نجاة محمود الأمين: ننجومي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


لا أدري متى بدأت هذه الإشاعة ولكن فجأة انتشرت مثل النار في الهشيم وتناقلت بين الرجال والنساء وعمت في القرية الفوضى.. وصارت ننجومى الشغل الشاغل للرجال والنساء على حد السواء… عادت ننجومى إلى القرية بعد أن مات زوجها في أحد التظاهرات العمالية.. عادت وحيدة منكسرة وعاشت مع أبيها الذي لديه حقل يزرع فيه اليام والكسافة وكانت المدينة قد ابتلعت كل أبنائه وصار وحيدا بعد أن ماتت زوجته.. وعندما عادت ننجومى فرح فرحا شديدا.. وصارت تعينه على الحياة وتبيع له ثماره في السوق الأسبوعي.. عندنا تسامع الناس الإشاعة وانتقلت إلى القرى المجاورة صار سوق قريتنا الأسبوعي من أهم الأسواق في تلك المنطقة.. كانت ننجومى تجلس القرفصاء قرب

بضاعتها وفى دقائق معدودة صارت تبيع ما أتت به.. إذ يتصارع الرجال في الشراء منها,, فكانت الدهشة تعقد لسانها فلا أحد يساومها في ثمن ما تبيعه يدفعون المبلغ بكثير من الاحترام والتقدير.. عندما تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد تتبعها الأبصار .. الرجال بنظرات محبة ومقدرة والنساء بنظرات ساخطة.. والصبية يتصبب منهم العرق.. وبعد الصلاة يحيها الكاهن تحية خاصة.
سعدت ننجومى بوضعها كأرملة شهيد مقدرة ومحترمة.. فلأول مرة ترى أنه قد خرج شيء حسن من فقدها لزوجها.. صارت تساعد والدها في الحقل وتذهب إلى السوق لبيع ما تجنيه من مزرعتهما الصغيرة.. أخبرها الطبيب البيطري الذي زارهم دونما سبب أنها تستطيع أن تزيد دخلها إذا أدخلت بعض الدواجن فيمكنها أن تبيع البيض واللحوم كذلك.. وبعد أيام أتى الحداد دون سابق معرفة أيضا وأخبرها أنه على استعداد لعمل الأقفاص لدواجنها.. وبعدها زارهم المهندس الزراعي دون سابق معرفة.. وأخبرها إذا تريد زيادة الإنتاج عليها أن تغير نظم الري ..أخبرها أنه على أهبة الاستعداد لعمل ذلك بنفسه بدلا عن العمال.. ثم بعد ذلك زارها ضابط البوليس.. استجابة لبلاغ فتحه والدها قبل خمس سنوات عندما سرق أحدهم أدواته الزراعية وأخبره أنه سيجد في إحضارها له.. ثم أتى الطبيب مرة ليسأل لماذا لا تأتي للعلاج عنده فأخبرته أنها بخير وصحة جيدة ثم قال لها دعيني أتأكد من ذلك وأحضر حقيبته الطبية وفحص ضغطها .. وفعل ذات الشيء لوالدها.. وبعدها أتى مدير المدرسة وأخبرها أنهم يودون أن يقيموا جمعية للأمهات ويتمنى أن تساهم فيها . أخبرته ننجومى أنها لا أولاد لديها.. ثم أتى العمدة يوما وأخبر والدها أنه إذا كان يرغب في زراعة الرقعة المتاخمة له يمكنه أن يقدم طلب وسيصدق عليه وأحضر العمدة له كل الأوراق المطلوبة ووعده في الغد سيعود لأخذها.. كل هذه الأشياء والزيارات صارت تثير الريبة في نفس ننجومى ووالدها.. أخبرها والدها ربما كان زوجها رجلا عظيما ويعمل سرا في أحد الحركات السياسية.. فصارت ننجومى عندما تأتي إلى القرية بمجرد أن تقع أعين الرجال إليها يهرعون لها عارضين مساعدتها. وكانت تشكرهم بحزم. والصبية يسألونها إذا احتاجت للمساعدة في مزرعتها عليها فقط بأخبارهم وسيعملون دون مقابل.. زارهم القسيس يوما وأخبرهم أنه قرر أن يسجل بعض الزيارات للناس من أتباع كنيسته ويتفقدهم.. فرح الأب كثيرا وتذكر كيف أن القس لم يحضر عندما ماتت زوجته وبعدها صارت هذه الزيارات لا تثير دهشة ننجومى أو والدها..
ومر العام هكذا إلى أن أتى موسم حصاد الكسافة فعند الصباح رأت ننجومى عددا مهولا من الرجال يقصدون مزرعتها ويعرضون مساعدتهم.. شكرتهم ننجومى بعد أن فرغ حصاد الحقل الذي كان يأخذ منهم زمنا طويلا في السابق..
كما قلت أن سوق قريتنا قد ازدهر ازدهارا عظيما وصارت كل القرى المجاورة تأتي للبيع والشراء فيه.. لم يعرف أحد السر ولكن تبين إنها تلك الإشاعة الخبيثة التي تحيط بننجومى هي سر هذا الإقبال على قريتنا.. إلى أن وقف يوم القس في أحد القداسات وقال وهو غاضب أن في هذه القرية امرأة ملعونة.. هذه المرأة اللعينة هي سبب كل ما يحدث في القرية…. أصبحت الشغل الشاغل للرجال وهذه المرأة سيلعنها الرب في الدنيا والآخرة .. لأنها تعطي من تشاء وتمنع البعض الآخر وتثير القلاقل والبلابل . بين الأزواج والأخوان والجيران. ولذلك علينا كلنا أن نقف صفا واحدا مع الرب ونطردها من قريتنا.. واتجهت كل الأنظار إلى ننجومى التي دهشت لما قاله القس الذي أردف أن هذه المرأة الساحرة.. اكترت شيطانا في شكل حية أسكنته في شيئها.. لتقدم المتعة الشيطانية لمن تريد دون الآخرين.. وصرخ القس لاعنها وعلا صوته الغاضب.. وتكشف سر أنه عندما تعبر الأرملة ننجومى يخفي الصبية نتوءاتهم بحقائبهم المدرسية .. ويجلس الرجال في الأرض حتى لا تبدو نتواءتهم.. للآخرين..
إذن في الأمر فرية صدقها كل الرجال في قريتنا والقرى المجاورة.. وراجت تجارة الملابس الداخلية الضاغطة للرجال.
نجاة محمود الأمين قاصة سودانية
http://www.midouza.org/an/conte.php?nid=92&show=moi

نشر في 24/08/2005 6:00:00

‫0 تعليق