نسيرن مغربي: سفينة تزيـوس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


في الآونة الاخيرة علقت في ذهني كلمات اغنية “العزيزين” لكاظم الساهر، يقول اول مقطع فيها:
افتح الباب احنا العزيزين – الاحباب ما نستغني عنهم
هذا الزمن غيّر كثيرين – ويا خوفي انت تكون منهم
وكثيرا ما اجد نفسي مندهشة امام قدرة الاغنية العراقية تحديدا على الدخول الى القلب بلا استئذان، وكأن الشعر المحمول على اجنحة الدويندة على حد تعبير لوركا، أي الروح السحرية التي تغلّف العمل الفني وتمنحه القدرة على النفاذ الى الصميم، حكر على الاغنية العراقية. وبرأيي فان الشعر العامي العراقي خاصة المغنى الذي يصلنا منه ينافس بشدة الشعر الفصيح، بل ويكاد يتفوق عليه من حيث الغزارة والقدرة على الانتشار. طبعا هذا لا يعني عدم وجود اصوات شعرية

عراقية متينة، قادرة على تحريك النفس، منها مثلا صوت الشاعر عدنان الصائغ، والذي اعتبره من اجود الاصوات الشعرية على الساحة الادبية العربية المتنازع عليها بضراوة لا نُحسد عليها. واختار له هنا قصيدة قصيرة بعنوان “نص” لفتت انتباهي لطبيعة الصراع الداخلي الوارد فيها:
نسيتُ نفسي على طاولة مكتبي
ومضيتُ
وحين فتحت خطوتي في الطريق
اكتشفت اني لا شيء غير ظل لنص
اراه يمشي امامي بمشقة
ويصافح الناس كأنه أنا
هذا “النص” الجميل حقا يتحدث عن عملية محو حقيقية لشخصية الشاعر وجعله “لا شيء”، حيث يتمكن من انتحال هويته ويوصل “صوت نفسه” على حد تعبير طه حسين الى الاخرين، ويبقيه “هو” منسيا على طاولة المكتب. فالشاعر هنا يطرح السؤال “من انا”؟ ليجيب بمرارة او فرحة سيان: انا ظل لنص. فالشاعر المتقدم زمنيا على النص يتقدم عليه النص مكانيا ويتصدر الواجهة بدلا عنه، وفي هذا الوضع لا نعرف هل نفرح مع الشاعر ام نبكي عليه.
في الحقيقة لقد شغل سؤال الهوية بال الكثيرين دائما وابدا، بل ان هناك تمرينا فلسفيا يحاول جعلنا نفكر بهذا السؤال عبر قصة لطيفة – لا بأس من ايرادها- تتحدث عن سفينة تدعى “سفينة تزيوس”، وهو احد ابناء مدينة اثينا، التي غادرت الميناء في رحلة بحرية، وخلال رحلتها بدأ البحارة باستبدال اخشابها، لوحا تلو الاخر. وعندما عادت الى الميناء مرة اخرى كانت جميع الواحها الخشبية قد استُبدلت بالواح جديدة. وهنا يطرح السؤال هل هذه السفينة هي نفس السفينة التي خرجت سابقا؟ ولزيادة تعقيد المسألة نضيف اليها عاملا آخر: لو افترضنا ان سفينة اخرى خرجت وراءها خلسة وعلى متنها بعض النجارين. وخلال الرحلة قام طاقم السفينة بلملمة الواح الخشب الملقاة وصنع سفينة جديدة منها، ثم عادت هذه السفينة “الشبح” الى الميناء فور وصول سفينة تزيوس المزعومة، ايهما ستكون سفينة تزيوس؟ كيف يمكن تحديد “هوية” هذه السفينة؟ هل الهوية هي “الجسد” بخصائصه الطبيعية ام الروح والهدف اللذان يسيّرانها؟ وما اشبه هذه المعضلة بصراع الشاعر عدنان الصائغ مع “نصه”، فجسده يشكو من انه قد يعتبر مجرد الواح خشبية (مع المعذرة على التشبيه)، وان النص “الشبح” الذي هو قطعة من روحه يتولى مهمة التشدق بانه الجوهر الحقيقي. هذا التوتر بين الهويات المتطابقة والمتصارعة يسميه فرويد الـ unheimliche أي اللابيتية. ويرى باختصار شديد ان هذا الشعور باللابيتية يراودنا عندما نخاف من شيء ما خوفا فطيعا ونرى فيه وحشة لا طاقة لنا بها، وعادة نرى في هذا الموحش الغريب وغير المألوف، لكننا اذا دققنا النظر فيه لاكتشفنا انه في الحقيقة مألوف ومعروف لنا لكننا كبتناه في دخليتنا، عبر البادئة un. بمعنى ان اللابيتي كان بيتيا بامتياز لكننا رفضناه وقمعناه، وعندما عاد الى وعينا كان رد فعلنا الاولي هو الاستنكار بهذه الصورة الشنيعة. طبعا قصيدة “نص” اعتبرها حالة مخففة من حالات اللابيتية لانها تقتصر على الاستنكار وليس الخوف الشديد والفزع. وبرأيي فان الشنفرى هو الشاعر العربي الذي يمثل هذه الخاصية بامتياز (تطرقت الى هذا الامر في مقالة لي بعنوان “استفز عداوتهم لكي استفز محبتهم” نشرت في مكان آخر). ولو عرجنا على الادب الحديث والى الاصوات الشابة تحديدا لامكن الاشارة الى الشاعر المصري عماد ابو صالح، الذي يعتبر الوريث الحقيقي لامرئ القيس من حيث الدراما العائلية التي لا يفتأ يعالجها في دواوينه، والتي يمكن ادراج الكثير منها تحت عنوان “ضيعني صغيرا وحملني همه كبيرا”. فهو دائم التحرك من البيتي الى اللابيتي وبالعكس، كما في القصيدة التالية بعنوان “جروبي” (من ديوان “انا خائف”):
أجلس في ركن،
رأسي بين يدي،
وانتظركِ.
**
فجأة يدخل ابي وامي
بوجهين متسخين
بالعرق والتراب
وارجل تلبس احذية من طين.
يفر الجالسون
ويحاول الجرسونات طردهما.
**
اقوم بلهفة
اضع بقايا الجاتوه للاوزات
واربط البهائم في الكراسي.
**
اجلسهما امامي
وانظر اليهما بصمت.
**
هزيلان
وذليلان.
**
كلما حاول احدهما
ان يرفع فنجانه
يده المرتعشة تدلق الشاي
على ملابسه.
في هذه القصيدة ايضا نجد صراعا بين هويتين: هوية الشاعر الحاضرة في مقهى “جروبي” القاهري، وهويته الماضية التي تدخل الى وعيه عبر مشهد دخول امه وابيه المتخيل، لتعود الهوية المكبوتة الى الظهور على المسرح وفرض نفسها محوّلة ديكور المكان الى ديكور يلائم المشهد القروي باوزاته وبهائمه. وكأن الشاعر يزعزع استقرار العنوان “جروبي” باسمه الاجنبي وهويته المدينية ومدلوله الطبقي، الذي يبدو بيتا تستقر فيه هويته الحالية، عبر مزاحمة ” بيت” آخر له مكبوت وقديم (اصبح يعتبر”لا بيتا” بفضل هذا الكبت) قرر الظهور فجأة: منظر الوالدين، الاوزات والبهائم. فيأتي الجرسونات، كممثل عن الرقيب النفسي الذي يسعى بشكل دائم الى اتقان عمله كحارس لا يسمح الى المكبوت بالعودة والظهور على الملأ، ليحاولوا طرده. لكن وعي الشاعر يحيّد عمل الحراس ويقوم “بلهفة” لاحتواء وقبول هذا اللابيت واعلانه بيتا رغم بؤسه وتناقضه مع المظهر المديني في “جروبي”. وكأنه يعلن انه في مرحلة نفسية تخطى فيها الفزع والخوف من هذا المكبوت الذي كاد يكون لا بيتيا بفعل المشهد البيتي الحالي في هذا المكان تحديدا، ويقرر ان يشطب البادئة “لا” من اللابيتية ليرحب به نفسيا كعنصر نفسي معترف به رغم كل شيء.
هذا الصراع في نصي الشاعرين الانفين يبقى صراعا داخليا بين طبقات النفس، بين “بيت” الماضي و”بيت” الحاضر، والسؤال هو ماذا يحدث لو تصارع حِسّان لا بيتيان مع بعضهما. والاجابة هي : يوم القيامة! ولا امزح في هذا الامر، فقد قدم المخرج مارتن سكورسيزي الاجابة على هذا السؤال في فيلمه “عصابات نيويورك” والمفتاح في العنوان، حيث الحديث عن العصابات بمعنى الصراع بين الشخصيات الفاعلة وبين نيويورك “البيت”. فالفيلم يتحدث عن فترة محددة من تاريخ مدينة نيويورك، في اواسط القرن التاسع عشر، حيث كان الصراع على اشده على “البيت” نيويورك بشوارعها واحيائها، بين المهاجرين التعساء القادمين من اوروبا الى ارض الامكانيات اللامحدودة، وبين “مهاجرين” اقدم اصبحوا يعتبرون انفسهم “السكان الاصليين”، الامر الذي احدث انقساما اجتماعيا بين اهالي المدينة فاصبحوا فئتين: فئة الـ “نحن” وفئة الـ “هم”. وقد تمثل هذا الصراع في الفيلم عبر عصابتين الاولى ايرلندية يتزعمها رجل دين يدعى القس فانون، والثانية عصابة “السكان الاصليين” بقيادة بيل الجزار. ورغم ان الفيلم يبدأ بمعركة دامية يُقتل فيها القس، الا ان روحه تبقى مخيمة على اجواء الفيلم بقوة، اساسا من خلال شخصين: ابنه امستردام الذي يعود بعد 15 عاما الى “البيت” نيويورك ليأخذ بثأر ابيه من بيل الجزار، والثاني : بيل الجزار نفسه الذي نفهم لاحقا انه يكنّ له كل التقدير ويقول عنه انه “الرجل الشريف الوحيد الذي قتله ويستحق ان يتذكره”. وبرأيي فان قصة الفيلم الحقيقية لا تدور حول موضوع الانتقام كما قد نعتقد لان احد الابطال الرئيسيين – امستردام ابن القس – يحاول على امتداد الفيلم الانتقام لموت ابيه وقتل بيل الجزار، كما انها لا تحاول التوثيق لهذه المرحلة من تاريخ مدينة نيويورك، رغم حضورهما بقوة. فالقصة اساسا هي قصة حب بين اثنين: بين بيل الجزار والقس فانون. هناك ثلاثة مشاهد اساسية تجعلني اقتنع بهذه الفكرة:
سأبدأ بمشهد يقع قريب ختام الفيلم، فبعد ان يتمكن امستردام من قتل بيل الجزار في معركة الشوارع الاخيرة نراه قد دفنه بجانب والده، وكأنهما عاشقان وفيان ومتحابان “جمعهما الموت بعد ان فرقتهما الحياة”.
والمشهد الثاني يقع في بدايات الفيلم فحين تعارك بيل مع القس فانون في البداية وتمكن من توجيه الضربة القاضية له، يظهر جسد القس فانون وهو مسجى على الارض وبيل الجزار راكن اليه وقبالته امستردام الصغير في الجهة الاخرى. بيل في هذا المشهد يوسد رأس فانون بحنو بالغ، والقس يسأله متى ينتهي الامر؟ ( بمعنى متى تنتهي آلامه؟) فيجيبه بيل بحنان “عما قليل، عما قليل” ثم يساعد على الاجهاز عليه ولا يقتله بغلِّ انما بحب. وفعلا يرتاح القس بموته. هذا المشهد يبدو لي مشهدا عائليا وكأن القس فانون زوجة تسأل زوجها بابهام مقصود برأيي: “متى ينتهي الامر؟”، وزوجها يوسدها بذراعه ويقول لها: “عما قليل ، عما قليل”، والثمرة هي الطفل في الجهة المقابلة.
المشهد الثالث جاء في منتصف الفيلم تقريبا بعد محاولة اغتيال فاشلة قام بها احد الايرلنديين للتخلص من بيل الجزار وتمكن امستردام من الدفاع عنه وانقاذ حياته( لانه كان لا يزال في مرحلة يتودد فيها الى بيل ليتمكن لاحقا من تنفيذ الاغتيال بنفسه، ويفشل ويعفو عنه بيل بعد ان يشوه وجهه، ثم يعود ويتمكن في النهاية من النيل منه والقضاء عليه في نهاية الفيلم). هذا التأرجح ما بين الحياة والموت كان له وقع على نفس بيل الجزار فيقرر في حوار اشبه بالمونولوج ان يفتح قلبه لامستردام وهو لا يزال يجهل هويته الحقيقية ويقول له بين امور اخرى:
“قتلت آخر رجل شريف قبل 15 عاما.. كنت احيا انا والكاهن وفقا للمبادئ نفسها، الايمان وحده هو الذي فرقنا، وهو الذي سبب لي هذه الندبة”.
ويعترف بيل الجزار المهيب والمخوف امام امستردام بلحظة ضعف راودته في حياته. فقد كاد القس فانون أن يجهز عليه في احدى المعارك، وعندما نظر القس في عينيه ليقتله لم يتمكن بيل من رفع عينيه الى عيني القس، وفي هذه اللحظة عرف القس انه تمكّن من بيل نفسيا وليس فقط جسديا، فعفا عنه واطلق سراحه. وعندما عاد بيل الى بيته شعر بالعار. فقلع احدى عينيه وارسلها الى القس. بغض النظر عن مدلول قلع العين وكونه رمزا من رموز الاخصاء حسب فرويد، فاننا نستشف من خلال هذا الاعتراف الاعجاب برجولة القس كرجل، وكأن بيل تحول في هذه اللحظة الى امرأة سلبية والقس هو الرجل الفعال، لحظة التأنيث هذه كلفته اقتلاع عينه، لكنها فتحت لا وعيه الى هذا الغرام المتأجج بداخله، والذي كان احد عوارضه هو هذا الحنو الشديد والركون الى جسد القس المسجى في اول الفيلم، ففي حين تمكن بيل من ان يكون في المشهد الاول (اللاحق زمنيا لمشهد سابق كان فيه بيل في وضع مغاير تماما) هو الرجل الفاعل والقس هو المرأة التي تئن “تحته” وتسأله متى “ينتهي الامر؟” ويقول “عما قليل” كما اسلفت، نلاحظ انه كان في لحظة اخرى – خارج السرد السينمائي المصور- في وضع معاكس تماما مع القس. هذه التلميحات الجنسية القوية تؤكد لي قصة الحب الغريبة العجيبة، وربما الطبيعية، بينهما. لذا من الطبيعي ان ينفتح قلب وروح بيل لامستردام دون ان يعرفه، فقط حدسه دلّه انه من “رائحة الحبايب” كما نقول.
ما سبب هذا الحب؟ برأيي إن القس فانون وبيل الجزار متطابقان في دخيلتيهما رغم تباينهما الخارجي (فالقس رجل دين ورع، وبيل “الجزار” ملحد لا سبيل لاصلاحه!). الاثنان بحاجة الى بيت لهما (وقد وجداه في النهاية في القبرين المتجاورين). فربما، او من المؤكد، كانت هذه هي نفسية المهاجرين المشردين من مكان الى آخر والذين هم في امس الحاجة الى بيت والى وطن، وبوصفهما ممثلين لهذه الشخصية القلقة والمتشردة فانهما يحملان المنفى بداخلهما. هذا المنفى هو اللا بيتية الفرويدية الداخلية والتي يتم اسقاطها الى الخارج على الاخرين الذين يصنَّفون في فئة الـ “هم” الغرباء، للهرب منها لكن لا مفر فهي التي توصلهما الى حتفهما بايدي بعضهما (فامستردام بمثابة اليد الطولى للقس فانون). والاثنان كانا يعرفان ان خلاصهما من هذه اللا بيتية الموحشة لن يتم الا على ايدي بعضهما لانهما متكافئان، وهذا يفسر سبب اطلاق سراح القس فانون لبيل في المعركة التي كاد ينتصر فيها عليه، لانه ان قتله بيديه من سيخلصه هو من لا بيتيته؟ ولهذا السبب كرر بيل الجزار نفس الفعلة مع امستردام اليافع، فبعد ان كان بامكانه ان يجهز عليه اطلق سراحه، ليعود امستردام ويقتله، او بالاحرى يخلصه من لا بيتيته ويوصله الى بيته وراحته النهائية.
لا نعرف الكثير من التفاصيل عن حياة بيل الجزار والقس فانون لكني أظن أن وصفهما بالمهاجرين اضاف هذه الشحنة اللابيتية الداخلية التي تقول الكثير عن نزعتهما التدميرية. من هنا كانت مشاهد الدماء في الفيلم والشوارع الملطخة بالجثث والطعنات والاسلحة مجرد ديكور يعمي الابصار لنتجه الى هذا الايحاش الخارجي والذي هو في الحقيقة صدى للايحاش (اللابيتية) الداخلي بين البطلين. بل واكثر من ذلك، يمكن القول إن سكورسيزي وظف هاتين الشخصيتين المتناقضتين خارجيا والمتطابقتين داخليا لاقصى حد ليقول لنا ببساطة ان الحروب تصنعها نفوس/ ايديولوجيات/ زعامات متشابهة في دخيلتها؛ فهي، بغض النظر عن تمظهراتها الخارجية، تحمل نفس النزعة اللابيتية المسقطة الى الخارج، ودائما بمقدورها ان تشم رائحة اللابيتية النفاذة عبر المسافات لدى الطرف الاخر، ودائما ترقص مع الموت رقصات خطرة وهي تعي تماما عبارة “مش كل مرة بتسلم الجرة”، بل انها تتوق الى انكسار هذه الجرة والوصول الى الخلاص المرجو بايدي الاخرين طبعا.
نسرين مغربي – فلسطيـن

نشر في 9/10/2005 9:50:00

‫0 تعليق