جمانة حداد: رحيل الشاعر والكاتب والباحث الجزائري جمال الدين بن شيخ

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عبثاً تحرقون القصائد سوف نسلّمها للينابيع
“أقذف أبياتي مثل قنبلة يدوية في وجه جميع سفّاحي العالم”
جمال الدين بن شيخ
كتب ليلته الأخيرة، الثانية بعد الألف، ورحل. “اخترع” عتمته النهائية ونزل فيها، وهو القائل إن الشعر ليس أن ننبش الكلمات، بل أن نخترع الظلمات الآتية. هكذا طوى الشاعر والكاتب والباحث والمترجم والأكاديمي الجزائري الكبير

جمال الدين بن شيخ أمس صفحة متوهّجة من تاريخ الآداب العربية المعاصر، عندما توفي في فرنسا عن 75 عاما، أمضى معظمها يدرس ويكتب ويعطي ويزداد، ويساهم خصوصا في تشريع كنوز الأدب العربي أمام عطش الغربيين وفضولهم.
ينتمي جمال الدين بن شيخ، المتخصّص في القرون الوسطى من الأدب العربي، والذي انجز حديثاً ترجمة جديدة بديعة لـ “ألف ليلة وليلة” بمشاركة المستعرب الفرنسي أندره ميكال، صدرت منذ أسابيع عن دار “غاليمار” الباريسية ضمن سلسلة “لابلياد” بعد 300 عام وعام من صدور الترجمة الاولى التي كان أنجزها المستشرق الفرنسي انطوان غالان، الى كوكبة من العُلاّم العرب الذين طبعوا الثقافة الغربية عموما، والفرنسية تحديدا. وكان من ابرز المثقفين العرب في الخارج، ويكمن جوهر اهميته في انه لم يسمح يوما بأن تنمو شهرته الغربية على حساب قطعه حبل السرة مع تراثه وتاريخه وبيئته الشرقية. فمعظم اهتمامات بن شيخ كانت منصبة على تراث الأدب العربي، ونابعة منه شعرا ونثرا وترجمة. وهو اذ اشتغل مع الغربيين والفرنسيين، فعل ذلك من دون أن يتنازل عن أصوله وجذوره، ومن دون ان يستغلها. هكذا طعّم الشاعر والباحث المنهج الغربي بالحساسية الشرقية، الشعرية والروحانية على السواء، وظل متواصلا مع عالمه العربي، ممثلا الصوت والضمير الثقافيين العربيين الحاضرين في روح العصر، بقوة المعرفة وجلال الخفر. ودائما كان الهاجس الشعري حليف هواجسه الاكاديمية والسياسية والموسوعية والترجمية، فجمع بين الدقة العلمية والحساسية الادبية، موفّقا بين استراتيجيات البحث الصارم ومتطلبات الرؤية الشعرية.
كان بن شيخ يؤمن بأن الشعر هو أداة التحرير الوحيدة، وبأنه ينبغي ألا نستسلم لليأس طالما هناك شعر وشعراء. “عبثاً تحرقون القصائد: سوف نسلّمها للينابيع، وسوف نعيد غرس أشجار الشعر في كل مكان”، كان يكرّر. ولد عام 1930 في الدار البيضاء، قبل ان ينتقل لاحقا مع والديه الى مسقط الرأس، تلمسان الجزائرية. بدأ بدراسة الحقوق في الجزائر، وفي موازاتها الأدب العربي. وبين 1956 و1962، اي خلال حرب الجزائر الدامية، انتقل الى باريس حيث اكمل دراسته متخصصا في الشعرية العربية خلال القرون الوسطى، وبدأ بالتعليم. واذ عاد الى العاصمة الجزائرية بعد الاستقلال وعلّم في جامعتها وأسّس فيها قسم الأدب المقارن، الا انه سرعان ما سرقته فرنسا مجددا عام 1969 استاذا في السوربون، وبقي في باريس حتى وفاته. نذكر من اعماله الشعرية: “الرجل القصيدة” (1983) و”ذاكرات الدماء” (1988) و”الكلمة الصاعدة” (1997) و”الأعمى ذو الوجه الذي من برَد” (1999)، ومن بحوثه “الشعرية العربية” (1989) و”عن العروبة والاسلام” (1992)، فضلا عن رواية في عنوان “وردة سوداء بلا عطر”، وهي من أعمال بن شيخ النادرة التي نقلت الى العربية – والاجحاف هنا في حق لغتنا وأدبنا العربيين لا في حق بن شيخ – وكانت ترجمتها روز مخلوف وصدرت عن دار “ورد للطباعة والنشر” في دمشق، ووصفها عدد كبير من النقّاد بـ “ضربة المعلم”.
“لا أقول شيئا لا يخاطب الاهداب، لا اكتب شيئا لا يجرح الشفة كسنبلة شعير حرون”: فعلا، شعر بن شيخ هو شعر الرقة المسنونة والأسئلة الجارحة، شعر الحياة الواقفة على شفا الكلمة، شعر اللغة المتقشّفة تقشّف النساك، والخيال المتحرك ذي القدرات المتعددة، والفلسفة الصوفية التي تتعالى من ألم الانسان وضجيج الواقع وعري الحقيقة. أراد بن شيخ أن يتشبث ببريق “كتابة لا تخمد تحت الجمود”، وبذلك دفعنا نحن القرّاء الى الحافة، مثلمنا دفعنا الى التكهّن والإبتكار. عكس المعادلة فصار يمتحن إبداعيتـنا بدلا من أن يكون هو الممتَحَن. “ورّطنا” في صناعة النص، فصرنا نشعر أحياناً اذ نقرأه أنّ قصيدته تبحث عن معانيها بمعزل عنه، كما لو أنها تـنكتب للتوّ امام أعيننا. وبنا. وبهذه القصيدة يحثّ الشاعر الانسان على النظر إلى داخله، على البحث عن هويته وحقيقته. اما نثره فيعبق شاعرية، لا بل انه مترنّح حتى الاغماء على حافة البئر الشعرية. كأن لغته، التي تحدّت قيود الأنواع الأدبية وقواعد الكتابة الأحادية الخامة، على مرّ عشرات المؤلفات في الشعر والبحث والرواية والترجمة، كأنّ هذه اللغة ابحار متواصل بين بحرَي الشعر والنثر، على نحو “يشعرن” النثر والبحث و”ينثر” الشعر في عملية تهجين وتلاقح وتـناضح مُسكرة.
لطالما كان بن شيخ من ابرز فضّاحي مشكلات أرضه ومعاناتها وهول ما يجري فيها، شأنه في ذلك شأن مواطنيه محمد ديب وآسيا جبار وكاتب ياسين وليلى صبّار ومولود فرعون ومالك حداد وكثر آخرين. “نحن خائفون”، كان يقول، “لكن خوفنا سيكون انتصاركم الوحيد. تخترعون احتضارنا لكن موتنا لن يكون ملكا لكم”. وهو لم يفتأ يدافع عن حقوق الانسان، وحقوق المرأة في شكل خاص، علما ان لهذه حضوراً قوياً في نصوص بن شيخ العالِم والباحث كما في قصائد الشاعر. كتابته مسكونة أيضا بيقظة الوعي السياسي لدى الشعب الجزائري، وقد عالج معنى الالتزام الوطني لكن بعيدا عن الخطاب الايديولوجي والنضالي الرنان، ويمكن ان نقول إنه حمل الجزائر معه أنّى يذهب: جزائر الضوء والصحراء، جزائر شجرة التين والزيتون والزيزفون، والخليج الزمردي اللون، والعنبر المغرم بالياسمين، ورياح موسم قطاف العنب التي “تجعل الأقمار تصيح”. ذلك كله في قالب لغة متطلبة على قلق، معرّاة على كثافة، لغة الغوص في الأعماق والتساؤل الهجسي عن الحياة والموت والحب والهوية والكتابة وقدراتها، لغة اللاوعي المحموم والخيال الشرقي الايروسي والباطن الصاعق العنيف الذي لا يرحم ولا يكلّ في محاولة إثباته عجز الكلمة امام العدم ونقيض ذلك في آن واحد.
رحل جمال الدين بن شيخ بعدما روى للعالم صرخاته وغضبه وذاكرته والمه وعنفه وكسوره. رحل بعدما “هدهد كل قصيدة اغتيلت” ووقّع عذابه “بمسار نجم مذنّب”. أوى الشاعر الى صمته، وهو رحمه المطلقة قبل ومضة الولادة وبعد خدر الموت، مفضّلا أن يحفر “أرض الصفحات بالمعول حتى يطال الرجاء”، ذاهبا في قصيدته الى الأمام، راحتاه ممدوتتان وصدره مشرّع مستقيم، سلاحه “حنان الطحالب العارية تحت الصخور”، غير ساجد إلا للحب، غير مصغٍ إلا “للنورس الضاحك على خليج الرمال”.

  • غدا قصائد مترجمة لجمال الدين بن شيخ
    (عن جريدة النهار)
    جمانة حـداد www.joumanahaddad.com / [email protected]

نشر في 11/08/2005 7:10:00

‫0 تعليق