عبد الفتاح شهيد: الشعر والحياة: قراءة في أنظمة التقابل والتضام من خلال ديوان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


عبد الفتاح شهيد: الشعر والحياة: قراءة في أنظمة التقابل والتضام من خلال ديوان “على باب معالي الكلام …” للشاعر المغربي نور الدين بازين
إن الحديث عن الشعر والحياة يقع في صلب سؤال جوهري في التجربة الشعرية الإنسانية، وهو سؤال الطبيعة ثم الوظيفة. منذ الصراع المختلق بين الفلاسفة والشعراء في المجتمع اليوناني؛

وما أثارته قضية الإسلام والشعر، والشعر والأخلاق في النقد العربي القديم فيما بعد. إلا أن القرن التاسع عشر شهد اشتعال جذوة هذا النقاش من جديد بعد أن ظهرت مدرسة الفن للفن “احتجاج على طغيان مدرسة الفن للأخلاق؛ وكانت صرخة بودلير مدوية وهو يعلن أن “لا غاية للشعر سوى نفسه، ولا يمكن أن تكون له غاية أخرى …..” (1) ورغم كل ما تداول حول طبيعة الشعر ووظيفته، وتنويع الخطابات المنظرة وتصادمها؛ فإن هذا النقاش سيظل ساريا سريان الحياة في أنفاس الشعراء؛ “فللشعر عدة وظائف ممكنة” (2) إلا أن “وظيفته الأولى والرئيسية هي أن يكون أمينا لطبيعته”…. (3) والبحوث النصية تجعلنا نكتشف أن التصرف في كل رؤية من هذه الرؤى يوقع الممارسة الشعرية في إسقاطات فجة، تبتغي استنساخ الواقع وإعادة إنتاجه. أو في جعل النص الشعري فضاء من العلاقات والأنظمة المعقدة، التي لا يقدر الشاعر بله القارئ على فك رموزها وكشف شفراتها.
إن الواقع الموضوعي أو المرجع، لايمكن أن تستغني عنه أي تجربة فنية، غير أنه يكتسب في العمل الإبداعي “حيوية “ومعنى” لا يملكها أنموذجه في الحياة الواقعية”(4)، كما يؤكد جيروم ستولنيتز.
والأعمال الفنية عموما تتراوح بين الاحتفاء بالمعاني والدلالات، أو تعريضها للتشظي والانشطار بتمويهات شكلية معقدة. إلا أن النص/النموذج هو الذي يتوخى ترصيص كلا العنصرين من أجل بناء رؤية شعرية، تلفي في المكونات اللغوية جسرا لنقل تصورها للحياة في مختلف إيقاعاتها.
فكيف تتشكل أنظمة الحياة في ديوان “على باب معالي الكلام…..”؟ وماهي حدود التقابل والتصادم أو التفاعل والتضام مع باقي مكونات النص الشعري؟

1- أنظمة التقابل:
1-1- سطو المعاني ومعيارية النص: ولعل الاحتفاء بالدلالة من أهم أوجه التقابل، لما يمارس على الشاعر من غواية المعنى، وسلطوية المناسبة، لايتسنى معه خلق مسافات كافية لإضفاء أبعاد جديدة في نظام العلاقات بين الدال والمدلول. ويبدو التقابل واضحا في بعض بنيات هذه التجربة الفتية، نمثل له بالحضور المباشر للواقع في نص “نقش على قبر أبي………” ص 10. ومن خلال العنوان، فالنقش من سيمه الخلود والسيطرة على حركية الزمن وخرقها، والقبر هو موضع الدفن الذي يواري الإنسان بعد الموت، أما “أبي” فهو المقصود الأول بالنص منسوب إلى الذات، يؤشر عليه الشاعر من جديد في التقديم المرافق : “إلى روح أبي….. إلى محمد … “. ونستبعد في هذا السياق أي نزوعات إلى إضفاء صبغة التقديس والامتداد الأزلي في الزمان مما يرتبط باسم النبي “محمد” (ص) …. فمن خلال العنوان يظهر أن “تحدي الموت الذي أخد الأب” هي التيمة التي ستخترق النص أفقيا وعموديا. ولكن هل الشاعر استطاع بناء رؤية شعرية موازية تستطيع تحدي الموت وتقديم مقابل له ؟ ثم هل كان قادرا على بعث “أب” تسرى فيه الحياة سريان الموت في “الأب” الواقعي.. ؟ تبتدئ محورية الموت من خلال ندائها في افتتاح القصيدة “يا أيها الموت …”، ثم تتمطط بعد ذلك بلبوسات متشابهة لا تنصرف إلى خلق أي تنويع في شعرية النص. أرواح [أرواح الموتى]، الأشباح [شبح الموت]، العزاء [عزاء أهل الميت]، البعد [البعد الأبدي]، الأحزان [حزن الموت]، الرحيل [الموت]، النعش[آلة حمل الميت]، التراب [المرقد الأخير]. ويوازي خط الموت، “خط الأب”، الذي يتمظهر في صور متعددة لكنها متجانسة : (التمثلات المباشرة، الضمائر). أما الذات الشاعرة فتبدو متحدية للموت متعلقة بأدب المتوفى.
إلا أن الملاحظ هو أن الأب لم يبن له صورة شعرية في النص تتجاوز تمثلات المعيار، والتعلق به لم يتجاوز المجاورة اللغوية إلى الحلول والاتحاد المشكل للخلود، وقد استدعى الالتزام بالوضوح التزاما قافيويا بالأرواء المطلقة يعزز قيم الثبات والاستقرار.

1-2- “حكاية” وتشظي الدلالة ”
إن اختيار تشظية الدلالة لدى بعض شعراء الحداثة يسعى إلى تضليل القارئ، وإسماع أصداء الذات على سجيتها، دون أية تحديدات أبجدية أو إعدادات قبلية؛ لتصدر عن الشاعر أشياء يجهل هو نفسه أنظمتها “فعلى القصيدة – في رأيهم – أن تقطع جميع الحبال التي تربطها بما يبررها”. (5) وقد حضر هذا النزوع أحيانا في ديوان نور الدين بازين مما تكشف عنه القراءة في قصيدة “حكاية”ص. 13
فيستشف القارئ من خلال العنوان سعيا إلى التعمية وإبعاد المعنى ” حكاية” فهي كلمة نكرة تدل على غير معين، والكلام كله حكايات ثم يقول(6)

لليل جريح قديم
عناوين مسقومة
بين رؤوس
النار
سيوف ضالة
تبحث عن عشب
أسود
يحدها كلام ليس
له معنى…..
فاستبعاد علامات الترقيم، وتوظيف آلية التقديم والتأخير يجعل النص منفتحا على عدة قراءات، يتصاعد بينها الضياع وتستثب فيها رؤية التشتت الدلالي”بكلام ليس له معنى”ساهم فيه: الابتداء بالنكرة، التقديم والتأخير، الجمع بين المتنافرات…لتصبح عملية القراءة لعبة مفتوحة لايقبض بزمامها، ولا توجه مباشرة أو خرقا، مما يوسع من سلطة القارئ إلى درجة التملك، وينمي الدلالة في اتجاهات متراكبة لاتنظمها خيوط رابطة أو مؤشرات دالة. ورغم سعي القصيدة في الأخير إلى لم شتاتها، فهي لم تربط السابق باللاحق ولم توحد الرؤى المتناثرة.

2- بنية التضام :
وفيها تجاوز لبنى التقابل المغرقة في إيديولوجية الدلالة أو شكلانية اللغة، من أجل تحقيق التفاعل بين الحمولات الدلالية والأبعاد الفنية، فتصير القصيدة رؤيا شعرية تعبر عن سعي متواصل إلى احتضان العالم، وإعادة تركيب صورة له في غاية النقاء والصفاء أو في أوج السوداوية واللارضى، في نفس شعري متنام مؤثت بمشهد فوضوي منظم في بنياته العميقة. فالتجربة الشعرية محاولة مختلطة في أصولها، متسعة في تجاربها، غامضة في انسيابها وتعبيريتها عن مجاهل النفس الشاعرة، “ولكنها – والعبارة للطربسي أعراب- في صورتها العامة تخرج بعناصر متآلفة ومنسجمة” (7). فما هي حدود التناغم والانسجام بين الأبعاد الشكلية في انزياحاتها وتداخلاتها، والمعاني في تأبيها وفوضويتها في الديوان؟
ستنطلق قراءتنا في أنظمة التضام من النص الخامس في الديوان بعنوان”أغنية لامرأة…. (ص12) [مهداة إلى روح والدة الشاعر]. فالأغنية والغناء تبدي رغبة الذات الشاعرة في تحدي الموت، لكن التحدي يتم ببناء رؤيا شعرية مضادة تبدأ من عتبة النص؛ “فالغناء” نشيد الحياة وتعبير عن مكونات النفس التواقة الى الاستكناه والاستكشاف، وهي مقدمة –حسب العنوان- لامرأة غير معينة؛ وكأن أغنية الشاعر مهداة إلى جميع النساء. وليس ذلك تعويضا عن الأم الحقيقية، ولكنه استكشاف لمعالمها الصادقة في كل أنثى، وإعلاء لقيمة الأنوثة والأمومة المجسدة في كل النساء.
ومن خلال مقاطع النص تتشكل رؤى الشاعر الموازية للواقع : (8)
مرآة
هذي الكلمات
ترغمني أن أعانق
الطير الفضي،
لأزيح الدجى،
كي أجد أقدس النساء.
فالشاعر الحقيقي هو الذي يتحقق له من اكتمال النفس وسمو الروح ما يجعله يتصرف في عناصر الكون، ليشكل عالما خاصا يرتضيه. فعالم النور والضوء يرسم الحياة في مقابل عالم الليل والدجى الذي يستجيب لواقع الموت. أما أداة هذا التحويل فهي “كلمات” تفعل فعلها في الأشياء لتعيد ترتيبها كما يريد الشاعر. تم يعزز هذه البنيات بقوله: (9)
تغتسل بماء
فجر
تاه مع شمس
الصباح
فتبدأ رحلة أخرى تتوسل بسيرورة دلالية جديدة معضدة بالامكانات الأسلوبية للفعل المضارع،وقدراته التعبيرية على الاستمرارية والتحول. ثم يضرب الشاعر بقوة في أعماق الزمن ينحت منه أقدسه وأجله “فجر”، وأصفاه وأجمله “الصباح”. ثم يقول : (10)
لأجل سماء
تغرق
بالأوراق
فأنا فقدتها
وسقط القمر
من يدي
ليدخل مسار النص في بؤرة تتشكل بين نواتين دلاليتين محوريتين: “سماء تغرق” و”سقط القمر”. فيعبر الغرق والسقوط عن انكسار نفسي، ومعاناة لمظاهر الكون التي تشارك الشاعر نكوصه ومأساته. إلا أنه سرعان ما ينتفض ليعلن من جديد بنبرة التحدي والرغبة في التجاوز؛(11)
وحتى لا يقطر قلبها
رملا
في عيوني
البحر يحميني.
ليتعلق من جديد بالمطلق ، ويعلن انتماءه السرمدي له، فينفي الارتشاف بالقطرات “لايقطر”، ليكرع من “بحر” ممتد بالكلمات التي يغرف منها الشاعر لغة تعيد تشكيل الوقائع وترتيب الأشياء. فرغم تبئير الحزن في وسط القصيدة، فهو محاط بدفء الحياة المتنامية في كل النساء، وقوة الانتماء للممتد المتجدد. وهو أسلوب شعري ينم عن إمساك بأطراف العملية الإبداعية، بخلق تضام تنسجه إمكانات الكلمات وقدرتها اللامتناهية، مما يعيه الشاعر تمام الوعي. يقول :(12
في اليوم الأول
الألفاظ تبدو آلهة
ينطقها اللسان خشوعا….
في اليوم الثاني
الألفاظ تبدو رمزا
يلفظها اللسان إشارة…..
في اليوم الثالث
الألفاظ تبدو رقما
يعدها اللسان هما…..
فتنشط الدلالة وتتمادى في التصاعد، ليس من أجل التضليل والعتمة، بل من أجل إعادة التوزيع وفق تصور شعري يسري في كل قصيدة.
وفي الختام فإن محاولة نور الدين بازين قد عرفت حضور بنية الاحتفاء بالمعاني إلى جانب الأنساق الدلالية المتشظية، إلا أن هذه المقابلة ليست إلا مراحل للاختمار والانتظار، ستؤسس فيما بعد رؤيا شعرية متميزة تنطلق من السهل إلى المركب ومن المحدود إلى المطلق، من أجل القبض على المتحول وخلخلة الثابت، في حركية دائبة تستهوي المتلقي في محراب القراءة “على باب معالي الكلام …..”

عبد الفتاح شهيد باحث بكلية الآداب – ظهر المهراز( فاس- المغرب)

الهوامش
(1) الأدب ومذاهبه، محمد مندور : دار نهضة مصر، ص 82.
(2) نظرية الأدب – ريني ويليك وأوستن وارين- ترجمة : محيي الدين صبحي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ص 38
(3) نفسه –نفس الصفحة.
(4) النقد الفني – دراسة جمالية وفلسفية – جيروم ستولينتر، ترجمة د. فؤاد زكرياء، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ص 220
(5) القولة لكوكتو –تنظر في : الابهام في شعر الحداثة، د. عبد الرحمان القعود، عالم المعرفة ،العدد279،ص.182
(6) على باب معالي الكلام …. نور الدين بازين، ص .13
(7) التصور المنهجي ومستويات الإدراك في العمل الأدبي والشعري، د. أحمد الطربيسي أعراب – 1999، ص 18.
(8) على باب معالي الكلام ……أ. نور الدين بازين، ص 12
(9) نفسه –نفس الصفحة.
(10) نفسه –نفس الصفحة.
(11) نفسه –نفس الصفحة.
(12) نفسه ، ص 29

نشر في 25/08/2005 9:00:00

‫0 تعليق