د. أحمد زنيبر: تـمـظهـرات الـدلالـة بين اللغـز والإحـالـة في رواية أريانة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يزخر الفضاء الروائي لدى الكاتب المغربي الميلودي شغموم، بتنوع ملحوظ على مستوى الموضوعة / الموضوعات الحكائية التي يقاربها في مختلف تجاربه السردية. ذاك التنوع الذي يقتضي استحضار الواقع في تشكلاته وتشاكلاته الممتدة تارة، والمضي بالمتخيل نحو التجريب والعجيب تارة أخرى، مما يضفي على النص الروائي حين اكتماله، لغة ودلالة، تلك المتعة الجمالية المطلوبة.

وإذا كان قارئ أعمال الميلودي شغموم الروائية، لا يتوانى في استخبار دلالات الحكاية عبر ترصد الأحداث وتعقب الشخصيات، قصد الإلمام بمعالمها وعوالمها الكبرى، فإنه لا محالة واجد ضالته عندما يحط الرحال بمنجزه الروائي الجديد، الذي وقعه تحت اسم ” أريانة “. و هي الرواية التاسعة في مسار تجربة الكتابة لديه.
فماذا عن هذه الرواية ؟ وما القيمة الأدبية التي تضيفها ؟
تقع الرواية المذكورة(*) في مائة وأربعين صفحة تتخللها عناوين رئيسة بمثابة فصول هي : (أمارة / حليمة / أريانة / رابية / شمس البحر/ بهلول / داني ودانية/ مسعودة / مينة / فراشة / رامون / نجمة ) وهي عناوين يغلب عليها طابع التأنيث، من جهة، كما تتراوح مساحتها الورقية بين الطول والقصر، من جهة ثانية، فيما السارد، بوصفه فاعلا مشاركا في صنع أحداث الرواية، يتولى عملية ربط وضبط مجريات الواقع بما تفرضه من انصهار، تام أو جزئي، بالمكان وبالزمان، من ناحية، وبما تفرزه من علاقات ومواقف إنسانية، سالبة أو موجبة، لا تخلو من إحالات دالة ورمزية، من ناحية ثانية.
فكيف يلم شغموم بانفعالات وأهواء أبطاله، وكيف يرصد تحولاتهم الوجدانية والوجودية، انطلاقا من علاقاتهم بالأنا، من جهة، وباتصالهم أو تواصلهم بالغير، من جهة ثانية؟ وبالتالي ما الموضوعة / الموضوعات التي تهيمن على مشاعر هؤلاء الأبطال، واقعيين و متخيلين في آن، بدءا من شخصية السارد ذاته؟
تقودنا ” أريانة ” كمادة سردية، تنتمي إلى جنس الرواية إلى فضاءات إنسانية صرف، تعرض لكثير من القضايا والأسئلة المتناسلة، كما تجسد صورا متباينة لما تستبطنه الذات الفردية، في علاقاتها بجملة الأحاسيس والمشاعر المتقلبة، هتا وهناك، بحسب المواقع والمواضع الممكنة.
إن أول ما يلفت انتباهنا، في هذه الرواية، كون صورة المرأة، في شخصية ” أريانة ” عبر امتداداتها و تمظهراتها المختلفة، وفي علاقاتها مع باقي الشخصيات (الأنثوية منها والرجولية) أخذت حيزا كبيرا في تشكيل بنية الحكاية المقترحة، وتوجيه مساراتها. كما أن صورة الرجل في شخصية البطل/ الصحافي عبر انفعالاته و تماهيه هو الآخر مع شخوص ( تجاريه أو تخالفه في توجهاته ) لا تقل رمزية ودلالة عما تفيض به الصورة الأولى.
و من ثمة، شكل اندماج الصورتين وانصهارهما داخل العملية السردية، عالما حافلا بالأسئلة الكونية والإنسانية تعايش فيها، الواقعي و المتخيل، بأشكال متفاوتة تبعا لطبيعة الأدوار المسندة للشخصيات.
وفي هذا السياق الإبداعي، الطافح بالأسئلة والإحالات، نعثر على جملة موضوعات ذات قيمة وأهمية قصوى، تمس بعض المناحي الوجدانية التي تعمل في الذات البشرية، بدرجات متباينة، بحسب الأفراد وانتماءاتهم وميولا تهم، كموضوعات الحب والخوف والرغبة والألم والموت،، وما شاكلها؛ دون إغفال ما لهذه الموضوعات من وشائج قربى، جلية أو خفية، بفضاءات أخرى لها صلة وطيدة بعنصري الزمان والمكان.
لقد شكلت ” أريانة ” كامرأة في هذه الرواية لغزا محيرا أرق البطل و أدخله سراديب مظلمة. امرأة ” تلبس الأسود دائما ” (ص 9) ، تجمع بين المتناقضات، تسحر لابسها وتمنحه، تحت السرير العريض سعادة لا متناهية، سرعان ما تتحول إلى سؤال إشكالي كبير : ” من تكون إذن هذه المرأة التي تشبه البحر الدافئ الهادر و الشمس الحارة العطرة …” (ص 7) وهكذا يظل السؤال مفتوحا على مصراعيه، مند الأسطر الأولى في الرواية حيث يباشر السارد عملية الحكي، لافتا الانتباه إلى ذلك التماهي الحاصل بينه وبين شخصية (العربي الشيهب) إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، كقوله :” يحذرني العربي الشيهب، و كأنه يحذر نفسه: هذا الوقت ليس الزمان فلا تغتر بأوانه ! ثم يحكي عن نفسه وكأنه يحكي عني، يتماهى بي ” (ص 5) أو كقوله في موضع آخر، ” و يضيف العربي الشيهب، كأنه يقلدني، أو يزايد ” (ص 9).
كما تبرز أثناء الحكي، شخصية أخرى ممثلة في ( سليم الناظمي) ، شخصية يذكرها السارد / البطل ويحيل إليها في مختلف المواقف. وهكذا نكون أمام شخصيتين تلازمان وترافقان البطل في كل لحظاته كظل أو شبح، يقول السارد : ” العربي الشيهب ولد الحرام و الناظمي، مازالا في رأسي، أحبابي أعدائي !” (ص39 ). فهل هما ذات البطل و جزء منه أم صوته المتواري خلف المحكي ؟ لعل الأمر يحتاج إلى وقفة خاصة. لنتابع ..
إن الكاتب، الميلودي شغموم، وهو يقدم شخصيات هذه الرواية، عبر تقنيات الحكي وتداعياته و جماليات الوصف و تلويناته و طرائق الحوار وتنويعاته، يطرح إمكانية التعرف على وجهات نظر مختلفة تجاوز سقف الموضوعة المتبناة أصلا في الرواية، وما يتولد عنها من موضوعات صغرى مصاحبة. لذلك تراه – من خلال تحديد رؤى و مسارات أبطاله، وما يعترضهم من مشكلات – يمنح بعض المواقف المحصلة تفسيرا تأمليا عميقا يبحث المفهوم ويقلبه على أوجهه المختلفة .
فإذا كانت العلاقة التي جمعت بين البطل وأريانة مؤثثة باللذة والفرح؛ فإنها سرعان ما حوصرت، في ما بعد، بالمخاوف والألغاز ” سمعت، ذات صباح، وأنا أسير في اتجاه المكتب، سمعت هاتفا بداخلي يقول : لماذا تصر على تفكيك هذه اللذة، التي تسميها اللغز، و ماذا ستربح من هذا التفكيك ؟ اترك جسدك يكتشف، قد يكون أذكى منك أو على الأقل أصدق، قد يكون الجسد الحل، الخلاص ! ” ) ص11 ) .
لكن ما الجسد ؟ سؤال توقف عنده الكاتب مليا، وأفرد له حيزا مكانيا مهما لتمرير مختلف التعريفات/المفاهيم الممكنة التي ترتبط ضرورة بالشخصية المتحدث عنها، وتبعا لمرجعياتها المعرفية المتعددة (غربية، مشرقية، مغربية) ، ومن ثمة نجد الجسد يتمظهر في “بيت اللحم الذي نسكنه أربعا وعشرين على أربعة وعشرين ساعة ” (ص61 ) تارة، كما نجده يتمثل في كونه “أول وأكبر هدية ربانية، من جميع العناصر، منحها الخالق للإنسان، استعاره له من الكون كله ليعيده إليه ذات يوم فالإنسان مسؤول عنه أمام الله و الكون ” (64 ) تارة أخرى، لينتهي المطاف إلى أن ” كل شئ يقرأ في العين، كل الجسد كله يتجلى في العين ” (66)؛ بل إن الجسد في معنى آخر “يوجد مصغرا في أسفل القدم : هنا العينين، هنا الرقبة .. و هنا .. ” (ص67 ).
وهي إحالات وإشارات، بقدر ما تظهر تعددية الرأي بقدر ما تثيره من صور وأخيلة تغوص في عمق الذات وما يحررها من هواجس وانفعالات في اتجاه البوح حينا، وصوب الكتمان حينا آخر. يقول السارد ” وفي الغرفة الفيروزية أجلستني أمامها على السرير وقالت لي : الآن تأمل عيني واتركني أتأمل عينيك !. وتأملت عيناها حتى سقطت بين ذراعيها دائخا. مسحت على رأسي قليلا ثم قالت لي: هات قدميك الآن ! منذ ئد بدأ نفس المشهد يتكرر في نفس، أو مثل، الوقت :…”(ص69).
وبين هذا المعنى وذاك، ظل الجسد فضاء خصبا للتأمل، من خلال عملية استقراء للذات/الشخصية ورصد لملامحها الخاصة. فمن متباه بالجسد إلى محتقر له إلى خجلان منه، تتورط هذه الذات، بكيفية أو بأخرى، في عملية تحديد وبناء لهويتها.
و لما كان الجسد خريطة، بمعنى ما، تقتضي لقراءتها لغة خاصة، وبالتالي مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بعالم الجنس واللذة، فإن طقوس الاحتفال بهذا الجسد أو ذاك، لغة و متعة، تختلف باختلاف الفرد والمناسبة وتتنوع بتنوع الأمكنة …” ( وقال الناظمي : كلما رأيت شخصين يدخلان غرفة النوم أشعر بالسعادة، يزداد أملي في الدنيا، ترفع لدي درجة الرغبة ! –سر، ألحمار، سر، يقول الشيهب، الحيوان !)” (ص77) . غير أن الجسد كلما اكتمل و نضج كان عرضة لعبث الأقدار فلزم الأمر من الجسد ” أن يتكيف مع كل تبدل، و يتجند كله لتعويضه أو تداركه ” (ص144 ) وبذلك يقاوم العطل و يتحدى الموت، كما تعهدت بذلك (غلوريا ) الراقصة، داخل الرواية، مثلا.
لكن أريانة راقصة الفلامنكو الأولى سرعان ما تتعثر حياتها ويفقد جسدها نظارته وخفته وحرارته بمجرد إصابتها بسرطان الثدي فتعتزل الرقص وتهرب من الحب عائدة إلى مسقط رأسها، و تحكم على نفسها بالسواد الملغز، رغم نجاحاتها، ” إن غلوريا القرطبية لن تغفر للإيطالية المغربية، لقد جعلت منها أريانة راقصة من الدرجة الثانية في الفرقة، في كل اشبيلية !” (ص113) .
أما عن علاقة الجسد، ككيان، بموضوعة الحب، فإن الرواية حين رامت ملامسة ذلك ذهبت إلى إثبات ما لاشتعال الذاكرة والحنين من أثر في إنعاش وإحياء العلاقة بين الكيانين / الجسدين، إذا توافرت الشروط لذلك، بغض النظر عن طبيعة هذه العلاقة، شرعية كانت أم فاسدة. فالصحافي / البطل من خلال معاشرته لأريانة فترة من الزمن حيث جاذبية العطر وسحر الشمس والبحر واللذة اللامتناهية، لم يستطع الإفلات من دوختها ( إحراقها و إغراقها له ) والسقوط – بوعي أو بغيره – في حبها، بالفعل و القوة، رغم ما أبداه عقله الخارجي من مشاكسة و مراوغة، يقول : “العمياء المجذوعة الوجه، اللعينة، ما زالت تحتال علي لتلصق بي تهمة الحب لابنتها..”(ص80 ).
غير أن البطل، بعد لأي وتردد ومكابرة، يجد نفسه باحثا عن محبوبته، لاهثا خلفها عساه يسترد الشمس والبحر ! كما أن حواراته، المباشرة وغير المباشرة، مع شخوص الرواية، سائق الطاكسي ورابية مثلا، سرعان ما وجدت موقعها من قلبه وعقله فتم إرباك قناعاته الباردة. ومن نماذج ذلك نجد من قبيل : “لماذا تقبل أن تنام مع امرأة، أقصد أريانة، و أنت خائف من الفضيحة، ومن العار، ومن الحبس، من المجهول المحتمل الذي تتغذى منه صورك المزدوجة ؟ “(ص49/48 )، أو نحو “في عينيك بريق ذابل، بريق الجسد الذي يشتغل كثيرا لكنه لا يحب، أو لا يسعد بالحب، بدون توازن ! ” (ص 65)… أو من مثل “مصدر عذابنا في الحب، أننا لا نعرف كيف ننصت بصدق إلى قلوبنا، أو نريد أن نجمع فيها المستحيلات، المتناقضات، و أشد مصادر التعاسة أن نجري وراء شخص ونحن نعرف أنه غير مستعد للحب ولا قادر عليه …” (ص 82).
كل هذه المواقف أو التلميحات، كان من شأنها تحريك رغبات البطل الدفينة نحو الإنصات الهادئ إلى الذات، ومن ثمة العزم على مواصلة البحث عن أريانة وعن سر اختفائها “طبعا لا بد أن أفك هذا اللغز، لغز أريانة، وليشرب عزيزي ماء البحر، و معه مالك و الراضي و كل القبيلة، و لتذهب رابية المختالة بسرورها، وكذلك سائق الطاكسي …”(ص75 ).
وهكذا يقوم البطل برحلة (واقعية / متخيلة ) إلى بلاد الأندلس، في مهمة صحفية، حيث يتعرف، أثناء ذلك على زميلات وزملاء أريانة ( غلوريا، فلورا، موراييس، أنطونيو و رامون) حين عملها، هناك، كراقصة مميزة، وخلال تلك الرحلة تجمعت لديه وفرة من المعلومات عن نشاطاتها وعلاقاتها وكذا صراعاتها مع الذات والزمن والألم. هذه المعلومات أو العلامات التي لم يحسن قراءتها في بادئ الأمر، كما اعترف هو بذلك، قادته – عن طريق التأمل و الفهم المناسب ثم التأويل الملائم إلى إشارات دالة و موحية، كشفت النقاب عن سر أريانة الملغز، و اتضحت الحدود و المعا لم. “قالت و قد امتزجت فيها فجأة أريانة و رابية : الوقت الآن، كما في الرقص، رقصني، أو صل معي، تذهب كل الكوابيس ، تتصالح أسماؤك، وأصواتك، ونعوتك… وتفهم حليمة… فتسامح العربي الشيهب… و سليم الناظمي …(…) و أخذت أريانة ترقص. فرقصت معها … لأول مرة في حياتي كلها، أرقص، و كأني أصلي، أو أموت! “(ص 140 ).
لقد شاءت أريانة/رابية أن تكون للبطل ” أما وعشيقة ” (ص 138) لكنه لم يفهم إشارتها إلا بعد حين، فضاع بين الصور المزدوجة. لم يفهم بعد المعنى وعلامته إلا حينما واجه ذاته، مثلما فعل سائق الطاكسي، وبعد أن تعقب خطرات قلبه وتحرر من الخوف، كالخوف من الحب ومن الموت .. ومن العار و من الفقر …
هكذا إذن، نلفي الكاتب، بين هذه الدلالة أو تلك، يواصل عملية تشريحه لكينونة أبطاله وفق ما توافر له من تقنيات سردية عالية، تلمح أكثر مما تصرح، بحثا عن توازن ما، يضمن للزمن الروائي إيقاعا منسجما وللبطل، كذات إنسانية، وعيا ملتئما.
إن العودة إلى وقائع وأحداث الرواية / الرحلة، في أبعادها الفكرية والوجدانية، لتقدم صورة واضحة، و لو مصغرة، عن / لبعض مشكلات الإنسان مع الذات والعالم. مشكلات ذات أفق رحب يسمح بالنظر والانتقاد. وهو ما سعى الميلودي شغموم، من خلال أبطاله، إلى تحريره وتمريره ، عبر رموز موحية تجلت في شخصية أريانة، وقد تموضعت كإشكال نصي ومعنى روائي، تمظهرت دلالته/دلالاته بين اللغز والإحالة.


· أريانة . الميلودي شغموم. المركز الثقافي العربي. بيروت . 2003

نشر في 23/06/2005 8:50:00

‫0 تعليق