شعيب حليفي: المقامات والتلقي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تزداد أسئلة السرد العربي القديم تشبعا وهي تستند على مرجعيات وتصورات نظرية حديثة تسعى إلى بناء فهم جديد لهذا الإرث الأدبي الذي حفل بمتخيل فادح يغترف من أنساق الثقافي والتاريخي والديني.
وتعتبر المقامات، شكلا تعبيريا ظهر مبكرا في تاريخ الأدب العربي (القرن الرابع الهجري) في منطقة بلاد الرافدين وما جاورها ثم امتد مع أعلام آخرين في بلدان أخرى في المشرق والمغرب خلال القرون الموالية.

وتثير المقامة العديد من التساؤلات باعتبارها نصا حكائيا يختلف عن النصوص الحكائية الأخرى الواردة في المؤلفات المتنوعة، مكتسبا منذ البداية خصوصية وفرداته وعلاقاته باللغة والوعي والتاريخ والمجتمع.
وإذا كان كل نص هو نتيجة صيرورة نصوص سابقة من مختلف الأجناس والتعبيرات، شكلا ودلالة، تخضع للخرق والتجديد، والتقليد، والهدم… فمن أين جاءت المقامة ؟ فكل تجنيس يتحقق بالتراكم المنظم أو الاعتباطي، وبحاجة ثقافية ومجتمعية وقراء وأدباء يشكلون نسقا وثيق الاتصال بالتخييل والتاريخ والمجتمع.
ولا يمكن، بناء على تصورات الأجناس الأدبية، أن تكون المقامة نصا فريدا ابتكر على غير مثال سابق أو لم تمتح من بناءات شفاهية أو كتابية موجودة.

*الوعي بالمفاهيم
وقد اتجهت العديد من الدراسات منذ البواكير الأولى للنقد العربي الحديث إلى البحث في أصول المقامات وشرحها وقراءتها، ثم تطور البحث في جوانبها الفنية من منظورات نقدية ومنهجية حديثة، وكان آخر هذه المؤلفات كتاب (المقامات والتلقي : بحث في أنماط التلقي لمقامات الهمداني في النقد العربي الحديث)(1) للناقد والباحث البحريني نادر كاظم، وهو مؤلف يقدم رؤية نقدية متقدمة واجتهادات تركيبية وتأويلية هامة عبر دراسته لأنماط التلقي عبر ثلاثة فصول موسعة تعالج أفق الانتظار لمقامات الهمداني من خلال التشكيل والتكسير والتعديل وهو، تباعا، يهم التلقيات الإحيائية والاستيعادية والتأصيلية.
إن الباحث وهو يحفر في تتبع آثار الأفكار، يعمل على استنطاق التراكم القرائي الضخم الذي قدمه النقاد العرب منذ عصر الإحياء حتى اللحظة الراهنة، متوقفا في كل محطة عند الدينامية التي تؤطر الكتاب : القراءة والتلقي.
فنمط التلقي هو تعبير عن حالات التلقي الجماعي المشترك، بخصوصيات مميزة لأن القراءات تصدر دائما عن أفق تاريخي واحد، تحركها كما يقول الكاتب – هواجس ثقافية وافتراضات وغايات مشتركة.
وتأسيسا على هذا، كان الوعي المحرك لفصول الكتاب مدركا لتعددية القراءات وعلاقاتها قديما وحديثا، سواء بالنسبة لردود الأفعال التي أفرزت تلقيا ما أو ملاحظات وتعليقات الهمداني نفسه أو من جانب معاصريه.
فكل نص كان مقامة او أي خطاب آخر، لا يتحقق حضوره وأثره إلا إذا كان مقروءا لأنه لا ينفصل عن تاريخ تلقيه، فالتلقي هو إعادة إنتاج (وإبداع) للنص من جديد (ومرة أخرى).
إن التمهيدات النظرية، والوعي بالمفاهيم وتجلياتها التاريخية، حسب مراحل تشكلها أعطى لباقي مباحث الكتاب رؤية نقدية قوية عميقة في تفكيك ومناقشة أشكال وأنماط التلقيات في صورتها التزامنية أو التعاقبية مستنطقا المتن القرائي النموذجي الذي شكل نمط التلقي مفصلا بين نوعين من القراء :

  • نمط القاري الكفء – كما رسمه جونتان كولر – والنمط بوصفه نسقا تزامنيا يولد نوعا من القراء، وفي حالة هذا التمط الكفء فهو يتمثل أعراف القراءة واستراتيجيتها وأدواتها، مثلما هو الأمر مع ناصيف اليازجي في التلقي الإحيائي ومحمد حسين هيكل وأنور الجندي وشوقى ضيف وحنا الفاخوري في التلقي، الإستيعادي، ومصطفى الشكعة وعبد الملك مرتاض ومحمد رشدي ويوسف عوض في التلقي التأصيلي.
  • نمط القارئ القوي ويأتي ضمن المستوى التعاقبي الذي يولد نوعا مختلفا من القراء، والقارئ القوي هو قارئ لا يستجيب لمحاولة الهيمنة التي يفرضها عليه نمط التلقي العام وأفق القراءة السائد، ويعمل على تقديم قراءة جديدة ومختلفة كما هو الشأن مع روحي الخالدي في التلقي الإحيائي وفخري أبو السعود ومارون عبود في التلقي الاستيعابي وأخيرا عبد الفتاح كليطو في التلقي التأصيلي.
    وإن البعد المنهجي في هذا المؤلف استطاع أن يحقق تصورا استراتيجيا يؤطر كافة التفكيكات والتقييمات، وهو البعد الذي انطلق من استنتاج ثلاثة أنماط منذ القرن التاسع عشر حتى الآن في تلقي مقامات الهمداني في النقد العربي الحديث وهي :
    o النمط الإحيائي
    o النمط الاستيعادي
    o النمط التأصيلي :

أسئلة نقد التلقي :
استطاع نادر كاظم أن يعيد، بكتابه هذا، الاعتبار للمقامة ونقد المقامة، بمعالجة نقدية رصينة، ووعي إبداعي يستند على مرجعية سردية قديمة وحديثة، ونقود سردية قديمة وحديثة، وتصورات حديثة تعمل ضمن نظرية الأدب بشكل خاص.
والأهم من هذا أن المداخل النظرية والمنهجية والأساس الذي رسم به الفصول والتلقيات المدروسة والخلاصات المترتبة عن كل هذا قدمت بحثا جديدا في إطار نقد التلقي ونقد النقد وفسح الكاتب المجال أمام أسئلة جديدة متولدة، منها أن نسق نمط التلقي متغير ومتحول بحسب المعطيات الجغرافية والتاريخية والثقافية والدينية والسياسية…. ويمكن لهذه الأنماط الثلاثة أن تكون متداخلة في ما بينها بنسب متفاوتة في عنصر مهيمن هنا وليس هناك، وربما أيضا لكون المرجعية النظرية، والتلقي النظري والنصي ساهم في تشكيل رؤية ذات خصوصيات. لكن هل هذه التلقيات تجد لها جذورا في التلقي العربي القديم، حينما كان النص المقامي حيا متفاعلا ومنتجا، وليس كما هو الحال الآن وقد صار تراثا منتهيا ومكتملا وجزءا من بنية سردية عربية قديمة؟.
وهل يمكن أن نحدد نمطا انطلاقا من أعمال فردية، التأليفات فيها محدودة ومحسوبة وليست أعمال ورشات أو نقاد متخصصين في هذا الجنس التعبيري دون غيره؟.
كما أن الكتابات التي تم إدراجها ضمن خانات الأنماط الثلاثة قدمت قراءات لم تنحت لنفسها مفاهيمها ولم تستنتج تصورات قائمة تفيد الدرس النقدي العربي الحديث وهو يقرأ السرد العربي القديم(2).

إن مثل هذه الأعمال وضمنها مؤلف (المقامات والتلقي) تظل تأسيسية في إعادة الاعتبار للسرد، وللمتخيل العربي، ومطارحة أسئلة القراءة والتلقي ضمن نظرية الأدب، وتحديدا نحو نظرية عربية لا يمكن أن تساهم في بلورتها إلا مثل هذه المؤلفات برؤيتها الواضحة وأدواتها النقدية القادرة على التفكيك والتأويل والبناء.

إحالة :
1- نادر كاظم : المقامات والتلقي (بحث في أنماط التلقي لمقامات الهمداني في النقد العربي الحديث) بيروت. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 1. 2003 (428 صفحة).
2- من بين الكتب الأساسية التي اهتمت بالمقامة، فضلا عما ورد في الكتاب :

  • رشيد الادريسي : سيمياء التأويل : الحريري بين العبارة والإشارة – الدار البيضاء نشر المدارس ط 1 2000. (296 صفحة).
  • أيمن بكر : السرد في مقامات الهمداني. القاهرة دراسات أدبية. نشر لهيئة العامة. مصر ط 1 – 1998 (250 صفحة).

نشر في 10/10/2005 9:50:00

‫0 تعليق