إبراهيم الحجري: كتابة ساخرة أم ممتص للصدمات؟ (قراءة في رواية العريس)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

I. العتبات والدلالة المصاحبة:
يتخذ العنوان أهميته, من كونه مقولة دلالية موازية تنفرد بقدرة إيحائية كبرى على التوغل إلى مسارب النص الروائي الأكثر عتمة, وبالقدر نفسه يمكن للعنوان, باعتباره عتبة أولى لولوج مغاليق النص, أن يلعب دورا تمويهيا للقارئ قصد الإيقاع به في شرك لعبة الكتابة, وقد يكون شرفة نطل من خلالها على عالم النص الروائي.

العريس محمول دلالي يحيل على عدة مؤشرات. فنحن نعلم ما لهذه الكلمة من سحر في النفوس., وافتتان بالانتشاء بالفحولة المتوثبة الباحثة عن دفء مفتقد, دون أن ننسى أن العريس في الثقافة الشعبية, هو القادر على اجتياز اختبار
I. العتبات والدلالة المصاحبة:
يتخذ العنوان أهميته, من كونه مقولة دلالية موازية تنفرد بقدرة إيحائية كبرى على التوغل إلى مسارب النص الروائي الأكثر عتمة, وبالقدر نفسه يمكن للعنوان, باعتباره عتبة أولى لولوج مغاليق النص, أن يلعب دورا تمويهيا للقارئ قصد الإيقاع به في شرك لعبة الكتابة, وقد يكون شرفة نطل من خلالها على عالم النص الروائي.
العريس محمول دلالي يحيل على عدة مؤشرات. فنحن نعلم ما لهذه الكلمة من سحر في النفوس., وافتتان بالانتشاء بالفحولة المتوثبة الباحثة عن دفء مفتقد, دون أن ننسى أن العريس في الثقافة الشعبية, هو القادر على اجتياز اختبار ليلة (الدخلة) وما تحمله من هواجس الخوف واللذة والقلق, وداخل نفس النطاق (المنظور الشعبي) نجد الفقهاء يتداولون مقولة (عريس القيامة), أما النساء فيزغردن عندما يموت الشاب عازبا, وفي بعض الأعراف القبلية يرمى العريس بالحجر من طرف أقرانه تعبيرا عن غضبهم لخروجه من دائرتهم..
العريس, هنا, قنطرة مواربة للقراءة, حجر عنيد, إن أنت لم تحسن تخطيه, علامة ملغزة للمرور إلى خفايا المتن الروائي..
أما اللوحة المرصودة على ظهر الغلاف والتي أنجزها الفنان (أحمد جريد), فتجسد وجها ممسوخ الملامح, باهت المعالم, يخفي خلف أستار ظلمته أحزانا وأسرارا, وجه مغلف بالدجى لا يظهر منه سوى نصفيه الأسفل. وعندما يتواطأ الظلام والعريس ولون الدم, آنذاك يصبح للقراءة طعم آخر, ومسار مغاير..
قدم للرواية عبد القادر الشاوي, وختم لها كل من محمد زفزاف وحسن نجمي..

II. كتابة روائية مغايرة:
تنحو الكتابة في (العريس) منحى التجريب, فتتنكر لآليات السرد التقليدي, وتتخطى سدود التجنيس المنمط, كأنما تسخر بالقوالب والأشكال ولا يهمها الكيف ولا يثيرها الزخرف اللفظي والأبهة اللغوية, حبذت أن يكون مسرودها تلقائيا لأنه يصدر ذات كاتبة مشروخة بالجروح, مكلومة الروح بالصدمات العنيفة, لم يكن لديها الزمن الكافي لتفكر في نمط ورودها, كانت تخشى الانمحاء والتسرب من ثقوب الذاكرة المعذبة, كأنك تراها تقارع فلول السهو وتراوغ (لعبة النسيان) تصبح الكتابة ملاذا من صهد القهر والعنف والطغيان والانمحاء, تبرز الذات الكاتبة قوة تحملها عبر الإعلان عن التلذذ بالعناء وتسجيل لحظات التحبيط في أوج تفاقمها داخل الزنازن ومخافر التعنيف..
وقد اشتغلت الكتابة في رواية (العريس) على نمط الترسل, حيث تشكل كل رسالة فصلا معنونا بيوميات معتوهة مفعمة بالتشظي والموت البطيء, تخلف الإنسان في أبشع صوره. الكتابة تتمرد ساخرة أكثر مما تحكي, تسجل بفخر تاريخا حافلا بالدم والمداد والمكابدة, وتؤرخ لسيرة رجال قدموا الكثير من أجل أن ترى الأجيال النور يخترق جدار الظلمة.. تنحبك الأحداث في لغة لا تخلو من شعرية.. أحداث تمتهنها أيدي آكلي لحوم البشر في فضاء لا يغادر السجن وزمان لا يتراقى عن التكرار والرتابة..
وإذا كانت الرسائل موجهة إلى مروي له ضمني موحد هو (الأم) فإنه من المفترض أن يكون المتلقي الفعلي أعم, ولم يكن اختيار الأم كمستقبل أول للرسائل (النص الروائي) اعتباطا, بل له ما يجعله حريا بذلك. أ ليست الأم أول من يشتكى إليه؟ خاصة وإن كانت من حجم ثريا السقاط والتي فهمت أكثر من غيرها ما تلهج به الكلمات من صهد ونار وعناء, الأم كلمة متميزة تحضر الإنسان أثناء لحظات الحرج في المرتبة الثالثة بعد (الله و الرسول). ومجرد ذكر اسمها كمروي له يعادل العزاء عند الذات الكاتبة, وقد أضحى الألم طقسا مكرورا عبر فصول الرواية, حتى في اللحظات المحرجة, غريبا أحيانا, ذكرنا بحضور طيف الأم لذا البطل في رواية (لعبة النسيان) لمحمد برادة (الأم كالوطن, كالشعر, تصنعنا وتجعل كل صورة نتخيلها عنها هشة رهيفة, أما طيفها الموشوم في الخلايا و المسام), ونود أن نشير إلى أن الكتابة في ” العريس ” تنشغل كثيرا بالمتلقي. تخصص له مقولات تلو مقولات, بل قد يتاح له أن يتساءل ويحتج و(ذاك شأنه) كما يقول الراوي, وهذا شيء طبيعي لأن عناية السرد هنا هو التبليغ الجارح والحرص السافر على أن يخاطب المسرود في كتلقيه أماكن قصية و يوقظ جمرة إنسانيته الخامدة.
كان الراوي وهو يسرد, يستعرض عضلات تداعياته واسترجاعاته, يبرز مقدرته على التذكر حتى في لحظات المقاومة القوية للروح والجسد معا ضد العذاب الهمجي لذا, فالنص جاء ثريا بتناصاته, مع القرآن ( معيشة ضنك , أسفل سافلين , يمشي في الأرض مرحا , يعلمه الله و الراسخون في العلم , يا حسرة على العباد…) اللغة العامية أو المنطق الشفوي العامي (آ آ آ ميما- ربنا هب لنا من يفهمنا وإن شاء فلا يعطنا شيئا. أقطع الحس, الشبح, صاحب المانة يأخذ أمانته, وقتما جا الخير ينفع, كل تأخير فيه خير., أبحلق, الضحكة الصفراء..) المنطوق الفكري (لماذا تخلف العرب و تقدم غيرهم؟) السرد القديــم (ألف ليلة وليلة, كليلة ودمنــة, الأزلية..) إضافـــة إلى توظيـــف الأمثال السائرة, هــذه التداعيـــات والتضمينات النصية تخدم حاجة النص الروائي إما مقارنة لمشهد معاناة أو تهكما من موقف معين أو سخرية من سلوك, دون أن ننسى الإشارة إلى النغمة الصوفية التي تمتلكها الرواية, فاللجوء إلى الخالق لحظة الضعف لاستمداد القوة والرحمة أمر يعكس ارتقاء الروح المكلومة إلى ملكوت خالقها, والضحك / السخرية أمام العنف والشبح واللسعات الكهربائية أمر يحيل على نزوع صوفي حلاجي عميق, وعلى قوة تربك الخصم في قوته وتجبره وطغيانه أيما إرباك, قوة تحيل الألم لذة. والخسارة نصرا, وتحول بسمة الجلادين مرارة وإحساسهم بالقوة والنصر, ضعفا وهزيمة.
وتأتي الرسالة الأخيرة موسومة بـ ” جحيم ” لتضعنا في الصورة التي توضح طريقة توصل المروي له الضمني / المرسل غليه المباشر (الأم), حيث نجت الرسائل بأعجوبة ذكرتنا بقصة نجاة سيدنا موسى (الطفل) من أيدي الطغاة, ونلحظ الحضور الغريب لكلمة (المارد) وتكررها عبر المسار السردي, مما جعل رواية (العريس) تتقاطع مع الرواية الأولى للمهدي الودغيري (المارد) من حيث تعرية واقع ظل يفرك أدمغة الناس بالحزن والعقد رغم انزياحه إلى الخلف, وانسيابه مع مزن التاريخ. إلا أنه فترة نقعت في سجل الذاكرة بمداد من دم طاهر وبنفس القوة تضعنا رواية العريس أمام طقوس كتابتها وأسباب نزولها وهنا على القارئ أن يشد كبده بحبال الصبر وأن يمتن حساسية جهازه الهضمي, وأن يكتم أنفاسه الحارة حتى لا تتدحرج غدران الدموع على مآقيه. إن الكتابة / الشهادة تنتقد زمنا ولى وما رافقته أحزانه وجروحه, زمنا ولى ومازالت في الدم عقده قذاراته. وكان على الراوي أن يسخر كثيرا – ربما أكثر مما بكى – وربما أكثر من سخرية توفيق الحكيم في (يوميات نائب في الأرياف) وإن اختلفت التيمة والمتناول السردي, سخرية لا تهزأ بقدر ما تتألم, تشخص حالة انحلال الإنسانية وتحولها إلى همجية, عودة إلى زمن الغاب في أشد حالاته وحشية الرواية انتصار للمبادئ, للروح في شتى أشكال تحملها للأذى والإرهاب وتخلصها من وعثاء الجسد, إكراهاته وصرخاته, كانت الروح تسخر, تلتذ, تضحك في لحظات كان الجسد ينزف, يتعذب, يفنى, كانت الروح تحيى في زمن كان الجسد يموت بطء.
يجرنا منجز (العريس) لطرق دفوف الكتابة السجينة الباحثة عن شمس جديدة وعن انطلاق رائع داخل أفق فسيح لا تشوبه الكوابيس, إن مبدع (العريس) وهو يكتب, كان يستحضر رؤيا شعب كامل, وذاكرة جماعية تتطلع إلى توثيق الانتهاكات والخروقات التي تطال كرامة الإنسان, وبالقدر نفسه يحمل وعيا كبيرا بحاجة المجتمع إلى مبدع مثقف عضوي, يشاركهم أحزانهم, ويشركهم في معاناته, داخل ذات السجين تختلط الرؤى وتتناسل الأوهام والتوجسات خصوصا إذا كان من طينة مبدع العريس حيث تتواطأ لديه هموم الذات مع هموم الجماعة لتُوَلِّد في المخيلة نار الكتابة, وما أدراك ما الكتابة؟ حطام من الذات في الصراع مع اليومي داخل زنازن / الجحيم. حطام من الآخر, حطام من آت لم تتوضح معالمه بعد ..
هذه الرسائل وهي تدون في طقوس الدم والموت كانت تعرف ما ستملكه من قيمة في زمن نصبح في حاجة إلى كشف الوراق وتسلط الضوء على الجروح قصد تنقيتها من عفونة الصهد والخوف والتلوث للعبور نحو بر الأمان وتشييد مشهد مجتمعي. نرى فيه أحلامنا الصغيرة تحلق دون أن يطاردها الرصاص.
وختمت رواية ” العريس ” بملحق تضمن رسالة مفتوحة إلى الكاتب العام لمنظمة العفو الدولية وللعالم, على اعتبار أن المروي له المباشر تغير من المخاطب إلى بيير ساني, الذي لا يمثل سوى رمز لكل المنتظم الدولي الذي يصبح مرويا له غير مباشر, وهذه الرسالة موقعة باسم صلاح الوديع في حين أن الرسائل الأخرى موقعة باسم محمد المختفي, وبالتالي تصبح الرسالة الأخيرة عملا داخل عمل, لكن يجمعها النسب إلى كاتبها الفعلي وإلى الموضوعة العامة التي هي إبلاغ المعاناة إلى الآخر, ولا تخلو هي الأخرى من أسلوب السخرية والتهكم والتعريض بأفعال المردة ( المتخفين في ثياب آدمية ) . مغلفة إياه بواقعية بينة , مناشدة و طامحة في الآن نفسه إلى أن يرحل كابوس التظلم عن كل الدنيا, وأن تسافر الذات الإنسانية في هواء صاف بعيدا عن مواجع التاريخ التي راحت وجرفت معها وجودها غالية تركت بصمات من دم مقابل أن يزول (الميلـگ ) باختفاء صورها وأطيافها الطاهرة..

صفوة القول إن “العريس” في حلتها السردية الترسلية الساخرة, طاحنت وعورة المسالك وأهوال المتاريس قبل أن تصل إلينا في هذا المطبق / الوثيقة.. فلنبحث فيها عن مواطن اللذة, وعن بين دروب العناء, ولنرَ كم بنزينا أهدرنا كي نصل إلى هذا الجس, الذي ما يزال يحبل ببصمات الوجع..

*إبراهيم الحجري: كاتب من المغرب [email protected]
**العريس، رواية، صلاح الوديع، مطبعة النجاح الجديدة، ط3 البيضاء، دجنبر2000

نشر في 5/10/2005 9:40:00

‫0 تعليق