عايدة نصرالله: الخرامخصي (أو شيء كهذا)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!
  • لا تسألني كيف كان ذلك؟ لا أقوى على وصفه. ربما كان كابوسا، أو ببساطة ربما حدث لي شيء ما وراء هذا العالم؟ لا أفهم شيئا مما حصل ، كل ما أعرفه أنني دخلت حالة جديدة أدت لإحضاري إلى هنا.
  • متى أحضروك إلى هنا؟
  • بعد شهرين مما حدث لي
  • وما حدث لك؟
  • لا أعرف
  • لكنك قلتَ إن حالة جديدة حلت بك.
  • آه حسبتك تسألني عن ذلك الشيء
  • أي شيء؟
  • ذلك الشيء الذي حصل معي.
  • وما الذي حصل معك؟
  • ذلك الشيء الذي بعده أحضرتُ لهنا.
    يلجأ لشكل آخر من الأسئلة عله يفهم العلة.
  • حسنا، ماذا تفعل هنا؟
  • أخدم
  • ومن تخدم؟
  • كلهم
  • من هم؟
  • كلهم
  • ولك يا غبي، من هم كلهم؟
    -كل الناس الموجودون هنا.
  • ولك أي ناس؟
  • الذين يسكنون هنا
  • ينعل دي…. ولك أي ناس، ولك يا عرص جننتني يا خرا
  • عفوا هل تناديني؟
    -…….
  • هل تناديني؟ ماذا تريد؟
  • هل ينادونك خرا؟
  • يعني، “شيء كهذا”
    الخرا أو “شيء كهذا” يخلع بنطاله أمام عيني الـ”هو”. “الهو” يسقط أرضا منفجرا من الضحك “آه ، الآن يا ولك، فهمتك، تعال ، تعال إلى هنا”
    “الهو” يقترب إليه ويهمس له بإذنه بتمتمات غير مفهومة ثم يقول له بصوت عال “اتفقنا؟ بعد أن تخدم الجميع ، تعال عندي يا خ… أو يا “شيء كهذا”.
    “شيء كهذا” يجلس هادئا بعد أن تخلص من أسئلة ال “هو” ويسافر في أفكاره إلى تلك الأيام قبل أن يحضروه لهذا المكان، ويبدأ مهنته في خدمة الجميع.
    ” كل ما أذكره أنني قبل أن يعملوا ذلك الشيء بي كنت آكل كثيرا من الثمر، وكانت شهيتي قاتلة، واذكر أنني كنت اذهب إلى نومي وما زال لساني يحتاج بعض الثمر، وعندما كان لا يتأتى لي، كنت أقضم يدي بدلا منه لأرفع كبريائي إلى السماء.
    وأذكر أنني كنت بقوة حصان ، استطعت إركاع جميع الخيول تحتي، إلا أنني وبعد أن فعلوا بي ذلك الشيء لم أعد أشتهي الثمار… ولا شيء. كما أذكر أن حاسة الشم عندي كانت حاسة قط خبيث يتربص بفريسته بالزوايا المظلمة، كنت قادرا على التقاط الرائحة أينما كانت لأركض وألتهمها، كنت أشم رائحة الورود التي فتحت لي أفواها منتظرة المطر وكنت أنا ذلك المطر. اليوم ، وبعد أن فعلوا بي ذلك الشيء.. الشييييييييييء.. الشيء.. أرى الورود ولا أستطيع شمها. لا أعرف ما جرى لي؟…….”
  • أنت هناك؟ ماذا تفعل؟
    يسمع “شيء كهذا” صوت امرأة تناديه من الخارج.
  • نعم يا سيدتي، أنا قادم.
    دخلت امرأة إلى غرفته ونظرت إليه بغضب ” ما هذا يا خ…؟ لم تجهز نفسك بعد؟ أتحسب أننا سننتظرك كل الليل؟ أحضر معك الحزام المزين “بالدناديش” وال”هلابلللا”[1] حتى نسمع موسيقاك الخاصة. وتغمز له بعينها “بدون حزامك لن نرى حركاتك المثيرة”
    “شيء كهذا” يجيبها بصوت ناعم: “اذهبي وسألحق بك.
    -“حسنا لا تتأخر، وضع شيا على خدودك لتتورد، أضف شيء من الحياة”
  • حسنا
    “شيء كهذا” قام كالروبوط ، لبس “طقمه” الخاص. ووضع “الدناديدش والهلابلا” وسارع بالخروج.
    في حرم النساء، انتظرت نساء من مختلف الأجيال، جلسن في الحمام، شبه عاريات، يغنين. وعندما أطل “شيء كهذا” نادت النساء بصوت واحد ” يللا هلابلا، ارقص رقصاتك المدهشة”
    “شيء كهذا” بدأ يدق على الدف، وحركات خصره تميل مع صوت “الدناديش” يمينا وشمالا ، أمام وإلى الخلف. إحدى النساء صاحت قائلة: “”هيا، أين نظراتك، يلا إلعبها يا جميل”
    “شيء كهذا” يبدأ بنقل نظراته إلى أماكن تحت رغوة الصابون. النساء يمررن أصابعهن على أجسادهن بالصابون بحركات دائرية. تحتك الواحدة بالأخرى، ضاحكات، بينما أيديهن تتخلل الصابون وتتشابك الأيدي وتختلط الأمكنة. تنادي إحدى النساء: “هيا يا خرامصي[2]، اقترب مني”.
    “الآن أصبحت الخرامخصي، اسم جميل. ” هجس وشعور مبهم يدخله.
    “الخرامصي” يقترب فتضع المرأة قبلة على خده، يشعر بدوار ويحاول أن يتغلب على الشعور بالحاجة إلى القيء، بينما المرأة تدخل يدها بين الدنانديش، تمازحه وتحاول إضحاك النساء بحركاتها. تغني النساء بصوت ترافقه التنهدات بين الحين والآخر.
    لحظات من الصمت. ثم تقول النساء: “يللا هلابلا، أخرج من هنا. نريد أن نرتدي ملابسنا. “شيء كهذا يبصق على الأرض قائلا في نفسه “إخص، اية قبلة تثير الغثيان، لن أدع أية منهن بتقبيلي مرة أخرى، حتى اسمي نسيته، كل يوم لي تسمية جديدة، خرا، هلابلا، “شيء كهذا” الخرامصي.” وفي طريقه إلى غرفته المظلمة، أحس بثقل غريب. صخرة وقفت على صدره. أحس بالاختناق. خلع الدناديش وفكر “ولماذا أخلعها؟ سينادونني مرة أخرى. مع كل ذلك لم يكن متعبا اليوم كما في كل يوم. الحمد لله أنهن لم يطلبن مساجات وما شابه. أو تنظيف أقدامهن بالليف والصابون. الله. كم أنا جائع، لم آكل شيئا اليوم. ربما آخذ لي تفاحة وأرتاح؟ إخص على التفاح. ليس لدي أية رغبة فيه. ما الذي فعلوه بي هناك؟ أتحرق شوقا حتى الموت للمعرفة. والواقع أنني أعرف. شيء ما تغير. أذكر أنني عندما كنت أملك شهية الغوص في الماء، تجولت ذات مرة على ضفاف نهر، وكانت مجموعة من النساء تغسلن ملابسهن فيه، عندما رأتني النساء غمزت لي إحداهن.. فهمت. انتظرتها من وراء شجرة صفصاف وهناك حدث شيء ما. وما إن ذهبت حتى تساقطت علي واحدة أخرى. ولكني لا أستطيع تذكر الصورة كلها، أذكر.. أذكر أنه كان.. كان شيئا واق…” لا أعرف ماذا بالتحديد، كل ما أذكره أنني خرجت مبسوطا والفتيات أيضا. لماذا؟ … لا أدري. كان ضحك وفرح.. لماذا؟”
  • أنت يا “خرامصي”… أنت هناك…هل نسيت موعدك مع الرطل الكبير؟
    فجأة سمع كلمة رجل وكأنها “رطل” ولم يفقه السبب. وأخذ منه الأمر بضع دقائق ليدرك أن المقصود هو “الرجل الكبير”.
    “شيء كهذا” انتفض من قلب هواجسه وقال لشاب وقف في الباب “أخ. كيف… كيف نسيتُ؟
    يدخل شاب وسيم، يضع المساحيق على وجهه، يتدلى من أذنيه قرطا فضة، عيناه لامعتان يزيدهما الكحل حدة، يلبس سروالا وقميصا حريريا، ينظر الشاب إلى “شيء كهذا” قائلا: “لا تلبس هذه البذلة، فقد قلت لك إنك ذاهب إلى السيد الكبير. هل تسمعني؟ يا خر…، لا أعرف ما يعجبه فيك. ليست عينيك بأجمل من عيني، وصدرك ليس ألمس كصدري، ولا أعرف لماذا يريدك السيد بشكل خاص يا خرامصي.
    “شيء كهذا” يمتلئ غضبا، ولكن إلى جانب الغضب شيء من شعور الانتصار المشوب باللذة ينتابه نظرا لغيرة الشاب منه. ولإغاظة الشاب يبدأ التحرك بخصره بشكل يثير الدلال، وينظر إلى الشاب نظرات شبقة، ويقول: “يعني أنك لا تعرف أنني لا أنال إلا إعجاب الكبار مثل السيد؟ أنا ياحبيبي ملاحق فقط من الكبار”
    “يا حبيبي هنا لا يوجد كبير ولا صغير. السيد ينهي الكل هنا. هيا أسرع”.
    “شيء كهذا” يستمر بحركاته، يضع أحمر الشفاه ويلبس قميصا جميلا ويذهب وراء الشاب. الشاب يسير أمامه في طريق غير معروفة له، يدخل في غابة مكتظة بالأشجار تؤدي به إلى بيت غريب. يطرق الباب، يسمع صوتا من الداخل يأمره بالدخول :
    “أحضره ثم اخرج”
    يصيح الشاب: “حاضر أيها الكبير” يذهب الشاب ونظرات غيظ تودع “شيء كهذا” يدخل “شيء كهذا” ويكتشف أنه أمام عالم غريب لم يره في حياته، وقف ينظر حوله غارقا في دهشته حتى سمع صوتا: ” اقترب يا عزيزي، اقترب يا خرامصي”
    “يدعونني يا سيدي “شيء كهذا أيضا”
    تجذبه يد السيد الكبير بقوة “يا خرامصي، قلت اقترب”
    ” شيء كهذا” يشعر بفزع للعاصفة التي تمر من صوت السيد ويقترب بخطوات بطيئة باتجاه السيد الكبير، فيراه مضطجعا على حافة سرير مذهب. ومن وراء ناموسية تهدلت على السرير يرى وجها غطي بقناع، لا يظهر منه سوى العينان اللتان تنظران بفرح. “عرفت أنك جميل، ولكن لم أعرف أنك على هذا القدر من الجمال، هيا اقترب مني، من الآن فصاعدا ستكون مساعدي. لا تسرح بعيدا. هيا اقترب”
    “حاضر يا سيدي”
    يتجه إليه السيد: “هل لك خبرة بالمساج؟
  • نعم يا سيدي. فأنا هنا منذ شهرين أصبحت خبيرا بالمساج.
  • حسنا أرني مهارتك.
    شيء كهذا” يبدأ بتدليك الظهر والسيد يتأوه بأنات ارتياح ويتجه للشاب : “يا خرامصي، ألم تعرف من خبرتك بأن ذلك لا يتم مع الثياب”؟
    شيء كهذا” يخلع ثيابه، يحتضنه السيد ويقبله ويقول له : “هيا أدر لي ظهرك لو سمحت”
    وفي لحظة التنوير وبسبب عظمة اللحظة، يزيل السيد القناع عن وجهه ويدير وجهه ليقبل “شيء كهذا”.
    يصدر شيء كهذا صيحة تشق الغابة ” أهذا أنت؟
    ثم… يسقط ميتا.
    عائدة نصر الله – فلسطيـن
[email protected]

[1] دنانديش وهلابللا : عبارات بلا معنى تتقصد صوت الأحزمة التي تخرج أصواتا
[2] الخرامخصي: كلمة ابتكرتها وهي جمع كلمتين (خرا+ مخصي)

نشر في 27/08/2005 6:10:00

‫0 تعليق