أسماء حرمة الله: قبل المغيـب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


صمتٌ على شكل قوس قزح، أهدر جرحي ليزرع زهرةَ بنفسج على كتفي مطرزة بالحب..بالقصيد..بالنجوم..بالعذاب وبأصيلــة….
أصيلة، مدينة لاأقراها إلا حين تكتبني..لاأكتبها إلا حين تمحوني..لاأمحوها إلا حين تزرعني..لاأبرحها حتى وإن احتبستْ بقصر أوجاعي كل غيمات الدنيا..
أصيلة.. دروبها وجدرانها الزرقاء تجمعني وبقاياي بمزهرية الصباح الذي ماانفك يشتري أثوابه من مدائن الرحيل.. “قصر الثقافة”..و”القريقية” و”كهف الحمام” و”المدينة القديمة” التي تتنزه عبر تقاسيمها كلها آلافُ

الحكايا، و”القَمْرَة” المضاءة بشموع العذاب..وهي تهمس في أذن كل من يمر قربها: “القمرًُ لم يعدْ “…
كان كل شيء يجرني جرا للربيع.. طفولةُ الماء، مزهرية الشمس.. زهرةُ الياسميـن..وسنين سمان تلونتْ ببسمات أمي وجدتي..آه من ذكريات وضعتني وإياها على بساط السندباد وحلقت بي بعيدا ..كانت جدتي دوما تداعبني بإشراقة عينيها وببسمة حبلى لم ولن أنساها أبدا..كانت تقول لي دائما: “لاتلوّني روحك بفصول الماء”..لم أدرك ساعتئذ ماالذي كانت تقصده..ولم أدرك كنهَ ذلك إلا حين ألقت فصولُ الماء بمرساتها بأعماق روحي..ومضيتُ أجر قدميّ جرا أصافح الدروب والجدران التي جعلها الرسامون بيتا منفردا تسكنه خطوطُ أحلامهم.. وأحاطت بي عصافير وضعت على رأسي إكليلا من الورد ثم أمسكتْ بحواشي ثوبي اللازوردي الذي ارتديتُه خصيصا للبحر احتفالا بِعيدِ عذابنا الجديد..وقادتني برقة إلى هناك..إلى شرفة الحلم..إلى إطلالة رقيقة بالقريقية..وبقيتُ هناك أطل جهرا على البحر وهو يمشط شعره بمشط أهداه له القمر في عيد مولده الأخير..وتمنيتُ لو مَشَطَ كلَّ أحزاني دفعة واحدة..نظرتُ هنا وهناك وفتحتُ حقيبتي الصغيرة وأخرجتُ الوردة البيضاء التي قطفتها سرا من حديقة البيت..أعلم أن هذا الأمر لايجوز مطلقا ولكن حاق لي أن أتمرد ولو قليلا..وجلستُ أكتب بصحائف الموج المفتوحة ماتبقى من بقاياي:” يابحرُ، اسكن كل جراحي واملأني بأسئلة الزهر وبسنابل لا تكون مرّة كمرارةِ أيامي..
يابحرُ ، كنْ خريفي القادم، وربيعي الراحل ووجهي الذي تنساه النجمة الاولى..لأنني..مافكّرتُ يوما أن أنظمَ قصيدةً على شكل البجع..
يابحرُ، هذه أنا، مكتوبة بمدادك، تتشكل تفاصيلي على خريطة لاأعرفها..فكن هويتي التي أعرفها..
يابحرُ..هذي حقيبة الغيم.. ترحل بي مرة أخرى، ولكن إلى أرضٍ كل مافيها ومن فيها لاينسى شكل الورد..
يابحراً لاأغادره حتى وإن غبتُ عني، دع قصائدي بين أعشاشها تكمل شكلي وقد وهبتُ الجراح كلها للسفن العائدة إلى منفاها..فكلما غادرني الرحيق إلى أرض الموت، أقرأه، أبعثر تفاصيلي على محيّاي وأكتبني مرة اخرى بالورد أو بالليل ..لايهم..كل ماأعلمه أنني حين فارقتُ البحر..صرتُ عشا غائرا للمـوت..أعبر مدائني، أسكنها، أسألها عنك وأمضي قبل أن تغلق الجراح أبوابها في شمسي..لتفتحها قبل أن أغيب..”
ورفعَ البحرُ رأسه مبتسما وألقى إليّ بتحيته المالحة..فابتسمتُ..لأنه ابتسـم..وظللتُ لمدة ساعتين تقريبا أرقبه وهو يعدّ لي سلة من المحار ، طرزها بأهدابه الخضراء وبكَ أنتَ..وماإن أطلت شمس المغيب حتى ظللتُ أرقبها وهي مصرة على مراقبتي وكأنها كانت خائفة مني وقد وقفتُ أحرس البحر من شجونها..ومضيتُ..أتمشى بين الدروب وقد كانت اللوحات المرسومة على جدران أصيلة تحدثني طيلة الوقت همسا ولكنني لم أكن أرى على الجدران سوى وجه أمي..جدتي…ووجهك اللازوردي وهو يعتصرني..كان كل شيء مختلفا..حتى غصّةُ الوجع التي كانت تبني بفؤادي بيتا لها من ثلاثة طوابق لامكان للربيـع فيها….وفجأة حطتْ على كتفي فراشة ضمت بين جناحيها فرحة لاتعرفني وهمست لي: “لقد أقبل الخريف من قلعة الفصول البعيدة، يمتطي جواده، قدِم ليأخذك معه للأبد..” ثم رحلت الفراشة وتركَتني عرضة للسبي من جيش الخوف الجرّار…
ولمحتُ من بعيد غضب النقع وقد هيّجَتْهُ آثارُ حوافر الجواد، وقد تزيى فارسُه (الخريف) بأوراق الشجر الصفراء وبيده باقة من الريح ..وعلى جواده “سين وايت” أو “الثلج الأبيض” ساكنة سكونَ الليل..وهي مغطاة بالورد النائم وبملامحي..وتقدَّمَ إليّ الخريف، ومدّ يده نحوي لأمتطي الفرس وأمضي معه..لكن في هذه اللحظة نفسها، زلزلتني التفاتة تائهـة.. رأيتُ بين المارين هنا وهناك وجهَ أمي..أجل !! إنها هي..ولكن كيف..؟؟؟.لكنها هي..إنها ترتدي نفس جلبابها اللازوردي الجميل الذي كنتُ أحبه وكان يحمل دائما العطر الذي طالما عشقتُه..عطرها..ركضتُ خلف ذلك الوجه الذي لمحته، وجه أمي وهو يختفي بين أفواج الناس المتقاطرة هنا وهناك..مضيتُ أتقفى أثرا لم أكن أدري إن كان حلما أم حقيقة..وبينما كنتُ أبحث عنها، ضاع مني الدليل مرة أخرى..ووقفت واجمة وقد أُسقِط في يدي، وهاجمتني دمعة عنيدة أبت إلا أن تصفع خديّ..وأطل الوجه ذاته من جديد..إنها أمي !! فعادت إلي مرة أخرى زقزقة الربيع..ومضيتُ أناديها دون أن أحفل بمن حولي: “أماه..انتظريني..”ولكنها التفتت إلي ولم تجبني ..وواصلتْ طريقها..لم أعرف لماذا لم تفتح لي شرفات صدرها لأرقد فيها للأبد وأذرف بين يديها كل آهاتي..بل لأذرف روحي المنهكة وأُهرقها في أنهار قلبها الدافئ..لماذا تتركني وترحل؟؟؟لماذا لاتدفنني بصدرها لأبقى فيه ماشاء اللهُُ لي..؟؟؟ لماذا لاتحملني إلى حيث تقيم؟؟؟ …ولم أفتح لليأس بواباتي بل واصلتُ طريقي لألحقها.. أدخل هذا الزقاق وأخرج من آخر حتى أضعتُها مرة أخرى..ووجدتُ نفسي قرب البيت الذي ترعرعتْ فيه والذي شهد حكاياها وأغانيها وهمسها الرقيق..وشهد دفءَ شروقها على كل أيامي..لكني تساءلتُ :”..كيف وصلتُ إلى هنا؟؟؟” كان البيتُ خاليا ..مضرّجا بالموت.. ساكن الحراك..لكن دقات قلبي كانت تعزف أنغاما متسارعة الخطو وكأنها كانت هي الأخرى تركض ..ولكن خلفي أنا..ووقفتُ قرب الباب المغطى بالذكريات والمكتوب بحرقة القلب..وقلتُ في نفسي:” “قد تكون أمي هنا.. عليّ أن أدخل للقائهــا”..وغرّدَ بي شوقٌ مخضر كاد أن يجعلني وترا من أوتار الفجر، لكنني وقبل أن أطرق الباب، سمعتُ صوتا خلفي : “حان وقتُ الرحيل..هيا قبل أن يجدك الخريفُ ..إنه يبحث عنك في كل الدروب والأزقة..لمحتُه منذ قليل في “القَمْــرَة” يحدق في الناس وعيناه تشتعلان شزرا حتى أنه عاقب فرسَه المسكينة بدلا عنكِ”..ولما التفتُّ لأعرف من يحدثني، وجدتُكَ..أنتَ..!…وسرعان مااختفيت أنت أيضا..وكأنك كنتَ تحرسني كما كنتُ أحرس البحر..لترحل مع نجوم الليل إلى سفائنها الملقـاة على الشاطئ..حيث كل شيء هناك لايُضاءُ إلاّ بمدينتـك..وبعذابي..تلفّتُّ يمنة ويسرة أبحث عنك فلم أجدك..ولم أجد أمي..كانت أمامي فقط اللوحات نفسها..أناس يروحون ويجيئون..يبتسمون ويحملون بين أيديهم أسرارا وذكريات..وفي الجهة المقابلة لهذا الوجع، كنتَ أنتَ ترقبني وقد أخذتَ حياتي سبيّةً إلى حيث لاأدري…وفي الجهة المقابلة للمغيب، كانت ثمة لافتاتٌ تزهو بضيوف المهرجان الثقافي الذي يقام بأصيلة صيفَ كل جرح..معلقة هنا وهناك كُتِب فيها : “أصيلة، ملتقى كل الثقافات ترحب بضيوفها الكرام”..وبينما كان الناس يتقاطرون زرافات ووحدانا على بوابات “قصر الثقافة” ..كنتُ أخفي ظلّ بواباتي وأسارع إلى إغلاقها سرا وقد كُتب على لافتاتها المعلقة بأقصى الأعماق: “هنا، ملتقى الأحـزان..لايُسمَح باقتراب فصل الربيـع”..
وقبل أن أعاتب أصيلة على إراقة دمي..كان البحر ينتظرني قربَ الشاطئ القريب من الحزن، وقد تأبّطَ صمتي وغطاني بعباءة الخوف فأخفى ملامحَ قلبي لئلا يحاصركَ الشتـاء..ولئلا تدقّ بأبوابك ساعاتُ الغياب، ولكي لا يخطفك الخريفُ القاسي على جواده إلى قلعــة الغروب..ومضيتُ مع البحر..وقد وضعني بكأس البوح مع قليل من ماء البحر وقليل من رماله الحائرة ..ليأخذني..بسفائن عينيـه ..إلى أرض المغيــب..
أسماء حرمة الله قاصة وشاعرة من المغرب
[email protected]

نشر في 21/08/2005 6:00:00

‫0 تعليق