محمد العمري: القراءة والكتاب. نحو مجتمع المعرفة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بحوث ومقالات
عرض ألقي يوم 05/08/2005 بالمركب الثقافي محمد بلعربي العلوي بالمحمدية، ضمن أعمال مهرجان المحمدية الثاني للكتاب، المنظم تحت إشراف وزارة الثقافة بمشاركة غرفة التجارة والصناعة والمجلس البلدي للمدينة(*).

حين اقترح علي الزملاء في اللجنة المنظمة لهذا اللقاء الثقافي الاشتراك في أحد محاورها وجدت نفسي في محور القراءة دون عنوان محدد، وبمجرد ما بدأت التفكير في الموضوع اتجه اهتمامي بشكل طبيعي إلى موضوع القراءة، أي الكتاب، ووظيفتها أو الغاية منها، وهي تكوين مجتمع المعرفة. فبدون كتاب وقراءة لن تكون هناك تنمية، خاصة في بلد مثل المغرب؛ شحت أرضه وسماؤه: لابترول ولا مطر.
وتبعا للظرفية التي تطرح فيها هذه القضية: التحسيس والتحفيز، بمناسبة معرض الكتاب، فقد وجدتني بشكل عفوي طبيعي أيضا أخوض في العوائق: عوائق القراء، وعوائق تكوين مجتمع المعرفة. وهكذا التقيت دون تنسيق مسبق مع فحوى السؤال الذي طرحته اللجنة المنظمة، وهو: “هل نحن شعب قارئ”؟ فهذا السؤال لا يطلب جوابا مباشرا، بل هو تمهيد للسؤال التالي: لماذا نحن مجتمع غير قارئ؟
ذلك أنه لا أحد يجهل أن المجتمع المغربي، والمجتمع العربي عامة، مجتمع غير قارئ. ونحن لن نرصد الناس في المكتبات، أو خارجها؛ في المقاهي والمنتزهات ووسائل النقل لنرى هل يقرؤون أم لا، بل نرقب العملية من الوجه الآخر للعملة وهو حال الكتاب إنتاجا ورواجا. وفي هذا الإطار نلاحظ أن الأرقام التي تسجلها مبيعات الكتب الأدبية والفنية والثقافية العامة، ـ وهي الكتب المستهدفة حين الحديث عن القراءة المكثفة/الجمهورية: الكتب التي تعنينا في المقام الأول حين الحديث عن التنمية الإنسانية باعتبارها قاطرة تجر ما وراءها وترسم طريقه ـ أرقام هزيلة محبطة للمؤلف والناشر، ومزهد للموزع والعارض (الكتبي)، فهي تتراوح، في الغالب ـ حسب ما تصفحته من مبيعات إحدى أكبر دور النشر في المغرب ـ بين 200 و500 نسخة في السنة مع استثناءات قليلة.
وقد عاينت صاحب الدار المعنية وهو يحدد عدد النسخ التي ينبغي سحبها من حوالي اثنين وثلاثين كتابا فكان العدد يتراوح بين 1000 و 1500 نسخة، عدا ثلاثة كتب تمس قضايا سياسية واجتماعية آنية حدد لها 2000 نسخة. والمعروف أن هذه الطبعات تبقى في السوق سنوات طوالا. ويندر أن يعاد طبع الكتاب.
وقد عشت شخصيا تجربة النشر والتوزيع من خلال الإشراف على مجلتي دراسات أدبية ولسانية ودراسات سميائية ومنشوراتها، وتأكدت أنه يصعب إقامة مؤسسة بمستلزماتها التجارية والأخلاقية اعتمادا على الكتاب العلمي والثقافي في بيئتنا الحالية. فرغم التضحية بحقوق المؤلفين، في أغلب الأحوال، والإجحاف الذي يتعرضون له، في كل الأحوال، ورغم كل صور التحايل المعروفة في هذا الميدان فإن دور النشر الكبيرة تعتمد في استمرارها وبقائها على الكتاب المدرسي في المقام الأول، والكتاب الموازي والمحاضراتي في المقام الثاني، وعلى الخدمات المطبعية الجانبية كالحاجيات الإشهارية، وأحيانا على الكتاب المثير الفضائحي بالمعنى الإيجابي والسلبي للفضيحة. ويعتمد الكثير من الناشرين على الكتاب الديني استيرادا ونسخا ومسخا، وهو كتاب مدعوم من عدة جهات، ونسبته في السوق كبيرة؛ فهو يمثل 17% مما يصدر من كتب في العالم العربي. وهذه نسبة عالية جدا قياسا إلى المعدل العالمي الذي لا يتجاوز 5%.
ونشير بالمناسبة إلى أنه في الوقت الذي يعاني فيه الكتاب المغربي من الانحصار داخل الحدود المغربية، فلا يكاد يطل على العالم العربي إلا من خلال النسخ القليلة التي تصل إلى هذا المعرض أو ذاك، فإن المنشورات الشرقية القادمة من السعودية والكويت ولبان ومصر وغيرها تغمر السوق المغربية موسعة مجال توزيعها الشيء الذي ينعكس على أثمنها ويعطيها الأسبقية عند القارئ رغم ضحالة محتواها في الكثير من الأحيان.
هذه ملامح أولي عن وضع القراءة والكتاب في المغرب، فما هي الأسباب الكامنة وراء ضعف القراءة أو العزوف عنها، وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟
إن المغرب بقدر ما ينزع إلى اللحاق بالركب الحديث يظل مشدودا بجمهوره الأمي وتقاليد الرثة العتيقة إلى المجال العربي، كما ينتمي إلى هذا العالم ما قبل الكتابي بكل عاهاته ومعوقاته، ولذلك فمن المفيد مرحليا، على الأقل، قراءة واقعه في إطار الواقع العربي مع رصد أي خصوصية إيجابية أو سلبية تخصه وتميزه.
وفي هذا الإطار سيكون من المفيد الاستعانة بالتقرير الأممي، خاصة التقرير الثاني لسنة 2003 المخصص لدور المعرفة في التنمية، الصادر تحت عنوان فرعي: “نحو إقامة مجتمع المعرفة”.
فهو تقرير يقدم أرقاما صادمة مذهلة سواء فيما يتعلق بضآلة الاعتمادات المخصصة للبحث العلمي (2% من إجمالي الدخل، أغلبها مخصص للرواتب)، أو عدد ما يترجم إلى اللغة العربية من كتب باعتبار الترجمة مؤشرا للانفتاح على العالم (4.4 كتاب لكل مليون نسمة، مقابل 519 في المجر، و 920 في إسبانيا. ص24)، أو نسبة ما يصدر فيه من كتب قياسا إلى نسبة سكانه عالميا كما سيأتي. أو ما يتعلق بنسبة الأمية.
يميز القرير بين مستويين من الإعاقة في المجال المعرفي:
1 ـ المستوى الأول المؤسساتي؛ يتعلق بطبيعة الأنظمة العربية القائمة على الاستبداد، وما يترتب عنه من عدم الاستقرار، فهي تضطر لتخصيص “القسم الأكبر من الاستثمارات في قطاعات أمن النظام. وغالبا ما تكون الضحية الرئيسية تقليص الإنفاق الحكومي في الميادين الأخرى… التي لا تعطي فائدة ومردودا سريعين، ومن الطبيعي أن تكوم قطاعات الثقافة والمعرفة والبحث العلمي هي القطاعات التي تتعرض، قبل غيرها، إلى الإهمال” (2003/159).
ويتعدى الأمر الجانب المادي إلى حرمان الميادين العلمية والثقافية من الكفاءات والمواهب البشرية التي تتجه إلى المؤسسات العسكرية والأمنية والإداري البيروقراطية حيث الحوافز أكثر، والتشغيل مضمون (2003/160). كما يتعدى إلى التحكم في توجيه المؤسسات العلمية من خلال التعيين السياسي في منصبها الأدارية/العلمية ( وهذه كانت كارثة مغربية أتقنها سيء الذكر إدريس البصري).
كما يتم من خلال محاربة العلوم الإنسانية الاجتماعية والفلسفية، والكل يعلم مصير المؤسسات الجامعية والشعب التي كانت تهتم بالبحث السوسيولوجي والفلسفي لصالح توجه ديني تنقصه شروط العمل العلمي الأكاديمي، ويغلب عليه التحريض ومعاداة العقل والحداثة، إلى أن انقلب السحر على الساحر…الخ
وإذا أفلتت مؤسسة مدنية من هذا الحصار، مثل اتحاد الكتاب، فإنها تواجه الإهمال الحصار والسعي للتخريب من الداخل.
2 ـ مستوى المحيط الاجتماعي الحاضن أو المتلقي: إن ما يفلت من الرقابة والتضييق الآنفي الذكر اعتمادا على مبادرات فردية من نتاج أدبي وفني يواجه صعوبات جديدة ليست بعيدة عن السياسة الاستبدادية نفسها؛ يواجه الفقرين: المادي والعنوي. وهنا لا بد أن نقتطف فقرة من التقرير المذكور، تخص المجال الأدبي بالمفهوم العام للأدب، وهو المجال الذي ينصرف إليه الذهن حين الحديث عن لقراءة الجمهورية المكثفة، يقول:
“ولكن الإٌنتاج الأدبي، بخاصة، يعاني من تحديات رئيسية أهمها قلة عدد القراء، بسبب ارتفاع معدلات الأمية في بعض البلدان العربية وضعف القوى الشرائية للقارئ العربي. وينعكس هذا جليا في أعداد الكتب المنتجة في العالم العربي حيث لم يتجاوز هذا العدد 1.1% من الإنتاج العالمي، رغم أن العرب يشكلون نحو 5% من سكان العالم. كما أن إنتاج الكتب الأدبية والفنية أضعف من المستوى العام، فعدد الكتب الأدبية والفنية الصادرة في البلدان العربية لم يتجاوز 1945 كتابا في عام 1996، ما يمثل 0.8% فقط من الإنتاج العالمي، وهو أقل مما أنتجته دولة مثل تركيا التي لا يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية”(2003/26).
جعل التقرير الأممي الأمية والفقر سببين رئيسيين لعدم رواج الكتاب، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها بالنسبة للمغرب على وجه التحديد؛ إذ يحيِّد هذان العائقان، منذ البداية، نسبة عالية من القراء المحتملين. ولكنهما لا يفسران، مع ذلك، الظاهرة سواء في مستوى كل قطر على حدة (فهناك أقطار ذات دخل مرتفع وقراءة ضعيفة، وهناك أقطار تغلبت على الأمية نسبيا منذ عقود دون أن يكون لذلك أثر ملموس في مجال القراءة والمعرفة)، أو كان في مستوى القراءة بالنسبة للفئة التي لا تعاني الأمية والفقر، أي من حيث النسبة.
ولذلك فبقدر ما نحن مطالبون بتأهيل غير المؤهلين للقراءة بمحاربة آفة الفقر والأمية مطالبون بالقيام بجهد تربوي وإعلامي للتعويد على القراءة، فالمسألة قبل الأمية، والفقر وبعدهما مسألة تربوية وثقافية إعلامية.

1 – في المجال التربوي
لابد من إعادة النظر في طرق التدريس والتلقين القائمة على الملخصات والحفظ وصولا إلى “النقل” الذي أصبح آفة تهدد العملية التعليمية من الابتدائي إلى نهاية التعليم الجامعي، وإعادة النظر في طرق التدريس تستدعي مباشرة إعادة النظر في طرق التقويم (الامتحانات).
وهنا يجب أن يلعب الكتاب الموازي والقراءة الحرة دورا رئيسيا يجعل التلميذ/والطالب يعتمد على نفسه إلى حد كبير ويعمل بفكر نقدي.
وحين أتحدث عن الكتاب الموازي لا أقصد الكتب المصنوعة من طرف تجار المقررات، بل أفكر أساسا في إعداد الأعمال العلمية والأدبية الأصلية إعدادا بيداغوجيا يلائمها مع المستويات الدراسية والكفاءات القرائية للتلميذ؛ أي التدرج مرحلة بعد مرحلة نحو العمل الأصلي كما هو معروف في اللغات الحية.

2 – في المستوى الثقافي والإعلامي
من معوقات القراءة وتداول الكتاب غياب الإعلام والمتابعة النقدية.
ففي المستوى الإعلامي يلاحظ غياب المتابعة لما يصدر من كتب في إعلامنا السمعي والبصري، ويمكن للمشاهدين في المغرب الذين يلتقطون القنوات الفرنسية والفرانكوفونية عامة، أن يقارنوا بين عشرات الكتب التي تقدم في هذه القنوات في برامج علمية نقدية وأخرى ترفيهية إعلامية، وبين الغياب شبه التام للكتاب في إعلامنا السمعي البصري. وحتى الفترات القصيرة المتقطعة التي يظهر فيها برنامج تقدم فيه بعض الكتب يكون ذلك ناتج اختيار عشوائي أو زابونية بعيدة عن هموم الثقافة وأخلاقها. ويصل البؤس مداه حين يتصدى لتقديم الكتب ومحاورة أصحابها أناس بدون علم ولا ثقافة.
أما في المجال النقدي الذي عادة ما تكون الصحف والمجلات مجالا له فقد عم قانون “التساكت”، كما عبرت عن ذلك في مناسبة سابقة.. فالمثقفون يتمسكون بحكمة “اسكت عي أسكت عنك”. وخارج هذه القاعدة يأتي الاستثناء بتقريظ أعمال أصحاب الحيثيات والمقامات “المفيدة”: رئيس مؤسسة ثقافية مثلا، أو مستشار في مقام عال، أو وزير…الخ، وفي مقابل ذلك تأتي العدوانية المجانية.
ومن المؤشرات السيئة في هذا المجال أن حصول كتاب على جائزة المغرب، وأعتقد في حدود علاقة محدودة بها، أنها جائرة تقدير أكثر منها جائزة مادية، لا يحرك ساكنا لا في المجال الإعلامي ولا في المجال النقدي ـ غير النميمة ـ ولا في المجال الإشعاعي. تمر الجائزة كنوع من “االطهارة المسروقة”، كما هي عادة بعض البيئات المغربية (حيث لا تدري الأم متى ختن ابنها).
لعل هذه الصورة السوداء تحرك الجهات المسؤولة عن الإعلام والثقافة في اتجاه برنامج “للقلم الذهبي” إسوة بالقدم الذهبي، أو مباراة لإنشاد الشعر إسوة بمباراة تجويد القرآن، ففي الكل خير للإنسان.

البديل الإلكتروني والكتاب الرقمي
تسري في أحشاء العالم الحديث ثورة معرفية ذهنية شبيهة بتلك التي اجتاحت العالم وهو ينتقل من الشفوية إلى الكتابة، أو هي، على الأقل، شبيهة بتلك التي سرت في أحشائه منذ منتصف القرن الخامس عشر عندما اخترع كوتنبيرك المطبعة (سنة 1456م)، فكان ذلك وسيلة لتعميم المعرفة على نطاق واسع ساهم في التهييء للنهضة الأوروبية وتسريعها، كما يؤكد الباحثون في هذا المجال. ومن المعروف، كما يؤكد هؤلاء المختصون، أن تغيير الوسائل يؤدي حتما إلى تغيير العقلية في البيئة الذي يمارس فيها التغيير، غير أن كون هذه الثورات هادئة لا تراق فيها دماء ولا تحتل فيها أراض، فإن شعوبا كثيرا تظل على الهامش وفي منأى عنها، مكتفية، بل معتزة ببؤسها المعرفي، وأخشى أن يتطلب دخولنا للمجال الإلكتروني في البحث العلمي عدد القرون التي تطلبها دخول المطبعة للعالم العربي، ثم المغرب.
تقدم وصائل الاتصال الحديثة إمكانية جديدة لنشر المعرفة وتوسيع مجال القراءة. ولقد صار من نجاعة المعالجة الإلكترونية للمعرفة تخزينا وتداولا ما جعل المهتمين يتساءلون، منذ بداية الألفية الثالثة، عن مصير الكتاب الورقي؛ هل ستبقى له وظيفة بعد الوصول إلى نهاية العلية الحثيثة التي سارت فيها المؤسسات العلمية منذ عقد من الزمان بتحويل الكتب إلى معطيات رقمية جاهزة للقراءة والتحميل مجانا أو بمقابل.
ويتوقع أن يتم في سنوات قليلة قادمة إدخال جميع المكتبات العالمية إلى المجال الإلكتروني، يتوقع أن يصل ذلك مداه في الربع الأول من هذا القرن.
غير أن الواقع المغربي والعربي عامة لا يبشر بخير في هذا المجال، فقد أشار التقرير المذكور إلى أن التجهيز مازال دون المعدل العالمي بكثير (18 حاسوبا لكل ألف مواطن في العالم العربي، مقابل معدل عالمي يصل إلى 78.3 حاسوب، ولا يتجاوز عدد مستعملي الأنترنيت 1.6 من كل ألف)، ووتيرة التغيير ضعيفة جدا.
إن المجال الإلكتروني هو فرصة البلاد المتخلفة لدخول عالم المعرفة إنتاجا وتداولا. وباستطاعة بلد مثل المغرب أن يراهن على الاستثمار في هذا المجال خاصة في المجال التعليمي شريطة مواكبة التجهيز بإعداد المواد المعرفية الموازية للكتاب المدرسي من موسوعات ومعاجم وطبعات ميسرة للكتب الأدبية والعلمية المناسبة للمستويات التدريسية. وهذا لن يتم عن طريق اللجن التي تكون في الظلام وعبر العلاقات والزبونية، بل عن طريق التعاقد مع العلماء المنتجين والخبراء المختصين في مستوى الإنتاج والمراقبة.
د. محمد العمري (المغرب)

http://medelomari.free.fr/

(*) لم أتعرض لدور الجمعيات الثقافية في إشاعة القراءة والتعريف بالكتاب، وهو دور أساسي، وذلك لأمر تنظيمي محض، وهو أن أحد العارضين بجانبي عنون مداخلته بالعنوان التالي: دور المجتمع المدني في نشر المعرفة.

نشر في 22/08/2005 9:00:00

‫0 تعليق