عبد الوهاب الملوح: ليس للكتابة إلا أن تنجز الحياة. حول المنجز الشعري الابداعي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يَسُودُ الاعْتِقَادُ أَنَّ الشِّعْرَ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِهِ؛اسْتِعَادَةٌ للِطُّفُولَةِ واحْتِفَاءٌ بِهَا وَاَنَّ الشَّاعِرَ وَهْوَ يَخُوضُ عَوَالِمَ الْقَصِيدَةِ وَيُكَابِدُ مشَاقَّ تَشَكُّلِهاَ إِنَّماَ يَلُوذُ بِالطِّفْلِ الْمُخْتَفِي دَاخِلَهُ؛يَهْرَعُ إِلَيْهِ وَيَسْتَدْعِيهِ فِي مُحَاولَةٍ لإِيقَافِ التَهْدِيدِ المُتَواصِلِ للِزَّمنِ لَهُ بالانِدِثَارِ؛

وَلَئِنْ كَانَتِ الطُّفُولَةُ مَنْبَعاً رَئِيسِيًا مِنْ مَنَابِعِ الْقَوْلِ الشِّعْرِي وَمُكَوِّنًا أَساَسِيًا مِنْ مُكَوِّنَاتِ التَّجْرِبَة الشِّعرِيَةِ الْذي لاَ يَسْتَطِيعُ أَيُّ شَاعِرٍ الاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ فِي إِطَارِ صِيَاغَةِ مُقَارَبَتِهِ الإِبْدَاعِيَة لِلْوُجوُدِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ؛ فَأَنَّ هَذَا التَوَجُّهَ نَحْوَ الطُّفُولَةِ لاَ يَجِبُ أَنْ يَنْسَاقَ وَرَاءَ تَدَاعِيَاتٍ انْفِعَالِيَةٍ يُؤَجِّجُهَا مَجَرَّدُ الْحَنِينِ النُوسْتَالْجِي؛ أوْ يَأتِي ضِمْنَ سِيَاقٍ إجرائي يَعْتَمْدُ عَلَى تَشْغِيلِ الْمَوْرُوثِ الفُلْكْلُورٍي الْكَامِنِ فِي الذَّاكِرَةِ وَالْذِي قَدْ لاَ يُمَثِّلُ بِالأِسَاسِ رُوحَ الطُّفُولَةِ النَّقِيَّةِ ,الصَّافِيَةِ
يَسُودُ الاعْتِقَادُ أَنَّ الشِّعْرَ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِهِ؛اسْتِعَادَةٌ للِطُّفُولَةِ واحْتِفَاءٌ بِهَا وَاَنَّ الشَّاعِرَ وَهْوَ يَخُوضُ عَوَالِمَ الْقَصِيدَةِ وَيُكَابِدُ مشَاقَّ تَشَكُّلِهاَ إِنَّماَ يَلُوذُ بِالطِّفْلِ الْمُخْتَفِي دَاخِلَهُ؛يَهْرَعُ إِلَيْهِ وَيَسْتَدْعِيهِ فِي مُحَاولَةٍ لإِيقَافِ التَهْدِيدِ المُتَواصِلِ للِزَّمنِ لَهُ بالانِدِثَارِ؛ وَلَئِنْ كَانَتِ الطُّفُولَةُ مَنْبَعاً رَئِيسِيًا مِنْ مَنَابِعِ الْقَوْلِ الشِّعْرِي وَمُكَوِّنًا أَساَسِيًا مِنْ مُكَوِّنَاتِ التَّجْرِبَة الشِّعرِيَةِ الْذي لاَ يَسْتَطِيعُ أَيُّ شَاعِرٍ الاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ فِي إِطَارِ صِيَاغَةِ مُقَارَبَتِهِ الإِبْدَاعِيَة لِلْوُجوُدِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ؛ فَأَنَّ هَذَا التَوَجُّهَ نَحْوَ الطُّفُولَةِ لاَ يَجِبُ أَنْ يَنْسَاقَ وَرَاءَ تَدَاعِيَاتٍ انْفِعَالِيَةٍ يُؤَجِّجُهَا مَجَرَّدُ الْحَنِينِ النُوسْتَالْجِي؛ أوْ يَأتِي ضِمْنَ سِيَاقٍ إجرائي يَعْتَمْدُ عَلَى تَشْغِيلِ الْمَوْرُوثِ الفُلْكْلُورٍي الْكَامِنِ فِي الذَّاكِرَةِ وَالْذِي قَدْ لاَ يُمَثِّلُ بِالأِسَاسِ رُوحَ الطُّفُولَةِ النَّقِيَّةِ ,الصَّافِيَةِ الْبَيْضاء.لَيْسَتِ الطُّفوُلَةُ مُجَرَّدَ ذِكْرَى وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ انْفِعَالٍ عَاطِفِي عَابِرٍ؛ بَلْ هِيَ بَدَاهَةُ الِوَجُودِ الأُولَى وَهْيَ بَرَاءَةُ الرُّوحِ فِي صَفَائِهاَ وَخُلُوِّهَامِن وُجُوهِ الزَّيْفِ الِمُتَعَدِّدَةِ الْتِي أضِحَتْ تُمَيِّزُ مُفْرَدَاتِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَةِ فِي هَذا الزَّمَنِ الْعَاهِرِ.إِنَهَا المُقَاوَمَةُ الطَبِيعِيةُ لِمَا يَحْدُثُ مْنُ مَشَارِيعَ لِتَهْدِيمِ الإِنَسَانِ وقَتْلِهِ؛ مُقَاوَمَةٌ لَا تَهْدِفُ بِالأَسَاسِ إِلَى الاِنْتِصَارِ بِقَدْرِ ماَ تَعْمَلُ عَلَى الْبَقَاءِ كَرَمْزِ مِنْ رُمُوزِ الْوُجوُدِ الإنْسَانِي النَّبِيلِ .
لَيْسَتْ الطُّفُولَةُ إِلاَّ هَذِه المُقاَوَمَةُ الطَّبِيعيَّة مِنْ أَجْلِ الْبَقَاءِالْجَمِيلِ.
وَالشِّعْرُ مُقَاوَمَةٌ تَسْتَدْعِي الطُّفُولَة فِي بُعْدِها الرَّمْزي بِمَا تَحْتَمِلُه مِنْ عَنَاصِرَ تُمَثِّل ُ الْوجُودَ فِي بَدَاهِيتِهِ؛ وَمُكَوِّنَاتِهِ الأَصِيلَةِ وَالشَّاعِرُ المُتَوَهِّجُ فِي نَصِّهِ ؛والقَادِرُ عَلَى صِيَاغَةِ رُؤْيَاهُ ,صِيَاغَةً فَنِّيَةً رَاقِيَةً مُتَشَرِّبَةً مَبَادِئ َ الْجَمَالِ الْقُدُسِي وَقِيَمِ الإِنْسَانِيَةِ الْخَالِدَةِ, هُوَ ذَلِكَ الذِي يَتَمَثَّلُ الطُّفولةَ ؛ بَلْ يَعِشُها تَجْرِبَةً أُخْرَى خَارِجَ الزَّمَنِ الْفِعْلِي ؛فِي سَعْيٍ مِنْهُ لِمُوَاجَهَةِ الْوَاقِعِ الْبَائِسِ والإِفْلاَتِ مِن مَأزَقِ التَوَرُّطِ فِيه؛والْسُّقُوطِ فِي قَاعِه الْموُحِلِ.و”سوزان عليوان ”الشَّاعِرةُ العَربِيةُ لاَتَكْتُبُ الطُّفُولَةَ ولاَ تَكْتُبُ للْطُّفُولَةِ أيْضًا وَلَكْنَّهَا تَعِيشُ الطُّفُولةَ وتَقْتَنِصُهَا فِي مَا يَتَبَقَّى مِنْ جَمَالٍِ نَقِيٍّ فِي هَذَا الْوُجُودِ؛ وَلِذلِكَ سَتَأتيِ لُغَتُهَا مُنْتَقَاةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَة مِن عَوَالِمِ الْبَدَاهَةِ الأُولَى؛ وَسَتجِيء قَصِيدَتُهَا مَسْكُونَةً ِبمَنَاخَاتِ الْفِطْرَةِ الأُولَى؛ حيثُ الجمَالِ القُدْسِي وَالحُبِّ الْمُتَسَامِي وَالْبَراَءَةِ وَ نُورَانِيَّةِ الرُّؤْيا ؛هذِه هِيَ العوالِمُ الشِّعْرِيَّةُ لِصَاحِبَةِ” لِنَتَخَيَّلَ الْمَشْهَدَ”آخر مجموعة شعرية لها صادرة ببيروت سنة 2004بَعْد ستِّ مجموعات شعرية أخرى.
لَيْسَ الشِّعْرُ عِنْدَ صَاحِبَةِ” شَمْسٌ مُؤَقَّتَةٌ”مُجَرَّدَ قَوْلٍ فَنِّي وَهْيَ لاَ تَتَّخِذُهُ أَدَاةً للِتَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاغِلِهَا الذَّاتِيَةِ وَانْفِعَالاَتِهاَ الوِجْدَانِيَةِ وَلَكِنَّه يَرْقَى عِنْدَهَا إلَى مَرْتَبَةِ الْوُجوُدِ؛ هُو حَاضِرُهَا وَمُسْتَقْبَلُهَا؛إِنَهُ كَيْنُونتَهَا المُتَجَدِّدَةَ؛تَقُولُ فِي مَجْموعَتِهَا ”مَخْبَاُ الْمَلاَئِكَةِ”:
”كُنْتُ أَحْلُمُ بِوَطَنٍ وَحُبٍّ وَأَصْدِقَاءٍ
فَكَانَ الشِّعْرُ” أمَّا فِي كِتَابِ ” لاَأُشْبِهُ أَحَدًا”الصَّادر ببيروت سنة1996فَتَقُولُ: ”نجَوْناَ مِنَ الْغُرْبَةِ بِاُعْجُوبَةٍ نَجَوْنَا بِقَصَائِدِنَا.” هَكَذا هِيَ تَحْيَا بِالشِّعْرِ؛ طَالَماَ هُو شَرْطُ بَقَائِهَاوَكَذَلِكَ رَآهُ هيدجر في كِتَابِهِ ”إنْشَادُ الْمُنَادِي” حِينَ قَالَ: ”الشِّعْرُ تَسْمِيَةٌ مُؤَسِّسَةٌ للوُجُودِ وَلِجَوْهَرِ كُلِّ الأَشْيَاءِ وَلَيْسَ مُجَرَدُ قَوْلٍ يُقَالُ كَيفَما اتَّفَقَ, وَالْقَوْلُ الذي ينكشف من خلاله كُلَّ شَيءٍ” وهذه الجمْلَةُ إِنَّمَا قَالَها هيدجر وهوَ بِصَدَدْ دِرَاسَةِ عِبَارَة الشاعر هولدرلين الشهيرة: ”غَنِيٌّ بِالْمَزَايَا ,الإِنْسَان؛لَكِنَهُ يَحْيَا شِعْرِيًا عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ” وسوزان عليوان إذْ تَدْخُلُ الشِّعْرَ بِهذه الرُّؤْيَا تأتيه فِي حَالَةٍ من القَلَقِ والتوَجُّسِ واللاَّطُمَأْنِينةِ,يُوجِعُهَا الخُسْرَانُ وَيَجْرَحُهَا الْفِقْدَانُ؛تقولُ” لِنَتَخَيَّلَ الْمَشْهَدَ”: بنت تشبهني/حينما كُنْتُ أشْبِه نَفْسِي/قَلبِي مَثْقُوبٌ وَرْدَتُهُ مَجْرُوحَةٌ/أَتَوَقَّفُ هُنَا. هذِه المَرَارَةُ أَنْتَجَها وَعْيٌ بِالأَشْيَاءِ مُتَفَرِّدٌ ولَكِنَّهُ وَعْيٌ شَقِيٌّ مُتَأَزِّمٌ؛وعْيٌ مَوْجُوعٌ صَاغَتْهُ عَلاَقَةٌ مُرْبِكَةٌ للشَّاعِرَة معَ الوَاقِعِ؛عَلاَقَةٌ لَمْ يُؤَسِّسْهَا التَماهِي الأعُمَى بِقَدْرِ مَا اِنْبَنَتْ عَلَى التَّبَصُّرِتَقُودُهَا رُوحُ الكَشفِ وَتَهْتَدِي بهَاجِسِ الأحَاسِيسِ وَعَدَمِ الْيَقينِ؛ تقُولُ فِي ”لاَأُشْبِهُ أَحَدًا”: ”ضحكُ الأَصْحَابِ يَقوُدُنِي لْبُكَاْءٍ مَنْسِيٍّ لأَِدْرَاجٍ مُغْلَقَةٍ عَلَى أَطْفَالٍ يُشْعِلُونَ دُمُوعَهُمْ ليستأنسوا… وتَقُولُ فِي مَجْمُوعَتِهَا الصَّادِرَةِ بالقَاهِرَةِسنة1999”مَا مِنْ يَدٍ”: تَفَتَحُ دُونَ مُوَارَبَةٍ قَلْبَهاَ بَيْتًا مُؤَثَّثًا بِالْبَشَرِ: الخَائِنُ لأُنوُثَتِهَا/أطْفَالٌ مَعُوقُونَ بِأُمُومَةٍ نَاقِصَةٍ/الرَّجُلُ الْذِي يَأْكُلُ نِصْفَ الْكَلاَمِ وَيَقْضِمُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقَسْوَةِ تُفَّاحَتَهاَ/الْمُشَعْوَذُ ذُو الأَرْنَبِ وَالعَيْنَيْنِ الزُّجَاجِيَتَينِ/عَجائز بِعَدَدِ التَّجَاعِيدِ….
أفَاقَ هَذَا التَّبَصُّرُ المُفْجِعُ الشَّاعِرَةَ عَلَى حَقيِقَةٍ مُرِعَبَةٍ أَدَّتْ إِلَى انْهِيَارِيَقِينِ الشَّاعرَة بالِكثِيرمنَ المُسَلَّمَاتِ والبَديهِيَاتِ؛ تَقُول فِي ” شَمْسٌ مُؤَقَّتَةٌ”الْمَجْموُعَةُ الشِّعْرِيَةُ الصَّادِرَةُ بباريس / القاهرة سنة1998:
أرجِّحُ الاحْتِمَالاَتِ الطَيِّبَةَ لِكُلِّ السُّوء الذِي يَحْدُثُ:الْمَحَبَّةُ خُدْعَةٌ وَالْحَنَانُ مَشْبُوهٌ…
ولايَقِفُ وَعْيُ الشَّاعِرَةِ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ بَلْ يَطالُ المُقَدَّسَاتِ؛ تَقولُ فِي نَفْس المجموعة السَّابِقَةِ: منَ الدُّخَانِ نُولَدُ وليسَ من أرحامِ الأمَّهاتِ..
أمَّا في”مامن يَدٍ” فتقول: لَوْ أَنَّ هُنَالِكَ إِلَهًا /لَوْ أَنَّّهُ يُحِبُّنا حَقًّا/ إلَى الْجَحِيمِ سَنَذْهَبُ/نَحْنُ لاَنَعِْرِفُ أحَدًا فِي الْجَنَّةِ وَنَرَاجِيلُنَا يَلْزَمُهَا جَمْرٌ كَثِير… وَيَزْدَادُ يَقِينُها اهتِزَازًا فَتَقُولُ في ”لِنَتَخَيَلَ الْمَشْهَدَ”: كلُّ أَرْضٍ خَرابٌ/كُلُّ وَطَنٍ خُرَافَةٌ… لَقَدِ عَمَّقَتْ هَذِه الرُّؤْيَا الكَارِثِيَة حَالَة َ التَوَجُّسِ والقَلَقِ التِي تَعيشُهَا الشَّاعِرَةُ ؛وَغَذَّتْ وَعْيَهاَ الْمَأزومَ مِمَّا خَلَّفَ لَهَا نُدُوبًا فِي رُوحِهَا وَتَمَزُّقًا فِي ذَاتِهَا؛ تَقُولُ: لو كانت روحُها سُجَّادَةً لَنَفَضَتْ عَنْها هَذَا الْغُبَارَ/لَتَرَكَتْهَافِي الهَواءِ قليلاً تتَنَفَّسُ…
وفِي قَصِيدةٍ قَصيرةٍ جِدًّا بعُنْوانِ” انتحارٌ” تَقُولُ: أحبُّهمْ جَمِيعًا لَكِنَّ العَتْمَة تُغرِينِي
وفِي ”شمس مؤِقَّتةٌ”تَهْتَفُ: إِنَّ أعْضَاءَنا نَاقِصَةٌ سَيَئِنُّ الخَشَّبُ فِي الْمَفَاصِلِ هَكَذَا يَتَحَقَّقُ الْفِعْلُ الشِّعْرِيُّ ؛تُنْتِجُه عَمَلِيَّةُ اللِّقَاحِ الْتِي تَتِمُّ بَيْنَ لَحْظَتَيْنِ:لَحْظَةَ الإِصْغَاْءِ إِلَى النَّبْضِ الدَّاخِلِي للِذَّاتِ وَتَمَثُّلِهِ وَمِن ْثَمَّةَ تَحْويلُهُ إِلَى وَعْيٍ فاعِلٍ وَلَحْظَةَ الإِصْغَاءِ إِلى الإِيقَاعِ الزَّمَنِي الخَارِجِي بِكُلِّ تَغَيُّرَاتِه واهْتِزَازَاتهِ.مِنْ تَصَادُمِ هَاتَيْنِ اللّْحْظَتَيْن َِيحدُثُ الشِّعْرُ.غَيْرَ أَنَّ ثِقَةَ الشَّاعِرةْ بالذَّاتِ سُرْعَانَ ماتَهْتَزُّ وَتُصْبِحُ مَوْضَعَ شَّكٍّ نَتِيجَةَ مَاتُعَانِيهِ هَذِه الذَّاتُ من إِخْفَاقَاتٍ ممَّا سَيُؤدِّي إلى اسْتِدْعاءْ الآخرِ؛ الآخرِ الحبِيبِ الذِي تَراهُ الشَّاعِرةُعُنْصُرا مُهِمًّا وَفَاعِلاً في المُعَادَلَةِ الصَّعْبَة والمُسْتَحِيلةِ بين الذات والواقع؛ وَلَنْ يَجِيء هذا الحبيبُ إِلاَّ عَبْرَ نِدَاءاتٍ خَافِتَةٍ؛ هَامِسَةٍ تتَوَسَّلُهَا بِلُغَةٍ حَالِمَةٍ ؛شَفَّافَةٍ اسْتَعَارَتْهَا من عَوَالِم ِالطُّفُولَةِ ؛هَذِهِ الطُّفُولَةُ الْتِي تَرَاهَا الشَّاعِرَةُ الإِمْكَان الْوَحِيد للْقُدْرَةِ عَلَى التَّجَدُّدِوقَابِلِيَّةِ الْحَيَاةِ؛ وَسَيكونُ حُضُورُ الحَبِيبِ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الطُّفُولَةِ سَوَاءٌ مِنْ خِلاَلِ لَحْظَةِ الْعِشْقِ الْخَالِصَةِ الصَّافِيَةِ؛تَقولُ: يَدُهَا الصَّغِيرَةُ بَيْنَ كَفَّيْهَا لُؤْلُؤةٌ فِي حِضْنِ صَدَفتها لهَذَا الْحُبِّ الصَّافِي مطرا ينهمرإلى أعلى يُدِين البَحْرَ بِزُرْقَتِهِ وتقول في موضعٍ آخر:
-أهي الوجوه كلها تشبهه/ أم أنها لفرط الولع /في كل وجه عابر تراه وفي موضع آخر من نفس المجموعة”لنتخيل المشهد” تُسِرُّ:
-لأنه يحبها يصعد كل ليلة على سلالم العتمة /بقدمين حافيتين خشية أن يدنس السماء بحذاء /لا ينزل إلا والقمر في يده رغيفا/ يفتته على شكل كواكب ونجوم صغيرة /دون أن يهدر حبَّة قمح واحدة. بالتساوي /بالعدل الذي لاتعرفه سوى أصابع عاشق/ يوزع كعكاته الدافئة على أطفال الشوارع…..
فقط لأنه يحبها. من أحب إنسانا أحب الناس جميعا . ليس للحبيب مهمة عاطفية تحتاجها الشاعرة أو يحتاجها هو نَفْسُه؛إِنَّما وُجُودُه جَاءَتَلْبِيَةً لِنِداءٍ كَوْنِي ينْهَضُ على رُؤْيَا قوَامُها حُبُ الحَياة الجَميلَة بما يتضمنه من حب الآخر واسْترْجَاع الطُّفُولَةَ في بعْدِها الرمزيِ بِمَا تَحْتَمِلُه من القيم الإنسانية النبيلة: البراءة والجمال والصدق والوفاءإلخ… ؛ وَلَقَدْ شَغَلتْ هَذِه الرُّؤيَا الشَّاعرة إلَى دَرَجَةِ أَنَّهَا انْسَاقَت خَلْفَهَا بِشَكلٍ لاَهِثٍ مِنْ أَجْلِ تَشْغِيلِهَا فِي النَصِّ مِمَّا حَوَّل الْخِطَابَ عِنْدَهَا أَحْيانًا ؛إلَى خِطابٍ جَاهز مَكْرور ؛ نثري باهتِ ؛ تقولُ:
”مَنْ أَحَبَّ إِنْسَانًا أَحَبَّ النَّاسَ جَمِيعًا”/”كَمْ أَنْتَ قَاسٍ أَيُّهَا العَالمُ”… قلْت إنَّ هذا الحَبِيبَ تأتي به الشاعرة في قِمَّة أزمتهالإِيقادِ لَحْظَةِ العِشقِ الصافية وَهْي مُكَوِن من مُكوِّنَاتِ الطُّفُولَةِ؛ أو لإِنتاج الطُّفولة أيضا ؛ تقول:
-”حِذاء بْحَجْمِ قَصِيدةِ هايكو/لِطِفْلٍ /يَحْلُمَانِ بِخُطْوَتِه/تُضئ الأرض”
-”في ظلٍّ نَخِيلِكَ /نبت طِفْلُ …/من ألْوانِك َولدت طفلةٌ/اعتلت روحي مسرحا”
-”أعَدَّ طَاوِلَة البَدْر لِعَاشِقَينِ/فهل يُولد طِفْلٌ من /من لمسة في ظل النجوم”
-”لامست يتمي بالماء/ لمحت في عينيك أطفالا/يعبثون بكرات الشمس”
انشغال الشاعرة بالحبيب ليس مجرَّد نَزْوةٍ ولكنه رؤيا في كيفية الخلاص من عزلة قاتلة ؛عقيمة تعتصرها هواجس الذات المنكوبة؛ فالحبيب هو ظل الشاعرة التي تستأنس به وهي تجوس خلال عتمة هذا الزمن البشع بمصباحها الكفيف؛ تقول في هذه الصور الرشيقة:
-”غربتي غيمة في يدك”
-”تعثرت بضوئك /عثرت على ظلِّي”
-”أضئني زهرة عبَّاد شمسٍ/ غيابك مقبرة مهجورة”
تحلم الشاعرة بهذا الحبيب ؛ تبحث عنه لتبثه أشجانها وآمالها وهواجسها ؛ تراه قدَّامها وتعمل من أجل أن توصل له رؤياها للكون والحب والحياة؛ إنه قدامها وبين يديها ؛تولمه فرحتها بالحياة في بعدها الطفولي ؛ لكن هذا الحبيب ليس هو الحلم الذي نسجته دموع الشاعرة المحرقة؛ ليس هو الآخر الذي سيكمل أغنية بدأتها هذه الطفلة الكبيرة والمصرَّة على ارتكاب البراءة وفضيحة البياض في العتمة؛ تقول:
-”لكنك كنت تشكو /من كثرة أشيائك/ومن صغر الحقيبة/وكان قلبي أكثر كبرياء/ من أن يسألك.”
-”فيما كان ينهال على عريها/كان ظلها قد تجاوز الباب بفستانه الأحمر/إلى حانة ما.”
-”بالمشارط سيزيل التجاعيدعن ضحكتها/سيحشو شفتيها المتعطشتين للقبل/برغبة زائفة/لو أن يده تنزلق قليلا ليس لتكبير نهديها …/ وانما لترميم قلبها” ثمَّة فرق واضح عند هذه الشاعرة بين الإحساس بالحب وكتابته فهي حين تكتب الحبَّ لا تكتبه وفق ما تحس به ولكنها تبحث عنه فيما تكتبه ؛ وهي لاتكتب شعرا وإنما تكتب حلما ورؤيا لذلك يُضاء النصُّ بِوَرَعٍ وجداني خالص فيه من الخشوع والانخطاف ما يُحَوِّلُ هذا الحَدث ُالشعري إلى صلاة تُؤدّيها الشاعرة إلى الجمال وإلى العشقِ وإذا بالنَصِّ يَنْثَالُ رَذَاذًا دَافِئاً أَحْيَانًا ؛ لاَسْعًا أحْيَانًا أُخْرىَ ؛ وَفِي مَواقعَ أُخْرى يُنْهَمرُ خَرِيرَ جَدْوَلٍ بلاَ ضِفَافٍ؛ جَدْول يَصْعَدُ عَتْمَة أَزْمِنَةٍ بِلاَقِيَمٍ وَلاَسَماءَ ؛ يَعبُر هَذا النَصُّ سِيَاقَهُ وَيَبْدَاُ غُرْبَتَهُ وَحِيدًا مُسْتَمْتِعًا بِأَزْمَتِهِ رَاقِصًا بِتَوتُّره مُحْتَفِلا بِتَشَنُّجَاتِ وَجْدِهِ؛ ,َجْدٌ هُوَ أقْرَبً إلىشَطْحِ أهْلِ المُتَصَوِفَةِ حِين تتحد ذاتُهم بالرؤيا الخالصة وقَد تَكَشَّف لَهُمْ السَّبِيلُ الْذِي لن يُدْركه إلا من أصابه جرح الحب الخالصِ.يَبْتكر النصُّ إيقاعه وحده ؛ هو إيقاع يوهم بالانتظامِ؛ والانسياب في تردُّدٍ متناغمٍ ؛ مُنْسَجِمٍ ؛ لكن هذا الإيقاع سرعان ما يتمرَّد ويتكسَّر ذلك أنَّ الرؤيا أقوى من النصِّ وحالة الوجد التي تعيشها الشاعرة تضيق بهاالعبارُة. لاشيء يهمُّ في الشعر أكثر من الرؤيا؛ يَأتي الشِّعرُ من متانة الرُّؤيا التي بإمكانها أن تشكِّل الكون الشعري الخاص بكل شاعرٍ. والكون الشعري ل”سوزان عليوان”سابح في مناخات من التولُّه الوجداني المُضمَّخة بمشاعر الفقدان ؛ الموجوعة بأحسيس الخيبة ولكنها متطلعة إلى الأملِ؛تقول في آخر مجموعتها الأخيرة”لنتخيَّل المشهد”:
”أتوقَّف هنا / من يُكمل الحلمَ”
إنها برغم كل الحزن الذي تعانيه ؛وحالة الوجع التي تسكنها لكن وعيها بالحياة أصيلٌ؛ بما أنها تتعامل مع مقَوِّمات الوجود الثابتة وشفرات الحياة المتناقضة بشفافية بالغة وبساطة صادقةٍ أنتجهما هذا الوعي الخصيب بجمال الحياة مما غَذَّى لديها قابلية البقاء؛ هذا البقاء المهشَّم؛ المهزوز وحوَّلته إلى مُحَاوراتٍ بينها وبين متناقضات الحياة لاستعادة الجمال ؛ بحثا عن نوارة الدَّهشة ؛ بحثا عن حقوا التوليب الأبيض ؛ بحثا عن طفولة تعيد للوجود جماله المنفيَّ. وكذلك تُحقِّق الكتابة الحياة وتنجزها فنا جميلا. ولأنَّ سوزان عليوان تتعامل من خلال هذا المنظور مع الكتابة ؛ فإنَّ حدود التماس بينها وبين بقية الفنون ؛ منعدمة أو تكاد ؛لذلك هي مهتمة بالرسم ؛فالرسوم التي تحليِّ أغلفة مجموعاتها هي لرسامين كبار: خوان ميرو الرسام الإسباني المهم؛رينيه ماغريت؛الرسام مجدي نجيب؛ وثمَّة رسمة من إنجاز بنت صغيرة اسمها هند محمد؛ واهتمام الشاعرة بالرسم لم يتوقفعند هذا الحدِّ بل إنَّها أنجزت كتابا كاملابعنوان”كائن اسمه الحبُّ”يتركب من مقاطع شعرية مرفقة برسومات من إنجاز الشاعرة ويظل هاجس الفن المتكامل يسكن الشاعرة التواقة إلى الجمال حيث وُجد ؛ سيحفل نصُّها بانشغالات سردية تعمل على اثراء الإيقاع وارواء السياق العام للكتابة وتبدو المجموعة الشعرية الرائعة المعنونة”شمس مؤقتة”عبارة عن قصَّة شعرية تتناوب فيها الضمائر وتتوزَّع الشخصيات بين فقراتها حول أدوار تديرها الشاعرة بحرفية بالغة وتتالى الأحداث في سياقات مثيرة وتقبم فيها الشاعرة حوارات بينها وبين بقية االضمائر كيفما كانوا : حيطان أو خشبا أو قمرا أو نجوما أو هاربين من كارثة الإقامة في عالم كشف عن فضيحته؛ تقول في مقطع لافت: -لن يصحبنا أحد إلى تلك الحجرات المخنوقة المتربة؛ حيث لامفاتيح لا مفاتيح ضوء ولانوافذ نواربها. ستكون الأمهات مشغولات بإخوتنا؛أشبها جارحين كحوافِّ المرايا.سيذرفن الحسرة دون انتباه في الأواني؛ ليكون طعام العائلة مالحا ؛ مرا كالتراب في أفواهنا كلما ابتسمنا لملاك يعبر عتمتنا ويتوارى.
أماَّ الأصدقاء فلا بدَّ أنهم سيعون فكرة الموت مبكرا ويرتكبون تجاه التعلق والفقد؛ربما يتركون لنا بعض وردات على عتبات أبواب لن تفتح. سنذهب وحيدين إذا…
تفرُّسوزان عليوان من الحياة إلى الكتابة والفن لتعيد بناء الحياة بشكل آخر وفق رؤيا تتبنى جمال الوجود؛ هذا الجمال الذي رأته وما تراه ليس فقط ذاك الذي ترصده العين من موجودات ولكنه ما يتوجسه حدسها وما يغمرها من فيض الرؤى في تأملها للوجود بصفة عامَّة وانشغالها بالطفولة إيمان منها بما يمكن أن يغذي به رمزها الحياة ويُظهر جانبها المضيء؛ حقا إنها لم تستطع البرء من معاناتها ونظرتها القاتمة للوجود ولكن إيمانها بالكتابة والتواصل معها هو إيمان بالوجود.

نشر في 19/09/2005 9:40:00

‫0 تعليق