زياد خـداش: البحر والاطفال والكتابة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

منذ ست سنوات لم ازر بحر بلادي، انا الكائن المائي القادم من برج السرطان، المصنوع من رمل وعواصف وصخور مبللة وامواج، وقوارب عتيقة، وتنهدات اشباح بحارة ميتين، اعيش في رام الله، منذ ستة آلاف سنة، انتظرغرقا غامضا وجميلا، يحييني وفق صياغة اخري، في بحر قريب، بحر يعرفني واعرفه يريدني واريده، لا يبعد عني سوي عشرين سنة ضوئية،

البارحة تسللت ليلا الي بحر بلادي، علي اطراف اصابعي رايت نفسي اقترب رويدا رويدا من اضخم واعنف موجاته، استدرجها الي قلبي اليابس العطش، فتهرع اليه بجنون لتطفئ جفافه وتنقذ رمقه الأخير، وهناك أغلق عليها جدران روحي واهرب بها الي رام الله، أغلق باب نوافذ وابواب غرفتي بإحكام، ثم أطلق سراحها برفق ومحبة، اشرع في تربيتها وترويضها كغزالة البر المذهولة، وفي صباح اليوم التالي اعلن في الصحف خبر اصطياد وطني.
وفجأة وبينما انا غاط في نوم ابله، اشعر ببلل في جسمي، فاصحو فزعا ومشوشا فاذا بالموجة الضخمة والعنيفة تزحف علي وجهي غاضبة ومستاءة، تلطم صدري، تتجاوز جسدي متسلقة النوافذ ودافعة الباب امامها. متجهة صوب حيفا
في الحلم الاول اصطدت موجة وفي الحلم الثاني هربتها الي بيتها ليش اعملت هيك يا ابو الذوذ؟، هكذا سألتني نانسي ابنة جاري الامورة الصغيرة ذات الاربع سنين،
نانسي تلثع بحرف السين، وهي اللثغة اللذيذة التي تكاد تطيح بعقلي، من فرط عذوبتها، لم استطع ان اجيبها اجابة عاقلة مقنعة، اكتفيت بقولي: انه مجرد حلم يا صغيرتي،
فاسمعها تهمس لامها: عمو ذوذو بحكيلي قصص كذابة، وفي مدرستي، في الصف الرابع تحديدا، مطبقا حصة اشغال لغياب معلمها، اروي للتلاميذ المندهشين الصامتين حكايتي مع الافعي والاسد في الغابة.
فاقول لهم، في نهاية حكاية خرافية: وهكذا يا احبائي الصغار اقنعت الأفعي بان ترقص معي فرقصنا وصرنا اصحابا.
فاسمع همسا اخر في المقعد الاخير بين تلميذين: هذا الاستاذ كزاب، بضحك علينا، كيف برقص مع الحية، مهي ممكن توكله.
فاهمس انا الاخر بيني وبيني: اه يا اصحابي اللذيذين ومن قال ان الادب والفن ليسا وهما وكذبا.
ولكنه الوهم الجميل والرائع الضروروي والمفيد، الوهم الذي ينقذ البشرية من السقوط السريع المدوي في حفرة الحقيقة، الادب والفن لا يمنعان السقوط لكنهما يبطئانه، ويزينانه بالالوان والعطور، ويفلسفانه، ويعمقانه، بحيث تتكشف من خلاله ابعاد اخري للعالم، وممكنات جديدة للوجود.
نانسي ناسي البارحة حلمت
كمان كذبة يا ابو الذوذ؟ يا الله بكفي تكذب.
زياد خداش – رام الله (فلسطيـن)
http://khaddash.i8.com
[email protected]
[email protected]


نشر في 23/08/2005 6:00:00

‫0 تعليق