د. أحمد فرشوخ: ورشُ الكتابة. أنموذج السَّـرد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

1 – سيرة النص
رغم كون النص إنتاجاً إنسانيا فإنه لا يُعطى دفعة واحدة، إذ له حياته المعقدة في التكون (genèse)، والتي تتشكل عموماً من مراحل أربع: تبدأ المرحلة الأولى باتخاذ قرار الكتابة، واختيار البرنامج، وولوج العالم التخييلي انطلاقا من مُستهلّ الكتاب؛ حيث العبارات الأولى، والصفحات الأولى تلعب دوراً حاسماً في ولادة النص الحافلة، ككُلّ ولادة، بمخاض عسير. وهذه المرحلة البدئيّة تتضمّن نماذج المخطوطات المشتملة على قوائم الكلمات، والتوجيهات، والعناوين، والتصاميم المطوّرة بصورة سيناريو، والوثائق الاستكشافية المأمول استثمارها لاحقاً.

هكذا عاد “فلوبير” عام 1875، إلى ما سبق أن سوّده من ملاحظات وإلى تصميمه القديم، ذي الأقسام الخمسة، وترجع جميعها إلى عام 1865، فلم يَرَ فيها ما يفيده في منظوره الجديد لروايته “مدام بوفاري”. وبذلك يتبيّن لنا التحوّل الجذري للمشروع خلال عشرين سنة، والذي ألزم المؤلف بالبداية من “الصّفر.
وهذه البداية الجديدة، رغم ابتكاريتها، تحمل بذور البداية الأولى، ولو من خلال المحو والتناسخ والمناقضة. وهكذا، أمضى “فلوبير” خمسة عشر يوماً وهو يفكر ويحلم بروايته دون أن يخطّ حرفاً واحداً، وحين اكتمل كل شيء في مُخيلته واستشعر القدرة على تمثل العالم التخييلي لنصه بشخوصه وفضاءاته وقيمه وأساليبه، بدأ بتأليف مُخطّط – سيناريو من ثلاث صفحات، رهيفة الدّقة، بالغة التكثيف، تتطابق مع الأقسام الثلاثة لعمله الأدبي الذي فطره فيما بعد ([1]).
وتبدأ المرحلة الثانية، مرحلة الكتابة، بالتنفيذ العملي للمشروع، وفيها يكمن قوام تكّون العمل الأدبي: أي ما يُسمّى، بنوع من التعميم، مُسودّات العمل التي تستوعب مختلف صنوف المخطوطات، المقرونة بملف وثائقي مُنقح يتميز عن الملف الاستكشافي للطّور البدئي.
وإذا كان الملف الوثائقي المُطوّر يتضمّن “الجوّ العامّ” للرواية من جهة الصّوغ الضبابي للزمان، والأمكنة، ونماذج الشخصيات، ورموز المجتمع، وتقنيات السّرد. فإنّ ملف الكتابة يحتضن مصير التحقق النصي؛ وقبل بلوغ المخطوط النهائي، ثمّة نقلات متعددّة وعثرات وتردّدات. فالصفحة الواحدة، عند روائي مثل “فلوبير أو بلزاك” قد تعاد كتابتها بين خمس وعشر مرّات، قبل أن تبلغ الصيغة الأخيرة.
وقد نُلفي في بعض حالات الكتابة المعقدة و”المستحيلة”، كما في التمفصلات والحبكات الدقيقة والقويّة، اثنتا عشرة أو خمس عشرة وحتى عشرين نسخة متوالية للمقطع الحكائي ذاته. ويُمكننا على العموم، تمييز ثلاثة أطوار يعبرها الاعداد المتمهّل للمخطوط النهائي: طور السيناريوهات المحرّرة، المتضمّنة لمعمار الرواية بأعمدتها وبنياتها التحتية، وآثار صُنعها البارزة. وطور الكتابة الأولية، المشتملة على تحرير مُسهب قد ينقلب إلى إيجاز، كما في حالة “فلوبير”، أو على تحرير خُطاطي يتّسع ويسترسل ويفيض، كما في النموذج البلزاكي. وأخيراً، طور التحرير الملموس، أو “التّبييض”، حيث بزوغ ظاهر النص، وانتظام علامته انطلاقاً من فوضى المسودّات وجيوبها المتشابكة. وحينئذ، يغلب الشطب على الإضافة، أو العكس.
وتكتسي المخطوطات والمسودّات قيمة نفيسة في مُقاربة العمل الروائي، والأدبي عامة: إذ فضلا عن هدمها للشرعية الفلسفية لمفهوم “الإبداع” الأنطولوجي، ونقضها لفكرة العبقريّة والأصول، فإنها تُفيدنا في استكناه التاريخ المدقق للنص وظروفه الحواريّة، وكذا في التعرف على أحواله والإمكانات الضامرة فيه، والتعدّد العميق لشكله ورؤيته.
فمهما سعى النص لمحو آثار التحققات الأولى بتناقضاتها ونقائصها، ومهما اجتهد في إرهاف الحذوف ومُواراتها، فإنّ ما حُذف وأُلغي أو حُوّل قد ينتقم لنفسه، لأنه يتسرّب إلى جهة ما خِلسة وبدون وعي الكتابة، فيتنكّر وراء قناع، أو يشعّ عبر علامة، أو يصرخ في صمت، أو يتحوّل إلى لعب يلفح، وطاقة كامنة تُولّد المعنى الدفين أو المُغيّب ([2]).
إنّ مسودّات الكتابة دليلٌ على معاناة المبدع، وأرقه المتواصل، وقلقه المُضني، إذ للقلم لحظات يتأبّى فيها فيتمرّد على تحقيق المُشتهى. وإذا نظرنا،مرّة أخرى، إلى المثال الفلوبيري، وجدنا مُراسلاته حافلة بالملاحظات واللمحات حول مُعاناته وعذابه أمام الصّفحة البيضاء، إذ يذكُر عن نفسه أنه كان يقضي أسبوعاً كاملا لكتابة أربع صفحات عندما كان بصدد إبداع رائعته “مدام بوفاري”. وهي الرواية التي استغرقت من جُهده خمس سنوات صعبة من العمل المتواصل.
وممّا يثبت هذه المعاناة، المخطوطات التي تحتفظ بها مكتبة مدينة “روانRouen “، مسقط رأس “فلوبير”، والتي يفوق عددها 1800 مخطوطة ([3])، كلّها خطّها عميد تحديث الرواية في القرن التاسع عشر، وهو بصدد تشييد روايته الإشكالية. وقد يكون في كل هذا ما يفسر قوله: “إني أخاف دوماً من الكتابة” ([4]). وهو ما يعني أنّ “فلوبير” قد عاش الأدب باعتباره نوعاً من الصعوبة الدائمة والمبدئية، وبتحديد أدق، باعتباره استعجالا واستحالة في آن واحد ([5]).
هذه العلاقة المزدوجة والمعقدة هي التي يُعبّر عنها “كافكا Kafka” فيما بعد قائلا: “لا يريد الله لي أن أكتب، لكنني أعلم أنني يجب أن أكتب” ([6]). موقف المفارقة هذا، الذي يجعل من الكتابة “سلباًً”، ينطلق من القصور المبدئي للغة ونقصانها التكويني وتزييفها لفرادة الذات والأشياء وتواطُئها مع الوعي المشترك. وهذا ما يُحوّل الكتابة إلى عنصر كشف للتمزّق والارتياب وخواء المعنى. ومن هُنا، تغدو الاستعانة بالمسودّات عُنصراً مُنيراً لورشة الكتابة، بل وأداة مُفيدة لتغيير وجهة مُقاربة النص، وذلك من جهة اعتبار الكتابة سيرورة مفتوحة على شتّى الاحتمالات والحدوس والنّقلات. وبالتالي مشروعاً قيد التحقق وإن اكتملت مادّية النص، وكذا عملاً يهجره الكاتب دون أن يُنهيه: أي عملاً مُدبّراً وسلْساً في آن، يُراوح بين الوعي واللاوعي، بين النّضج والفجاجة، بين الإقدام والتردّد، بين البنية والتبنين، الخ.
هذا ما سعت لتوضيحه، من الزاوية اللسانية، دراساتٌ مجموعة في كتاب: “تكوّن النص: النّماذج اللسانية” ([7])، إذ عالجت مسودات أدبية عديدة الكتابة الفرنسية والألمانية، من “مارسيل بروست” إلى “لوتريامون”، وتوقفت فيها أمام مظاهر متباينة من التحققات اللسانية. وما يعنينا من هذا الفهم النقدي الجديد، هو التفطُّن إلى حقيقة النقلة التي تنجزها الدراسة اللسنية، إذ تنتقل من معالجة اللغة “كأفعال منتهية وملموسة” إلى دراستها ” كإنجازات متحركة”: أي كإنجازات ذات أحوال جارية مُختلفة. ومن ثمّ، تضحى النصوص خاضعة لتحولات وتحققات مُختلفة واقعة بين مقاصد وثغرات، وبين مُراجعات وتبديلات ونويات وأنساق تنحو صوب الاستقرار.
وفي دراسة موسومة: “من أجل قراءة للشطب” ([8])، تتناول الباحثة “جوزيت راي – دوبوف Debove – Josette Rey” بالتحليل والكشف عمليات الحذف والشطب والتنقيح التي تطاول عدداً من مسودّات “مارسيل بروست”، وذلك في أفق الظفر ” بالنص الأمثل texte optimal “: أي ذلك النـص الذي تُغفلـه الدراسات المقتصرة على تشخيص شعرية النصوص المكتملة والظاهرة. وبالتالي، ذلك النص الذي يحلُم به المبدعون، والذي يتطلب بحثا وصوغا ترميزيّاً شاقّاً قد يتعدّى الأسابيع والشهور والأعوام، ويستدعي المحو والإعادة والتبديل والتنقيح والشطب والزيادة. وكل هذه العمليات ترنو إلى “النص المُعتمد”، المقترح للطبّع: أي للنص الأمثل غير القابل للتغيير مبدئيا، وهُو ما توحي به العبارة اللاّتينية “nevarietur” الدّالة على الاستواء “النهائي” للمخطوط المُحرّر ([9]). ونخلص من هذه المعالجة إلى تمييز حدّين يحتويان الصنيع الأدبي: حدّ يُعيّن النص في إمكان القبول الأدنى، أيْ في كُلّ جملة “مقبولة” لسانيا، وهو ما توفره المسودات الزاخرة بجمل عديدة مُتداخلة غير مُنسّقة ولا مُشذبة، لكنها غير لاحنة. وحدّ يُعيّن النص في تحققه “الأمثل” والمنشود، والذي قد يُحقق قسطاً من النص الذي تخيّله المبدع قبل إنجازه. وبين الحدّين عمليات تنصيصيّة عديدة، هي مجال اشتغال الباحث في المسودّات الأدبية.
ومن اللافت، أن تكون مُسودّات النصوص العربيّة شبه معدومة في هذا المجال. وهذا ما قد يُفضي إلى طرح تساؤلات عدّة تروم تفسير هذا الغياب. فهل يعود ذلك إلى استمرار الاعتقاد بقوّة “الإلهام” المُنافحة عن ميثولوجيا الكتابة وتعاليها، كما لو أنّها نور يُقذف في القلب والمخيلة؟ وهل يعني ذلك “تقديس” النص بما لا يجوز الكشف عن نقائص تخلقه؟ تقديسٌ ما زال في حاجة إلى مزيد التفكيك للنّظر في آثاره الخفيّة على المقاربات النقدية التي، رغم تناولها لنصوص دُنيوية، نُلفي بعضها مسكوناً بلا وعي موروث عن التّأثر الضمني بتفسيرات النصوص المقدّسة وتمثلاتها للكتابة والحرف؟ أيعود ذلك إلى تقاليد “الصناعة” العربية التي تحظر إفشاء أسرار المهنة؟ وهل يكون الكاتب العربي مازال مسكوناً بصُور “النّبي”و “الحكيم” و “المشرّع” و “الطبّيب”؟ وهل تكون القوة السّحرية المزعومة، ما زالت مُلازمة لصورة الإبداع، بحيث يتوهم المبدع العربي بأنّه يقول للنّص “كُنْ فيكون؟”
هذه بعضٌ من الأسئلة التي، قد تنبثق عن غياب النّقد التكويني المُهتمّ بالمسودّات في أدبنا العربي. وإذ نكتفي بإثارتها والتّأمّل في إيحاءاتها، ننتقل إلى المرحلة الثالثة المُرافقة للتخلق النصي، حيث نقف عند “لحظة ما قبل الطباعة”، والتي تُعتبر الحالة الأخيرة للنّص المكتوب؛ حالة قد تكون شبه نهائية، لأنها لا تخضع سوى لاستدراكات طفيفة. ولأجل ذلك فهي تُعد بصورة النموذج الذي سيتحقق في النسخة المطبوعة.
وعلى هذه الوثيقة المقروءة بنوع من اليُسر، كانت تعتمد في السّابق الدراسات التحقيقية والتكوينية للأسلوب في بحثها عن الصيغ المختلفة للنّص. ولقد دأب الكتاب، منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، على الاحتفاظ بهذه الوثيقة والعمل على نسخها من قبل ناسخ محترف، قصد تسليمها للقيّم على المطبعة بدلاً من الوثيقة الأصل.
وهذه النسخة توازيها في القرن العشرين النّسخة المطبوعة على الآلة الكاتبة أو تلك التي يرسُمها الحاسوب في راهننا الحاضر.
هذا، وتشهد النسخة المذكورة حدثيْن تكوينيّيْن، هما: إغفال الكاتب لتصحيح بعض الأخطاء التي تركها الناسخ، والتي قد تكون جسيمة أو طفيفة يُصَوّبُها القارئ، ولرُبّما أوّلها بحيث تغدو “زلات سعيدة” تفتح نوافذ صغيرة تسهم في التّصوير الجزئي لبعض المعاني والصّور والتفاصيل والدُّليلات والتّرنيمات الرّهيفة. والحدث الآخر، هو التّدخل الرّفيق في “نسخة التجربة المطبعية” كما هو حال “فلوبير”، أو توسيع النص من جديد عبر إضافات جانبيّة وهوامش تكميلية تكشف الوسواس الملحاح الذي يُصيب الكاتب ولو في آخر اللحظات، وذلك على نحو ما كان يفعل “بلزاك”.
وأخيراُ، نصل إلى مرحلة الطباعة، حيث إنتاج “الطبعة الأولى” للنص، على مقاس التّصحيح النهائي الذي أجراه الكاتب.
غير أنّ إعادة طبع النّص مرّات عديدة في حياة الكاتب، قد يفتح المجال من جديد أمام التعديلات والتنقيحات والزيادات. وقد تكون هذه التغييرات مُهمّة كما في رواية “الجلد المُحبّب La peau chagrin” لـ”بلزاك”، أو طفيفة تمُسّ الموازيات النّصية وبعض المقاطع السّردية المحدودة كما في روايات عديدة، من قبيل “الغربة” لعبد الله العروي ([10]).

2 – آلام الـولادة
تأسياً على ما سبق، يتّضح أن النّص الأدبي ممارسة إشكالية: أي حدثٌ يُعارض الخلق الفوري، وسلسلة تعارض الوحدة المغلقة، وانتظامٌ يُعارض الأصالة الخالصة، وشرطُ إمكان وجود يُعارض الضرورة المتعالية، واختلافٌ يُعارض الهويّة الجامدة. ومن ثمّ، فإن كل ولادة للنص تشترط اختراق الانتشار الخطابي السّابق لها، وإغلاق الدائرة على الانبثاقات العشوائية، ونسف النّسخ المُزيّفة للعلامات، وتطفيف ردود الفعل الكاذبة، ومُواجهة “خُدع المقاطع الأرجوانية” ([11]) التي لا حياة فيها، ومُحاربة تسلل الأوهام الإبداعيّة التي قد تُضيء لبُرهة لتنطفئ بعد حين. إذ لا ولادة بدون حصر، وإبعاد وانتقاء، وإكراه، وتصنيف، وتقويم، وتوظيف: الشيء الذي يُفسّر لنا تكثيف النص للعنف والسلطة، بل وكتابته للجسد كاستعارة وكنص آخر. ألم يقل “نيتشه”: “إنني أستعرض جميع ما كتب، فلا تميل نفسي إلا إلى ما كتبه الإنسان بقطرات دمه. اكتب، بدمك فتعلم حينئذ أنّ الدم روح، وليس بالسهل أن يفهم الإنسان دماً غريباً”؟ ([12]) ألم يكتب في سياق آخر: “يجب علينا دائماً أن نُولد أفكارنا من أعماق آلامنا، نغذيها بكل أمومة بكل ما لدينا من دم وقلب ورغبة وعشق وعذاب ووعي وقضاء وقدر”؟ ([13])
وإذن، فصعوبات التكوّن النصي، منظوراً إليها من هذه الزاوية، يُمكن إضاءتها انطلاقاً من ثنائية الجسد والنص.ولاشكّ أن استعارتيْ “الدّم” و “الأمومة” تفتحان أكثر من أفق أمام من يُريد استخلاص النّظرية النصية النيتشوية.
ذلك أن الكتابة بالـدم تؤشّر إلى النّص الحي الذي لا يتشيّأ ولا يتخشّب، لا يصير من سَقْط الفن، ولا يُصاب بالسكون وسط الصيرورة. إنّه النص المتدفق تدفقَ الدم في الجسد النابض الحُرّ والمُعتَق. ومن ثمّ، فإن النّص والجسد قابلان للاستبدال ليس بالمعنى الاستعاري فحسب، بل وبالمعنى “الملموس” أيضاً. فقد يكون الجسدُ نصّاً “حقيقيّاً” من حيث كون “الكلمات” فيه هي، دوافع ونزوات وأهواء ورغائب ووساوس. والدوافع تتراصف وتنتظم ويخالف بعضُها بضعاً في مركّبات نفسيّة كـ”العبارات”، وتقوم بينها الفواصل التي هي النّقاط والفاصلات بين الجمل. كما تقوم المعترضات لتقمع قولاً لا يقال تحت قول مُقال، كالدافع اللاشعوري تحت دافع شعور آخر مُباح. وبهذا يصيرُ الجسدُ نصّاً، ويضْحى التفكير تنصيصاً ([14]).
أمّا استعارة الأمومة في اقتراناتها بالولادة والحمل والوجع والوضع، فهي تمجيد مؤلم لعمل الإبداع؛ تمجيد يصل الولادة الفنية بالصيرورة النّسوية وبالكيان الأمومي.
وبناءً عليه، تقترن الرّغبة بالسلطة، ويشتبك الجسدُ بالقوة. فهما لا يتنافيان، بل يتلاحقان وينتظمان وفق آليات معقدة من الإثارة والتحريض. وبهذا يغدو النّص في انشباكه بالثقافة، صُنعاً جسديّاً بالأساس: فإمّا أن يقمع الجسدَ الذي كتبه فيروّضه وينفيه، وإما أن يُزهره فيستخلص الحدائق الكامنة فيه.
هكذا، تنبثق كثير من الرُّؤى في سياق مُعالجتنا لمسألة التّكوّن التي تقترن بالمعاناة والولادة والمخاض والوجع… وكلّها صفات جسديّة أمومية تستدعينا، مرّة أخرى، لاستضافة “نيتشه” الذي يرى بأن الحُب الأمومي شبيه بحُب الفنان لأثره، فلقد “جعل الحبلُ النساءَ أشد ليناً وصبراً وأشد خوفا … وكذلك الحبل الفكري فإنه يُنمي طبع المتأملين، القريب من الطبع الأمومي: إنهم أمهات مذكّرات” ([15]).

3 – تجليات الميتارواية
غير أنّ مُحاولة استكشافنا لآثار وتجلّيات هذه المعاناة، على المستوى النّصي، تُفضي بنا إلى طرق موضوعات جديدة، ضمن اتجاهات أخرى:
هُناك في البداية، كتابة بعض المبدعين لمذكرات موازية تؤرخ لحياة نصوصهم. ومن ذلك ما كتبه “أندريه جيد” بتزامن مع روايته “مزيّفو النقود Les faux monnayeurs” التي شرع في تأليفها سنة 1919 ونشرها سنة 1926. وخلال تلك الفترة، كان يحرص على تدوين الصعوبات التقنية والتّردّدات بين الأوجه والصّيغ المُختلفة للنص.
ورغم الكتابة النّيئة لهذا النص الموازي المواكب لرواية “جيد”، فإنّه ظل يحظى بحياة عارية تحكي سيرة الكتابة المتخلقة ضمن الورش الإبداعي.
وقريباً من هذا النّهج، أدرج “محمد برادة”، في خاتمة “الضوء الهارب”، كٌرّاسات إضافية تُجسّد العلاقة المتحوّلة بالنص، وتشخص مُعضلات التصوير السّردي، واحتمالات العوالم المُمكنـة، والتجارب والاستيهامات الضّامرة تُجاه الحياة والفن.
وقد يكون هذا التّرابط الذهني بين النّص ومُختبره باعثاً على بروز ظاهرة “الرواية داخل الرواية” المُشخصة لمشكلات الصّنعة الأدبيّة، الرّاصدة لطبيعة الوعي الحِرفي المتحكّم في الإنتاج الفني.
وهكـذا، ” تـزاول الروايـة، بمـوازاة اشتغالها النّصي، تفكيـرا فـي (الروائي le romanesque)، أي نقداً ورُبّما تنظيراً لمكونات العالم الروائي” ([16]). ومن ثمّ، وجدنا كثيرا من الروايات الغربية والعربيّة المُحدثة تنهج استراتيجيات جديدة في كسر هالة الكتابة المكتملة، والتشكيك في اللغزية الباطنية التي طفق بعض المبدعين والنّقاد يُدافعون عنها، في محاولة للحفاظ على جوهرانية الإبداع وتكريس أسراره المنيعة.
ومن بين هذه الاستراتيجيات: اقتحام المؤلف لروايته مٌعبّراً عن صوته الخاصّ، وذلك من خلال طرائق عديدة تستحضر التعاليق والهوامش، ومُخاطبة القارئ ومحاورة النقاد والناشرين، وطرح التّساؤلات، وزرع التشكيكات.
يُضاف إلى هذا، تعرية عمل الإنتاج، وتجديد النظر في العلاقة المستقرّة والمتواطئة بين أفقيْ القـراءة والكتابة. وكذا تضعيف وتشقيق المحكي، من خلال مرايـا النص المصقولة والمبهمة، المنتصبة في فضاء الإرصاد “Mise en abyme” ([17]). هذا الذي يتيح للرواية أن تتأمّل ذاتها في شبه نرجسيّة فنية، تثير أزمة التمثيل، وإشكال العلاقة بين الخارج والداخل؛ بل وإشكالية ذلك الحيّز الرّنان الفارغ، الذي منه تتكلم الكتابة عن نفسها معتمدة على قواها وطاقاتها الخاصّة المبعِدة لشبح الموت.
في هذا الصّدد، يُمكن التفكير في تلك العلاقة العميقة بين فن الرواية، وفن الرّسم. ذلك أن الأداة التعبيريّة للرّسامين تتيح لهم أن “يلتقطوا بذور لوحاتهم في أكثر من وضعة وشكل من خلال رُسيمات عديدة (croquis) تغدو هي بدورها جزءاً من إبداعاتهم، فضلا عن أنّها تتيح ملاحقة أكبر عدد ممكن من التحققات للعمل الواحد” ([18]).
ونظن أنّ ” الإرصادات ” إبدالٌ نصي “للرُّسيمات”، إذ هي بمثابة “نُقط استهراب Points de fuite”، تبدو فيها الخطوط المتوازية مُتلامسة وكأنها هاربة، وهي التي يستثمرها الرّسم المنظوري للإيحاء ببُعد العمق وتنضيد وتدرّج مستويات المكان المرسوم وفقاً لدرجات القرب أو البُعد من زاوية النظر الأصلية. ومن ثمَّ، تمثيل عدّة موضوعات مع تمثيل الحيّز المكاني الضّامّ لهذه الموضوعات بحيث تبدو مُنتشرة في مستويات المكان؛ كما يبدو المكان بدوره للعين المتموقعة في موضع واحد لا يتبدّل ([19]).
بناءً على ذلك، ينهض الرّسم المنظوري بتمثيل عدّة موضوعات مطويّة في الحيّز الذي توجد فيه بحيث تختفي الدعامة المادية للوحة لتُعوّض “بالمستوى الشفاف” الذي يمنح الرائي انطباعاً يُفيد بأن نظره يخترق ويستقر، في مكان خارجي متخيل يستوعب جميع هذه الموضوعات المترائية في مظهر متلاحق وتنضيدي غير محدود، وإنما يجد نهايته عند أطراف اللوحة.
وهكذا تغدو اللّوحة شبيهة بنافذة لا تفيد، فقط، كون الفن تجربة مرئية؛ بل، أيضا، عالم يُبنى كلّية من خلال التّمثيل المنظوري. وبذلك، تكون النافذة المفتوحة دالّة على الامتداد والتمثل اللاحق للعوالم المخلوقة. كما تكون تشخيصاً رهيفاً لمشكلة الخفاء والتجلي، إذ قد يعمد “الفضاء التشكيلي إلى تجسيد لوحة تمثل بشكل دقيق الجزء المخفي من النافذة المفتوحة” ([20]) بحيث يقوم الموضوع المتمثل في اللوحة بإخفاء الموضوع الواقعي الموجود خارج النافذة، لكنه يلجأ في الآن ذاته إلى تمثيله من خلال الاسترجاع المُحاكي. وبهذا يصبح الموضوع فكرة داخلية، وصورة للتفكير، وبالتالي طيّا(pli) للخارج: الشيء الذي يُعيد الاعتبار للفن من خلال تجسيد قوته التأملية والتفكيرية، وتحريره من الأغلال القاسية للواقع المُعطى.
وضمن هذا الفهم، تسعى الرواية من خلال نوافذها/ إرصاداتها إلى تخليق شكل نصي متحرّر تتوزع فيه الأنوار والظلال والخطوط والألوان السردية الشفافة والداكنة؛ كما تسعى لتوليد فضاء مُقعَّر تختفي فيه مرئيّات أخر، و” تنغلق فيه الأشياء على نفسها، بحيث تنمحي الرّؤى وتتلاشى أو تختلط وتُشوش، إلى حدّ أن ما كان يُعتبر (…) في عداد البداهات، يصبحُ (…) متعذراً رؤيته” ([21]).
وإذا كانت صورة النافذة المفتوحة في فضاء اللّوحة توحي بوجود “لوحة وسط لوحة tableau d’un tableau” ([22])، فإنّ صورة الإرصاد توحي بوجود رواية ضمن رواية، أو محكي صغير في محكي أكبر، أو تكثيف صورة سردية جزئية داخل فضاء نصي كلي: الأمر الذي يعني أن الأثر الفني كائن إحساسي يصبو للانتصاب من خلال حياته الداخلية وإنْ تراسلت مع قوى الخارج وسعت لتخفيف ثـقله وطيّ امتداده وسعته.
وبخصوص “الاستهراب” المقترن بالمنظوريّة في الرّسم، يُمكن موازاته روائيّاً بإحدى الوظائف الأساسيّة للإرصاد على المستوى التركيبي، وذلك من جهة استحضار “التضمين enchassement” المنشغل بإيلاج السارد لحكاية ضمن أخرى، والهادف إلى إلحاق التغييرات بالمنظورات الروائية، وتنسيب الفضاء النّصي، وإخفاء حكاية ضمن أخرى.
وكما أن النافذة غدت مُغلقة لدى الرّسامين السورياليين، وذلك لتقويض التمثيل الكلاسيكي، والإيحاء بكُلّ ما يمكن رؤيته مع أنّنا لا نراه، في إيماءة إلى لُغزية الفن وسرّيته وخلوصه؛ فإن الإرصاد غدا لدى الروائيين الجُدد أداةً لكسْر صلابة التشابه، وتفكيك الوحدة المتجانسة والتشاكل المترابط، وذلك من خلال تفعيل عمليّة “الانشطار” وتشقيق الواحد وهشم المتطابق وتوحيد المتناقض وتجميع المتنافر: الأمر الذي يحفز على التشكيك في يقين وبداهة المظهر الواقعي للأحداث والشكل المتسلسل للنص. وكلّ هذا مُخالفٌ للرواية التقليدية التي استثمرت التقنية ذاتها لخدمة فكر التشابه المتلاحم، حيث محاولة التغلب على التّنوّع والتباعد عبر تجميع الأحداث والرؤى حول شخصية أو موضوعة أو علامة أو صورة أو عقدة.
هكذا يُمكن للرواية أن تُشخّص تكوّنها مُواربة داخل النص، مٌنافِسة في ذلك فنوناً وشعائر كثيرة. ولاشك أنّ صورتيْ “المرآة” و “النافذة” الحاضرتين في ملامستنا لظاهرة الإرصاد، من زاوية تكثيفها لبذور النص، ورسمها لمستقبله، وتشييدها الخفيّ للعلاقة القلقة بالواقع، تُغريان بفتح آفاق مُستجدّة للتحليل تتّسع للتناظر المفترض بين الصورة والنص، بين المرئي والتعبير، بين الضّوء واللغة ([23]).
إلا أننا نفضّل، دعماً لمسار التناول، العودة إلى الآثار النّصية للتّضعيف (المرآة) والجواز (النافذة) ضمن العمل السّردي. إذ يتّضح، في ضوء ما سبق، كون الرواية الحديثة تسعى من خلال توظيفها “للميتارواية” ([24]) إلى توليد التساؤل حول العلاقة الدّقيقة والإشكالية بين التّخيل والواقع، وانتهاج سبيل “التجريب” المتوخّي للتخلص من المواضعات السّردية الواقعية الضيقة، وتفكيك البنيات الموروثة “المُحكَمة البناء” والمقوّية للإيهام المرجعي.
ومعروفٌ أن الرواية العربية “الجديدة” سعت لتوظيف “الميتارواية” في سياق مُجاوزة الحكي التقليدي واستعارة بعض التقنيات السردية للرواية الغربية الحديثة، والتّحرّر من المفهومات القديمة للأدب والإبداع، وإنشاء وعي ذاتي يُزاوج بين الحكي والنّقد، ويؤزم منطق المحاكاة الجامدة.
ومن ثمّ، تتغيّر العلاقة بين الإنتاج الروائي والتلقي النقدي فيغدو النّص فضاءً مفتوحاً لتبادل المواقع، وتشييد العوالم الخيالية المبتكرة المشخِّصة لنوع من المسافة مع المراجع والسياقات، الكاشفة عن قلق الإبداع الذي يصنع نشوة القراءة وألمها أيضاً.
وضمن هذا السّياق نذكر: “عالم خرائط” لعبد الرحمان منيف وجبرا إبراهيم جبرا، “الديناصور الأخير” لفاضل العزاوي، “يحدث في مصر الآن” ليوسف القعيد، “وردة للوقت المغربي” لأحمد المديني، “رحيل البحر” لعز الدين التازي، “دليل المدى” لعبد القادر الشاوي”، “عين الفرس” للميلودي شغموم، “لعبة النسيان” لمحمد برادة …الخ.

4 – “الليالي” و”دون كيشوت”
غير أنّ ما يستدعي التأمّل هو حضور ظاهرة التفكير الواعي في النص في ذاته حتّى ضمن السّرود القديمة، وكذا ضمن السّرود الحديثة التي حافظت بصيغ متفاوتة على الموروث الحكائي.
ومن هذه السّرود العمل الخالد “ألف ليلة وليلة”، الذي تُحاكي فيه شهرزاد المحاكاة ذاتها، من خلال حكايات تروي “قصّة عن عملية القصّ” ([25]).
إنّها، حسب بعض التأويلات، عمل يعبر عن بويطيقا غريبة، حيث لا يقلد الفن الطبيعة [فحسب]، بل يحاكي الفن نفسه ([26]). وبناءً عليه يتخذ التعبير القصصي شكلا دائريا يجعل السّرد يلتفّ حول نفسه (يفترس ذاته؟) عبر نظم حكايات متكوكبة ([27]) وحبكات متوازية، وتخليق أصداء ونقرات لصوت الحكاية الأصلي، أي للحكاية الإطار التي هي رحم “الليالي” ومنبتُها.
فهل تكون نرجسية “الليالي” إظهاراً رهيفاً لخاصية لغوية عميقة مقترنة بالنحو الداخلي للغة؟ هل تكون تجسيداً “أنموذجيّاً” للأزمة الخلاقة المُلازمة للأفق السّردي؛ أزمة اكتشفها الروائيون الجدد متأخرين فصيّروها طافية فوق النص؟([28]). أتكون ظاهرة مرتبطة برؤية إسلامية عربية ترى الزمان عوْداً دائريّاً ([29])، وبالتالي “مجرّة من اللحظات” ([30]) قد تقضي على الزمان في ثـقله وتعاقبه الظاهري؟ أتكون تجسيداً إبداعيّاً للكوجيطو على شاكلة “أنا أسرد، إذن أنا موجود”؟ وهل يعني هذا قابلية الحياة والقصّة لتبادل مواقعهما؟
أجل، إنّ استراتيجية “التبطين السّردي” هي تأمين على حياة شهرزاد؛ شهرزاد التي تجلس ليلة تلو الأخرى على فراش شهريار متأرجحة بين الحياة والموت على شفى حكيها اللاّمُتناهي (ذلك ما تعبر عنه الشفرة العددية المضمّنة في رقم ألف ليلة وليلة)؛ شهرزاد التي تسرُد على حدّ السيف (ذلك ما قد يُفسّر جمالية وعمق التوتر السردي في الليالي، بل وفي مجموع السّرود العالمية الشّيقة؛ أليست الليالي – أنموذجاً مُحتملاً للسّرد الكوني؟). وأخيراً، شهرزاد التي تلعب بمرايا السّرد (لنتذكر تقنية الإرصاد) كاشفة عن الازدواج الداخلي لشخصيات حكاياتها، واجدة بُغيتها في الوحدة المنشطرة (لنتذكر أن الانشطار وظيفة أساس في تقنية الإرصاد).
وعليه، فإن تفكير الليالي في تكوُّنها، وبالتالي في حياتها، إنّما هو تفكير في الحياة الأخرى التي ضامِنُها السّرد. كما أنّه تفكير في حياة الجسد؛ الجسد الذي يتخذ من الحكايات ستراً ووقاية من الاغتصاب، تماماً، كما هو الحال، في العمل الميتولوجي الهندي (المهابهارتا) الذي يروي قصّة امرأة اسمها “درابودي”، كان زوجها يلعب القمار فخسر، ثم خسر زوجته أيضاً. عندها جاء رابح القمار ليغتصبها لكنها طلبت من الإله “كريشنه” أن يمنع هذا الاغتصاب… فأصبح قماشها طويلا. إذ كلما جاء الآخر لينزع عنها القماش الذي ترتديه، كان القماش يطول في يده ولا ينتهي. ومن ثم، عجز عن اغتصابها. وبهذا تكون استطالة القماش مناظرة لاستطالة السّرد: الشيء الذي يضمن كرامة الجسد وحقّ الحياة ([31]).
وواضح أنّ الاستطالة السرديّة إنما هي حصيلة تقنية التضمين التي تُعتبر التمظهر التركيبيّ للإرصاد، هذا الذي يشكّل علامة ضمنية على نوع من الصّفاء الفني الذي تنعكس فيه مرايا النص الداخلية. وهو ما قد يدعونا لتعميق النظر في قضايا النّسب النصي والتشكّل العلامي، كما يدعونا لمزيد البحث في إشكالات “ما قبل النّص” و”ما بعده”.
وبموازاة “ألف ليلة وليلة” الحافلة بالأنماط والتقنيات والخطاطات السّردية العديدة والمتشابكة، نلفي نصّاً آخر لا يقلّ قيمة وكونيّة: إنّه نصّ “دون كيشوت Don Quichotte” لميغيل دي سيرفانتس Miguel De cervantés”، وهو “العمل – القالب لما لا يُحصى ماضيا ومستقبلا من المحكيات الروائية” ([32]). وبمعنىً آخر، فإن المستويات السّردية لـ”دون كيشوت” تٌشكّل طرساً يكتب/ يمحو الروايات البطولية (الرّومانس) بما هي نصوص سابقة، كما يكتب أجنّة النصوص الممكنة والمحتملة ويرهصُ بعوالمها.
هكذا تشكل الرواية “نقداً خالداً لنفسها، مفترضة النصوص السابقة، ومجسدة أيضاً النصوص اللاّحقة التي سيتمّ إبداعها وفق استبدالها. من هنا نجد مستويات نصية ثلاثة، يترأسها على التوالي: السيد حامد، وسرفانيس، و”سرفانتس” ” ([33]).
هذا، ويكتسي القسم الثاني من الرواية أهميّة لافتة بالنظر لإلحاحه على ما وراء الخطاب (الرواية حول الرواية) وإظهاره لمختبر الكتابة الذي يرينا النصّ وهو في طور التخلّق. بل إنّ ثمّة مشهداً نادراً ينفتح فيه السّرد على مطبعة، وهي المرّة الأولى التي تظهر فيها مطبعة من خلال رواية، وهنالك يقوم الطابعون بطبع كتاب عنوانه “دون كيشوت”. وهو ما يؤشّر إلى تقليد أدبي يبدو فيه الأدب نوعاً من الخيال دون الادعاء بأنّه واقع، كما تبدو فيه الرواية مُتخفّفة من حجمها الهائل، متخلية عن مظهرها المخيف وقيمها الواهمة والمترفعة. ومن ثمّ نزولها إلى مستوى الحياة العادية، ومُخاطبتها للقارئ/ الإنسان كندّ وكصديق مُهذب مرِح، قريب من العالم النّصي وعارف بموادّ وحيثيّات تشكُّله.
وممّا يستحق التأمل، كون “سرفانتس” يُصرّح بأنّه ليس أب أثره وإنّما مُتبنّيه: أي أنّه أب كاذب، وبالتالي مجرّد استعارة وطريقه في الكلام؛ ممّا قد يفتح المجال، مرة أخرى، أمام فكرة “الكاتب وقرينه”، بل الكاتب ومُضاعفيه (L’auteur et ses doubles). إذ ” ثمّـة تعدّدية للمؤلفين تقابلها تعدّدية أسماء البطل. وسواء تعلق الأمر بهذا الأخير أم بأولئك، تتكشف الهويّة غير اليقينيّة” ([34]). وهكذا تُضعف الرواية سُلطة الكاتب، بل وتومئ ضمناً وجهْراً إلى تناصّ الكتابة ومجابهتها للوجه المجهول. وعليه، يموت المؤلف التقليدي لكن الرّواية تظل حيّة تنكتب عبر خيالنا، وتمُرّ من خلالنا، لتكشف نقط ضعفنا وتوقظ وعينا كجناح طائر يٌلامسنا، ويملؤنا فجأة بتوتّر شاسع.
وفي نفس الأفق، وإنْ بوعي مغاير، تُميت “ألف ليلة وليلة” مؤلفها: هذا الموت الذي منحها حياة عظيمة، وفجّر التآويل حول أصولها وأنسابها الرمزية ومنابعها الميتولوجية والمخيالية في الثقافة العربية والهندية والفارسيّة.
هكذا، نعود إلى موت المؤلف فيما نحن نتبيّن سيرة الكتابة من منظور التكوّن الذي فتح لنا مسارات وتأمّلات تتقاطع، ضمن مباحث نقدية ومعرفية عديدة، يمكن لها أن تتّسع لتشمل قضايا “التناص” و”قلق التأثير” و”مسألة البدايات والأصول” و”تاريخ الأشكال الأدبية” و”تاريخ تكوين النصوص المقدسة” و”صُور الشعور التاريخي” ([35]). هذا ناهيك عن إغراء الانفتاح على الدّرس الانتروبولوجي، من جهة النظر إلى “التناص” في ضوء “الترميق Bricolage” بما هو مفهوم ثري قد يرى في النصوص ” قصوراً فنية وإيديولوجية” مُشيَّدة بحصىً، وأنقاضِِ خطابات قديمة، وقصص عتيقة؛ تؤخذ منها عناصر، ونويات وحبكات دقيقة، وأمشاج، وقطع، وكسور يتم تركيبها وفق بناء جديد ولغة جديدة وخيال مٌبتكر ومقاصد مبتدعة.

د. أحمد فرشوخ: ناقد من المغرب [email protected]

الهوامش:
[1] – بيير – مارك دوبيازي، “النقد التكويني” (ضمن) مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، ترجمة: د. رضوان ظاظا، مراجعة: د. المنصف الشنوفي، عالم المعرفة، عدد 221، مايو/ آيار 1997، ص. ص. 24 – 27.
[2] – تشكل الآثار الشاهـدة على تكوّن النص والمتضمّنة فيه، تشكل معيناً خصباً لمقاربة ” لا شعور النص” في شتى تمظهراته المعرفية والفنية. ومن ذلك ما شخصه “فرويد” في كتاب “موسى والتوحيد”، عندما حلّل ببراعة عواقب “قتل” النّص الأولي (الأصل؟)، وصعوبة محو آثار التدمير والإضافة والتحويل والتعديل والإلغاء والانتزاع عن السياق الأولي. انظر:

  • S. Freud, Moise et le Monotheisme, Ed. Gallimard, coll. “idées”, Paris,
    1948, p. 59.
    [3] – عن: حليمة الشيخ، “ما قبل النص”، مجلة نـزوى، العدد السابع والعشرون، يوليو 2001، ص. 665.
    [4] – فيكتور برومبير: جوستاف فلوبير، ترجمة: غالية شملي، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1978، ص. 26.
    [5] – بيير شارتيه، مدخل إلى نظريات الرواية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2001، ص. 167.
    [6] – المرجع نفسه، الصفحة ذاتها.
    [7] – La genèse du texte: les modèles linguistiques, col. C.N.R.S, Flammarion, Paris, 1978.
    [8] – عن: شربل داغر، “تحسين النص وتصحيح السيرة الشخصية”، مجلة نزوى، العدد الخامس عشر، يوليو 1998، ص. 19. والعنوان الأصلي للدراسة هو: “Pour une lecture de la rature”. وقد يكون من الشائق استنطاق التناظر الصوتي بين “القراءة” و “الكتابة” و “الشطب” من خلال التحقق الكتابي الفرنسي: .Lecture, Ecriture, Rature فضـلا عن الإغراء التأويلي الذي قد يفتحه تعبير: “L’écriture en tant que rature” ، وذلك من جهة تردّد الكتابة بين الحضور والغياب: أي تردّدها بين التقييد والتّثبيت المُجاوز للنسيان، ودُخولها في نسيان آخر مقترن بالشّطب والمحو. وهذا قد يعني أن الكتابة محكومة بمبدأ النّقص، فهي إذ تُقيّد، فإنها تشطب ما قيّدته بحثا عن نوافذ دلالية متعددة تطل على فضاءات متفرّقة.
    [9] – المرجع نفسه، الصفحة ذاتها.
    [10] – تُراجع، ضمن هذا السياق، مقالة لصدوق نور الدين، موسومة: “رواية الغربة لعبد الله العروي – استراتيجية الحذف والإضافة”، مجلة “أوان”، العدد 2– السنة الأولى، 2002، ص. 144.
    [11] – يُنسبُ تعبير “المقاطع النصّية الأرجوانية الخادعة” للروائي الإنجليزي “جورج أورويل”، ويتضمّنُ تقويماً سلبيّاً لبعض اللحظات والنصوص السردية المفتقِـدة لرونق الكتابة ونشوتها، والتي انخدع بها الكاتب نفسه في مراحل معيّنة من تجربته الإبداعيّة، إذ كان ينقُصها المبدأ المُحْيي للعمل القصصي والروائي. ينظر: برنارد كريك، جورج أورويل، سيرة حياة، ترجمة: ممدوح عدوان، نشر المجمع الثقافي، أبو ظبي– والمركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، الطبعة الأولى، 2003، ص. 10.
    [12] – فرديرك نيشته، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فليكس فارس، دار القلم، بيروت، د.ت.ط، ص. 64.
    [13] – نيتشه، العلم الجذل، مرجع سابق، ص. 9.
    [14] – أفدنا في بناء هذا التناظر من أحد شُرّاح نيتشه، ذكره مطاع صفدي دونما اسم، في مقالته: “الجسدي/ الذاتي”، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 50 – 51، مارس – أبريل، ص. 13.
    [15] – نيتشه، العلم الجذل، مرجع سابق، ص. 78.
    [16] – رشيد بنحدو، “حين تفكر الرواية في الروائي”، الفكر العربي المعاصر، يوليوز – غشت 1989، ص. 31.
    [17] – تجدر الإشارة إلى أنّ إيثارنا لهذه التّرجمة، إنّما يرجع إلى سبْقها، من حيث كونها أوّل مقابل عربي، في حدود علمنا، لـ :Mise en abyme . وجليٌّ، أن هذه التقنية تطرح تعقيدات وتخريجات إبستمولوجية وفلسفية وفنية عديدة، ولا يخفى أن ثمة ترجمات أخرى تحظى بكثير من القبول، مثل: (التّجويف/ د. حسن المنيعي)، (الانشطار/ د. أحمد اليبوري)، (التّقعير/ د. رشيد بنحدو)، (الارصاد المرآتي/ د. محمد برادة).
    هذا فضلا عن تعريبات أخرى أقلّ شيوعاً، من قبيل: (التّصغير، التأمّل، التّرجيع). وللتذكير، يُنظر بصدد الترجمة ذات السّبق(= الإرصاد): جان ريكاردو، قضايا الرواية الحدثية، ترجمها وعلّـق عليها: صياح الجهيم، مطبعة وزارة الثقافـة، دمشـق، 1977، ص. 261.
    [18] – محمد برادة، “اللجوء إلى حرية الكتابة”، سياقات ثقافية، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2003، ص. 291.
    [19] – جمال أردلان، “المنظورية والتمثل، مقاربة فلسفية لمفاهيم المكان والرؤية في فن الرّسم”، مجلة فكر ونقد، العدد: 13، نوفمبر 1998، ص. 87.
    [20] – المرجع نفسه، ص. 109.
    [21] – جيل دولوز، المعرفة والسلطة، مدخل لقراءة فوكو، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، 1987، ص. 64.
    [22] – انظر التحليل البارع الذي أنجزه ميشيل فوكو للوحة “الوصيفات Les Ménines” للـرسام “دييغـو بيلاسكيث Diego Vélasquez”، وفيـه يعالـج فـوكو إشكال التمثيـل داخل اللوحة مستثمرا صورتيْ النافذة والمرآة. ويمكن اعتبار هذا التحليل تأصيلا فلسفيا لتقنية الإرصاد التي غدت مفهوما أساسيّا في النقد الحديث: ميشـيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة مُطاع صفـدي وآخرين، مركـز الإنماء القومي، بيروت، 1989 – 1990، ص. 29.
    [23] – انظر اقتراباً من هذه التناظرات في: جيل دولوز، المعرفة والسلطة، مدخل لقراءة فوكو، الفصل الموسوم “الأبنية أو التشكيلات التاريخية – ما يُرى وما يُعبّر عنه”، مرجع سابق، ص. 55 – 76.
    [24] – عن: سعيد يقطين، “الميتاروائي في الخطاب الروائي الجديد في المغرب”، مجلة مواقف، العدد 70 – 71، شتاء/ ربيع 1993، ص. 191.
    وللتنويه، فإنّ المقابل الإنجليزي “للميتارواية” هو: “Metafiction”، وقد نحتته الباحثة “Patricia Waugh” في كتابها “الميتارواية: نظرية الرواية الواعية بذاتها وتطبيقها، لندن،1984” (بالإنجليزية). غير أنّ د. محسن جاسم الموسوي يفضل ترجمة “Metafiction” “برواية النص”، وإنْ أورد ضمن دراسته تعريبات أخرى وصفها بالمُحتملة، وهي: “ما وراء الرواية”، “الرواية المغايـرة”، “الرواية الواعية بذاتهـا”. والمقابل الأخيـر ورد في سيـاق ترجمته لعنـوان كتـاب “P. Waugh”، الذي نصُّه Metafiction: the theory and practice of self – conscions fiction.
    ينظر: د. محسن جاسم الموسوي، “رواية النص” خطاباً نقديا في الكتابة العربية المعاصرة (ضمن) الإبداع الروائي اليوم، أعمال ومناقشات لقاء الروائيين العرب والفرنسيين بمعهد العالم العربي بباريس (1988)، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، الطبعة الأولى 1994، ص. 241.
    [25] – فريال جبوري غزول، الليالي العربية، تحليل بنيوي (عن) عبد الوهاب المسيري، مجلة فصول، المجلد الثاني، العدد الثاني، يناير – فبراير – مارس 1982، ص. 285. ونُنوّه إلى أن كتاب جبوري غزول (وهو أطروحة دكتوراه)، لم يترجم بعد إلى العربية (ولا إلى الفرنسيّة). ونورد هُنا توثيقه الكامل لأجل الإفادة البيبليوغرافية: Ferial Jaboury Ghazoul, The Arabian Nights: A structural Analysis (Cairo, National commission for UNESCO, 1980
    [26] – فريال جبوري غزول، الليالي العربية، تحليل بنيوي (عن) عبد الوهاب مسيري، مجلة فصول، مرجع سابق، ص. 285.
    [27] – التكوكب أو “العلاقة التكوكبية”، مفهوم يُراد منه تشخيص التجاذب بين عدة عناصر، أو بيان علاقة التبعية، والمنحـى الدائري في الحركـة. وقدصكّه “كمال أبـوديب” كنظير لـ: “Satellite Relationship”. انظر ترجمته لكتاب إدوارد سعيد: الاستشراق، المعرفة – السلطة – الإنشاء، ترجمة كمال أبوديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1991، ص. 24.
    [28] – يرى بعض الدّارسين في ظاهرة “الميتارواية” تعبيراً موارباً عن أزمة الفن الروائي الحديث واستشراف موته. انظر: رشيد بنحدو، “حين تفكر الرواية في الروائي”، مجلة الفكر العربي المعاصر، مرجع سابق، ص. 4.
    وانظر، أيضاً، د. محسن جاسم الموسوي، “رواية النص خطاباً نقديا في الكتابة العربية المعاصرة”، (ضمن) الكتاب الجماعي: الإبداع الروائي اليوم، مرجع سابق، ص. 241.
    [29] – يُقيم عبد الكبير الخطيبي، في دراسة له حول “الليالي”، مُقاربة شيّـقة وأصيلة بين الزمن القرآني (موت، حياة، موت، حياة في الخلد) والزمن الألفليلي (موت، حياة في النص، حياة في الزمن). وبصدد الزمن الأول يستشهد الخطيبي بالآية الكريمة الواردة بسورة البقرة ]تكفـرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكـم ثم يميتكم ثم يُحييكم ثم إليه ترجعون[ الآية. 27. انظر: الدكتور عبد الكبير الخطيبي، “عن ألف ليلة والليلة الثالثة” (في) في الكتابة والتجربة، ترجمة الدكتور محمد برادة، دار العودة، بيروت، الطبعة الأولى،1980، ص. 116.
    [30] – هذا التوصيف العميق للزمان الإسلامي هو للمستشرق “ماسينون” وقد ورد ضمن الدراسة الهامّة المنشورة في الكتاب الصادر سنة 1962 تحت عنوان “الزمان في الفكر الإسلامي”. وينطلق “ماسينيون” في دراسته من كون المعرفة الإسلامية تتّسم برؤية مغايرة للزمان، إذ لا ترى فيه امتداداً متواصلا (سلسليّا)، بقدر ما هو تكوكب ومجرّة من اللحظات.
    كما أن الفضاء لا وجود له (بالمعنى الكامل)، وكل ما يوجد هو النقط التي تؤسّسه. فلا وجود في الزمان الإسلامي إلاّ للّحظة والآن والحين والبُرهة والشذرة الزمنية، وذلك في مقابل الزمان الأخروي، زمن الحساب والجنة الخالدة أو العقاب الخالد. وقد أعاد “جاك بيرك” استثمار هذه الفكرة الدقيقة في كتابه “إعادة قراءة القرآن Relire le coran”؛ وهو الكتاب الذي ترجمته جريدة “الاتحاد الإشتراكي” ضمن حلقات. وعنها أخذنا الفكرة المشار إليها. انظر: جاك بيرك، إعادة قراءة القرآن، ترجمة: مصطفى النحّال، الحلقة الثامنة، العدد 5971، 16 دجنبر 1999.
    [31] – أفدنا في المقارنة بين ميتولوجيا “المهابهارتا” و “ألف ليلة وليلة” من فريال جبوري غزول. انظر الحوار الذي أجرته معها “الاتحاد الاشتراكي”، العدد 7040، 19 نونبر 2002، ص. 9.
    وقد أنجز الحوار على هامش مشاركة فريال غزول في ندوة دوليّة حول “ألف ليلة وليلة”، نُظمت بكلية الآداب بالرباط، بمساهمة باحثين دوليّين مختصين.
    [32] – بيير شارتيـه، مدخل إلى نظرية الرواية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2001، ص. 43.
    [33] – جوزيف. إ. كيسنر، شعرية الفضاء الروائي، ترجمة لحسن احمامة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2003، ص. 78.
    [34] – تراجع الدراسة الخاصّة “بدون كيشوت” الموسومة: Hamette Benegeli (ضمن) عبد الفتاح كيليطو، لسان آدم، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1993، ص. ص. 91 – 97.
    وقد أورد كيليطو عنوان دراسته بالحرف اللاّتيني عُنوة، لما يكتنف اسم المؤلف الحقيقي المزعوم من لُبس مقصود ينعكس على الترجمة العربية من حيث تعدّد التسميات: سيدي حامد بن الانجيلي، سيدي حامد بن الأيلي، سيدي حامد بن النجيلي، السيد أحمد بن النغيلي.
    وقد يكون هذا التعدّد، في نظرنا، علامة على توتُّر الأنساب الرمزيّة للنّص (المتخيل الإسباني/ المتخيّل العربيّ)، فضلا عن الإيحاء بغُفليّة المؤلِّف وتداخل المحكيّات.
    [35] – تندرج القضايا الثلاث الأخيرة ضمن ما يُسمّى بمدرسة “تاريخ الأشكال الأدبيّة” التي ظهرت في العشرينات من القرن العشرين، وانبثقت من ثنايا اللاهوت الحُرّ واللاهوت الجدليّ. كما ورثت آثار التنوير في القرن الثامن عشر وبدايات النقد التاريخي للكتب المقدسة، والبحث المقارن بينها وبين الآداب القديمة خاصّة اليونانية والعبريّة. وكذا الانتقال من “نقد المصادر” إلى “نقد الأشكال”، حيث استطاعت التأثير في النقد الأدبي وتحويله من دراسة النص الثابت في المكان إلى دراسة النص المتحرك في الزمان.
    للتوسُّع، يُمكن الرجوع إلى: حسن حنفي، تاريخ الأشكال الأدبيّة، مجلة عيون المقالات، عدد1، 1986، ص. ص. 49 – 76.

نشر في 20/06/2005 8:50:00

‫0 تعليق