خالد أقلعي: هواجـس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


«إنني أعرف ، الآن ، و أحدس أن دولة الإنسان قد انتهت»
لو الهورلا Le Horla، جاي دي موباسان

…، ثمّ من أين نستمدّ القوة لمواجهة ما قد نستشعره فجأة من هواجس الخوف من المرض و الضياع و الموت؟ كيف نواجه أوضاعا وجودية لم نعشها من قبل تفرض علينا التصرف وفق برنامج محدد ودقيق لا نحيد عنه قيد أنملة ؟ هل نملك القدرة فعلا على تحويل مجرى حياتنا بمجرد ما نولي قضية التغيير حيزا كافيا من اهتماماتنا؟ أليس للعلّة موعد مع الجسد لا تخلفه أبدا مهما كانت عافية الأخير و حيطته ؟ و تتناسل الأسئلة في ذهنه المتعب بعدما

أصبحت الرغبة في التخلص مما يصدّع رأسه من طنين السّياسة قضية مستعجلة لا تقبل التأجيل.فكّر في تغيير أسلوب حياته، ليبدأ بمسكنه المتداعي وسط قذارة هذه المدينة القديمة ،وقبالة هذه المقبرة العجوز التي لا تفتأ تبتلع الأجساد.برقت في ذهنه فجأة فكرة الرّحيل الأبدي! كل شيء قريب.لن يحتاج عندها إلى نقل الأثاث أو الملابس ولا حتى الكتب. وتذكر بوضوح هذه المرة أنه تجاوز الأربعين من عمره، وأن فترة مماثلة في حياة كل إنسان تتميز بخصائص و سمات تفرض عليه التأقلم مع إيقاعاتها المتوترة ومطاوعة ما تمليه على (ضيوفها)من أخذ الحيطة و الحذر، خاصة الآن، وقد التقطه داء السّكري و انشأ وجودا في كلّ خلية من خلايا جسده.وتبادرت إلى ذهنه حكمة وهو يصحّح دفاتر التّلاميذ فسجّلها على الهامش: »لا يموت الإنسان بالكفّ عن تناول وجبة عشاء،لكنّه قد يسقط بسعرات زائدة من السكّريات«! انتبه،فجأة،إلى أن الحديث عن”داء السكّري”و أعراضه وسبل التعايش معه أضحى بالنسبة إليه أهم من الحديث عن احتلال العراق و معاناة الفلسطينيين و مفهوم الإرهاب و مأساة سونامي و اغتيال “الحريري” وفرضية ارتفاع ثمن الطماطم و خبر تراجع الدولة عن دعم مواد الدّقيق و السكّر و الزّيت…وبينما كان “السّائق التّركي” يخبره بأنّ كلمة”طوز” ترادف في العربية كلمة “غبار” ،بدا هو منشغلا بإزاحة ما تراكم في مخيلّته ووجدانه من تساؤلات حول علاقة الحيطة بالقدر،ونطق طيف عمته”أمينة”بالحكمة المأثورة: «الحيطة غلبت القدر». غير أن هذه الحكمة لم تكن لتصمد أمام يقينه بأن قدره بداية انهيار نحو الأمتار المظلمة في ركن منزو من تلك المقبرة الشاسعة الموحشة..هناك حيث تجثم الصخور الصماء الضخمة لتحجب نور السماء و زرقتها،حيث يطمس التراب الرطب جلبة الحياة و يكشف تفاهتها… و حاول “حميدة” أن تنتشله من أعماق شروده السّحيق بعدما بدا لها كالصّنم يبحلق منذ مدّة في دفتر التّمارين من دون أن يسجّل أيّة ملاحظة.تضع كفها على كتفه فينتفض مذعورا متوترا لاهثا. ينتزع بشفتيه ابتسامة قصيرة وهو يتناول منها كوب الحليب بأوراق نبتة مباركة تهدئ الأعصاب وتساعد على النوم.لم تذخر “حميدة” جهدا لتهدئته و جعله أكثر قدرة على مقاوم هذا الهاجس المرضي الذي يعبث بكيانه بعدما صار كابوسا يؤرقه ويسد عليه كل منافذ الأمل في حياة خالية من المخاوف، ملؤها العافية و الثقة بالنفس… وقبل أن يستلقي على فراشه ألقى نظرة حزينة على صغيره “صفوان” الذي يغط في أحضان نومة عميقة في ركنه المعلوم من الغرفة ثم أطفأ النور.
رأى،فيما يرى النائم،أشياء كثيرة غريبة وغير متناسقة، بيد أنه فلح في فك طلاسمها و كشف رموزها التي بدت له مرعبة إلى حدود الذعر فحال ذلك بينه و بين العودة إلى النوم من جديد »رأيتني ممددا على سرير من خشب مربوط إلى حصان أسود ضخم و يدي مدفونة في الطين، وعندما ينطلق الحصان أراني أعدو برفقة جمهرة من الخلق داخل حلبة ثيران ضيقة ،ثم أجدني ملتصقا بجدار عال أشطح بحزم وقد تملكني وجد صوفي عظيم ، قبل أن تدفعني عجوز من ظهري لأهوي في بئر عميق على التوّ ! « ولكن”حميدة” لا ترى في هذا الحلم سوى بشرى خير ،فالعدو داخل حلبة ثيران و برفقة أناس تبشر بسفر قريب إلى بلاد الأندلس المعروفة بمثل هذه الأنشطة.أما السّقوط في جوف بئر فهو الخير عينه»أليس ماء البئر منبع الحياة و الخصب ومصدرهما ؟«بيد أنه لم يهتم بتفسيرات حميدة. كان منشغلا بمراقبة الخنفس الأسود القصير الذي يتحرك باطمئنان واضح وهو يقطع المسافة التي تفصل دولاب الملابس عن الحمام.وازداد حزنه وقلقه وهو يغوص في مغزى زيارة هذا الكائن الأسود الحقير لغرفته في مثل هذه اللحظات الصحية الحرجة التي يمر بها .واستحضر باستخفاف ما يشاع حول الاعتقاد الغربي بأن “الخنفس” يمثل بشرى خير .ثم تذكر “فرقة الخنافس”* الخالدة و ما آلت إليه من فُرقة بعدما غادرها جون لينون قبل أن يغتاله المعجب المخبول،وتصوّف جورج هاريسون وانخراطه في إحدى الشعائر الهندية،ثم انعزال رينكو ستار و انطفاء شهرته.. وتساءل : هل كان اسم “الخنافس” بشرى خير فعلا؟ وأخذ يترنّم ، من دون أن يشعر،بأغنية “البارحة”**.وطار بخياله إلى الأمس البعيد بقريته”فدّانة” حيث كان يقطع ، وهو ما يزال طفلا، عشرة كيلومترات يوميا للوصول إلى المدرسة ثم العودة في المساء جريا في سباق مع العواصف و الثلوج والأمطار و العتمة .كان، وهو الصبي اليافع، يعدو كالفهد بين المروج الخضراء و الفجاج العميقة و الطرق المتربة من دون أن يعبأ بتعب أو مرض أو خوف.تذكر اصطيادهم “الحجل” أيام”رمضان” المثلجة : تزحلقهم عبر الهضاب والمرتفعات وعدوهم في كل اتجاه بحثا عن فريسة باردة متعبة من الطيران.» هل كنت أخلد إلى الراحة أيام الخير و عصير السلام ؟ أدور مع البغل على المطحنة الحجرية التي تعصر الزّيتون فيسيل الذّهب الصّافي نحو “المطمورة” مخلّفا ركاما من “الفيتور”المتلألئ .أدور مع البغل ،أدور ،أدور من دون كلل أو ملل.ثم نحلق حول مائدة الغذاء الدسمة (بيصارة و زيت المطمورة) بدون خوف ولا توجس .كان هذا بالأمس أما اليوم…؟!« . في عتمة هذه الغرفة كان وميض الأفكار السوداء واشتعال الهواجس المؤرقة في عقله ووجدانه يضيئان ما في جوفه من قلق و خشية،وما ينذر به الليل من مصير محزن تنتهي إليه أسرته الصغيرة الهانئة.ويتخيّل و غصّة في حلقه و الدموع ملأ عينيه صغيره “صفوان” وهو يلح في السؤال عنه ،بعد غيابه الأبدي،مثقلا بشوق يجعله أكثر ميلا للبكاء و الحزن و العزلة.ويتصور “حميدة”بعده أرملة شاحبة مهمومة محطمة الكيان، فاقدة الرغبة في مباهج الحياة و مخالطة الناس…وينتبه من شروده بسبب الحزن الذي يثقل على قلبه فيصدر آهة مسموعة، وعندما يشعر ببرودة أطرافه و ارتفاع نبض قلبه وألم حاد في ركبتيه يتكوم حول نفسه و يهمس لحميدة :»زمّليني..زمّليني« ، فتضمّه إليها و هي تغالب ثقل النّعاس.ويخوض في تسبيح و استغفار مسترسلين.


يتجه نحو الثّانوية بخطوات بطيئة مهزومة.يتوقف من حين لحين أمام واجهات زجاجية لم تكن تستثيره معروضاتها الاستهلاكية من قبل:ملابس نسائية،شطائر بيتزا، أوراق يانصيب، نظّارات طبيّة،هواتف نقّالة و بطاقات تعبئة،أشرطة موسيقية و أقراص مدمجة…صحيح أنّه لا يدري لماذا يتوقّف عند كل واجهة زجاجية كما لم يفعل من قبل،لكنّه يفعل الآن.لعل القدر يحثّه على اغتنام ما تبقى له على وجه الدّنيا من أيام وربّما شهور؟! ولكن هذا هراء فعلا.كيف تتدهور حالته الّنفسية بهذا الشّكل المريب لمجرّد أنه يستشعر حالة من الحالات التي تصيب المرضى بالسكّري؟ هل يمكن أن يحدد عدوه الخفي من دون أن يخضع لتحليلات و فحوص طبية لا قبل لأجرته الشّهرية الزهيدة بها ؟ وماذا سوف يكون وضعه النفسي إن كشفت الفحوصات الطبية ، لا قدّر الله، ابتلاء لا عافية بعده؟..كان يصارع هواجسه السّوداء عندما نزلت على كتفه كفّ غليظة دافئة.استدار فإذا به أمام”سي مفضل”أحد زملائه المتقاعدين.بدا له الرجل متورُد الخدين ،مبتسم الثّغر، منشرح الصّدر،لم يفقد مرحه الطّفولي وبهجته المشتعلة على الرّغم من شيخوخته و كثرة أمراضه.وبينما كان “سي مفضل” يحكي عن حياته و أسفاره بعدما تحرّر من قيود العمل و توقيته، انشغل هو بالتفكير في مدى صحّة هواجسه المرضية و مصداقيتها.و قرّر وهو يودّع الزّميل المتقاعد أن يخوض حربا شعواء ضدّ هذه الأفكار السّوداء التي تتصيّد شروده و غفلته و إرهاقه الفكري لتنسج خيوط شؤمها حول دماغه ، و تطوح به في متاهات القلق و التوجّس. فكان أن وفّق في ذلك طوال النهار.


كانت بسمته في المساء أكثر اتّساعا من ذي قبل.وبدا مستعدّا ،هذه المرّة، للتحوّل إلى دابّة يمتطيها “صفوان” بمرح وهو ينادي أمه لتراه.وضحكت “حميدة” للمنظر ، و اطمأن قلبها بهذا المظهر المرح الطارئ على الزوج العزيز مبدّدا إيقاع الكآبة التي خيّمت على البيت منذ شهرين . ومشت بدورها على ركبتيها (تمأمئ) مثل نعجة بينما “صفوان” المشتعل بهجة يتنقل على ظهريهما بخفّة الفهد.وانتهت حصّة اللّعب بحلول وقت العشاء.أخذ كلّ فرد من أفراد الأسرة مكانه على المائدة المزيّنة بأطباق صغيرة تحوي جبنا و زبدة و زيتونا و زيتا و إبريقي شاي و حليب و قطع الخبز القمحية المشوية و قليلا من الرزّ الّذي تبقّى من وجبة الغذاء . وشرع في الأكل وهو يتابع نشرة إخبارية عاجلة حول استقالة حكومة “عمر كرامي” على خلفية اغتيال الرئيس اللبناني السابق “رفيق الحريري”، ثم أخبار متفرقة، أسفل الشاشة ، حول التواطؤ الدولي لفك الارتباط الرمزي بين سوريا و لبنان، ثم لقطة عابرة للمعارض الدّرزي”وليد جمبلاط”وهو يدعو إلى التشبّث بحزب الله باعتباره رمزا للمقاومة والسيادة الوطنيين، وتذكر ساخرا ما أعلنه هذا الأخير،قبل سقوط الحكومة، من ألاّ مانع لديه من دخول قوات أجنبية لتحرير لبنان من قبضة كل من المخابرات اللبنانية و السورية، و بصق في قرارة نفسه على السياسة و السياسيين، واحتقر فيهم سعيهم المحموم نحو السّلطة حتى لو كان ذلك على حساب آدميتهم وأمنهم و سيادة أوطانهم. وقفزت إلى ذهنه أوضاع الوطن. واستشعر الحزن الفتّاك ينهش فؤاده عندما قاس المسافة الفاصلة بين الخطاب الرسميّ وواقع الحياة والناس الذي لا يبرح مكانه .واستفزه بقوة واقع الجارة الإسبانية ، وكيف أن رجالا أربعة : سواريس، كونزاليس،أزنار، وثاباتيرو استطاعوا أن ينقلوا بلاد “بورقعة” من حضيض التخلّف إلى سدة التمدّن ،في حين توالت حكوماتنا ، حكومة خلف حكومة، ولا حس و لا خبر.. وأحسّ فجأة بقليل من الغثيان.و نظر مشدوها إلى الطّعام وهو يغالب الدّوار الذي بدأ يجلجل عينيه و يحرّك الحيطان من حوله. وتيقّن هذه المرّة من أنّه مريض. مريض فعلا.وخمّن أن ّما به من أعراض تفوق بكثير خطورة السّكري وتداعياته. وانسحب من المائدة وعيون” حميدة” مندهشة لهذا التغّير المفاجئ السريع المنذر بعودة حالة الطوارئ في البيت: حزن و ترقب و قلق وخوف… وعندما التحقت به إلى داخل غرفة النوم، كان قد اتخذ مكانه بجنب الشّرفة المطلة على المقبرة وهو يتساءل حائرا في صمته:
»من أين نستمدّ القوّة لمواجهة ما نستشعره ،فجأة، في واقع الخوف و الضّياع و الموت ؟.
خالد أقلعي باحث وكاتب من المغرب
[email protected]

نشر في 24/08/2005 6:00:00

‫0 تعليق