جمانة حـداد: أحقاً كَتَبَ كورنيّ لموليير ولجأ شكسبير الى كتّاب مرتزقة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

القلم الأجير: ظاهرة قديمة في الأدب أثيرت حولها الفضائح في كل الأزمنة
“كم أحتقر كَذَبة الأدب ومزيَّـفيه! قد لا تكون كأسي كبيرة، لكني لا أشرب إلا من كأسي” (الفرد دو موسيه)
هل تطفح الأفكار من رأسك لكنك لا تجيد صوغها في كلمات؟ هل عشت حياة مثيرة تصلح لأن تكون رواية ضاربة، لكنك تفتقر الى ملكة الكتابة؟ هل أنت موهوب “نظريا” وعاجز أو كثير المشاغل “تطبيقيا”؟ لا تحمل أي همّ، ثمة حل لمشكلتك:

إنه “القلم الأجير”، الذي سيتلقف بنات أفكارك ويدللها ويعجنها ويسقيها ويسهر عليها، حتى تولد على الورق كأعجوبة، وتحمل اسمك باعتزاز، وتجعلك كاتبا – أبا بالتبنّي. هكذا ترى عشرات بل مئات “أشباه الكتب” النور كل سنة، فالكتابة بالانتداب ظاهرة تزداد رواجا يوما بعد يوم في العالم الغربي، وتشبه الى حدّ بعيد وظيفة الأمّ الحاملة أو الناقلة la mère porteuse، الرائجة بدورها، بكل ما تتطلبه مرحلة الحمل، في الرحمَيْن البيولوجية والذهنية على السواء، من تلقيح فعناية بالجنين، وبكل ما تفرضه لحظة التخلي عن المولود عند الانجاب من ألم ومعاناة وانسلاخ عن الذات، وبكل ما يستتبع الصفقة من شروط، ليس أقلها صعوبةً شرط تسمية المولود بإسم طالبه و”مشتريه”، لا بإسم خالقه الحقيقي.

لا تسألوا
الحافز الراهني لخوض الموضوع كتابان صدرا حديثا بالانكليزية: الأول في لندن بعنوان “مهنة الشبح: حياة مزدوجة” لجيني اردال، والثاني في الولايات المتحدة الأميركية، وهو “النفخ في البوق” بقلم ريتشارد توفل. أما كتاب الاسكوتلندية اردال، فسيرة ذاتية تكشف فيها النقاب عن وجهها الثاني، الخفي، على مر عشرين عاما، الا وهو وجه الكاتبة “الشبح”، كما توصف المهنة في العالم الانغلوساكسوني، وهي تسمية أجمل بكثير من التسمية الفرنسية، أي “الكاتب الزنجي”، ذات الايحاءات العنصرية، والتي تحيل الى مفهوم العبودية المرتبط بالعرق الأسود، وكانت بدأت تظهر في فرنسا في اواخر القرن الثامن عشر.
هذا هو الكتاب الأول الذي توقّعه جيني اردال، المتخصصة في الادب الروسي، باسمها، بعدما كتبت عددا كبيرا من الأعمال والروايات الناجحة لرئيسها، وهو كاتب وناشر بريطاني تلقبه بـ”النمر”، فضلا عن أنها كتبت له أيضا المقالات والحوارات والرسائل (حتى رسائل الحب الى زوجته). وهي تتحدث في كتابها هذا عن حياة الكاتب الشبح الداخلية، وكيفية تعامله الممّحي مع نصه وعلاقته الجدلية بالكتابة، وعن طرق تسلله الى رأس الآخر ومنطقه وآلية تفكيره، وعن اندرغراوند النشر والاوساط الادبية. وقد اثار الكتاب فضيحة في بريطانيا عند صدوره، ولم يزل يصنع الحدث على رفوف مكتبات لندن، اذ تعرّف القراء بسهولة الى هوية النمر الشهير، وهو رجل الاعمال ذو الاصل الفلسطيني نعيم عطالله، الذي نشر لتوه أيضا مذكرات حول طفولته في الناصرة في الاربعينات.
تصف الشبح “التائب” اردال نفسها بالعاهرة، وتشرح: “شعرتُ بالحاجة الى الرحيل قبل ان اختنق تماما تحت مياه حياتي السرّية”. لكنّ لهجتها لا توحي بنية تصفية الحسابات، والبورتريه الذي ترسمه عن نعيم ودودٌ بمعظمه. من الواضح أن الأصل هنا لا يريد ان يقتل القناع، بل أن يخونه فحسب، أي أن يتخلّص منه ليتحقّق. وهي تقول في أحد المقاطع: “الكتابة نيابة عن شخص آخر تشبه ترجمة نص عن لغة اجنبية: كلما كان المترجم خفيا، جاءت النتيجة أكثر اتقانا”. وليست اردال الاولى التي تستخدم هذا الوصف، فكثر يصفون المترجمين بـ”مرتزقة” الكاتب في لغات اخرى.
أما الكتاب – الفضيحة الآخر، عند الجهة المقابلة من الأطلسي، فإصدارٌ جديد لريتشارد توفل يعالج قضية قلم أجير من نوع ثان، عهدناه في الحياة السياسية العالمية والمحلية، ألا وهو قلم كاتب الخطب. ويتمحور كتاب توفل بكامله حول خطاب واحد تحديدا، ولكن ليس أي خطاب: انه خطاب الرئيس كينيدي الافتتاحي الشهير عام 1961 (“لا تسألوا ماذا يمكن بلادكم ان تفعل لأجلكم، بل اسألوا ماذا يمكنم انتم ان تفعلوا لأجل بلادكم”)، الذي عُرف بالخطاب الاكثر شعرية والأجمل صياغة ومضمونا في تاريخ رؤساء اميركا، والذي يقدّم توفل اثباتات على أن كاتبه الحقيقي ليس كينيدي بل مساعده و”أجيره” ثيودور سورنسون. التهمة نفسها والشبح نفسه كانا الصقا في ما مضى بكتاب كينيدي “سير شجعان”، الذي حاز عليه جائزة بوليتزر عام 1957، ويروي فيه بطولات 8 سيناتورات اميركيين بارزين (من امثال جون كوينسي آدامز وسام هيوستون). وقد دافع كينيدي عن نفسه بشراسة يومذاك، ودحض التهمة. ويأتي كتاب توفل كرد على كتاب صدر العام الماضي لثورستون كلارك في عنوان “لا تسألوا: افتتاحية كينيدي والخطاب الذي غيّر أميركا”، الذي يؤكد فيه ان لا يمكن احدا ان يكون قد كتب الخطاب الا كينيدي نفسه، وان الافكار التي يتضمنها هي افكار لم يفتأ كينيدي يعبر عنها منذ بدء انخراطه في الحياة السياسية. سورنسون من جهته استنكر هذه الادعاءات، مؤكدا في شكل قاطع ان الرئيس كينيدي هو صاحب الخطاب الحقيقي والوحيد.
ويصف المحامي توفل مراحل تكوّن خطاب كينيدي، المؤلف من 51 جملة، بأدق تفاصيله، كلمة بكلمة، بناء على وثائق واثباتات ومراجع. ومن المساهمين الآخرين في الكتابة الذين يذكرهم، ادلاي ستيفنسن وجون كينثي غالبرايث. تجدر الاشارة اخيرا الى ان عددا من المتخصصين في سيرة الرئيس الكاريزماتي الراحل كشفوا منذ بضعة اعوام ان الجملة الاكثر شهرة من الخطاب (“لا تسألوا”) يعود مصدرها ربما الى أيام كينيدي كتلميذ على مقاعد مدرسة “شوت” في كونيكتيكت، حيث كان الاستاذ يذكر تلاميذه باستمرار بأن ليس المهمّ “ما تفعله لكم مدرستكم، بل ما يمكنكم انتم ان تفعلوا لها”.

ليته قرأ كل ما كتب!
على العكس من الغرب، حيث مهنة الكاتب الذي يؤجّر موهبته منظّمة وممأسسة، لا وجود لهذه المهنة في عالمنا العربي رسميا، بل تدخل المسألة ومناقشتها في إطار التابو، اذ ارتبط المفهوم حصرا بإشاعات وفضائح راجت على مرّ السنين حول كتّاب كُتبت لهم كتبهم (ومعظم تلك الشكوك حامت حول كاتبات وشاعرات)، لكنها نادرا ما تجاوزت إطار التحامل والاشاعة، الناتجين في معظم الحالات من آفة “الذكورية” الأدبية، لتصبح واقعة ثابتة ومبرهنة. “الأشباح” موجودة طبعا في بلداننا، لكنها إما أشباح طوعية ومتطوّعة، غير مدفوعة بحافز المكسب المادي بل بالرغبة في تقديم المساعدة لأسباب متنوّعة أو طمعا في مصالح من نوع آخر، أو هي تجني رزقها من كتابة الأطروحات الجامعية والمحاضرات والخطب، وأيضا وخصوصا من كتابة المقالات الصحافية.
رغم بعض الاستثناءات التي أثمر فيها “الكاتب الظل”، كما يسمّونه في ايطاليا، عن أعمال أدبية رفيعة المستوى، على غرار ما حصل مع “فريق أجراء” ألكسندر دوما مثلا، غالبا ما يكون نتاج المرتزِق كتابة “صناعية” تنفيذية زائلة، تنتج “اشباه كتب” كما ذكرنا في البدء. وعلى رأس لائحة اشباه الكتب هذه سير المشاهير المزدهرة منذ عشرينات القرن الفائت. ممثلون ومغنون وراقصات وراقصون ومقدّمون إذاعيون وتلفزيونيون ورجال أعمال وعارضات ازياء، كلهم مروا تحت ريشة الأجير المنقذة: بريجيت باردو، جوني هاليداي، نعومي كامبل، منى ايوب، اديث بياف، كارن مولدر، الخ… هنا مغن مشهور يروي حياته الطافحة بالاثارة والمخدرات والكحول، وهناك ممثلة كبيرة تشاركنا مسلسل مذكراتها الغرامية، وبينهما ابن عم زوجة شقيق احد نجوم الروك الذي يكشف أسرارا قاتمة عن “قريبه” النجم المحبوب. كذلك، نادرة هي سير السياسيين المكتوبة بأقلامهم، فهم اكثر “انشغالا” بشؤون الناس والبلاد من ان يكتبوا، وتوقيعهم يكفي، ومنهم بيل كلينتون والديكتاتور فرانكو، وحتى جورج بوش. في هذا الإطار جملة قاطعة كالسيف قالها الكاتب والفيلسوف الاسباني اوخينيو دورس في احد الايام عن وزير العدل ادواردو آونوس الذي اصدر عشرات الكتب: “كم كان وزيرنا ليكون مثقفا لو قرأ كل الكتب التي كتبها!”.
هناك ايضا الأقلام الأجيرة المتخصصة في كتابة قصص الناس العاديين: رجل أصيب بمرض السرطان ويريد ان يروي كيف استطاع ان يهزمه، فتاة تمكنت من ان تخسر 40 كيلوغراما في ستة اشهر وترغب في ان تعطي وصفتها، امرأة تعرضت للضرب او للاغتصاب وتودّ ان تسرد تجربتها لتطرد شياطينها، وجدة تحلم ان تقصّ حياتها على أحفادها. يكون الكتاب في تلك الحالة شهادة، أو شكلا من اشكال العلاج، وثمة دور نشر متخصصة في طباعة كميات محدودة من هذه الاعمال، التي كثيرا ما يكون الهدف الوحيد منها توزيعها على افراد العائلة والاصدقاء.

الكبار أيضا فعلوها
بعيدا عن المنتجات التجارية، شهد تاريخ الادب الحقيقي بدوره، ولم يزل يشهد، حالات لجوء الى اقلام أجيرة. وقد تكون اشهر قضية على هذا المستوى قضية الكساندر دوما وشبكة أشباحه الواسعة والمتشعّبة. اذ يحكى ان احد مرتزقة دوما توفي فجأة، فوقع الكاتب في ورطة وأصيب بحال اكتئاب لأنه كان أوكل الى الشبح الراحل كتابة مخطوطة، وكان التزم تسليم المخطوطة سريعا لإحدى دور النشر. ولكن بعد أيام، دق بابه رجل مجهول وقال له: “اليك المخطوطة يا سيد دوما”. “من انت؟”، سأله دوما بتعجّب، فأجابه المجهول مبتسما: “أنا أجير أجيرك!”.
سمعنا الكثير أيضا عن ان بيير كورنيّ كان يكتب لموليير، بعدما بيّنت ذلك دراسة دقيقة لمفردات كل من الكاتبين، أظهرت ان “تارتوف” و”دون جوان” و”مدرسة النساء” وغيرها من تحف موليير هي في الحقيقة بقلم صاحب “لو سيد”. كذلك شكسبير اتهم باللجوء الى خدمات كتّاب مرتزقة، وقيل ان كوليت بدأت تجني عيشها، قبل أن تصبح كاتبة مشهورة، بتأجير قلمها. وليس استخدام الأجراء حكرا على الكتّاب وحدهم، فكبار الرسامين، من امثال ليونارد دافنشي، كانوا يلجأون الى خدمات رسّامين أجراء يمهّدون لأعمالهم ويضعون الأسس.
في عودة الى الأدب، وتحديدا الى المعاصر منه، اتهم الروائي الاسباني الكبير الحائز نوبل الآداب كاميلو خوسيه ثيلا منذ اعوام باستخدام قلم اجير، وقد وقعت الفضيحة عندما نشر الكاتب والصحافي توماس غونزالس يبرا كتابه “تفكيك ثيلا” الذي يشير فيه الى ذلك ويقدّم اثباتات على كلامه. واتهم ثيلا ايضا بالنحل في روايته “صليب سان اندريس” التي نال عليها جائزة “بلانيتا” الأدبية.
في اسبانيا فضائح أخرى، ابرزها ربما قضيتان لا تدخلان ضمن إطار القلم الأجير بقدر ما تنتميان الى نطاق الدعم الطوعي والمجاني، وهما تقعان على الطرف النقيض مما تعوّدنا عليه من إشاعات “نسائية” في عالمنا العربي،: اذ بيّنت الدراسات أن ماريا ليخاراغا هي التي كتبت لزوجها المسرحي الشهير غريغوريو مارتينيث سييرا كل كتبه ومقالاته الصحافية، حتى بعدما تركها من أجل ممثلة شابة، وان اميليا بارد باثان كتبت لصديقها المؤرخ بينيتو بيريث غالدوس معظم اعماله.
الفرنسيون ماريك هالتر وجيرار دو فيلييه وريجين ديفورج وجاك اتالي، والوزير السابق جاك لانغ، والاميركي طوم كلانسي، والايطاليان ماتيو باسكينيللي وكورادو سبيناتي، هؤلاء جميعا وآخرون نالت منهم إشاعة اللجوء الى كاتب ظل. وهناك من الكتّاب من لا يخفي واقع لجوئه الى اشباح، فيقول سوليتزر، كاتب البست سيللر المعروف: “من لديه الوقت للكتابة؟ انه عمل ممل ومتعب وميكانيكي. تعج في رأسي أفكار كثيرة رائعة، فأوكل الى آخرين كتابتها. اعطي الفكرة والهيكلية والمسار، وتأتي النتيجة افضل مما لو كتبت الكتاب بنفسي. فما العيب في ذلك؟”. لا عيب، خصوصا اذا ما تأملنا في نوعية كتب سوليتزر التجارية وغير الطموحة ادبيا. لكننا مضطرون رغم ذلك الى معارضة تشيكوف في قوله ان “فرادة نص ما لا تكمن في اسلوبه بل في فكرته”، لأن الكتابة الابداعية لا تُختصر بالفكرة، بل ان الصياغة واللغة والاسلوب عناصر جوهرية منها. ومن البديهي ان يكون البعدان، المضموني والاسلوبي، غير قابلين للانفصال عند تقويم نص أدبي حقيقي.

ابتهج ستصبح كاتبا
ثمة ايضا من الكتّاب من كان “ظل” نفسه، في حالات جميلة وفريدة من نوعها من خلق الانعكاسات أو من التكاثر الأدبي، على غرار بيسوا الذي كتب لبرناردو سواريس والفارو دي كامبوس وريكاردو ريّس وآخرين، ورومان غاري الذي كتب لإميل أجار. لكننا سنعود الى مسألة الاسماء المستعارة في مقال لاحق، رغم اني لا افهم قيام عدد كبير من الكتّاب والزملاء بالكتابة بأسماء مستعارة – إلا عندما يكون الأمر لضرورة “أمنية” في فراديس حرية التعبير العربية. قد يُحتمل الأمر في مقال، ولكن ان يخلق مبدع كتابا كاملا، ان يسهر عليه ويضع روحه فيه ويعود الفضل فيه لمجهول أو لآخر، فأي قدرة على نكران الذات تتطلب فعلة كهذه؟ اليس اسم الكاتب جزءا لا يتجزأ من هوية النص ومن متعة مشاركته مع الآخرين (أو على الأقل من “قرار” مشاركته، بما ان البعض يزعمون أنهم ينشرون “مكرهين”، – ونتساءل ما الذي يكرههم في هذه الحال ومن ولماذا؟).
اما على الانترنت فحدّث ولا حرج: صفحات وصفحات من الاعلانات من جانب شركات ومؤسسات تقدم خدماتها “الكتبجية”: “اذا كنت تجد صعوبة في وضع كلماتك على الورق، لكنك تملك فكرة رائعة لكتاب، وتبحث عن مساعدة لاخراجها من داخلك، ابتهج! لدينا فريق كامل من الكتاب المحترفين المستعدين لمساعدتك”. وتراوح الخدمات من التصليح البسيط الى الكتابة الكاملة مرورا بإعادة الكتابة، وتراوح نوعية النصوص من الرسالة والمقال والخطاب ونذور الزواج (نعم، صدّقوا!)، وصولا الى السيناريو والرواية، مرورا بالسيرة والذكريات والشهادات. الشعر وحده ناج حتى الان من هذا القطاع “الخدماتي”، اذ لم اجد في اي من تلك الشركات عرضا لكتابة قصائد. طبعا لا يعود السبب الى احترام هؤلاء البائعين هالة الشعر وحرمته، بقدر ما يعود الى واقع كون الشعر نفسه مادة غير تجارية وغير دسمة مكاسبيا. في إطار الانترنت ايضا، وتحديدا ضمن ظاهرة الـ”بلوغ” blog (أي المنتديات التفاعلية ودفاتر اليوميات الالكترونية)، هناك “بلوغات” لكتّاب كبار من أمثال فوينتس واوستر وموتيس، تديرها أقلام اجيرة مهمّتها الحديث باسم الكاتب، فتجيب يوميا عن رسائل القرّاء وتساؤلاتهم، وتناقش معهم افكارا واقتراحات.

المثلث السحري
يؤكد نابوكوف أن “سرقة نص من كاتب هو أكبر إطراء له”، بينما يقول انطونيو مونيوث مولينا: “اذا كانت الكتابة تعني ان نروي شيئا هو التعبير الأكثر صدقا وأصالة عنا، فمن العبث ان نستعير لأجل ذلك كلمات آخرين”. ولكن بين السرقة والاستعارة، ليس ثمة قانون يحكم آليات اللجوء الى قلم أجير، يوازي قانون حماية الملكية الفكرية في البلدان المتطورة. ففي حين يحاسب هذا القانون على استعارة نص ما من دون اذن صاحبه، لا تخضع استعارة النص وتبنّيه “مع” اذن صاحبه وموافقته، اي استئجار قلم، لأي رقابة أو تنظيم قانونيين. ولكن ثمة في بعض البلدان شبكات لحماية حقوق المرتزقين، على غرار “زنجي لمجهولين” التي اسسها الفرنسي غيوم موانجون عام 1998، وهو الذي كتب ما يزيد على 200 كتاب كأجير. وهدف المنظمة تحديد لائحة أسعار ثابتة وبلورة آداب ممارسة المهنة وتنظيم المنافسة وتوزيع المشاريع، وربما نشهد قريبا ولادة “اتحاد الكتّاب الزنوج”. ويستاء الكتّاب المرتزقة ممن يتعامل معهم بخفة وينظر اليهم نظرة دونية، فهم كتاب جيدون، على ما يؤكدون، ولكن سيئو الحظ. بعضهم يكتب صباحا لشخص آخر، ويكتب ليلا لنفسه، مما يتطلب موهبة انفصام الشخصية الكتابية، لا بل موهبة تعدد الشخصيات على الأصح. انه نوع من الـ ménage à trois، مثلث سحري بين الكاتب والشبح والنصّ. ونادرون هم الأشباح الذين توضع اسماؤهم على الكتاب، ولكن هذا يحصل أحيانا بصيغة “بالتعاون مع فلان”، او “رواها فلان”، الخ… أما اذا ورد إسم الأجير فبخط صغير ميكروسكوبي غالبا، حد انه لا يقرأ. أما الأتعاب فتراوح بين 3000 و6000 دولار في الولايات المتحدة، وبين 2000 و5000 يورو في اوروبا، بحسب نوعية العمل ومستوى المرتزِق الموكلة المهمة اليه وسيرته وانجازاته السابقة. وثمة من يفضل التعامل مع أجير واحد كل مرة حفاظا على “اسلوبه” الكتابي المستعار.

المهرّج الحاقد
يقول الكاتب برونو تيساريك، وهو كان أجير باتريك هنري، في كتابه “آلة الكتابة”: “مهنة القلم الأجير تقوم على منح أفكار للأغبياء ومنح أسلوب للعاجزين”. فصحيح ان قلة من الأشباح مستعدون لذكر اسماء مستخدميهم – “وهل يقتل المرء الدجاجة التي تبيض ذهبا؟” يقول باتريك رامبو الذي نال جائزة غونكور عام 1997 على روايته “المعركة – لكن معظمهم يحبذون انتشار الاشاعات والشكوك التي يرون فيها “انتقاما” لهم. القلم الأجير غالبا “مهرّج” حاقد وطافح بالمرارة، ويؤكد الشبح الاسباني جوان خوسيه مياس ان ثمة ضغينة تزداد مع الوقت في نفس الشبح بسبب حصول آخر على الشهرة والمديح والمال. دان فرانك الذي كتب في حياته ما يزيد على خمسين كتابا لآخرين، يتحدث من جهته عن ضرورة ان يخرج “الكاتب الظل” من جلده وان يتعامل مع المسألة ببرودة وبشيء من حس الفكاهة كي لا “يقتله القهر”.
الأقلام الأجيرة عملاء سريون، تماما كعناصر الاستخبارات، وعندما تعرف هويتهم يصبح ضروريا “التخلص” منهم (بالمعنى المعنوي طبعا)، علما أن الفضيحة لا تدمر فقط سمعة الكاتب، بل أيضا سمعة أجيره، اذ لن يعود احد يلجأ الى خدماته بعد ذلك. ولكن رغم المخاطر ينقلب فرانكشتاين على خالقه احيانا، خصوصا عندما يلاقي الكتاب نجاحا كبيرا، فتتملك الظلّ الرغبة في الكشف عن اوراقه لأسباب معنوية ومادية على السواء، فيلجأ الى المحاكم لتحصيل حقوقه، وهو ما فعله اتيان دو مونبوزا وآن براغانس مثلا. ولكن مهما كان الأجير موهوبا، يميل الناس الى تصديق الكاتب، لأن اسم الكاتب الشهير أهم من موهبة الاجير، وغالبا ما يكون هذا الاسم وحده، بمعزل عن نوعية النص ومستواه، كفيلا بجعل العمل “بست سيللر”. وجميعنا نعرف قصّة الكاتب الكبير الذي قام، بناء على رهان مع صديقه، بإرسال مخطوطته الجديدة الى دار نشره بإسم شخص مجهول، فرُفضت المخطوطة بحجة “ركاكة النص” رغم ان الكاتب نفسه كان قد نشر قبلا عشرات الروايات لدى دار النشر ذاتها. ويلجأ بعض الاشباح الى وسائل “زكزكة” خفية والى نصب افخاخ توقع الكاتب في ورطة، على غرار ذاك الشبح الذي أدخل في الرواية المزعومة للمقدمة التلفزيونية الاسبانية انا روزا كنتانا، مقاطع كاملة من كتاب للروائية الأميركية دانييل ستيل من دون ان يضعها بين مزدوجين ومن دون ان يذكر مصدرها، مغيّرا اسماء الابطال من اسماء أميركية الى اسماء اسبانية، مما تسبب للكاتبة بتهمة السرقة الادبية. وقد بيع من الرواية، “طعم مرّ”، ما يزيد على مئة الف نسخة، وأدركت طبعتها السابعة. وعندما كشف الأمر نفت “الروائية” الحديثة النعمة كنتانا اللجوء الى كاتب أجير، وأكدّت أن جل ما حصل هو غلطة “كمبيوتر”.

جريمة ضرورية
نصل أخيرا الى أقلام أجيرة من نوع خاص، هي تلك التي تعمل في دور النشر باسم مدقق او محرر، علما ان التحرير قد يصل الى حدود اعادة الكتابة الكاملة للعمل. ويؤكد العارفون في قطاع النشر في اوروبا ان ما يزيد على خمسين في المئة من الكتب المنشورة تخضع لعملية اعادة كتابة بمبضع “زنجي” دار النشر، وهي عملية قد تتضمن في ما تتضمن، باعتراف كتّاب أصدقاء، اضافة شخصية من هنا والاستغناء عن اخرى من هناك، وتغيير الجملة الأولى لجعلها اكثر “إغراء” وربما حتى تغيير النهاية لجعلها أكثر “إدهاشا”. وتجدر الاشارة ايضا الى جذور مهنة “القلم الأجير”، وهي مهنة “الكاتب العمومي” التي كانت رائجة في الازمنة القديمة – ولم تزل في بعض البلدان – عندما كانت الابجدية في يد نخبة يلجأ اليهم الناس لتدبير شؤونهم.
كيف يمكن شخصا لم يقرأ في حياته على الارجح سوى التعليقات على صوره في المجلات، ان يقنعنا بأنه باض فجأة كتابا من 400 صفحة؟ وعلى الضفة الأخرى، كيف يمكن كاتبا أن يتجاوز ما تفرضه العلاقة مع النص من امومية وأنانية وتعلّق وتملّك؟ مهما كانت التسمية المستخدمة لوصف متقمّصي الكتّاب: القلم الأجير، أو الكاتب المرتزق، او الشبح، او الظل، او نائب الكاتب، او الكاتب المنتدب، او مومس الكتابة، او الكاتب الزنجي، الخ… لا بد، في حال الموهبة الحقيقية، أن يكسر الظل المرآة ويخرج منها. لا بد أن يرحل الشبح، ويبقى الأصل.
(عن جريدة النهار)
www.joumanahaddad.com
[email protected]

نشر في 1/08/2005 9:00:00

‫0 تعليق