شعيب حليفي: التخييل والتلقي في الكتابة النسائية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

صيف على شاطئ مؤنث
يتجدد النقاش حول الكتابة النسائية بأسئلة جديدة وساخنة ذات بعد منهجي وتحليلات انصبت حول قضايا همت التخييل باعتباره آلية إنتاجية، والتلقي عند الكاتبات وعند الناقد، كما اتجهت التحليلات، برؤى مختلفة، على نصوص مغربية وعربية مبرزة خصوصياتها وآفاقها، وذلك بمساهمة 25 باحثا وباحثة قدموا مداخلات نقدية، وعشر كاتبات قدمن شهادات حول تجاربهن الإبداعية ارتباطا بمحور هذا الملتقى،

كما قدم عدد من الشعراء والشاعرات المغاربة ليلة اختتام الملتقى حفلا شعريا رائعا قادت أشغاله ثريا ماجدولين باقتدرا كبير.
وقد جاء هذا الملتقى العربي الذي دأب اتحاد كتاب المغرب على تنظيمه تحت شعار “المرأة والكتابة” في دورته الخامسة، في محور “الكتابة النسائية : التخييل والتلقي” بمدينة آسفي أيام 21-22-23 يوليوز 2005 “، وقد أشار عبد الحميد عقار (رئيس اتحاد كتاب المغرب) في افتتاح أشغاله إلى أهمية تجديد الأسئلة النقدية في هذا المبحث بعد التراكم النوعي والكمي خلال الدورات الأربع السابقة.
وقد عرفت جلسات الملتقى شهادات المبدعات المغربيات والعربيات والتي تميزت بخصوصياتها شكلا ودلالة في رؤيتها للكتابة وإنتاجا وتلقيا، ومن المشاركات ليلة العثمان (الكويت) ربيعة ريحان، بسمة النسور (الأردن)، هاديا سعيد (لبنان) رجاء الطالبي، فوزية رشيد (البحرين) مليكة نجيب، وفاء مليح، فاطمة بوزيان ومسعودة ابو بكر (تونس).

تلقيات الأحلام الدافقة
قاربت رشيدة بنمسعود موضوع (الخيبة والحلم في رواية عام الفيل لليلي أو زيد) فأبرزت البعد الجمعي للحلم بالرغبة في الانعتاق من الاستعمار وظلم الآخر، والبعد الفردي للبطلة وخيبتها انطلاقا من الجملة المفتاح المشكلة لبؤرة الحكي : الطلاق.
وقد تمكنت الباحثة بنمسعود من إضاءة وتفكيك بنيات النص، وخصوصا الحلم والخيبات داخل نص يعكس عوالم للتأمل في السقوط الفردي والجماعي، وفي فشل كافة المشاريع.
رشيد بنحدو يحفر في الأنا اليهودية بالمغرب من خلال الكتابة النسائية باللغة الفرنسية متسائلا عن إغفال العديد من هؤلاء الكتاب المغاربة.
وقد جاء مدار قراءة بنحدو على الكاتبة إليزا شيماتي في روايتها (الرقية) 1964 بعدما سبق لها أن أصدرت مجموعتان قصصيتان في سنتي 1935 و 1954 ورواية (في قلب الحريم – 1958).
ورصد الباحث نص الرقية وإحالاته على أعوام 1910-1915 وانحيازها إلى رعاع اليهود واستعادة صور الملاح والمرأة والعلاقات والذاكرة، وخلص إلى اعتبار هذا النص نصا شعبويا بامتياز كتب بلغة فرنسية متوسطة تخدمها الدرجة المغربية.
وقدمت زهرة زيراوي بحثا أقرب إلى الشهادة حول سؤال الاختلاف في التخييل والتلقي، مشتغلة على قساوة النقد والتلقي (كما وقع مع شتاينبك وطاغور) ثم التحولات في الكتابة التي تستمد أنساغها من التخييل متوقفة عند محمد برادة وليلى أبو زيد في إبراز العوالم التخييلية وما تفرزه من حلم واحتجاج.
شعيب حليفي تناول موضوع (الحلم والتذكر في الكتابة النسائية) مقدما لورقته بتمهيد نظري ثم الجزء الخاص بتحليل نصوص تعبيرية من الإبداع المغربي والعربي، ففي مجال الشعر تخلصت القصيدة المغربية الحديثة من ترهل الجمل من المباشرة المحاذية للخطابة والشكوى وأصبحت العبارة أقرب إلى الحلم في رشاقة المعنى عبر رسم صور بلاغية مخففة من أثقال الاستعارات.
وحلل الباحث مكون الحلم والتذكر في نصوص مليكة العاصمي وثريا ماجدولين كما قارب نصوصا قصصية تعكس نفس المكون عند ليلة الدردوري في (قصة حلم) وتحويل العذابات والتجربة إلى تخييل حلمي، وقصة (ظل لمكان ما) لربيعة ريحان وقصة، (هجرة قاصر) لمليكة نجيب، وخمس نساء في حلم لسلوى الرفاعي وأخيرا رواية (متاهة مريم) لمنصورة عز الدين… حيث خلصت المداخلة إلى تحديد أشكال الحلم وارتباطاته بالتلقي والتخييل لدى كل كاتبة.
وحول (أنماط المتخيل الأدبي في الكتابة النسائية المغربية) عمد محمد معتصم إلى تحديد المفاهيم وتقسيم المتخيل الفردي والجمعي من خلال مرجعيات اشتعلت في هذه المباحث، ثم انتقل إلى الحديث عن خصوصيات المتخيل العربي محللا ثلاث تجارب :
• زينب حفني وقد استخلص من ديوانها متخيلا فرديا يحيل على الأسطورة الخليجية.
• مليكة نجيب والمتخيل الشعبي وهو متخيل واقعي واجتماعي، مشترك يعكس اللاوعي الفردي والطقوس.
• رجاء الطالبي والصور العالمة الممثلة للمرجع الثقافي والصور الأصلية.
محمد الداهي عرض لمحكي الحياة النسائية في المغرب، محددا مصطلح (محكى الحياة) كما جاء في الدراسات والتصورات الغربية الحديثة لينتقل إلى النظر في ثلاث محكيات.
• حديث العتمة لفاطنة البيه وهو محكى – شهادة عن تجربة سجنية إثر الاعتقال السياسي.
• لا تنس الله لليلى الحلو، وهو محكي شهادة عن المرض.
• حياتي صرختي لرشيده اليعقوبي : شهادة عن الطلاق.
وقد كانت هذه النصوص سبيلا لمحمد الداهوكي يقدم خلاصات من بينها أن هذه النصوص محكي عن فترة محددة، لا تعود إلى الطفولة، تروي التحول الحاسم في حياة الكاتبات، تجاوزن الأنا من أجل بعدين : التاريخي والبيداغوجي، بالإضافة إلى تحليل باقي المفاصل في هذه الشهادات التي تفرز الإدانة عبر جمالية ثقافية يمثلها المحكي.
ويقتنص محمد أمنصور المجموعة القصصية (شيء من الألم) للقاصة والصحفية فدوى مساط، باحثا في شكل التخييل ونمط التلقي، وقد كانت المقاربة تعبيرا عن كيفية تلقي محمد امنصور باعتباره قارئا وناقدا ومبدعا لهذا الشكل التخييلي، ويستخلص مجموعة من الملاحظات أهمها الحضور البارز للحكاية واعتماد القاصة فدوى مساط على البناء المعياري للشخصية، هذه الأخيرة مثلث قطبا وهاجسا واقعيا واجتماعيا تجاوز الرؤية الرومانسية وعمل على مجابهة الواقع والأخلاق الزائفة.
وتدخلت لطيفة حليم حول شاعرات ما بعد جبران، فقدمت نصوصا لمبدعات من العراق وفلسطين عانين من غربة المهجر وواقع البلاد، وقد عززت الباحثة عرضها بقراءة النصوص والتعليق عليها.
وساهم عبد اللطيف محفوظ بموضوع (تلقي تجربة الحب بين الواقعي والمتخيل) مستدرجا نصا شعريا للشاعرة السورية خلات احمد (حزمة ضوء لأجل الجميلة)، وبعد فرش نظري سيميائي تمكن الباحث من تحليل النص من خلال المفاهيم وتفكيك العنوان والجمل ليخلص إلى نتائج لا يظهرها سطح النص، فهو يعكس تجربة ذاتية ويخفي جروحا تتخفى خلف الأفعال والتراكيب والصور.
وقد قدم محفوظ، بهذه المداخلة، تجربة نقدية في التلقي ورؤية لمسار متخيل نسائي يلمح ولا يبوح.

تمثلات الأنا
في موضوع (كتابة نسوية عابرة للحدود) اشتغلت شيرين أبو النجا (مصر) على المفاهيم والمصطلحات المؤطرة لهذه المداخلة من أجل تقديم رؤية لهذا الأدب العابر للحدود والأجناس، من خلال رؤية مقارنة لعشرات النصوص السردية العربية.
محمد علوط تطرق إلى (تراتبية المرجعيات في الكتابة الشعرية النسائية) عبر حوار الكتابة مع أنماط المرجعيات وبعد المغامرة والتأسيس رغم محدودية التراكم.
وأثناء الانتقال إلى تحليل بعض النماذج، اعتبر ديوان (سأتجمل لك هذا الصباح) لفتيحة أعرور أنه ينحو المنحنى النزاري وهي استعادة ناجزة لمرجعية شعرية غنائية مما استبعد الحس التمردي والانقلابي في تعاملها مع المرجعية، وقد أسماه علوط بالنمط التكريسي.
وحول نموذج (لوعة الهروب) لفاطمة الزهراء بنيس، استنتج الباحث أن الديوان يمثل فسيفساء لمرجعيات متشظية تجسد حالة وجدانية مطلقة هي صدى لوجع شعري، ويمثل نمط التشظي، ثم انتقل الباحث إلى النمط الثالث الحواري التفاعلي من خلال ديواني مساءات لعائشة البصري ولن أقايض الريح لإكرام عبدي.
وحول ديوان (المتعبون) للشاعرة ثريا ماجدولين اهتم الطائع الحداوي بأيقونة الحضور والغياب وصولا إلى وحدات الديوان وخصائصه الممثل لها بالتجربة واللغة والرؤية والإيقاع ثم الأفضية، ثم انتقل إلى تحليل هذه الوحدات والصيغ التأشيرية، في الديوان من منظور سيميائي لفهم وتأويل دلالات النص الشعري الماجدوليني.
وفي انتقال إلى تجارب أخرى برؤى جديدة قدمت زهور كرام ورقتها حول (تحولات السيرة الذاتية في كتابة المرأة) وتوثيق زمن الأنوات النسائية من خلال نص ليلي أبو زيد (رجوع إلى الطفولة) حيث قدمت تعليقات نقدية حول التحولات السردية والحكائية التي وجهت وعي المؤلفة ودور الساردة في ترتيب السرد وتوزيع الأدوار وفي نفس المنحى المنهجي قارب محمود عبد الغني رواية البصر والبصيرة لريم هلال : (السيرة الذاتية والقارئ لمرتاب) بوعي مقارن حول بناء الخطاب الذاتي المرتبط بالقاري وأبعاد الصورة، والمحنة والتجربة وتجلياتهما في التأريخ للذات في مراحل معينة واستلهام نص إطار (أيام طه حسين) باعتبارها شريكة له في الإعاقة والطموح أو التحدي الهادم لكل المعيقات.
أما فاطمة بنطاني فأضاءت (تمثلات المرأة في شهادات عائشة الشنة : ميزيريا) مفتتحة مداخلتها بمجموعة من الأسئلة للانتقال إلى نصوص (ميزيريا) التي اعتبرها الباحثة بورتريهات منسية وشهادات إدانة تمثل حكيا مزدوجا قائما على عنصرين : ذاتي يتكلم عن الذات وآخر تخييلي.
جاءت مقاربة بنطاني على خلفية سيميوتيقية الأهواء ومفاهيم تحليل الخطاب لإبراز واقع الحيف والاستياء والعدوانية، وخلصت الباحثة أن كتاب ميزيريا بمثل مورفولوجية الأهواء، وحول (الكتابة: الذات والجسد) عاد عبد العالي بوطيب للمفاهيم والمصطلحات متأملا وممحصا ثم مقترحا نمذجة رباعية الخانات حول الكتابة النسائية، ثم انتقل إلى تقديم تحليلات تهم الجسد والذات ليخلص إلى طرح إشكالية وأسئلة أخرى من أهمها “ما كل كتابة المرأة هي كتابة نسائية”.
وقدم بشير القمري (مظاهر الخطاب الإيروتيكي في الكتابة النسائية) من خلال عدد من النصوص التمثيلية الهامة في الثقافة العربية، من مؤلفي (أهل الهوى) و(طوق الحمامة) ثم ليلى بعليلي قبل الانتقال إلى نصوص إبداعية لوفاء العمراني وسلوى النعيمي وعائشة البصري وليلى العثمان.
ثم انتقل قمري إلى الحفر في هذه النصوص وتقديم خلاصات حول الخطاب الأيروتيكي : مظاهره وتشكلاته.
المداخلة الأخيرة للمبدع عزيز الحاكم جاءت في شكل تأملات شاعرية وملاحظات حول عدد من الشاعرات المغربيات : مالكة العاصمي، وفاء العمراني، ثريا ماجدولين، إكرام عبدي، فاطمة الزهراء بنيس، أمينة المريني، وداد بنموسى، فاتحة مرشد.
وقد اختتمت فعاليات هذا الملتقى بحلقة احتفاء بالأديبة ليلة أبو زيد شارك فيها كل من عبد العالي بوطيب، نعيمة هدي، عبد المجيد شكير، قمري البشير، الزهرة رميج، محمد علوط وشهادة قيمة للأديب ادريس الخوري، ثم كلمة للمحتفى بها.
وقد عاد عبد الحمد عقار (رئيس اتحاد كتاب المغرب) إلى أخذ الكلمة لمشاركة الباحثين والكاتبات بعض الأسئلة والتقييمات الأولية لهذا الملتقى، مذكرا بأهمية التجديد في بناء محاور أخرى تجذر سؤال الكتابة النسائية في العالم العربي.
شعيب حليفي ناقد وروائي مغربي [email protected]

نشر في 26/07/2005 9:00:00

‫0 تعليق