ربيعة ريحـان: لهو غير مُبهـج

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أضع كفي على فمي وأنا أضحك بشدة، أنظر إليها، علها من ملامحي تتوصل إلى أن تدرك معنى حرجي، بعد أن سقط بيننا ظل الدهشة.
تظل كفي تواري فمي، وأنا أضحك، دون قدر من مرح ولا انطلاق.. ياه !!.. أواصل الضحك وأنا أشيح بوجهي عنها وعن نظرتها الفاحصة المتيقظة.
ـ مالك يا مجنونة. لماذا احمر وجهك هكذا؟ !!
تسألني متأملة.
أشعر بوجهي يتأجج ساخنا، وبعيني، على خلفية تلك الحرارة، حمراوتين لامعتين.

ـ قولي مااسم ال..؟.
وتشع عيناها، ببريق تلك الحركة، المومئة الصامتة.
ينفجر ضحكي وأنا أتذكر حس جارتنا المتفكهة وخجلي من أمي؛ كانت جارتنا لا تترد، وهي تربط أمامنا بين اغتسال أمي في الصبح وصلاتها، في التلميح الى ذلك الشيء الذي قد يكون حدث فعلا بينها وأبي في الليل !!..
أتماسك قليلا، وأسألها بلبس وتردد:
ـ وماذا تريدين من هذه الأسماء؟
تستعجلي دون قلق وهي تغمز لي باحتيال:
ـ ماذا تطلقون عليه، قولي..
أحاول أن أتذكر شيئا يدنيني منها، فلا أجد في ذهني المنفلت غير اسمها مجردا ككاتبة كبيرة. لماذا هي مستهترة، و من أين واتتها هذه الجرأة، كي تعبث بي وبحيائي؟؟…
الجالسون حولنا يتلصصون، أفكر أن أستعين بوقاري وابتسامتي كي أعصف برغبتها في جري إلى عبثها، لن أمنحها فرصة السخرية بي.
ـ سأقول لك فيما بعد..
تتعمد أن تنظر نحوي نظرة عاتبة وكأنني قد خنتها في اتفاق ضمني كان سرى بيننا. لا تفلتني، ولاأستطيع أن أوقفها، أنشغل قليلا بتقدير عمرها. ربما من هذا الباب، وهي بعمري، أقول لنفسي، أبعد عن جدوائية التسلي بي واختباري. أبدي بعض الانقباض، و أنا أراوغها ثانية..
ـ لماذا ترغبين في معرفة هذه الأسماء؟.
ـ وأنت مالك !!..
ترد متحمسة، وغير عابئة باضطرابي.. أفكر مبهورة بجاذبية مفاجئة، من اصطلاحاتنا السرية. أستعيدها اسما اسما. فعلا من أين أتينا بهذه الصياغات الغريبة؟؟…
أتخيل لو مضيت بعيدا، متشبتة بشجاعتي، وأخبرتها، فإنها ستتهاوى ضاحكة.. ياه!!
أية تلفيقات لمثل هذه الأعضاء.. هل هذه عربية؟.
ساعتها سيتوجب علي مداراة وضعين صعبين مخجلين. نظل نتحاور. لاأفكر بما يكفي في ردودي. أمام فضولها. أنطقها رأسا، وكأنها ستقلني إلى مكان آمن، بعيد عن فضائحيتها.
يصخب داخلي. لماذا كلما أثير الكلام في تلك التفاصيل أشعر بشيء يدعوني إلى الضيق والوجل؟؟.. أذكر، كانت جارتنا المتحفزة دوما، بعد اجتيا زها العاصف عتبة الدار، تمسك بتلابيبنا لتعرينا، مطلقة طاقتهتا المتسارعة في العبث، وقتها لم يكن يلائمني أبدا ما تفعل.
يصرخ إخوتي تحت تهليلها ويجهشون، وهم يعيدون بأكفهم الصغيرة، تسوية أوضاع سراويلهم وقمصانهم، بعد أن تكون يدها الساخرة قد فكتها.
أقول لأمي متأففة:
ــ لماذا تفعل “نانا” ذلك؟.
ترد بفرح:
ـ إنها ليست سفيهة. إنما هو أسلوبها في المزاح.
ثم تحكي كيف أنها رقصت مرة بردفيها الرخوين، عارية تماما في الحمام، على قرع الطاسات والصرخات التي طاردتها بها المستحمات.
أضحك، بينما سلوى تعيد السؤال.
أفكر كيف أبدو لها بترددي. لم يخطر ببالي يوما بعد أن كبرت أن تضيق حدود جسارتي أمام امرأة مستفهمة.
ــ ياماما قولي.. ماذا تسمونه بلهجتكم؟.
تمسك بذراعي، وتهزني قليلا وهي متأهبة. لم تخمن بعد معنى أن أنزعج، أو تحرن على شفتي، حروف تلك التسميات الظريفة، للأعضاء المباركة !!
هاتفي يرن، أنشغل عمدا بالحوار، ولوك التحايا وتسقط الأخبار، أختي كانت على الطرف الآخر، لا أدري إن كان وصلها، ذلك التشوش الذي يغشى صوتي.
أذكر أنه لم يحدث أبدا، أن تلفظت جهارا، أمام أحد بتلك التسميات. ولأنني أخاف أن تظنني سلوى أمزح إذا ما صارحتها بذلك، فقد صرتُ أشاغلها، وأنا أنزع للابتعاد عنها، بحجة ما، أتدبرها في الرأس.
كثيرات هن فظات، يسررن لبعضهن، برغبة حقيقية في الافصاح، أعرف ألا حرج لدى الآخرين، وهم يلونون لذات القعدات بالحميميات، غارقين أحيانا في نشوة الإفصاح وعسل المكاشفة. أما أنا فكنت دوما أقع على هامش الاحتياط والتحفظ، لأن إحساسا بعدم الرضى كان يسكنني.
وأدري أن بيوتا كثيرة محافظة كبيتنا لم تخفق في الاحتفاء وبعث الحماسة في الأركان من تأثير ذلك الصخب السعي حين يثار دفعا للغم والضجر.
لكن ما الذي اجتذب سلوى نحوي وسلطها علي، دون الأخريات، كي توقعني في نزواتها وتجعلني منقادة أبحث عن مهرب مجامل؟ ألأنني مغربية..؟.
… لهذا وأنا هناك، ولأعترف وأقول: في بلد سلوى بالتحديد، كان كلُّ مجدف لايكف عن الهرطقة، باهتمام صياد معاكس وتركيزه في المتاجر أو الشارع أو بهو النزل، يضطرّني إلى إخفاء هويتي، من جنون تلك الصورة المائعة، لبنات بلدي التي رسمنها هناك بأوضاع مشينة.
أذكر صوت المغنية في العشاء الساهر، في فضاء النزل العاري، وهي ترحب بي وبهويتي، بعد أن فعلتها بالتدريج، بكل الضيوف، كيف أنها أومضت للسكارى العابرين، القابعين إلى جنبنا في الزوايا، بخيالات مهيجة، فرفعوا من بعيد كؤوسهم، وايماءاتهم الماجنة ، تحية لي.
ــ أهلا بالمغرب.
من أعلمها بذلك؟. كان هناك من المنظمين من يسر إليها، على التوالي بالجنسيات. سلوى تراني كذلك.. صاحبة نزوع نزوي مثلا؟
أسمع كلامها ولا أرد، أسمع ضحكتها المازحة، وأرى اندفاع سبابتها الملحة، وهي تشير إلى محيط دائرة من جسدي، يطفح بالحساسية والتوقير.
كنت قد مضيت قليلا في تحليق رصين، فكرت أن الرجال وحدهم من يبحث بحرية ورغبة، عن كل تلك المصطلحات المتاحة، بلغات أخرى أو لهجات، متحلين بحمية متهورة. لهذا فهم، في مجالس العبث، يلوحون بلا سبب بتلك المعرفة المحرمة الفظة. أما النساء…؟.
أقوم وسلوى لاتزال الى جانبي، لم أخذلها برد حاسم أو أدعي أن رغبتها سخيفة. أنصرف فقط بعد أن أكتفي بكلمات ملعثمة وابتسامة هيابة.
تطلق سلوى قهقهة عالية، وتقوم خلفي منصاعة.
ــ يا مجنونة. أنت خجلانة.. ماذا في ذلك؟ قولي.. ماذا تطلقون على تلك الأعضاء؟
أرفع يدي اكتفاء وأتركها، وأنا لازلت أضحك.
في الممر، قرب الباب الزجاجي العريض للنزل، وجدت شخصا يجوب بعينيه بحثا عنها، كان في انتظارها .
من غمازة خديه، تصورت أنه ليس غريبا عني. سمعتها تهلل وتغرق في تحايا فائضة.
لست أدري أي ظلال كانت على وجهي، حين قابلت الزميلات.
سألتني إحداهن مستعلمة:
ــ أين سلوى؟.. كانت معك..
قد يكون تأجج قلق ما في عيني، لذا سمعت إحداهن تعلق بشكل طائش.
ــ اوعى تكون أزعجتك..
بينما تابعت أخرى، بصوت لم أتعرف عليه، لكنه كان يضج كثيرا بالعذوبة والصفاء..
ــ من؟.. سلوى.. أبدا.. إنها فقط محبة للهو المبهج..

مارس 2004

نشر في 7/08/2005 6:00:00

‫0 تعليق