتبت من تاريخ كفاح البلاد بإعتراف المستعمر ولم تذكرها البلاد بكلمة كانت تعاني الحاجة يوم كان كبير جنرالات البلاد غداة الاستقلال يقيم ليالي صاخبة ولا ليالي هارون الرشيد يوزع الرخص والامتيازات على الشيخات ساعة هز البطون والعرق ينضح حتى ماتت من
    المرض وحيدة في فراشها. حزرت أنني سأجد صعوبة في العثور على رمسها بعد سنوات.
    نزلت من التل تقدمت نحو البحر، كان هائجا تتلاطم أمواجه بقوة هائلة وتصطدم بالأحجار الضخمة الناتئة وكأنها في سباق انتحاري فيتبعثر الزبد كردة فعل للإنكسار كانت تنتابني فكرة خرقاء وأنا أنظر لماذا لا القي بنفسي في لجته وأرحل معه في رحلة أبدية. كنت أتحيل نفسي لحظة قد ارتميت فعلا. أشاهد موجة عالية متوحشة قادمة تحملني معها وتكسر عظامي الهشة فوق صخرة، وتأتي أخرى لتقلني بعيدا، بينما تغسل التي بعدها آثار دمي الساخن.
    اقتربت أكثر، لامس الزبد قدمي، زاد البحر هيجانا، انتابني شعور غريب أنه يقرأ افكاري. تراجعت هربت من البحر لا من فكرة الرحيل معه. دخلت المدينة أجوب طرقاتها. اتفرج على الجنس اللطيف. لحم. لحم بشتى الأشكال والالوان وأتيه أيهن الأجمل. أيهن المشتهاة كاعب ناهد شقراء أم سمراء مربوعة القد بعيون كحلية واسعة وشعر فاحم مسبسب. أم عاهرة مجربة، تعرف كل أشكال وأطوال الأيور، الأوراك تحت السراويل الضيقة. والصدور النافرة من السرائد والقمصان. تتلالا بألوانها، تدعوني في رحلة حنين إلى عهد الطفولة. فكرت جيلا العقدين الاخيرين أفضل بكثير من الأجيال السابقة. في عيونهن رغبة وجموح لا يقاوم.
    وفقت عند حماد الشيخ الأعمى بائع اليانصيب والسجائر بالتقسيط. بجلبابه المهتريء العفن و وبلغتيه حائلتي اللون المفتوحتين كبطني سمكتين نثنتين ألقى بهما البحر. كان يدخن سيجارة من التبغ الأسود الرديء ويسعل بقوة.
    حركت طاقيته الوسخة على رأسه الاصلع، دون أن أنبس، فمد يده إلى عكازته بجانبه. يفكر في صمت كيف يوجهها حتى لا يخطيء الهدف من الضربة الاولى، ابتعدت وضع عكازه في مكانها، جذبته من أذنه، صاح وهو يتحسس اعكازته من جدد.
  • من ؟
  • وبفطنة العميان عرف أن الشخص يعرفه ويمزح معه. فقلت ضاحكا:
  • زوج خالتك أيها الوسخ النتن
    فضحك حتى أبان عما بقي في فمه من نتوء تشبه الاسنان قائلا:
  • أتيت يا أبن الكلبة ؟
  • نعم أيها القرد الهرم
  • أين هذه الغيبة؟ أين اختفيت؟
  • موجود في المدينة معك كوجع الرأس
    قلت وضربت بقدمي كلبه الأسود العجوز الأدرد الذي ينام إلى جواره واضعا رأسه على قائميه الأماميين وقد تدلت أذناه في كسل. فتح عينا واحدة نظر إلي ثم عاد إلى نومه فأضفت.
  • أخوك هذا لا يحرك ساكنا. لقد ضربته لكنه رخو كالعجين.
  • لأنه يعرفك فقط وإلا نبح.
  • وماذا يجدي النباح؟ النباح والنواح شيء واحد، أيها المعتوه العفن، الافتراس هو الدواء وليس الاستكان. لماذا لم تفكر يتزويده بطقم أسنان؛أاليس افضل؟
  • لقد فكرت أن أجلب كلبا أخر من نوع الراعي الألماني. يقوم هذ الوفي بتدريبه فقد أصبحت أخاف أن يموت على حين غرة فأجد صعوبة في التحرك وقد ألفته فصدرت مني قهقهة لم أستطيع كبحها معقبا :
  • الم تفكر أنك ستموت قبله أيها المخبول. أو تموتان في يوم واحد.
    رد ضاحكا يضرب بقدميه بالصندوق الحديدي الصدىء الذي يجلس عليه قائلا:
  • الموت لا يخيف إلا أمثالك أيها الرعديد الأخرق. فأيام المقاومة كنت آكل الحجر، كنت أبحث عن الموت لأهزمه، كنت أتطوع للمهمات الصعبة حين يخاف الآخرون ويتراجعون، لكنهم ماتوا جميعا، وبقيت أنا لو قلت لك كم من عملية فدائية قمت بها وكم من ظالم قتلت فلن تصدقني. ولم يكن صوت الرصاص ولا القنابل يحركني. كنت رجلا بمعنى الكلمة.
  • طز فيك أيها الرجل. اليوم أيها الوسخ ألا تنظرحولك ؟إنك لم تقاوم إلا نفسك، وأظن أن الموت لم يحاديك إلا انتقاما منك. الموت رحمة لأمثالك. أيها الوغد المخبول الا تعرف أن في كل زمن يتحول الخونة إلى أبطال ويكرمون وتعلق على صدورهم الأوسمة من طقبل من أدلوهم يوما على شم رائحة عطر انثوي حملتها الريح إلى خياشيمه، ندت عنه آهة، سألني :
  • صاحبة العطر هذه شقراء رشيقة أليس كذلك ؟
  • استدرت رأيتها تمشي الهوينى في دلال وغنج، ترشق بسهامها عيونا تتبعها وتنهشها في سرية تامة، قلت متعجبا :
  • – كيف عرفت أيها الماجن ؟
  • التجربة التجربة يا ابن اللئيمة
  • هل سبق لك أن تزوجت
  • الزواج، إنه اللعنة الإلهية فوق الأرض. كانت تلك أتعس أيام حياتي كانت سجنا لا يطاق وكان السجان
  • انت متعب حقا ومتشائم. أعوذ بالله منك قل شيئا جميلا.
  • سترى يإ ابن اللئيمة. الخلاص في الحرية. الحرية لا ثمن لها. أقطع ذراعي إذ لم يكن نصف رجال العالم أو أكثر يودون تطليق زوجاتهم او قتلهن ونصف نساء العالم واكثر تحلمن بالطلاق من ازواجهن او قتلهن. صدقني هذه هي الحقيقة؛ الناس يتدرعون بعجزهم، ويكذبون على أنفسهم كذبة جميلة يعيشون بداخلها كالمحار داخل القوقعة.
  • وأنت هل طلقت ؟
  • لا فقد أستجاب الله دعائي وأخذها قبل ان أفعل.
  • وماذا فعلت؟ سنوات وانت تبيع اليانصيب. فأين نصيبك ؟
  • الدنيا أرزاق والذي ينظر إلى السماء والنجوم يتعب
  • أين هي العيون ايها القدر. كانت لي عيون. كنت ارى نور الصباح واتمتع بالجمال في مخلوقات الله تعالى. يوم كانت الحياة حياة وكان الناس طيبين قنوعين، وكان للماء والملح طعم، وللزهور رائحة زكية. أما اليوم فالخداع رمز للذكاء وقناع الحالمين وسلاح الموصومين بالعار الذين ينكرونك بمجرد ما يشمون رائحة إفلاسك وكأنك لم تكن. من الافضل ألا أرى. هكذا أحسن.
    أحسست أني قد قلبت علية المواجع دون قصد وكان في نيتي أن أسليه كالعادة شعرت بوخز الضمير فصمت مرت لحظات أحس بسكوتي المفاجئ فقال ضاحكا :
  • ماذا بك يا ابن الكلبة ؟هل انتهت البطارية ؟لماذا سكت؟
    سكت لحظة وأضاف:
  • لا عليك، لا تحزن أنت هش القلب. …. هذه هي الحياة، باغية… غالية الثمن
    وضعت يدي في جيبي أخرجت بعض الدراهم ومددتها إلى يده الفارغة وضعتها عرف أني سأذهب فقال :
  • إلى أين ؟
  • أتم تسكعي المعهود ثم أعود إلى جحري
  • لقد أفسدت علي المفاجأة
  • أية مفاجأة أيها الزنديق
  • لقد عاد اسماعيل إلى المدينة.
  • وساكت، قبح الله سعيك.
  • لأفاجئك بالحدث السار أيها المخبول
  • أواه ومتى عاد؟
  • منذ أسبوع تقريبا
  • أخر ما عرفت أنه كان على أبواب الزواج من واحدة تعمل معه في نفس الشركة.أحبها بجنون
  • كل ما أعرف أنا انه عاد وفتح المكتبة من جديد وسأل عنك كثيرا ولما لم تأت ذهب إلى البيت مرارا ولم يجدك. فانت تشبه الزئبق. وقد رجاني ان أستبقيك حتى يعود. وها انت قد افسدت علي المفاجأة. نظرت إلى الساعة. كانت تشير إلى الرابعة والنصف. وفي تلك اللحظات كانت السماء الحبلى تعيش ردهة طلق .أرعدت وابرقت، وبعثت بزخات مفزعة ملها. تغسل الارض والعباد، تذكرت أن علي أن اذهب إلى موعدي مع طبيب الاسنان.

عمان 2003
لحسن بلغم المغرب
[email protected]

نشر في 28/10/2005 6:04:00

‫0 تعليق