إسلام شمس الدين: العشاق لا يدخلون الجنـة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!
  • ( نعم ؛ أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ … ولكن مثلي لا يُذاعُ له سرُّ )
    وكأنما يغرس الكلمات في صحارى الذاكرة، ويرويها بماء الوجد المنساب عبر أودية الروح؛ أعاد المقطع نفسه مرارا حتى تيقن من استقرار جذورها في أعماقه.
    اصطحب فنجان قهوته إلى الشرفة؛ امتزجت رائحتها بنسائم الصُبح المتراقصة في أحضان شجرة الصفصاف؛ فرد جذعه على المقعد الخشبي، وأغمض عينيه مطلقاً أشرعة الخيال في محيطات الذكرى، وفاتحاً نافذة صغيرة يتسلل عَبْرها صوت “أم كلثوم” ليغسل بقايا نشوة متناثرة بين الجوانح.

ليس من عاداته الاستماعُ إلى الموسيقى في الساعات الأولى من الصباح ؛ صوت قادمٌ من الزاوية الموحشة في أقصى الجُرج النازف؛ أغراه بالبحث بين أحرف الكلمات عن تلك الذات المتسكعة على أرصفة الحنين.
طالع شاشة الهاتف؛ ارتسمت على شفتيه ابتسامة فاترة قبل أن يحمل أوراقه ويغلق الباب خلفه.


  • ( بإمكاني إعادة تشكيل العالم من جديد … طالما كنتُ حراً )
    كان يستمد الحياة من عشقه للحرية؛ ينسج من خيوطها رِيشاً لجناحين حائرين يحلقان به تحت شمسها، ويضربان في إصرار؛ أمواج الريح، وأسوار الخوف، و يمحوان المكتوب في خطوط اليد، ويكسران الإشارات الحمراء في طريق العمر، ويشطبان المسلمات والفرضيات والنظريات والمخطوطات التي ألفها غيره، ليبدأ من جديد في كتابة تاريخه، وحاضره، ومستقبله؛ كما أراد هو.
    أشار إلى سيارة أجرة … الدقائق التي يقضيها بجوار شخصٍ لا يعرفه في سيارة لا يملكها؛ هي نوعٌ من المتعة بالنسبة له ؛ فقلما تتاح له فرصة اللقاء مع نفسه، وربما تكون تلك هي الحرية الوحيدة التي نالها كاملة، يخلع على أعتاب هذه الدقائق؛ أثواب الفكر، ويستدعي جناحي الحرية سابحاً في عوالم الذات.
    راوده الابتسام مع ارتفاع صوت أم كلثوم من مذياع السيارة:
    ” وصّلتني للحال دا بإيدك
    بعد ما كانت روحي بإيدك
    سبتك ومفيش حد ف عمري
    بعدك يشغل قلبي وفكري
    سبتك من غير حتى ما افكر
    هأقدر اسيبك أو مش هأقدر “
    لم يدرك السائق سر الابتسامة المبهمة؛ فالتزم الصمت متحيراً بين كون راكبه؛ ليس طبيعياً؛ أو أنه أحد أولئك المطحونين بين رحى الحياة ممن باتوا يحدثون أنفسهم.
    قطع عليه حيرته إذ طلب إليه التوقف فجأة على طريق “كورنيش النيل”.
    في السابعة من عمره؛ كان يغويه حلمٌ صغير كلما سار بمحاذاة “النيل”، وتقدم به العمر؛ وخفتت جذوة الحلم؛ لكنها لم تنطفئ؛ ظلت جمرتها خامدة في إحدى زوايا النفس؛ في انتظار سحابة عابرة تمطر رياحاً فتشعلها من جديد.
    قرر اليوم أن يحقق للطفل الصغير بداخله؛ ذاك الحلم الذي طال انتظاره…
    نزل درجات مهبط “الأتوبيس النهري”؛ تعلق بصره بهذا الصندوق الخشبي يصافح قطرات النيل؛ يعانقها؛ يحملها في صدره عابراً بين ضفتيه.
    غمرته نشوة النصر وهو يقفز إلى الجهة المقابلة، أخرج من جيبه مفكِّرة صغيرة ؛ كتب على صفحتها الأولى:
    ( نفشل في اقتناص أحلامنا الصغيرة؛ عندما تنجح أوهامنا الكبيرة في اقتناصنا ).

لقّبوه “صائد النجاح”… كان يعرف كيف ينجح؛ متى أراد؛ يتنقل بين نجاحاته كفراشة تذوق رحيق الأزهار دون أن تقيم من بتلاتها خيمةً تأوي إليها…
سألوه يوماً فأجابهم: ( أبحث عن نجاح يصنعني، لا نجاح أصنعه )
لم يفهموا كلماته، ولم يأبه هو بتأويلاتهم، البعض وصفه بالغرور، وآخرون بالغرابة، تمادى بعضهم فرموه بعشق الذات…
قال واحد منهم: “إنه يظن نفسه أكبر من كل نجاح” ، وقال آخر:”هو يعتقد أنه محور كل نجاح”، وقال ثالث: ” بل يريد أن يُنسب إليه وحده كل نجاح”.
ليس لديه سوى اسمين وهبهما حياته؛ أحدهما اسمه، والآخر سّرٌ أغلق عليه أدراج الذاكرة، وألقى بالمفتاح في كهوف سحيقة، لذا لم ينكر على قائل منهم مقولته؛ فجميعهم أصاب شيئاً من الحقيقة، كان يؤمن بأن ( الله لا يكره من عباده؛ الطامحين والجامحين والكُبراء، وإنما يكره منهم؛ البعوض والذباب والوضعاء والأغبياء ).
قبل أن يكمل العشرين؛ كان قد تقلد أولى مسؤولياته … أشفق عليه واحد ممن اختبرتهم الحياة فأسدى إليه نصيحة: ( إذا أردت أن تنجح؛ فعليك أن تختار ما بين محبة الناس أو تقديرهم )
قضى سنوات عمره ندماً على اختياره، ففي كل ليلة عندما يلقي برأسه المتعب على الوسادة الصغيرة؛ يتمتم قلبه في أسى: ( ما أقسى أن نحيا بأنفسنا؛ لأنفسنا )، فيجيبه معللاً: ( وُلِدت في السماء من لملمت أيامنا الضائعة بين أصابعها، لكن الأقدار لم تأذن لها بعد في النزول إلينا ).


متقمصاً عباءة “عبد الحليم حافظ”؛ استقبل زملاءه في العمل “يا صحابي يا أهلي يا جيراني … أنا عايز اخدكوا ف أحضاني”.
كم تمنى لو يرتمي في أحضانهم، يدور ببصره محدقاً في أعينهم لعله يلمح بريقاً من حبٍ ينشده، ما عاد يلقى السلوى في نظرات التقدير والإعجاب، ما عادت تغنيه أو تكفيه أو تشبع ظمأه لجرعة حبِ تروي صحارى القلب العطشى.
في آخر الممر المؤدي إلى مكتبه؛ هامس صوتها أذنيه مجددا، هذه المرة تشدو:
” وعايزنا نرجع زي زمان
قول للزمان ارجع يا زمان
وهات لي قلب لا داب ولا حب
ولا انجرح
ولا شاف حرمان”
قبل أن يلقي تحية الصباح؛ فاجأهم بالسؤال:

  • متى رحلت أم كلثوم ؟
    استدرك قبل أن تغرقهم حيرة المفاجأة: أشعر وكأن اليوم يوافق ذكراها!
    يعشق أغنيات أم كلثوم حدّ الغواية؛ وربما حد الهَوَس، يتباهى بمعرفته التامة بأدق تفاصيلها، وما صاحبها من حكايات أو أحداث… كانت دائماً قريبة منه؛ يهرب إليها كلما ظمِئ إلى ذاته المسجونة خلف أقنعة الحياة؛ يفتش بين حروفها عما تبقى من فتيت البراءة والصفاء.
    صاحبته في ذكرياته كلها؛ ما إن ينطلق صوتها حتى يدور شريط الذكريات أمامه، ليتوقف عند المشهد الأخير؛ عند الأغنية الأخيرة:
    ” أمل حياتي … يا حب غالي … ما ينتهيش
    يا أحلى غنوة … سمعها قلبي … ولا تتنسيش
    خد عمري كله…
    بس النهاردة خليني اعيش
    خليني جنبك … خليني
    في حضن قلبك … خليني
    وسبني أحلم … سبني
    ياريت زماني ما يصحنيش”
    لم يستجب الزمان للأمنيات؛ أوقظه في عنف، وماعاد يسمح له بعدها بالنوم مجدداً في حضن الأحلام.
    عاد برأسه إلى الخلف؛ عقد كفيه لتغوص في راحتيه ،أغمض عينيه شارداً إلى جنته الحلوة التي كان يحلم بها؛ تلونت الابتسامة بألوان الفراشات…
    نفض الحلم من مخيلته سريعاً، عاد إلى غياهب الواقع؛ فقد بات يخشى الأحلام بعد أن أوهنه السقوط المتكرر من أبراجها المخملية…
  • ( ما أشقانا إذ نقسو على أنفسنا فنحرمها من مجرد الحلم ).
    تذكر كلماتها إليه: ( الأحلام لا تصنع واقعاً )، أجابها بأن ( الواقع الذي نتمنى؛ لاتصنعه إلا الأحلام )…
    كانت من الذكاء؛ بحيث لم تعارضه، بل فوضت الأيام لتجيبه عنها.
  • ( إذا كنا نشنق قاتل الحقيقة؛ فلماذا نعفو عن قاتل الحُلم؟! )
    ما زال حتى الآن لا يذكر كيف رتبت الأقدار لقاءهما؛ يقيناً ليس مصادفةً، فالأقدار لا تعترف بشرعية هذه الكلمة… توهم أنها من اختارتها السماء لتهبه العمر الفائت والقادم، لكنها لم تكن، فلم تمنحه سوى نشوة الإبحار سويعات قليلة في بحيرات الوهم؛ والرقص على أرصفة موسيقى لا صوت لها، وكتابة قصيدة غزلٍ غير مكتملة من بحور غير بحور الشعر، قبل أن تُهديه في النهاية حبلاً غليظاً وسُلماً متآكلاً؛ يكفيان للانتحار.

أراد ذات مرة أن يلخص يومه في كلمة واحدة، فلم يجد سوى “الغربة” مرادفاً، حاول مرة أخرى فكتب: “الاغتراب”، حاول مرة ثالثة فكتب: “تغريب”!
تجسّد وطنه في هذه الشرفة الصغيرة؛ الملحقة بهذه الغرفة الصغيرة؛ في هذا البيت الصغير؛ في هذا الحي القَصيّ.

  • ( هناك وطنٌ نسكنه، ووطنٌ يسكننا، ووطنٌ ننفق العمر في البحث عنه ).
    كعادته طالع شاشة الهاتف بمجرد عودته؛ لاستعراض الأرقام المتصلة في غيابه، تذكر أنه طلب إيقاف الخدمة الهاتفية، كما ألغى هاتفه المحمول، ولم يعد يتابع الرسائل البريدية.
    أحس بشيء من الحرية …
    انتقى من خزانة ملابسه ؛ أغلى ما لديه؛ حرص على ارتداء الألوان المبهجة؛ لم ينس عطره المفضل، فتح مكتبته الموسيقية؛ بعثر محتوياتها على أرضية الغرفة، أخرج من حقيبته شَرِيطَ كاسِيتٍ، استلقى على الأريكة ؛ سكب إرهاق السنوات الطويلة بين جنباتها؛ عادت الابتسامة نفسها ترتسم على وجهه؛ غادرتها ملامح الفتور؛ تحولت إلى ضحكات؛ أخذت تتعالى ؛ تموجت مضطربةً لتتناغم مع الأغنية الزاعقة في الخلفية:
    ” حابطل السجاير … واكون انسان جديد
    من أول يناير … خلاص هاشيل حديد “
    ايييييييييييييييييييييه ! إسلام شمس الدين – 30 / 7 / 2005
    [email protected]

نشر في 23/08/2005 6:00:00

‫0 تعليق