جُمانة حداد: ضوء على واقع الجوائز الأدبية في العالم العربي. كي لا نخجل من الجوائ

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أذكر أني كنت أيام المدرسة أنتظر آخر السنة بفارغ الصبر لأن الإدارة كانت توزّع علينا جوائز تشجيعية تكافئ الموهبة والاجتهاد والمثابرة: جائزة للتميّز في الأدب العربي، وأخرى في الأدب الفرنسي، وثالثة في الرياضيات، فضلا عن جائزة حسن السلوك، وجائزة سرعة البديهة الخ.

لكن على مر السنين، ابتدعت الإدارة حيلة مثلى كي لا يزعل أحد، بناء على استنكارات الأهل الحرصاء على معنويات بناتهم مهما تعست قدراتهنّ، إذ اخترعت أربعا وعشرين جائزة مختلفة من كل نوع ولون للطالبات الأربع والعشرين في الصف: بهذه الطريقة – فكّرت المسؤولة عن توزيع الحصص – لا يكون أحد منبوذا، وتأتي النتيجة، على طريقة l’école des fans، أن “الجميع فائزون”.
ما لم تتنبه له الإدارة يومذاك، لكنه حزّ في نفس كل طالبة متفوقة بحق، أن صيغة “الجميع فائزون” تساوي بالتمام والكمال صيغة “الجميع خاسرون”، فعندما يبطل التميّز والمنافسة الصحية وروح “المعركة” ولذّة الربح أمام جمع من “اللارابحين”، يلتغي مفهوم الفوز من تلقائه. معادلة المساواة بين الربح والخسارة هذه، يمكن أن تنطبق على واقع الجوائز الأدبية في عالمنا العربي. فنحن نخسر إذ نربح هذه الجائزة أو تلك، لأن نيل جائزة في بلداننا غالبا ما يكون أمرا “مريبا” ومكروها، وأكاد أقول مخجلا.
لماذا نكره الجوائز الأدبية و”نستحي” بها و”ننقز” منها ونتحفظ عنها؟ لأننا نشعر أنها ليست “جوائز” بل “شبهات” تلصق بمن ينالها. كؤوس، ميداليات، دروع، نياشين، شهادات، حفلات تكريم، شيكات (ركيكة في معظمها): إلف تسمية وتسمية لجوائز، ثلاثة أرباعها ملوث بالمساومة وناتج من اتفاقات “تحت الطاولة”، أما الربع الأخير فيعطى فعلا لمن يستحق، ولكن غالبا بعد وفاته، ويعلّق على نعشه في نوع من إراحة الضمير المتأخرة. فكيف لا نستحي ولِمَ لا ننقز؟

(“الكلمة الملكة ” لرفيق علي أحمد.)
لا نقول ذلك تعففا ولا ترفّعا، بل نحن سنصير نحبّ هذه الجوائز ونفاخر بها ونطلبها، عندما ستكون المعايير المتبعة عند اتخاذ القرارات أهلاً لهذه التسميات الدقيقة. من منا مثلا لا يغتبط عندما يقرأ مقالاً نقدياً حقيقياً يتمكن من الدخول إلى جوهر كتاب أدبي، شعراً أكان أم روايةً أم من نوع آخر، مفككاً بناه ودلالاته وملقياً الضوء على أسراره استنادا إلى معيار نقدي وتقويمي حقيقي ونزيه وعارف؟ من دون هذا المعيار، لا مفر من أن نشعر أن عملية التقويم تشكل إهانة مادية ومعنوية للكتاب أو للعمل أو للشخص الذي يكون موضع هذا التقويم. الشعور نفسه، والشروط نفسها، من كفاءة علمية واستقامة معنوية وصرامة أخلاقية، تنطبق على التحكيم في جائزة أدبية. أليست الجائزة الأدبية عملاً نقدياً في معنى ما، استثنائياً وخاصاً ومنزّهاً من الحسابات و”الضروب” المشبوهة؟ كلاهما، المقال والجائزة، يشترك في عملية تقويم، مع الفارق أن المقال يمكن أن يكون إيجابياً أو سلبياً، في حين أن الجائزة تُمنح – مبدئياً ونظرياً – فقط للكاتب المستحق.
ها أن موسم الـ”غونكور” والـ”نوبل” والـ”بوكر” والـ”رونودو” وسواها من الجوائز صاحبة الطنة والرنة يقترب. طبعا، لا تأخذنا الأوهام حول حقيقة ما يجري في كواليس تلك الجوائز في أوروبا وأميركا عموماً، وفي أسوج تحديداً، من فضائح وصفقات. فمعظم لجان هذه الجوائز المهيبة مصاب بلوثة الفساد، ويخضع لاعتبارات تجارية وتسويقية ولمقايضات وعقود تفرضها دور النشر، فضلا عن التسييس المتزايد حدة لهذه الجوائز سنة وراء سنة. لكننا، ونحن نثير مسألة الجوائز الثقافية في لبنان والبلدان العربية، نتحدث عن فقدان المعايير الأولى، البديهية، أي الشروط “البدائية” لقيام جائزة أدبية عندنا: أولها المعرفة، ثانيها التزمت المعياري، ثالثها النزاهة، رابعها الهيبة المعنوية، خامسها التحرر من الارتباطات والقيود والالتزامات “المافيوية”، وسادسها القيمة المالية الفعلية لهذه الجوائز. في ما يتعلق بالشرط الأخير تحديدا – لأنه الإصبع التي غالبا ما يختبىء مدّعو التعفف وراءها – اذكر أن الفريده يلينيك قالت لنا ببساطة وصراحة كبيرتين عندما نالت “نوبل” الآداب العام الفائت، إنها رغم انزعاجها من الأضواء التي جذبتها إليها هذه الجائزة، سعيدة بسبب مردودها المادي، لأن قيمة هذه الجائزة المالية العالية ستتيح لها التفرغ للكتابة والعمل سنة أو سنتين من دون أن تحمل همّ تحصيل لقمة العيش.
التحدي الحقيقي يتمثل في السؤال الآتي: كيف نؤسس لجائزة أدبية عربية حين يكون كل شيء تقريباً في الحياة العربية فاقداً معياريته القيمية، في المعرفة وفي النهج الأكاديمي وفي المناعة الأخلاقية وفي مواجهة الإغراءات المتعددة؟ ليس ثمة “عذراء” بين الجوائز في العالم، لكن هناك الحدود الدنيا التي يستحيل تخطيها أو التجرؤ عليها، وهي الحدود التي أشرتُ إليها. ونحن إذ نطالب بعمل تأسيسي على هذا المستوى، يُشعر الكاتب بأنه موضع إحاطة معنوية ومادية، نطالب باستعادة الروح النقدي مطلقاً وبإشاعته في حياتنا الثقافية كلها. نحن إذ نطالب بمثل هذا “النقد”، نطالب مرجعياتنا الثقافية والمعرفية، الخلاّقة والجامعية والأكاديمية وغيرها، بفتح أبواب التفكير في جائزة عربية للأدب تكون باباً ثقافياً للعرب على العالم، كي نكفّ عن “الهرب” من الجوائز أولا، وكي، ربما، نكفّ عن اللهاث وراء تكريس الغرب لنا، ووراء حلم “نوبل” شبه المستحيل لكبار لدينا يستحقونها وأكثر.
يبقى أن نقول إن أجمل مكافأة لكل كاتب حقيقي ستظل طبعا… كتابه.
(النهار الثقافية، 19 ايلول 2005)
[email protected]
http://www.annaharonline.com/htd/EDU050919.HTM

  • *
    ملف الجوائــز
    كيف تُقرَع الأجراس… ولمن؟
    لبنان – من ناظم السيد:
    سوريا – من إبراهيم الجبين:
    الأردن – من محمود منير:
    الإمارات – من حكيم عنكر:
    عُمان – من محمد الحارثي:
    المغرب – من نجيب مبارك:
    مصر – من محمد العشري:
    فلسطين – من محمود ابو هشهش:

تطرح قضية الجوائز الأدبية في العالم العربي الكثير من الإشكالات والجدليات، في مقدمها القيمة الأدبية والمعنوية والمادية لهذه الجوائز، فضلا عن صدقية لجان التحكيم واستفحال المحاباة والمساومات والزبائنية في قرارات معظم تلك اللجان، وصولا إلى تخلخل أسس الجوائز العامة وعدم توازن شروطها وظروفها، وهي أسس وشروط وظروف ينبغي لها أن تكون صلبة وسليمة وصارمة لكي تجعل من الجائزة الأدبية إنعكاسا حقيقيا وصادقا وصحيا ومحترما للمشهد الثقافي العربي. هنا جولة بانورامية في واقع هذه الجوائز في ثمانية بلدان عربية مختلفة، هي لبنان وسوريا والأردن والإمارات وعمان والمغرب ومصر وفلسطين، ننشرها على حلقتين.

البدايات اللبنانية
إذا كنا نعرض لراهن الجوائز الأدبية في لبنان – وهو راهن يمكن أن نقول بلا مبالغة إنه يكاد يكون غير موجود على الإطلاق – لا بد من الرجوع إلى تاريخ هذه الجوائز الذي عرف “طلعات ونزلات” مهمّة في بلادنا. يعود تاريخ الجوائز الأدبية في لبنان إلى بداية الخمسينات من القرن المنصرم، وتزامنت مع ظهور قصيدة التفعيلة وازداد عددها مع صعود التيار الذي أحدثته مجلة “شعر” آنذاك. ورغم التفاوت في القيمة والهدف والأثر بين تلك الجوائز إلا أنها تميزت عن زميلاتها العربية بعدم صدورها عن مؤسسة حكومية.
كانت مجلة “الآداب” اللبنانية إحدى أولى المؤسسات التي أطلقت جائزة أدبية. لم تكن الجائزة موجهة إلى لبنانيين، بل كانت، كالمجلة نفسها، ذات توجّه عربي وايديولوجيا قومية انعكست حيناً على طبيعة الجائزة وحيناًً على مسار المجلة وتوجهات كتّابها. مثلا، أعلنت “الآداب” عام 1956 عن جائزة مسرحية، مشترطةً أن يعالج العمل “موضوعاً قوميا وألا يتعدى الثماني صفحات”. كانت قيمتها المالية 275 ليرة لبنانية للفائز الأول و150 للثاني و75 للثالث.
في السنوات اللاحقة نال جائزة “الآداب” في النقد، المصري إحسان عباس وفي الشعر، الأردني تيسير سبول بعدما نالتها عام 1961 رواية “المهزومون” لهاني الراهب وديوان “أبيات ريفية” لعبد الباسط الصوفي الذي انتحر قبل تسلّمه المبلغ المالي (1000 ليرة لبنانية) فأرسلته المجلة إلى الورثة وكانت لجنة التحكيم الشعرية من بدر شاكر السيّاب ونزار قباني وخليل حاوي صوّتت للصوفي، أما لجنة التحكيم الروائية من توفيق يوسف عواد ومحمد يوسف نجم وعبدالله لحود فصوّتت للراهب. عملت “الآداب” إذاً على اكتشاف مواهب جديدة ما لبث أن أصبح أصحابها من الكتّاب العرب البارزين أمثال هاني الراهب وتيسير سبول الذي انتحر أيضاً.
في شتاء 1957 صدر العدد الأول من مجلة “شعر” اللبنانية. منذ البداية كانت “شعر” تحمل مشروعاً حداثوياً متقدماً، واستقطبت أسماء كبيرة كزميلتها “الآداب” أمثال بدر شاكر السيّاب وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وشوقي أبي شقرا وادونيس وفؤاد رفقة وخليل حاوي وغيرهم. وفي عددها التاسع في شتاء 1959 أعلنت المجلة التي أسسها يوسف الخال عن “إنشائها جائزة سنوية للشعر تُمنح لأحسن مجموعة أو مسرحية أو ملحمة شعرية لم تنشر من قبل، شرط أن تكون “موضوعة لا مترجمة”. وأعلنت المجلة أنه “يحق لجميع الشعراء في العالم العربي أن يرشحوا إنتاجهم للفوز بهذه الجائزة” التي بلغت قيمتها المالية ألف ليرة لبنانية. ومع نهاية عام 1960 صرّحت “شعر” بأنها حجبت الجائزة لعدم وجود كتب جديرة بها. وفي عام 1961 فاز بها للمرة الأولى بدر شاكر السيّاب عن ديوانه “أنشودة المطر”. وفي السنة التي تلتها شوقي أبي شقرا عن ديوانه “ماء إلى حصان العائلة”. كما نالها لاحقاً أدونيس عن “أغاني مهيار الدمشقي”.

بين الاكتشاف والتكريس
إذا استثنينا السيّاب، يمكن القول إن جوائز “شعر” كانت “تكريم ذات”، أو بطريقة أخرى تكريس اتجاه، لا تكريم أشخاص. لكن “الآداب” و”شعر” لم تكونا وحدهما اللتين منحتا جوائز أدبية. بين عامي 1960 و1964 كانت هناك جائزة “جمعية أهل القلم” وبين مؤسسيها سعيد تقي الدين وادوار حنين، ومن الذين نالوا جائزتها القاصة الفلسطينية – اللبنانية سميرة عسّاف والشيخ عبدالله العلايلي. من الجوائز البارزة أيضا في تلك الأيام جائزة “جمعية أصدقاء الكتاب” وقيمتها المالية 3000 ليرة لبنانية وقد فاز بها عام 1962 جورج شحادة عن أحسن عمل للبناني باللغة الأجنبية وكمال اليازجي عن دراسته “رواد النهضة الأدبية”، كما نالها سهيل إدريس عن روايته “أصابعنا التي تحترق” وإملي نصرالله عن “طيور أيلول” وخليل حاوي عن ديوانه “الناي والريح”. وفي تلك الفترة ظهرت جوائز أقل أهمية من بينها جائزة رئيس الجمهورية (5000 ليرة لبنانية) ونالها عبدالله العلايلي، جائزة وزارة الأنباء والإرشاد والسياحة في الكويت (تشترط الجائزة أن يكون المؤلف لبنانياً والكتاب نشر في لبنان) وجائزة “دار الطليعة” في بيروت لأفضل بحث اشتراكي وجائزة مهرجانات بعلبك في المسرح التي فاز بها توفيق يوسف عواد عن “السائح والترجمان” عام (1962). كذلك أعلن “ملحق النهار” (الجريدة) عن جائزة أدبية نالتها سنية صالح في الشعر وتيسير سبول عن “أنت منذ اليوم” وأمين شنّار عن “الكابوس” في الرواية (1967)، وبلغت قيمتها المالية 2000 ليرة لبنانية، وهي جائزة ساهمت في إلقاء الضوء على كتّاب جدد كما يظهر من الأسماء الفائزة في ذلك الزمن. كذلك أنشأ الشاعر سعيد عقل جائزة شهرية بقيمة 1000 ليرة لبنانية واستمرت فترة طويلة لكنها كانت محض “لبنانية”: على سبيل المثال منحت الجائزة لمعن عرب عن كتاب حول تاريخ صور. هكذا يمكن القول إن جائزة عقل كانت تعريفاً بلبنان وباللبنانيين من ناحية وتكريساً لبطريركية الشاعر في العالم العربي. أما الجائزة نفسها فلم تساهم في اكتشاف مواهب حقيقية بقدر ما ثبتت حضور كتّاب معروفين.

جائزة يوسف الخال
عام 1961، حمل رياض نجيب الريس، الصحافي المبتدئ آنذاك، كتابه الشعري الأول، “موت الآخرين”، إلى صديقه يوسف الخال على أمل نشره ضمن سلسلة مجلة “شعر”. لم يوافق الخال على نشر الكتاب “لأنه لم يكن في المستوى الشعري الذي يريده”، على ما كتب الريس نفسه في سيرته الصحافية “آخر الخوارج”. لكن الكتاب نُشر وقدّم له جبرا إبراهيم جبرا وخصصت “شعر” جلسة من جلسات “الخميس” الخاص بها لمناقشته. في 26 حزيران 1987، وخلال حفل تكريم للشاعر الراحل يوسف الخال أقامه الريس في لندن في حضور عدد كبير من الشعراء العرب، أعلن تأسيس “جائزة يوسف الخال للشعر”. وفي مطلع تموز 1988 أعلنت لجنة التحكيم المؤلفة من نزار قباني وأنسي والحاج ورياض نجيب الريس فوز ثلاثة شعراء بالجائزة الأولى التي بلغت 3000 جنيه استرليني وزّعت بالتساوي على اللبناني يحيى جابر لكتابه “بحيرة المصل”، والعراقيين باسم المرعبي لـ”العاطل عن الوردة”، وخالد جابر يوسف لـ “بحثًا عن المهب”.

(إعلان جائزة مجلة “شعر”…)
ظهرت “جائزة يوسف الخال للشعر” في جوّ نعيّ متواصل للأدب وظهور أدب النفط وانضمام معظم الأسماء المكرسة إلى جوقة الأدب الرسمي. واستمرت الجائزة فمنحت عام 1990 لثلاثة شعراء شبان أيضاً، هم يوسف بزي (لبنان) عن “المرقّط” وإدريس عيسى (المغرب) عن “امرأة في أقصى الريح” وعبد النبي التلاوي (سوريا) عن “إلى آخر الليل تبكي القصيدة”. وفي 7 كانون الثاني 1989، أعلنت مجلة “الناقد” التي يصدرها رياض نجيب الريس عن “جائزة الناقد للرواية”. وبلغت قيمتها 3000 جنيه استرليني فاز بها سالم حمش (المغرب) عن “مجنون الحكم” وسليم مطر كامل (العراق) عن “امرأة القارورة” وهدى بركات (لبنان) عن “حجر الضحك” بعدما منحتهم لجنة مؤلفة من يوسف الشاروني وإدوار الخراط وجورج طرابيشي ومحمد برادة وزكريا تامر أصواتها.

نَفَس قصير
مثلما أعلن الريس في “الناقد” (آذار 1989) عن جوائزه بعنوان “لمن توزع الجوائز ولمن تقرع الأجراس”، معتبراً أن الهدف منها “التحريض على الكتابة وتحفيز الكتّاب الشبان على الشهرة”، منتقداً الجوائز الرسمية في مصر والعراق والسعودية والأردن ومثقفي السلطة واتحادات الكتّاب في الدول العربية المتواطئة مع الأنظمة ضد الحرية، أعلن في مقال آخر بعنوان “وداعاً أيتها الجوائز” (تموز 1993) توقف الجائزتين “لا لسبب إداري أو مالي، بل لخوفنا من أن تتحول هذه الجوائز إلى روتين احتفالي شبه سنوي ممل، يفقد تدريجياً صدقه وزخمه وعفويته، من دون أن تستطيع هذه الجوائز أن تكشف عن مواهب شعرية وروائية ذات مستوى”.
كانت جائزتا الريس قصيرتَي النفَس إذاً، وقد ينطبق الوصف نفسه على معظم الجوائز الأدبية اللبنانية. لكن، اياً تكن أسباب تلك الجوائز، فقد عملت “جائزة يوسف الخال للشعر” و”جائزة الناقد للرواية” على اكتشاف مواهب جديدة استمر معظمها في الكتابة والنشر. ومنذ منتصف التسعينات لم تظهر جائزة أدبية لبنانية واحدة قدمت وجها جديدا أو أثارت مناقشة. ثمة جوائز هامشية لا تعدو كونها كليشيهات ثقافية كجائزة “منتدى الأدب اللبناني” السنوية في باريس، الذي يديره غسان ابو شقرا وحسن الشامي، ونالها أدونيس وعدد من اللبنانيين أمثال حسن داوود وهدى بركات ووديع سعادة، بالإضافة إلى “جائزة سعيد فياض”، الشاعر الذي عاش معظم حياته في السعودية، وجائزة جريدة “السفير” التي أقيمت عام 2004 لسنة واحدة في القصة القصيرة ولم تعلن أسماء لجنة تحكيمها بخلاف لجنة جائزة التصوير الفوتوغرافي المؤلفة من فؤاد خوري وجلبير الحاج وأكرم الزعتري. وكانت آخر الجوائز التي ارتبطت باسم كبير هي جائزة “كلمة ملكة” الأسبوعية التي أنشأها سعيد عقل وبلغت قيمتها المالية مليون ليرة لبنانية. لكن هذه الجائزة، مثل سابقتها، لم تمنح إلا للبنانيين ونالها شعراء أمثال عصام العبدالله وزاهي وهبي والناقد احمد بزون إلى جانب صحافيين معروفين ومغمورين ومبتدئين، قبل أن يتم وقف الجائزة السنة الجارية.

الواقع السوري
أما الجوائز الأدبية في سوريا فكثيرة، لكنها كشؤون جميع السوريين تبدو مرتبكة وباهتة. بالطبع لا وجود لما يسمّى جوائز مستقلة أو أهلية، بسبب الفجوة بين الطبقة المتينة اقتصاديا والحياة الثقافية في البلاد، وبسبب غياب المؤسسات الثقافية غير الرسمية. من الطبيعي والحال هذه أن يبقى فقط ما هو رسمي وله علاقة بمؤسسات الدولة التي تسيطر على الحراك الثقافي و”تحتكره”، فتظهر بين وقت وآخر مسابقات ثقافية وجوائز تعلن عنها وزارة الثقافة، وتكون متعلّقة برموز الثقافة السورية المكرسة مثل “جائزة محمد الماغوط للشعر” التي أعطيت عام 2004 مناصفة لجولان حاجي وهنادي زرقة، و”جائزة حنا مينا للرواية والقصة القصيرة” التي شهدت أخيرا أطرف موقف من الممكن أن يتعرض له كاتب يفوز بجائزة أدبية في العالم. فقد منحت الجائزة الثانية للروائية السورية الشابة روزا ياسين حسن عن روايتها “ابنوس”، فقُدّم لها مبلغ من المال وطُبعت روايتها على حساب وزارة الثقافة. لكن المفاجأة أن الكاتبة اكتشفت حين تصفحت كتابها، أن العمل المنشور ليس عملها تماما، وأن مقصّ الرقيب تدخل وحرف الرواية وعدّل فيها و”شلبنها” على ما يقولون في الشام، وجعلها “صالحة” للنشر ضمن منشورات وزارة الثقافة. كتبت صحف عديدة عن المشكلة لكن شيئاً لم يتغير كالعادة، ما دام رئيس دائرة التأليف والترجمة وعضو اللجنة المانحة للجائزة يقول في لقاء منشور أجري معه: “أنا أمثل الدولة وما فرقانة معي!”، وان الرقيب علّق على المسألة قائلا: “كتّر خير الله أني وافقت على منحها الجائزة”!
هناك أيضا جوائز اتحاد الكتاب العرب، وجائزة حمص الأدبية، ومسابقات المراكز الثقافية المنتشرة في المحافظات السورية، وجائزة مجلة “الثقافة الأسبوعية” لصاحبها مدحت عكاشة، ومسابقات مجلة “الموقف الأدبي”، وعدا ذلك لا وجود لأي جوائز أدبية حقيقية في سوريا، وعلى الكتّاب المشاركة في منافسات خارجية للحصول على جوائز كما كان يحصل أيام جائزتَي رياض الريس (أي جائزة يوسف الخال للشعر وجائزة الناقد للرواية) في لبنان، أو “جائزة سعاد الصباح” في الكويت. لكن للسوريين حظهم العاثر من تلك الجوائز فهي تمنح غالبا لمن لا يملك الموهبة ولأسباب تتعلق بشؤون أخرى نجهلها، أو هي على الأصح شؤون نعرفها و”نطنّش” عليها.

(… وإعلان جائزة “ملحق النهار”.)
جدير بالذكر أن شوقي بغدادي حاول قبل سنوات إقناع شركة “ماس” التجارية التي يملكها فراس طلاس، النجل الأكبر لوزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس، بإنشاء جائزة أدبية باسم المجموعة، لكن المشروع لم يحظ بفرصة التنفيذ. تبقى أخيرا جوائز الدولة، ومنها “جائزة المزرعة” في السويداء و”جائزة البتاني” في الرقة و”جائزة سعد صائب” في دير الزور، وهي تمنح لأشخاص يسمع السوريون بأسمائهم فقط حين يحصلون على الجوائز، لا قبل ذلك التاريخ ولا بعده!

ماذا عن الأردن؟
يبدو أن الثقافة لا تزال في آخر سلّم أولويات المؤسسة الرسمية في الأردن، وهذا ما ينسحب على كثير من الأمور المتعلقة بها. حتى الآن لم تخصص أي جوائز ثقافية رسمية في الأردن باستثناء جائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع، التي يمنحها مرة كل سنتين مكتب جائزة الملك عبدالله التابع لمركز الحسين الثقافي في احد مجالات الخلق. وقد منحت آخر جائزة مناصفةً بين الشاعر التونسي يوسف رزوقة والأردني حيدر محمود. ولم تؤسس وزارة الثقافة أو أمانة عمان الكبرى، وهما الراعيتان الرئيستيان للشأن الثقافي، أو أي مؤسسة وطنية حكومية أو خاصة أخرى، جوائز للكتّاب والفنانين في أي من مجالات الخلق، شعرا ورواية ومسرحا وتشكيلا وغير ذلك. صحيح انه يمكن الإشارة إلى جوائز رابطة الكتاب الأردنيين، إلا أنها لا توزع بانتظام كما أنها لا تحظى بأي مكانة أو أهمية محلية وعربية، فضلا عن أن لجان الجوائز متغيرة باستمرار ولا يمكن اعتبارها محكمة. ومن ابرز هذه الجوائز جائزة “عرار” الأدبية التي استحدثتها الرابطة عام 1981، والتي فاز بها كل من عبد الوهاب البياتي وفدوى طوقان وسعدي يوسف وممدوح عدوان وآخرون. نذكر أيضا جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة التي تأسست عام 1985، وجائزة منيف الرزاز للدراسات والفكر وجائزة غالب هلسا وجائزة عبد الرحيم عمر لأفضل ديوان شعر، واستحدثت عام 1994، وجائزة خليل السكاكيني لأدب الطفل وجائزة عيسى الناعوري للنقد الأدبي وقد استحدثت عام 1994، وجائزة تيسير سبول للرواية وفاز بها عبد الرحمن منيف ومؤنس الرزاز وإبراهيم نصرالله وفاروق وادي وزياد قاسم. جدير بالذكر أخيرا أن جائزة الدولة منحت أحيانا لبعض الأدباء والباحثين الأردنيين لكنها لم تشمل جميع من يستحق: وهذا واقع عربي بتنا معتادين عليه وإن لم نكن راضخين له.

الواقع الإماراتي
(جائزة “العويس” الإماراتية لقاسم حداد.)
بالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة تشكل الجوائز الأدبية حالاً خاصة وفريدة من نوعها في الوطن العربي، إذ راكمت جائزة العويس، وهي أهم جائزة أدبية إماراتية تمنحها مؤسسة غير حكومية، حضورا مكرسا للعديد من الأسماء الأدبية وتتويجا لعطائهم الأدبي والثقافي. يكفي أن نذكر أسماء بعض الذين فازوا بهذه الجائزة، على غرار محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف وقاسم حداد وفؤاد التكرلي، فضلا عن عدد كبير من النقاد وكتّاب الشعر والقصة والرواية. واعتبرت جائزة العويس على الدوام جائزة عربية من العيار الثقيل، علما أن صاحبها الشاعر ورجل الأعمال الراحل سلطان العويس كان يسعى في سبيل رفعها إلى مستوى الجوائز العالمية من عيار نوبل وبوكر وبوليتزر وغونكور. وإذ كانت جائزة العويس قد نجحت قي لفت الإنتباه إليها وإلى صدقيتها وحيادها، فإن الخريطة الجغرافية للفائزين بها تطرح أسئلة عدة، أهمها يدور على جنسية الجهات المكونة للجان التحكيم والوجود الباهت للأدب الخليجي والمغاربي ضمن النسيج العام للفائزين بها، فضلا عن منحها غالبا لأسماء مكرسة في حين تظل الأسماء الشابة خارج دائرة التنافس. لكن تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن غالبية الفائزين بالجائزة وطوال الدورات العشرين السابقة هم من الحساسيات الثقافية اليسارية أو ممن يدور في فلك هذه الحساسيات من حداثيين ومثقفين ليبيراليين، وهذا واقع يثير بعض التحفظ من جانب الكلاسيكيين الذين يرون أن النصيب الأوفر من الجوائز يذهب إلى المعسكر الآخر. وحتى الكتّاب الذين هم على علاقة غير “ودودة” مع الجوائز، يعتبرون جائزة العويس حالا استثنائية، ونذكر منهم الكاتب المصري “الصعب” على هذا المستوى صنع الله إبراهيم، الذي استثنى جائزة العويس من نيران ازدرائه الجوائز.

حصّة ابن بطوطة
من جهة أخرى، ثمة أيضا في الإمارات جائزة الشارقة للإبداع، وتمنح للكتاب الشباب الواعدين ما دون الأربعين والذين هم في الطريق نحو إصدار كتابهم الأول، وتعنى تحديدا بدعم الموهوبين من الكتّاب والكاتبات في دولة الإمارات وفي الأرجاء العربية في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح وأدب الطفل والدراسات الأدبية. وقد بلغت منذ إنشائها إلى الآن الدورة التاسعة، وتتطور كل دورة شكلا ومضمونا وتحاول أن تكون لقاء أدبيا مهما في حياة الفائزين بها ومفصلا حاسماً في تجربتهم الأدبية.
جائزة أدبية إماراتية ثالثة جديرة بالذكر هي تلك التي أطلقها في أبو ظبي الشاعر محمد السويدي ضمن مشروع ارتياد الآفاق، واسمها “جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات” وبلغت الجائزة دورتها الثالثة ويرعاها المجمع الثقافي في أبو ظبي، وتهدف إلى تشجيع أدب الرحلة وتحفيز الكتّاب العرب على كتابة رحلاتهم ومشاهداتهم، بالإضافة إلى جمع مدونة الرحالة العرب القدامى والمحدثين وجمع المتناثر منها في المكتبات الخاصة والعامة. وقد تأسست إيماناً من الشاعر محمد أحمد السويدي بضرورة المساهمة في إرساء تقاليد حرّة في منح الجوائز، وتكريساً لعرف رمزي في تقدير العطاء الفكري، بما يؤدي في الضرورة إلى نبش المخبوء والمجهول من المخطوطات العربية والإسلامية الموجود في كنف المكتبات العربية والعالمية، وإخراجه إلى النور، وتالياً إضاءة الزوايا الظليلة في الثقافة العربية عبر علاقتها بالمكان، والسفر فيه، والكشف عن نظرة العربي إلى الذات والآخر من خلال أدب الرحلة، في وصف هذا الأدب من أبرز حقول الكتابة في التراث العربي، وكونه لم ينل اهتماماً يتناسب والأهمية المعطاة له في مختلف الثقافات.
نشير أخيرا إلى أن أهمية المشروع وجائزته تتزايد في ظل التطورات الدراماتيكية التي يشهدها العالم، والتي تنعكس سلباً على علاقة العرب والمسلمين بالجغرافيات والثقافات الأخرى، فالأدب الجغرافي العربي (وضمناً الإثنوغرافيا العربية) من شأنه أن يكشف عن طبيعة النظرة التي كوّنها العرب والمسلمون عن “الآخر” في مختلف الجغرافيات التي ارتادها رحالتهم وجغرافيوهم ودوّنوا انطباعاتهم عنها، مثلما يكشف التصورات الخاصة بالعرب عن الحضارة الإنسانية والاختلاف الحضاري.

وضع عُماني مرّ
قبل الحديث عن الجوائز الأدبية العمانية، ينبغي القول أن السؤال الثقافي مغيّب في عُمان، وان علاقة المثقفين الحقيقيين بالمؤسسة الثقافية الرسمية في أدنى مستوياتها على كل الأصعدة. لا جوائز أدبية تليق بمكانة عُمان ورصيدها الحضاري والثقافي لا من الدولة ولا من الموسرين.
ورغم أن جائزة أدبية باسم شاعر كلاسيكي كبير كـأبي مسلم البهلاني (1860-1920) الذي عاش منفياً في زنجبار يمكن أن تكون التفاتة في محلها، على ما يرى بعض المثقفين العُمانيين، إلا أن وزارة الإعلام لا تزال تمنع حتى إعادة طبع ديوانه الذي صدر في القاهرة ودمشق منتصف القرن الماضي! أما وزارة التراث والثقافة فعاجزة تماما عن إدارة بيروقراطيتها الميؤوس من إصلاحها، ولم تقدم على خطوة صحيحة تستحق الذكر طوال الأعوام الماضية سوى محافظتها على مهرجان أدبي يستقطب الشباب من كتّاب الشعر والقصة للفوز بجوائز تراوح بين 500 و1000 دولار، بلجان تحكيم مشكوك في نزاهتها، وهو مهرجان يقام سنوياً بغية تصريف الموازنة السنوية على ما تضيفه الوزارة إلى رصيدها السنوي مما تدعوه تجاوزاً “إنجازات ثقافية”، من دون أن تفكر حتى في خطوة تشجيعية لطبع مجموعات الفائزين بجوائزها على الأقل. أما الموسرون والأغنياء فهم طبقة طفيلية لا همّ لها سوى استنزاف خيرات البلاد وبناء المساجد ذراً للرماد، وتالياً فإن استحداث جوائز أدبية في عمان أمر في آخر الأولويات.

ازدهار مغربي
تاريخ الجوائز في المغرب عريق، يعود إلى عام 1925 حين قررت سلطات الحماية الفرنسية في المغرب إنشاء جائزة أدبية أطلقت عليها اسم “الجائزة الأدبية الكبرى للمغرب”. هذه الجائزة، التي كانت تمنح سنوياً لأعمال تستلهم الحياة المغربية في النصف الأول من القرن الماضي، ظلت لسنوات طويلة وقفاً على الفرنسيين، سواء أكانوا مقيمين أم عابرين من كتّاب الرحلات. لكن القاعدة كُسرت للمرة الأولى عام 1949 حين تمكن مغربي من الفوز بها، هو الأديب الراحل أحمد الصفريوي (1915- 2004)، أحد الرواد الأوائل لما أصبح يسمى اليوم “الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية”، وكان العمل الفائز روايته الأولى “سبحة العنبر” الصادرة عن دار “سوي”.
بعد رحيل الفرنسيين ألغيت هذه الجائزة، وصدر قرار عن وزير الثقافة عام 1974 قضى بإنشاء أول جائزة وطنية، هي جائزة المغرب للكتاب التي تمنح في حقول مختلفة. وتعد جائزة المغرب للآداب والفنون الأكثر شهرة، وقد بادرت وزارة الثقافة في السنوات الأخيرة إلى رفع قيمتها لتصل إلى 7 آلاف دولار، وأعادت النظر في آليات منحها وخصوصاً في عمل اللجان، وحرصت على اختيار أعضائها من بين أبرز الكتاب والمثقفين المشهود لهم بالنزاهة وحسن المتابعة في مجالات تخصصهم. ولكن رغم الدور الذي لعبته هذه الجائزة في ترسيخ تقليد سنوي للاحتفاء بالكتاب والتشجيع على قراءته، لم تسلم من بعض الانتقادات التي كانت توجه من حين إلى آخر لمناسبة إعلان النتائج. ففي السبعينات والثمانينات كان البعض يصفها بأنها جائزة “مخزنية”، أي تمنحها السلطة لمكافأة الموالين لها أو لاستمالة المعارضين. وسيظل الحدث الأبرز في تاريخ هذه الجائزة منذ إنشائها، إعلان الكاتب القصصي أحمد بوزفور رفضه تسلّمها في شباط من السنة الفائتة. وقد أعلن رفضه الجائزة في بيان لاذع يدين سياسة الحكومة عموما ولاسيما سياستها في المجال الثقافي.
من بين الجوائز الأدبية المعروفة أيضاً جائزة الأطلس الكبير، تأسست عام 1991 بمبادرة من السفارة الفرنسية في المغرب، وكان هدفها المعلن في البداية دعم دور النشر المغربية التي تعنى بالكتاب الفرنكوفوني. لكن الجائزة سرعان ما تخلت عن دعمها دور النشر وتوجهت منذ سنة 1996 إلى مكافأة الخلاّقين والكتاب مباشرة، ومن الفائزين بها عبد اللطيف اللعبي وادريس الشرايبي وعبد الفتاح كيليطو وغيرهم.
إلى جانب هاتين الجائزتين “الحكوميتين”، ظهرت في السنوات الأخيرة جوائز ترعاها مؤسسات مستقلة تهتم بالحقل الثقافي، منها مثلاً تلك التي يمنحها منتدى أصيلة الذي يقام في صيف كل عام، ومنها “جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي” و”جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب” اللتان تمنحان مرّة كل ثلاث سنوات، و”جائزة محمد زفزاف للرواية العربية” التي تخصص للروائيين العرب الذين ساهموا في تحديث الرواية العربية.
لا يمكن الحديث عن أهم الجوائز الأدبية في المغرب من دون ذكر “جائزة الأركانة العالمية للشعر”. و”أركانة” اسم شجرة فريدة لا تنبت إلا في المغرب. تأسست عام 2002 على يد “بيت الشعر”، وهي تمنح لشعراء ذوي مستوى عالمي. وفاز بها للمرة الأولى الشاعر الصيني المقيم في أميركا بيي داو، تقديراً لأعماله الشعرية وما تحمله من وعي جمالي حداثي. أما في دورتها الثانية هذه السنة فحصل عليها الشاعر المغربي محمد السرغيني، أحد الرواد الكبار في الشعر المغربي الحديث.
أخيراً لا بد من الإشارة إلى الجوائز الأدبية الخاصة بالشباب، وهي محدودة جداً على أي حال، من أهمها “جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب” التي استحدثت عام 1990، وتمنح مرة كل سنتين في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح، ويلتزم “اتحاد كتاب المغرب” طبع الأعمال الفائزة، و”جائزة الديوان الأول” التي أنشأها “بيت الشعر” عام 2002، وتمنح لأحد الشعراء الشباب في 21 آذار من كل عام لمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للشعر، وأخيراً “جائزة طنجة الشاعرة” التي استحدثت منذ سبع سنوات وتعلن عنها سنوياً “جمعية المبدعين الشباب في طنجة”، وهي الوحيدة تمنح جوائزها لأعمال مكتوبة بلغات أجنبية كالفرنسية والاسبانية والإنكليزية، إضافة طبعاً إلى العربية، وتقبل المشاركات من خارج المغرب.

الأمرّين في مصر
أما في مصر، فازدهار أيضا لكن بلا “فائدة”. فرغم كثرة الجوائز الأدبية المصرية، إلا أن الكتّاب (المتحقق منهم والناشئ) يعانون الأمرّين في سبيل نشر أعمالهم الفائزة، فكيف بالأحرى أولئك الذين لم يفوزوا بشيء. وغالبا ما تصبح الجائزة شهادة تعلّق على الحائط أو تُدرج بين الأوراق، أو منحة مادية تتفاوت في القيمة من جائزة إلى أخرى، تضيع هي الأخرى في محاولة استجداء الناشرين الذين سيطروا على سوق الكتاب في مصر ويرفضون غالبا نشر أعمال أدبية بحجة أن الكتاب الأدبي لا يباع، متناسين الدور المنوط بهم، وهو ترويج الكتاب و”اختراع” سوقه، ورفعه إلى مستوى المنافسة.
وإذا كنا لنسرد تاريخ الجوائز الأدبية المصرية، فلا بد من الانطلاق من جوائز المجلس الأعلى للثقافة. فمنذ عام 1958 بدأت الدولة منح جوائز للخلاّقين، وهي “جوائز الدولة التقديرية” و”جوائز الدولة التشجيعية”. وأضيفت إليها جائزتان جديدتان هما “جائزة مبارك” و”جائزة الدولة للتفوق”. أما “جائزة مبارك” فأعلاها قيمة وقدراً، وقد منحت للمرة الأولى عام 1999 وحصل عليها يومذاك كل من الكاتب الكبير نجيب محفوظ والفنان صلاح طاهر والدكتور عبد الرحمن بدوي. ويختص المجلس الأعلى للثقافة كما ذكرنا بمنح جوائز الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية التقديرية، وتبلغ قيمة كل منها خمسين ألف جنيه مصري وميدالية ذهبية، كما يختص بمنح جوائز في التفوق. إلى جانب ما سبق، هناك جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي الذي يعقد كل عامين من خلال المجلس الأعلى للثقافة، ويعدّ واحداً من أهم الملتقيات العلمية المتخصصة في مجال الرواية العربية. ونال الجائزة في الدورة الأولى عام 1998 عبد الرحمن منيف، بينما استقر منحها في الدورة الثانية لصنع الله إبراهيم الذي رفضها محرجا الدولة ومفجرا قنبلة من العيار الثقيل دوّت لفترة طويلة في الحياة الثقافية المصرية. أما الدورة الثالثة فحصل على جائزتها الروائي السوداني الطيب صالح، وتبلغ قيمتها المادية مئة ألف جنيه مصري.
نذكر أيضا جوائز الهيئة العامة لقصور الثقافة، والتي تعمل على تشجيع الشباب، وجوائز اتحاد كتاب مصر، وجوائز نادي القصة، وجائزة الجامعة الأميركية التي تمنح سنويا لأفضل رواية، وتحمل اسم نجيب محفوظ، وميزتها أنها مفتوحة لجميع المتسابقين على المستوى العربي. أخيرا نذكر جائزة محمد تيمور للإبداع، التي ترعاها رشيدة تيمور، وجائزة عز الدين إسماعيل وجوائز جمعية الأدباء وجائزة سوزان مبارك لأدب الطفل التي بدأت منذ عام 1998 وينظمها المجلس المصري لكتب الأطفال. جوائز لا تعدّ ولا تحصى في حياتنا المصرية، يتلقفها الفائزون كتكريم عابر ليس إلا، آملين في أنها ستساهم يوما في شكل فعلي في مساعدة الكاتب على الانطلاق، بدلا من أن يتسوّل نشر كتابه من مؤسسات لا تؤمن إلا بالربح السريع، وتعتبر الكتاب محض “بضاعة”.

ماذا عن فلسطين؟
بالنسبة إلى الجوائز في فلسطين هناك مصدران أساسيان، هما برنامج الثقافة والعلوم الذي تديره جمعية القطان من رام الله للسنة الخامسة على التوالي، وفي جوائز سنوية لمجالات الأدب المختلفة فضلا عن الفن التشكيلي والموسيقى والكتابة الصحافية، وما تنظمه وزارة الثقافة الفلسطينية، مثل جائزة فلسطين وغيرها من الجوائز الرسمية. ولكن يمكن القول إن مؤسسة القطان هي الرائدة الحقيقية في هذا المجال، إذ تحفّز الكتّاب والفنانين الشباب عبر برنامج الثقافة والعلوم وتقديم الجوائز والمنح في حقول خلاقة مختلفة، ومنها جوائز أولى مقدار الواحدة منها أربعة آلاف دولار في الرواية والكتابة المسرحية والقصة القصيرة والشعر. وتنشر المؤسسة الأعمال الفائزة بالتعاون مع “دار الآداب” في بيروت. وتجدر الإشارة إلى أن المؤسسة، التي انطلق برنامجها في خريف 1999، ولاقى احتفاء كبيرا في الأوساط الثقافية الفلسطينية، تنظم في السنة المزدوجة جائزة الشعر والقصة القصيرة، وفي السنة المفردة جائزة الرواية والمسرحية، وذلك لإتاحة المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة كل مرة، حيث أن جائزة القصة القصيرة والشعر تستهدف الكتاب الشباب الفلسطينيين ما بين 22 و30 سنة، في حين تستهدف جائزة الرواية والمسرح الكتّاب ما بين 22 و35 سنة.
نذكر أخيرا أن مؤسسة القطان تعمل مع لجان تحكيم مستقلة، تضم في عضويتها كتابا ونقادا فلسطينيين وعربا من مستوى رفيع. ومن الأسماء التي عملت في لجنة تحكيم هذه الجائزة على مر الأعوام السابقة، على سبيل المثال لا الحصر: فيصل دراج وصبحي حديدي وإلياس خوري ومحمد برادة وإدوارد الخراط وسحر خليفة وغسان زقطان وإبراهيم أصلان وحسن داوود وغيرهم. ومن شأن هذه الأسماء أن تمنح الجوائز صدقية واحتراما تفتقر إليهما معظم الجوائز الأخرى بسبب انتشار المحاباة والصفقات وغياب صيغة “الشخص المناسب في المكان المناسب” عن معظم لجان تحكيم الجوائز العربية.
(النهار الثقافية، 19 أيلول 2005)
(النهار الثقافية، 20 أيلول 2005)
جمانة حداد

نشر في 5/10/2005 9:40:00 (85 القراء)

‫0 تعليق