نجيب مبارك: يهدرُ في مياهٍ لم تعد تستحق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في الداخل، كما في الخارج،
سيدوم هذا الطلاء.
لونٌ ربيعيّ هشّ
لا زال طريّاً على الأبواب والحيطان.
لا زال يلمع بقوة
كأنه يسيل على مرآة.

لم يفرشوا شيئاً على الأرض
ولم يقشّروا الجدران.
لم يقلعوا باباً أو نافذة.
فقط سمعت أصواتهم
ولم أر أحداً.
اشتغلوا أياماً وليال
على السطوح والممرات والسلالم،
دخلوا غرفاً معزولة ومعتمة
ولم يلبثوا.
لم يلمسوا شيئاً.
كانوا بديهيين تماماً
كأنهم يتنزهون في دغل من الكريستال:
خطوات بلا وقع
وحذر فاحش عن اللزوم.

في الحقيقة أفسدوا الديكور.
كنت أنتظر حريقاً جديداً
صرت كأنني أقطن في مصحة.
لون كهذا لا يليق إلا ّبالمصحات،
إنه لون الألم بامتياز
لون الطب الحديث
لون أطباء ملثمين بلا اختصاص
لون تمريض وإسعاف عاجل
لون غرف الإنعاش،
هو أيضاً لون صحتنا الريّانة
لون العدوّ
لأن الاستسلام الأخير
سيكون استسلاماً للعدوّ
أو لن يكون.

أتسمّر على كرسيّ وأحدّق:
ما جدوى الإقامة هنا،
في هذا المكان وهذه الساعة
المنتهية قبل أن تبدأ؟
ماذا أفعل بين هؤلاء؟
ماذا أنتظر بعد؟
هل أنا مغبون فعلاً؟
ربّما
أو ليس الآن على الأقل.

بالتأكيد
لن تُعاد إليّ ودائعي التي تركت،
الحقيبة التي أحمل في كل مرة
لا تكفي.
لا أعرف كم من الأصابع سأحتاج
لتفريق هذه النوتات،
هذا القطيع الهائج من الحيتان.
استمرار الغناء أو انقطاعه
بينهما رصيف واحد.
عندما أقف لأعبر هذا الرصيف
أتذكر كلاما قديماً سمعته من طفل:
لا فرق بيني وبين أيّ لاعب
في أي طريق.
الكرة أكثر حرية من قدميّ.
إنها تندفع وتنط وتتكوّر وتزحف وتطير
كما أنها تطفو بلا جهد
على سطح المياه.
هل تستطيع أن تقلّدها؟

طبعاً لا،
لا أستطيع.
لقد نسيت أن أبتلع ذاكرتي
حين كانت الفرصة سانحة
بقليل من السذاجة.
الآن صار الجسد أكبر مني
وصرت شفيفاً :
كائن بحريّ بلا ملامح
لا زال يهدر
في ما وراء الصخور والأعمار،
في مياه لم تعد تستحق.

نجيب مبارك (المغرب)
[email protected]

نشر في 10/07/2005 9:40:00

‫0 تعليق