نور الدين محقق: محمد شكري: فتى طنجة وبنات أوربا (فصل من رواية)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


ـ 1 ـ
هنا في بلاد الغربة، في هذه الجنة الخضراء التي دخلتها من بابها الواسع، عبر تأشيرة سفر ممتدة إلى ما لا نهاية، إلى اللحظة التي أقرر فيها أنا بمحض إرادتي مغادرتها، كنت أشعر بوحشة غريبة، هي وحشة سببها أن الفتى العربي الذي كنته، كان يحس نفس إحساس شاعره المفضل أبي الطيب المتنبي، بكونه غريب الوجه واليد واللسان. لهذا فقد كانت تجتاحني في بعض اللحظات عاطفة قوية تدفعني للبحث عن كل ما هو عربي أو يمت إليه بصلة لاحتضانه، وبما أني كنت فتى ولوعا بالأدب، محبا لأصحابه، فقد كنت باستمرار أبحث عن هذا الأدب وهو يرتدي ثياب اللغة العربية، إذ بالرغم من قراءاتي له في لغة الآخر، فقد كان هناك حنين جارف إليه في لغته الأصلية، كانت تصاحبني دواوين الشعراء: نزار قباني، ومحمود درويش وأدونيس، كما كنت أحتفظ برواية “الخبز الحافي” للكاتب محمد شكري في

صيغتها معا. العربية كما خطها يراع صاحبها والفرنسية كما نقلها إليها الكاتب الطاهر بنجلون. شيء عميق كان يثيرني فيها، لعله صدق الحكي المنجرف في معظم ثناياها. لعله تلك النهاية الفاتنة التي ختمت بها، والتي تؤثر حتى في الحجر الصلد، أو ربما شيء آخر لا أدري كنهه، ومن الأشياء التي علقت بذهني وحكيتها لمختلف أصدقائي وصديقاتي، عربا وأجانب، ذلك الحلم الذي اعتراني ذات ليلة من ليالي الشتاء القارص القاسي، بعد أن انتهيت من قراءتها، إذ ما أن غلبني النوم واستسلمت لسطوته، حتى رأيت فيما يراه النائم ما سأحكيه لك أيها القارئ المشاغب ولك أيتها القارئة الفاتنة الجميلة.

ـ 2 ـ
رأيت فيمـا يراه النائـم أنني كنت في ليلة جميلة لا تشبه بقية الليالي، ليلة قـد كرست برمتها للحديث عن الفتى الطنجاوي الذي لا يريد أن يشيخ في أذهاننا أبدا، والذي يحمل اسما جميلا وسريع الرسوخ من الذاكرة، اسما يبتدئ بمحمد وهو اسم شائع بين الأسامي العربية ويحمله رجال كثيرون، وشكري وهو اسم لا يكاد يعرف به في المغرب أحد سواه. وهما إذا التقيا معا فلا يقصد بهما معا في العالم بأسره إنسان آخر غيره، فقد طبقت شهرته الآفاق وامتدت، كما النار في الهشيم، لهذا فقد طلبت مني الرائعة :”Maud” أن أتحدث لها عنه، خصوصا بعد أن قرأت سيرته – روايته “الخبز الحافي” وأعجبت بما جاء فيها من أخبار لم يكن لها عهد بها من قبل، ولم يسبق أن وجدت مثيلا لها في أي الروايات التي سبق لها أن قرأتها، وقد ألحت في طلبها متوسلة لي بأعز الناس لدي لأفعل ذلك. فما كان لي إلا أن لبيت لها طلبها.

ـ 3 ـ
رأيت أنني قد حدثت فتاتي هاته عنه، ولم أكن أعرف عنه شيئا سوى ما كتبه عنه المبدع محمد برادة. أخبرتها عن علاقاته مع لعبة الكتابة، وقد اتخذتها سلاحا له في الحياة يدافع بها ومن خلالها عن وجوده. وقد اكتشفها وهو في سن العشرين فتشبث بها تشبت فريق يصارع أمواج بحر عات، وقد نجح في الإفلات بواسطتها من الدوامة الحياتية التي كان يتخبط فيها، رأيت أنني قد حدثتها أيضا عن مجموعة القصصية الباذخة “مجنون الورد” وعن الأجواء الألف ليلة المتواجدة فيها، فاشتاقت لقراءتها وطلبت مني أن أقرضها إياها، فأخبرتها بأنها لم تترجم إلى الفرنسية بعد، فاستاءت لذلك، وفرضت علي إن كنت راغبا في استمرار علاقتي بها أن أقوم أنا بترجمتها لها، فاستأت لذلك ولعنت اليوم الذي تعرفت فيه على هذا الكاتب الذي ما أن يقرأه أحد حتى يعشقه، ويقع في سحر حكاياته المدهشة فوعدتها بتحقيق رغبتها تلك آملا أن تجعلها الأيام تنسى وعدي هذا. ذلك أن قصص هذا الكاتب على بساطتها تحمل داخلها عمقا روحيا أخاذا، هو في أغلب الأحوال مستمد من روح التجارب التي عاشها، حتى وإن تم سردها في اعتقادي، وأنا نائم، بطريقة تختلف عما وقعت به بالفعل، ومن الصعب تبعا لذلك ترجمتها، خصوصا بالنسبة لواحد مثلي، ما زال في ذلك الوقت لم يتخط سنه العشرين ربيعا من جهة ومستوى دراسته لم يتجاوز حدود السنة الأولى من الجامعة، من جهة أخرى، لاسيما وأن فاتنتي “Maud” كانت تريدني أن أترجمها كتابة، كما فعل الكاتب الطاهر بنجلون، لا على الطريقة الشفوية العادية التي يتركز على شرح المضمون الظاهر فحسب، وقد نسيت الأمر فعلا بعد ذلك وإن ظلت تتباهى بمعرفتها بالأدب العربي وخصوصا المغربي منه وتتحدث إلى زميلاتها عن سيرة – رواية “الخبز الحافي” وبعض روايات الكاتب الطاهر بنجلون التي قرأتها بعد ذلك بإعجاب كبير، واعدة إياهن بإقراضها لهن واحدة تلو الأخرى.

ـ 4 ـ
رأيت في منامي أيضا أنه قد مرت أيام عديدة على هذه الليلة المحمد شكرية نسيته فيها تماما، خصوصا وأنني كنت منشغلا بأمور أخرى منها ما يتعلق بمواد دراستي الجامعية، ومنها ما يتعلق بأمور حياتية، كالبحث عن لقمة العيش ومتعة الجسد، وما أن ولجت في إحدى المرات بهو الكلية حتى جرتني فاتنتي “Maud” والبسمة تطفح على شفتيها الجميلتين، وأدخلتني إلى المقهى المتواجد هناك، صائحة على سبع من صويحباتها الأفرودتيات ليلتحقن بنا إلى المكان الذي اختارته لنا. وهو مكان منعزل نوعا ما عن باقي أمكنة المقهى إذ يقع في أبعد زاوية فيه، فلم أدر إلا وقد أصبحت محاطا بهن، وكل واحدة منهن تنظر إلي بمرح طفولي أيقظ خيالاتي كلها منذ أن تشكلت في بطن أمي إنسانا سويا إلى تلك اللحظة مرورا بكل المحطات التي عرفتها صبيا فطفلا فيافعا فشابا ملء السمع والبصر، وتدعوني للحديث معها دون سواها، ونحكي سيرة الكاتب محمد شكري لها بالتفصيل، وهل حقيقة أن ما رواه في سيرته الروائية تلك قد عاشه بالفعل أم أن الأمر لا يعدو إعادة كتابة لما قد وجد في كتاب “ألف ليلة وليلة” من حكايات، بطريقة عصرية وبأسلوب شخصي يمتاز بالسهولة وبالشاعرية معا؟ ولم أكن أحير جوابا، كنت أكتفي بالقول بأن الكاتب قد أبرم عقدا مع قرائه، أخبرهم بموجبه أن ما يسرده عليهم يمثل مقاطع حقيقية من سيرته الحياتية وعليهم، أي هؤلاء القراء، تبعا لذلك أن يصدقوه. وكان جوابي الموضوعي هذا لا يعجبهن ولا يستثير فضولهن. لقد كن يردن إثارة من نوع آخر، ربما أكثر مما وجدناه في ثنايا الكتاب المذكور في حد ذاته. ولا أدري كيف حضرتني بعض المقاطع الجميلة من رواية الكاتب الطيب صالح الشهيرة: “موسم الهجرة إلى الشمال” التي يتحدث فيها على لسان بطلها مصطفى سعيد عن أثر الأحاديث الرائعة التي كان لبنات الغرب، أو لبنات عيسى كما نسميهن ونحن نتجاذب أطراف الحديث حين كنا هناك في أرض الوطن الحبيب، في إنجلترا، في جلبهن إليه وتمتيعه بأجسادهن مقابل حكيه لهن عنها. وكانت هذه الأحاديث في أغلبها مخترعة لا أساس لها من الصحة، تركز على ما هو غرائبي ومثير في الحياة وتنسبه إلى البيئة الشرقية، وغالبا ما تتمحور حول الجنس المبالغ فيه، ساديا كان أو مازوشيا، واللذائذ المرتبطة به والجرائم الناتجة من جراء تلك المبالغة التي تخترق كيانه. فحاولت مجاراته في ذلك، وقد نجحت في ذلك، مستعينا بحكايات “ألف ليلة وليلة”، وسرعان ما تدفقت الفتيات من كل جهات المقهى صوبي، وتجمعن في حلقة بدأت تتسع مع مرور الوقت، وتدفق الحكايات، وكنت كلما أبصرت فتاة جميلة تلتحق بالحلقة، أقدم امتناني وشكري للكاتب الفنان محمد شكري !

ـ 5 ـ
وما زال حلمي ممتدا، فقد رأيت فيما يراه النائم أنني قد عدت إلى بلدي الحبيب، وتشابكت حياتي بحياة الحكايات، وامتدت علاقاتي بكل مبدعيها كبارا وصغارا، نساء ورجالا، وبقي للكاتب محمد شكري مكانا خاصا داخل قلبي، أنا الفتى الذي لا يهمه مدى إبداعية هذا الكاتب في تصوير عوالمه الغنية بكل ما هو مثير، ولا في مدى جمالية أسلوبه في سرد حكاياته التي تتدفق في اتجاه انسيابي لا يدع المتتبع له يجد فرصة للإفلات منه ومن براثنه، ولا في أحقية كتاباته بالتواجد الأدبي الفني العميق، أو مجرد التواجد الظواهري كشكل من أشكال التعبير عن الحياة، بل كل ما يهمه أنه كلما قرأ كتابا لهذا الكاتب العصامي كلما استحضر لحظات جميلة مرت به، وتمنى لو أن الفتيات اللواتي شاركنه فيها قد صادفن في طريقهن إلى عملهن أو إلى عملهن أو إلى محل سكناهن هذا الكتاب الجديد الذي يقرأه ليستحضرن صورته هو الآخر، والأيام الجميلة التي قضينها في حضرة حكاياته المستمدة إما من كتب هذا الكاتب الجميل أو من كتب تتحدث عنه، خصوصا وأن معظم هذه الكتب الآن قد ترجم إلى لغتهن أي “الفرنسية” وأصبح متداولا هناك بشكل لافت للنظر.

ـ 6 ـ
للفتى الطنجاوي آيات شكري.
له التحيات مني تسري
له القلب ينبع بالورد البري
ويحلق، كما الكلمات، في ليل
شاعري بحري !
إنه قد أبدع في لحظات سري
وجهري …
فتيات آتيات من عمق الشذى.
فتيات طريات كما قطرات الندى
يردن، يا لزهوي، سماع حكاياتي
وتقبيل بنات فكري
يردن، يا لفخري !
سماع دندنات شعري !
فهل هناك أجمل من هذا ؟
لا، وعمري ! ! !

ـ 7 ـ
رأيت ودائما، يا قرائي المشاغب الهماز اللماز، ويا قارئتي الجميلة الفاتنة، في ثنايا هذا الحلم العجيب الغريب، أن دهشتي قد كانت شديدة جدا، حين تلقيت، بعد مرور عشر سنوات على مغادراتي أرض الغال التي أعشقها كثيرا وأهيم ببناتها الفاتنات أيما هيام، كما أرتاح إلى لقاء فكرها الأفذاذ ولو عن طريق قراءة كتبهم. فهذه الأرض هي بلد الأنوار وصانعة رموزها في العالم بأسره، رسالة آتية منها، تحمل في طياتها حديثا رائعا عن الكاتب محمد شكري. وكانت الباعثة لها هي فاتنتي أيام شبابي الأول:”Maud”. فقد قرأت مؤخرا روايته السير ذاتية الأخيرة أو لنقل الثانية على الأصح، أي ” زمن الأخطاء” مترجمة إلى لغتها الأم في أسلوب فرنسي غاية في الإتقان وآية في الجمال، أبدعه يراع الكاتب الذي ترجمها: محمد الغلبزوري، وقد سرت بها كثيرا وأظهرت إعجابها بالتطور الأدبي الحاصل فيها مقارنة بسابقتها “الخبر الحافي” مخبرة إياي بأنها قد سمعت من أحد أصدقائها المغاربة بأن هذه الرواية السير ذاتية في أصلها العربي، أو لنقل في طبعتها المغربية على الأصح، تحتوي على رسالة أدبية بالغة التأثير أرسلها الكاتب محمد برادة، صاحب رواية “لعبة النسيان” التي فتنت بقراءتها وسرت بما جاء فيها أيما سرور، معربة عن الرغبة في التعرف على روايات أخرى له مترجمة إلى لغتها الفرنسية كي تقرأها، ونظرا لأن هذه الرسالة، أي رسالة محمد برادة إلى محمد شكري، لا توجد في الطبعة الفرنسية، فإنها تدعوني، بحكم علاقتي الباذخة بها في السابق بأن أترجمها إلى لغتها وأبعث بها إليها، كي تعرف من خلالها بعض الأجواء التي عاشها الكاتب محمد شكري، وموقع روايته السير ذاتية هاته من مجمل كتاباته الأخرى، لاسيما وأنها تنوي، إن ساعدتها الظروف أن تهيأ كتابا حول هذا الكاتب، قد تبعثه لي إن توفقت في إنجازه كما يجب وكما تحب. ونظرا لحبي لها من جهة أولى ولإعجابي الشديد بكتابات المبدع محمد برادة من جهة ثانية ولمحبتي للكاتب محمد شكري من جهة ثالثة، فقد قررت أن أقوم بالعمل الذي كلفتني به. وها أنا الآن منشغل بعملية إنجازه. فهل أوفق فيه أم لا ؟ علم ذلك عند علام الغيوب.

ـ 8 ـ
رأيت أيضا وأنا نائم أن صديقي السي محمد، الذي سمعت أنه الآن يحاضر في كاليفورنيا صحبة مجموعة من عمالقة اللسانيات، أنه قد ترجم بتصرف فاتن الرسالة الجميلة التي بعثها الكاتب محمد برادة لصديقة المبدع محمد شكري، وطلب مني أن أمده بعنوان صديقتي القديمة “Maud” كي أبعثها لها، آملا أن تكون سببا في إعادة الصداقة العميقة بيني وبينها، وقد سرني قيامه بهذا العمل، مهما كانت الدواعي التي دفعته للقيام بذلك، خصوصا وانه يمتلك منذ بداية حياته الدراسية قدرة هائلة على إتقان اللغات، وأنه يمتاز بأسلوب أدبي فاتن سواء أكتب باللغة العربية أو اللغة الفرنسية أو بلغة أخرى غيرهما. وأنه تبعا لذلك سيبدع في عملية ترجمته لهذه الرسالة أيما إبداع. وقد كانت لحظة مجيئه إلي لإخباري بذلك فرصة لدفعي لإعادة قراءة أعمال الكاتب محمد شكري من جديد، ومحاولة تقييمها على ضوء قراءاتي الحالية، والتمعن في عوالمها وفق منظوري الشخصي الذي لا يعني أحدا سواي. فكان أن وجدتها جميلة كعهدي بها، مغرية كأشد ما يكون الإغراء، تدعوك لها وتفتح أبوابها كلها دفعة واحدة لاستقبالك. قد تبدو بسيطة من جراء ذلك إلا أن بساطتها هاته، ليست بالبساطة العادية التي في استطاعة أي كان أن يمتلكها، بل إنها من نوع تلك البساطة الممتنعة والمتمنعة التي لا يصل إليها إلا الراسخون في فن الحكي والمضلعون في معرفة خباياه، وإن بالحدس الموهبي الخارق كما هو الحال مع الكاتب الألمعي محمد شكري.

ـ 9 ـ
وما زال الحلم ممتدا بي، سابحا بأوهامي وتخيلاتي في ثنايا عوالم هذا الكاتب الذي ملأ دنيا الحكايات الليلية وفتن ناسها، إذ مرة أخرى، رأيت وأنا منغمس فيه، أن هناك لقاء جميلا لكنه صاخب، قد تم بيني وبين صورة هذا الكاتب، فقد دعاني صديقي المصطفى في إحدى الليالي السبتية إلى بيته، معربا لي عن رغبته في الحديث معي حول الأدب المغربي بصفة عامة وحول أدب محمد شكري بصفة خاصة، لأنه ينوي أن يهيئ بحثه الجامعي لهذه السنة عن أحد أعماله السردية، وما أن امتد الحديث بنا حوله حتى قام صديقي وأظهر لي الخطاطة المؤقتة التي هيأها لهذا البحث، والتي ينوي السير عليها، كانت الخطاطة تنقسم إلى مقدمة تشمل الحديث عن فرسان القصة الواقعية الجديدة: محمد زفزاف وإدريس الخوري ومحمد شكري، وعرضا يشمل الحديث عن أهم التيمات التي تعرض لها محمد شكري في كتاباته لا سيما في مجموعته القصصية الأولى: “مجنون الورد”، وفي مقدمها تيمة البؤس، وخاتمة تشمل الحديث عن أهمية الكاتب في السياق الأدبي المغربي بشكل خاص والعربي بشكل عام. وبالرغم من أن هذه الخطاطة تبدو في هيكلتها بسيطة جدا، فقد شجعت صديقي المصطفى على الالتزام بها واقتراحها على الأستاذ المشرف الذي ينوي الاشتغال تحت توجيهه، حتى يرى ما سيقوله فيها، ولا أدري ما قاله لي صديقي المصطفى هذا بعد ذلك، ولا ما قلته له أنا أيضا، إذ خيل لي أننا قد سبحنا معا في عالم آخر ملؤه القهوة النواسية والشاي البودليري ( في الشعر ليس إلا ).

ـ 10 ـ
رن الهاتف مرارا وتكرارا، وهذه المرة ليس في الحلم طبعا، إذ كنت أسمع رنينه وكأنه آت من عالم آخر، ثم ما لبث أن سمعت رنينا أقوى من رنينه لا سيما بعد توقفه، منبعثا من ساعة الحائط، فقفزت مذعورا من شده قوته، وعلمت لحظتها أنني قد قضيت ليلة طويلة جدا في ضيافة الكاتب محمد شكري وأن ليس هناك من حقيقة فيما قلته لك أيها القارئ المخادع الهماز اللماز ولك أيتها القارئة الفاتنة التي تصدقين كل ما يحكى لك، إن هي إلا رغبات داخلية مدفونة، انفجرت فجأة، على حد قول فرويد، في شكل حلم طويل. وما أن عاد الهاتف يرن من جديد حتى أمسكت بيد الآلة المنبعث منها رنينه، مقربا إياها من أذني، فسمعت صوتا رخيما يقرؤني التحية الصباحية ويدعوني لانتظاره حتى يأتي إلي. كان الصوت صوت فتاة تسمى، حسب ملتي واعتقادي، الفاتنة:”Maud”.
نور الدين محقق أديب مغربي وناقد مسرحي و سينمائي ، وباحث أكاديمي في مجال السيميائيات السردية .
[email protected]
ـــــــــــــ
ملاحظة: – هذا الفصل هو من رواية “ريشة الطاووس” التي يتحدث فيها الكاتب نورالدين محقق من خلال أصوات شخوصها، عن علاقاته الإبداعية المتوهمة مع مجموعة من الكتاب العرب والأجانب. وهي إحدى رواياته التي كتبها بعد روايته الأولى :”وقت الرحيل” التي سبق أن نشر فصولها في الصحف المغربية.

نشر في27/08/2005 6:10:00

‫0 تعليق